عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

في سبيل السَّلام في جبال النُّوبة

  

لا مريَّة في أنَّ لكل مآلات بدايات، إذ تعود بداية محاولات السَّلام في جبال النُّوبة إلى تأريخ اعتلاء أهل "الإنقاذ" على المسرح السياسي في السُّودان، والذي كان أول ما فعلوه - حين ظهورهم وبروز ملامحهم الانقلابيَّة - أن جمعوا أشتاتاً من أبناء النُّوبة من ضعاف النفوس، والمؤلفة قلوبهم، وممن فيه مصدر من مصادر التقاعس الذهني الذي يحرم صاحبه من ميزة المقدرة على تجريد الأمور منطقيَّاً، وجيء بهم إلى دور إذاعة أم درمان أولاً ثم إذاعة "نداء الجهاد" في كادقلي ثانياً، وشرعوا يبثون عبر الأثير أقوالاً منتقاة من أجل التأثير على إخوانهم وأبنائهم وبناتهم المنضوين تحت لواء الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، علَّهم يخلعون لبوس الحركة وينضمُّون إلى نظام "الإنقاذ".  وتحت شعارات "الإنقاذ" المنادية بالتأصيل كان يرى قادة السُّودان الجدد أنَّ أيَّة محاولات للسَّلام التي يمثل فيها الأطراف الإقليميُّون دور الوسيط عبارة عن فضول من الأجانب في الشؤون الداخليَّة السُّودانيَّة، ولذلك اعتبروا هذا النمط من السَّلام قادم من الخارج، مع العلم أنَّه في نهاية الأمر جاء اتفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م بعد وساطة إقليميَّة وضغوط دوليَّة كما سنبين في فصل آخر من هذا البحث.  لكن، وفي الحق، فإنَّ مفهوم "السَّلام من الداخل" ومصطلحات أخرى مثل "الخوارج" و"الطابور الخامس" هي عبارات مطاطة حملت في أطيائها بواعث الفرقة والشتات، والتهم الجائرة، وتصنيف الشعب حسب أهواء الحكام كيفما حلى لهم ذلك، حتى يتم إشباع رغباتهم العنصريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.

 

إذن، ما الذي يجعل مشروع "السَّلام من الدَّاخل" هراء؟  إنَّ الجدير بالذكر أنَّ مبادرات الحكومة الإعلاميَّة لم تكن نابعة عن إيمان عميق بالسَّلام نفسه.  ففي بعض الأحايين كان أعضاء الوفود يُرغمون على الانخراط في هذه المهزلة عسراً، وذلك بالابتزاز في وظيفته أو أسرته، أو الإغواء والارتشاء بالمال.  وفي هذا الصدد يورد السيد لينو رول - الأمين العام للمجلس الأعلى للسلام - "أنَّ هنالك طرق عديدة لتحقيق السَّلام مع المتمردين (الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان)؛ فيمكن لكل قبيل توجيه نداء لأبنائه لسحبهم من التمرُّد حتى يتجرَّد التمرُّد من المصداقيَّة".(48)  ولسنا ندري أين كان داعية السلام الجديد هذا عندما حاولت حكومة "الإنقاذ"، دون جدوى، هذه اللَّعبة منذ الوهلة الأولى؛ وجاءت برجال من قبائل النُّوبة والجنوب المختلفة إلى إذاعة أم درمان الحكومية، وشرعوا في توجيه نداء، معد من قبل الحكومة، لأبنائهم في الحركة بلغاتهم المحليَّة – كم أسلفنا ذكراً – عساهم ولعلَّهم يضعون السِّلاح ويذعنون إلى أكاذيب النِّظام.  مهما يكن من شأنهم، فقد كسدت هذه التجارة وحصدوا يباباً.  وفي هذه الأثناء حشد النظام كذلك ثلة من أبناء النُّوبة - وبخاصة المسلمين منهم وممن توسم منهم خيراً - في اجتماعات دوريَّة انتهت إلى تكوين "هيئة جبال النُّوبة الإسلاميَّة للتنمية والإرشاد" (ملحق رقم (16))، وأمست هذه الهيئة بوقاً إعلاميَّاً للجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة المنحلة رسميَّاً والحاكمة فعليَّاً.

 

فأين نبعت فكرة "السّلام من الداخل" في السُّودان عامة وجبال النُّوبة خاصة؟  جاء النظام "الإنقاذي" بمعزوفة "السَّلام من الدَّاخل" بعد أن فشلت حملاته العسكريَّة في القضاء على الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في جبال النُّوبة.  ولكن عن تداعيات وجذور هذا الشعار والسعي لتحقيقه في جنوب كردفان استعنا بتأليف العميد ركن (م) محمد الطيب فضل، أي كتاب "كادقلي ومسيرة السَّلام (1991-1992م)".(49)  ولكن في الكتاب ثمة متناقضات كثيرة بين الدعوة إلى السَّلام وإعلان الجهاد، ولذلك أخذنا مما في الكتاب ما ينفع الناس وقذفنا بالباطل بعيداً بعد أن فنَّدنا أوجه الباطل فيه.  فبينما ركَّزت الدعوة إلى السَّلام على إقليم جنوب كردفان فقط، ادعى المحافظ أنَّ الجهاد كان استنهاضاً للإثارة الشعبيَّة والتصعيد العسكري.  ففي مؤتمر صحافي في الخرطوم يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) 1992م قال العقيد المحافظ محمد الطيب فضل: "إنَّنا أعلنا الجهاد لأنَّ الحركة الشعبيَّة تواجه ضعفاً وانقساماً، وانتهزنا هذه الفرصة لكي نوجِّه لها ضربة قاضية."  وكذلك كان من أهداف شعار "السَّلام من الداخل" محاولة الدولة تجزئة الحركة الشعبيَّة بإبعاد النُّوبة عن الحركة بهذا السلام الجزئي المنشود في الإقليم الذي كانت الحكومة تسعى إليه مهما يكن من الأمر.  وفي الحين نفسه اتبعت الحركة الشعبيَّة في جنوب كردفان إستراتيجيَّة بعينها كان الهدف منها إطلاق سراح أهل النُّوبة المعتقلين في تهم الانتماء إلى الحركة الشعبيَّة "الطابور الخامس"، ووضع حد للتصفيات الجسديَّة التي كانت تتم وسطهم، والسماح لمواد الإغاثة الدوليَّة بالوصول إلى مناطق الحركة الشعبيَّة بجبال النُّوبة.  هذا هو التباعد في الرؤى الذي اتصفت بها لقاءات ممثلي الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة في جنوب كردفان.  ومن خلال سير المحادثات، كما سنرى تباعدت هذه الرؤى أكثر فأكثر، وفي نهاية الأمر فشل المشروع بأكمله.

 

أيَّاً كان من أمر رؤى الطرفين، فقد بدأت محافظة كادقلي تحت قيادة المقدم – حينئذٍ – محمد الطيب فضل بتحديد مشكل إنسان جنوب كردفان - والذي ادَّعى أنَّه يختلف تماماً عن إنسان جنوب السُّودان - في البحث عن التنمية الشاملة، والمساواة والعدل وحرية الأديان، والحقوق الضائعة من خدمات التعليم والصحة، والمشاركة في السلطة السياسيَّة والتوزيع العادل للثروة القوميَّة، والاحتياجات الأساسيَّة كالمأكل والمشرب والمسكن والملبس والعمل وغيرها.  هذا، فقد أقرَّ المقدم فضل أنَّه "توالت أحداث كثيرة ومحافل كبيرة حاول أبناء جنوب كردفان أن يعرضوا فيها قضيَّة منطقتهم، ولكن لم يجدوا من يستمع إليهم بإمعان وذهبت كل مجهوداتهم أدراج الرِّياح؛ أو نقول بتعبير أدق، لم تجد قضيَّة جنوب كردفان المعالجة الشافية شأنها شأن كل قضايا التخلف في السُّودان."  ومع ذلك، نحن لا نرى اختلافاً واحداً بين المشكلات إياها التي تواجه إنسان جبال النُّوبة وتلك التي يعاني منها الإنسان في جنوب السُّودان، بل في الغرب ومناطق السُّودان المهمَّشة الأخرى.  وقد فشل سيادة المقدم في تحديد – بصورة أوضح - أوجه الاختلاف الذي أشار إليه إشارة عابرة.  وكذلك اعترفت حكومة كادقلي بأنَّ استخدام عبارة "الطابور الخامس" في القاموس السياسي في السُّودان حال دون بلوغ السَّلام، ولكن الاعتراف شيء، والتطبيق شيء آخر.  فلم يُوقف هذا الاعتراف أساليب الاستخبارات العسكريَّة وأجهزة الأمن الأخرى في الاعتداء على المواطنين المشتبه فيهم بدعم الحركة الشعبيَّة، ولم تطلق الحكومة سراح المعتقلين السياسيين من أبناء النُّوبة كبوادر لحسن النوايا، ولم يتوقف التعذيب والتصفيات الجسديَّة في حق أولئك وهؤلاء أبداً.  ولكن أصدق عبارة سطَّرها في سفره العميد ركن (م) محمد الطيب فضل تتجلى في قوله: "جئت للحكم كمحافظ لمحافظة كادقلي في معيَّة الطبقة المسلمة من أبناء بلدي؛ وكنت اعتقد أنَّ الذين انتسبوا للإسلام من أبناء وطني هم أقرب للحق والعدل، وهم أكثر الناس مخافة من الله ويوم الحساب، ولكن التجربة العمليَّة أبانت غير ذلك بالنسبة للبعض."  واستطرد سيادة العميد أنَّه "لا يجزم مطلقاً بأنَّ الذين قصدوا جنوب كردفان في ذلك الزمن كانوا على قدر من المعرفة والفهم للقضيَّة، ولا نقر أبداً بأنَّ كل الذين حكموا جنوب كردفان كانوا على قدر من الوطنيَّة والعدالة والأمانة والإخلاص؛ ولذلك ظلَّ الإحساس بوجود استعمار من نوع آخر ملازماً لأهلنا في ذلك البلد الطيب."

 

أما حصول السلطات الحكوميَّة على دستور تنظيم "رابطة جبال النُّوبة" ففي الأمر ألف حكاية.  فقد زعم العميد فضل أنَّه في أمسيَّة 29 كانون الأول (ديسمبر) 1991م اتصلت به "مجموعة مخلصة" من أبناء كادقلي عن طريق وحدة استخبارات اللواء الثاني مشاة بقيادة ملازم أول أحمد حامد، وأفادت هذه المجموعة المخلصة – أو زعمت – بأنَّها تمثِّل قيادة التنظيم الداخلي للمتمرِّدين، وأنَّها قرَّرت أن توقف نشاطها وتحل خلاياها، وأكَّدت أنَّها مسيطرة على الذين يحملون السِّلاح من أبناء المنطقة، ويمكن أن تقرِّر عودتهم.  كما ذكرت هذه المجموعة المخلصة أنَّ النظام السياسي الحالي والنظام الفيديرالي يجيبان على كثير من تساؤلاتها، لذلك تنوي العودة للوطن والمشاركة في مسيرة العمل الوطني والبناء والتعمير.  ولتوفير الثقة والضمانات، إنَّها تود إعلان هذا الأمر في مؤتمر جامع، وتُبث ذلك للرأي العام، وكذلك ذكرت أنَّ قيادتها سوف تجتمع في كادقلي في أمسيَّة الجمعة 3 كانون الثاني (يناير) 1992م.  ولثقتهم المتوفِّرة في شخص المقدم – وقتئذٍ - فضل، قدَّموا له الدستور المنظِّم لحركة أبناء جبال النُّوبة، وقوائم بأسماء الخلايا بكادقلي، الدلنج، الأبيض، كوستي، مدني، الخرطوم وبورتسودان، وكذلك دفاتر تحوي أسماء كل أبناء النُّوبة في الداخل والخارج والمنضوين تحت لواء هذا التنظيم "الصخرة السوداء".  ولا نظن – الظن الذي يصل إلى اليقين - أنَّ هذه المعلومات قد تبرَّعت بها المجموعة المخلصة إياها طواعياً، وأكبر الظن أنَّ السلطات قد تحصَّلت عليها عبر الاختراق الأمني، ومن خلال التحقيقات والتعذيب بواسطة أفرع الأجهزة الأمنيَّة المختلفة، بما فيها الاستخبارات العسكريَّة نفسها.  وكذلك هنا تجدر الإشارة إلى المصطلحات التي استُخدِمت في غمرة هذه الحرب الأهليَّة.  فكيف يستقيم الحديث عن "التنظيم الداخلي للمتمرِّدين" و"العودة للوطن"!  وأي وطن يعودون إليه ماداموا هم أصلاً مقيمين داخل هذا الوطن!  حتى ما كان يسمى ب"الخوارج" في جنوب كردفان فلم يكونوا خارج السُّودان.  ومن جانب آخر، إذا كان هذا التصنيف يعني وضع هؤلاء المتمرِّدين في فسطاط آخر فمن ذا الذي يستطيع أن يؤكِّد أنَّ الفسطاط الأول الذي يمثِّل العروبة والإسلام محل إجماع السُّودانيين كافة حتى أولئك الذين لم يخوضوا الحرب، أو أولئك الذين لم يعبِّروا عن رفضهم لهذه الهُويَّة المزعومة المفروضة بالعصيان المدني.  أما مسألة إعلان أمر "المجموعة المخلصة" إياها "في مؤتمر جامع، وبث ذلك للرأي العام" فهذه فبركة "إنقاذيَّة" اعتاد النظام "الإنقاذي" عليها لإشباع رغبته في التضخيم الإعلامي.  وقد اصطكت الحكومات السُّودانيَّة آذاننا بهذه الافتراءات في أي وقت فيه تعلن ما يسمى ب"المؤامرة العنصريَّة"، وتستخدم مفردات مثل: "الزنوج الأحرار"، و"نحن كادقلي"، و"الصخرة السوداء" وهلمجرَّاً، لا لشيء واقع إنَّما لإثارة الفتنة وإيقاظها من خلال الأجهزة الأمنيَّة ومؤسسات الدولة، والتصايح بأنَّ الدولة لديها من الوثائق ولسوف تكشفها للرأي العام في الوقت المناسب، دون أن نرى من هذه الوثائق شيئاً.  ثم ارتأى النظام أنَّه بمثل هذه الأحاديث غير الصادقة يستطيع أن يملك ناصية الدعاية السياسيَّة، ويقود حرباً نفسيَّة ناجحة ضد الجيش الشعبي، ويوفِّر مادة للتوجيه المعنوي للقوات المسلَّحة.

 

وفي سبيل التصعيد العسكري والسياسي وتديين الحرب الأهليَّة في جبال النُّوبة أعلنت السلطات الحكوميَّة في محافظة كادقلي "الجهاد" في يوم الجمعة 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1991م، وسيَّرت مسيرة تأييد جماهيريَّة لهذا الإعلان في يوم الجمعة 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1991م.  ومن بعد، صُدِرت ثلاثة قرارات رئاسيَّة (9، 10، 11) دعماً لهذا العبث السياسي باسم الدين في يوم الخميس 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 1991م، والخاصة بتكوين الهيئة العليا لدعم الجهاد بمحافظة كادقلي، وتكوين وفد إعلامي (وفد الدعوة والدعاية) لنقل إعلان الجهاد من المحافظة إلى الجهات الرسميَّة والشعبيَّة، على التوالي.  إذ لم تستطع المبرِّرات، التي صاغتها الحكومة في كادقلي بأنَّها "أعلنت الجهاد لتفعيل دور المواطنين، وكسر شوكة الحرب، وإسماع صوت السَّلام قويَّاً وفاعلاً"، أن تقنع أحداً، إلا الساذجين الذين انساقوا وراء هذه الشعارات كالأنعام، أو الذين ضلوا السبيل.  فأسلمة الحرب وإلباس الدين على السياسة وغيرها من القضايا الدينيَّة التي يختلف حولها السُّودانيُّون، كانت إحدى العناصر التي سببت وأزَّمت المشكل السُّوداني.  ولا نرى سبباً واحداً مقنعاً يربط "المجتمع الإسلامي"، الذي هدف إليه إعلان الجهاد، و"التنمية الشاملة".  فالأول شعار غوغائي ظلَّ يردَّده زعماء الأحزاب الإسلاميَّة، والثاني يتطلَّب خطة تنمويَّة مصحوبة بالتنفيذ.  كذلك، فالأول شعار رفضه حاملو السِّلاح لأنَّه يكرِّس مجتمعاً أحاديَّاً عكس الواقع السُّوداني المتعدِّد الأديان والقوميات والثقافات، وغياب الثاني كان سبباً رائساً في اشتعال الحرب الأهليَّة ودوامتها.  وبرغم من ذلك كله حدث صراع بين ولاية كردفان ومحافظة كادقلي.  إذ لم يكن هذا الصراع نزاعاً حول الفكرة، ولكن حول تقسيم الأدوار والمهام بين الولاية والمحافظة.  فقد رأى الوالي أنَّ المحافظ لم يستشر الولايَّة قبل إعلان الجهاد، وأنَّه تخطى الولايَّة للمركزيَّة.  لذلك قُوبِل القرار بالرفض والتدخل، وأُمِر المحافظ بإلغاء هذا القرار.  وحين لم تفلح الولاية في فرض رأيها على المحافظة، ونتيجة للغيرة والحسد تبنَّت الأبيض "الجهاد وكوَّنت لجنة عليا في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 1992م، واستولت هذه اللجنة على كل مقدرات الجهاد التي جاءت أخيراً قاصدة كادقلي، وبذلك انتقل الجهاد إلى الأبيض."  ومن هنا اجتمع أئمة المساجد بالأبيض، وأصدروا فتواهم بقتال "الخوارج في جبال النُّوبة العام 1992م".  وقد سبق أن قلنا رأينا ورؤيتنا في أمر هذه الفتوى في تأليف سابق وفي صفحات سابقة من هذا البحث.  وقد حار بنا وبغيرنا الدليل في فهم كيف يُعلن الجهاد على من يشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله؟!  وأي مذهب إسلامي يفي بذلك؟!  مهما يكن من شيء، فبعد أن استولى الوالي – اللواء سيد الحسيني عبد الكريم صالح – على مجهود الجهاد قال: "إنَّ مشكل كادقلي لا يمكن أن يُحل إلا بالمجاهدين، وأضاف أنَّه اتفق مع الرئيس عمر البشير على أن يسلِّمه جنوب كردفان خالية من التمرُّد في غضون ثلاثة أشهر."  وقد علَّق المحافظ محمد الطيب فضل، الذي أُصِيب بالعجب من هذا الكلام، أنَّ مثل هذا القرار يمكن أن يكون سياسيَّاً، ولكن في واقع الأمر لا يخضع للظروف الموضوعيَّة والفهم العسكري.  وفي الحق، فإنَّ المجاهدين المعنيين في هذا الأمر هم أفراد قوات الدفاع الشعبي الذين تجنَّبوا مواقع الجيش الشعبي لتحرير السُّودان، واختاروا أن يهاجموا القرى ويروعوهم في ديارهم وهم جاثمين، وقد تحدَّثنا عن هؤلاء بشيء من التفصيل كثير في صفحات خلت.

 

أيَّاً كان من أمر هذا الجهاد، فقد تمَّ تبادل خطابات بين المقدم ركن محمد الطيب فضل والعقيد ركن محمد الأمين خليفة (عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني ورئيس دائرة السلام والعلاقات الخارجيَّة) من جانب الحكومة، وبين القائد يوسف كوة مكي (رئيس عمليات جنوب كردفان) والقائد تليفون كوكو أبوجلحة من جانب الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، حتى توصَّل الطرفان إلى تحديد الأجندة الآتية كمحاور للتفاوض:

 

الإغاثة.

 

رجوع المواطنين إلى قراهم إن شاءوا.

 

إطلاق سراح المعتقلين بتهم التعامل مع الخوارج.

 

إحاطة هذا اللقاء بالجديَّة والسريَّة التامة، وعدم استخدامه إعلاميَّاً.

 

وكانت هذه الأجندة بمثابة نقطة البداية في التأكد على حسن النوايا وإبراز الثقة، ومن بعد تنتقل اللقاءات إلى محادثات أخرى لحل القضايا الأساسيَّة.  هكذا تقرَّر أن يُعقد الاجتماع الأول في أم سردبة بتأريخ 27 نيسان (أبريل) 1992م، والثاني في بلنجا في يوم 4 أيار (مايو) 1992م، والثالث في كادقلي – بحيث يقود وفد الحركة الشعبيَّة القائد يوسف كوة مكي – في يوم 15 أيار (مايو) 1992م.  أما الحكومة فقد كانت ترى أن تشتمل أجندة المحادثات في اجتماع بلنجا على اقتسام الثروة، المشاركة في السلطة، وقضايا التنمية.  وواضح من هذه الأجندة أنَّ الحكومة كانت تسعى إلى الوصول إلى سلام مع أبناء النُّوبة منفردين، وانسلاخهم من الحركة الشعبيَّة؛ وما اختيار المحادثات الجزئيَّة مع جزء من الحركة الشعبيَّة والتركيز عليها بهذه الصورة إلا تأكيداً لهذا الاستنتاج.  على أي، لم تخف الحكومة هذا المسعى وهذا الغرض بحديثها عن الاختلاف المزعوم بين مسألة جنوب كردفان خاصة، وجنوب السُّودان عامة، أو ما وصفته السلطات الحكوميَّة بقضيَّة النُّوبة على وجه الخصوص وقضايا الحركة الشعبيَّة على وجه العموم.

 

هذا، فقد تميَّز الاجتماع الذي انعقد في بلنجا في يوم 4 أيار (مايو) 1992م – أي بعد الاجتماع التمهيدي في أم سردبة والذي وضع الأجندة – بحضور أعضاء من الحكومة الاتحاديَّة الذين كانوا في معيَّة وفد الحكومة.  وقد امتازوا بالالتواء والعبث بالحقائق.  وفي الحين نفسه استهدف الوفد الخرطومي في تكتيكاته إحداث وقيعة بين الحركة الشعبيَّة في جبال النُّوبة وقيادتها.  وعن قضيَّة الإغاثة – مثلاً – بدأ موسى علي سليمان (المحافظ برئاسة الوزراء) حديثه مشيراً "إلى أنَّ حمل السِّلاح ودخول الغابة لم يكن من أجل عدم دخول الإغاثة، (لذلك) أري أن يكون التفاوض في النقاط الجوهريَّة."  ثم استطرد سليمان كذباً وبهتاناً بأنَّ "مسألة وصول الإغاثة إليكم في الجبال لم يطرقها أحد من الحركة (الشعبيَّة)، وهذه مسؤوليَّة رئاسة الحركة، لأنَّها لم تحدِّد جبال النُّوبة كمنطقة إغاثة (...)."  المهم في الأمر أنَّه صُدِر بيان ختامي لمؤتمر السَّلام الذي انعقد في بلنجا في الفترة ما بين 4-5 أيار (مايو) 1992م، حيث اشتمل على موجهات عامة والتزام - مهما يكن من أمره – من قبل الجانبين بالقيام بمهام معيَّنة، ولكن قلَّما التزم بها النظام، وفي نهاية الأمر توقَّفت استمراريَّة المحادثات، ولم يحرز الطرفان شيئاً مذكوراً.  فقد شارك عز الدِّين كوكو في وفد الحكومة في محادثات بلنجا، وفاوض كذلك إلى جانب الحكومة على جلاء قوات الجيش الشعبي من مدينة برام، وقد اعترف الرَّجل وأثنى على الحركة الشَّعبيَّة، حيث وفَّرت الأخيرة الحماية للوفد الحكومي في وقت كانت تتعقَّبهم مدرعات الحكومة، وكادوا أن يصبحوا طعمة في أفواه بنادقها (Cannon fodder).  وفي البعثة الثَّانية قررَّ عز الدِّين كوكو، طوعياً، الانضمام إلى الحركة الشَّعبيَّة، وانخرط في العمل مع بقية قادة الحركة الشَّعبيَّة في المشاريع الزِّراعيَّة في المناطق المحرَّرة من جبال النُّوبة.

 

ومع ذلك، كان أسوأ ما في الأمر الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع مبعوث الأمم المتحدة – الدكتور فرانسيس دينج – الذي أُرسِل إلى المنطقة لتقصي الحقائق حول التصفية العرقيَّة لأبناء النُّوبة وتهجيرهم إلى شمال الولاية، وتوطين القبائل العربيَّة في جنوبها، وذلك بعد قيام الولاية بترحيل العائدين.  فقد زارهم المبعوث الأممي في الخرطوم، وتمَّ تحويله إلى الأبيض ومنها إلى كادقلي، ولم تكن السلطات في كادقلي على علم بهذه الزيارة.  وحين وصل الدكتور دينج الأبيض لم تقابله سلطات الولاية، بل أرسلت أحد موظفيها لمرافقته – أو لنقل لمراقبته - إلى كادقلي دون إخطار السلطات الحكوميَّة في كادقلي بذلك.  ونزلت طائرته بمطار كادقلي، ولم يجد أحداً في انتظاره، وما كان منه إلا أن أرسل ذلك الموظف الولائي لإخطار حكومة كادقلي بوجوده وعن مهمته، وغادر هو المطار بانطباع سيء للغاية

مهما يكن من شأن، ففي نهاية الأمر اعترف المقدم ركن محمد الطيب فضل بالمشكلات التي حدثت في جنوب كردفان، والمعوِّقات التي حالت دون علاجها واستئصالها بقوله: "إنَّ الذي حدث في كادقلي كان لا بد أن يحدث لأنَّ فهمنا للسياسة ما زال ضعيفاً، ولأنَّ إحساسنا بالوطن ما زال قاصراً، وإنَّ فهمنا للدين ما زال رياءاً، وإنَّ إحساسنا بالمسؤوليَّة ما زال هشَّاً، وإنَّ فهمنا للقضيَّة ما زال متخلِّفاً.. عشقنا الأنانيَّة وحب الذات، وضاعت أخلاقنا، وأصبحنا لا نميِّز بين الحق والباطل، واختلط الحابل بالنابل، وأبكي يا بلدي الحبيب."  لقد لخَّص العميد ركن (م) محمد الطيب فضل تجربة المحافظة في سبيل السَّلام في كاتبه السالف الذكر، حيث تعرَّض لأسباب الصراع المسلَّح في جنوب كردفان وذكر دواعي السَّلام وتحدَّث عن ثقافة السَّلام.  ففي محاضرة ألقاها العام 1993م شرح العميد (م) فضل كيف قاد حركة السَّلام في كادقلي.  وبعد مغادرته للمنطقة ترك للذي سيخلفه في أمر محافظة كادقلي مقترحاً لمتابعة قضيَّة السلام في جنوب كردفان ذكر فيه – فيما ذكر – أهداف المشروع ونشاطه، الذي وضعه في ثلاث مراحل، بحيث يتم انجازه من خلال خمسة محاور، ويُختتم ب"المسيرة البيضاء للسَّلام" في حال تعذر الوصول إلى السَّلام من خلال المراحل المذكورة.  وهذه المسيرة، التي قال عنها مقترحها بأنَّها "عبارة عن عرض حال مقدَّم للمجتمع الدولي بأسلوب جنوب كردفان لاستنهاضه للقيام بدوره نحو قضايا السَّلام والوقوف بجانب الإنسان الضعيف،" تتمثَّل في تحرُّك أهل كادقلي ليس بكل أراملها وأيتامها وعجزتها وأطفالها ونسائها فحسب، بل بكل رجالها وشبابها إلى مقر قيادة الحركة الشعبيَّة في جنوب كردفان.  إلا أنَّنا لا نستطيع أن نجزم كيف كان يمكن أن تحقِّق هذه المسيرة السَّلام!  وهي محاولة كانت لسوف تؤدِّي إلى التهلكة، وبخاصة إذا مرَّت هذه المسيرة بالطرق الملغمة ودون أيَّة إجراءات مسبقة لوقف إطلاق النار بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة، مما قد تتحول هذه المسيرة من بيضاء إلى حمراء في ظل الأوضاع السائدة يومئذٍ.

 أما فيما يتعلَّق بأمر "لجان النفير الشعبي للسَّلام"، فقد كانت هذه اللجان عبارة عن عملاء للأجهزة الأمنيَّة بكل فروعها.  وقد وضح هذا جليَّاً في التقرير الذي قدَّمه رئيس لجنة النفير الشَّعبي للسَّلام لريفي أم دورين – العمدة عبد الجليل محمد أحمد – بتأريخ 12 آذار (مارس) 1992م.  ومن هنا نرى أنَّ جهود هذه النفرة الشعبيَّة لم تركِّز على السَّلام كما ادَّعى مروِّجوها، بل اُختُلِقت في الأساس لاختراق مواقع الحركة الشعبيَّة بحجة السلام ورفع تقارير استخباراتيَّة عن أوضاع معسكراتهم، ومواقعها، ومصادر الإمداد بالسِّلاح والغذاء، والنظام القضائي والمدني عندهم، والروح المعنويَّة للمقاتلين في الجيش الشعبي، وأثر الإعلام الحكومي وسطهم حتى يتم استغلال هذه المعلومات الأمنيَّة في الحرب النفسيَّة ووضع خطط عسكريَّة للقيام بالعمليات الحربيَّة من أجل القضاء على الحركة الشعبيَّة عسكريَّاً.  وبعد مؤتمر بلنجا تمَّ الاتفاق على السَّماح للمواطن العادي بحرية الحركة بين المناطق التي تقع تحت نفوذ الحكومة السُّودانيَّة وتلك التي تديرها الحركة الشَّعبيَّة.  وبناءاً على هاذ الاتفاق، دخل حوالي 10 آلاف من النساء والأطفال والعجزة إلى مدن كادقلي والدَّلنج وانتهزت الحكومة السُّودانيَّة هذه الفرصة، ونقلتهم إلى "معسكرات السَّلام" في شمال كردفان، ووُضعوا داخل الأسوار على أنَّهم أسارى حرب.  وكان يتم استخدام النِّساء كخدم في المنازل وفي غيرها من الممارسات غير الإنسانيَّة، ووُزع أربعة آلاف طفل على مدارس تدريس القرآن الكريم لأسلمتهم، ثم كانت الحملة العالمية الشهيرة وبعدئذٍ نُقلوا إلى العاصمة، ولا يزال هؤلاء الأطفال في أعداد المفقودين حتَّى يومنا هذا.  كذلك كانت الحكومة تقوم بإرسال الرجال العائدين إلى حيث أتوا، وذلك لاجتذاب أعداد كبيرة من المواطنين المتواجدين هناك، وعندما يأتوا يُضعوا في معسكرات مقفولة، وبعدئذٍ تشن الحكومة حملاتها العسكريَّة على المناطق التي أتوا منها مستخدمة المعلومات التي تحصَّلت عليها منهم، ومستغلة بعضهم كمجَّندين إلزاميين في قوات الدِّفاع الشَّعبي.

على أيَّة حال، فلربما كان العميد ركن (م) محمد الطيب فضل طيباً فاضلاً في نواياه في سبيل الوصول إلى السَّلام في جنوب كردفان وصادقاً في مسعاه، ولكن خلفيته العسكريَّة التي تضفي الطابع الحربي على المسائل السياسيَّة أمست أحد المعوقات لهذه المسيرة السلميَّة في جانب منها، ولئن كان الجانب الآخر منها حربيَّاً جهاديَّاً، كما أبنا سلفاً.  كما أنَّ إضفاء الطابع الديني – أي إعلان الجهاد مثلاً – على هذه المجهود الإنساني الذي كان يطمح إلى تحقيقه قد أصبح عامل تأجيج الحرب، وليس إطفاؤها، مع العلم أنَّ المسألة الدينيَّة كانت إحدى العوامل الرئيسة في الصراع السياسي-العسكري في السُّودان بصفة عامة وجنوب كردفان بشكل خاص.  كذلك فإنَّ المؤسسة السياسيَّة أي الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة – التي كان يعمل العميد ركن (م) محمد الطيب فضل تحت لوائها، هي حركة سياسيَّة قلما تُوصف بأنَّها كانت تسعى للسَّلام أو تنشد الرفاهيَّة للمواطنين والاستقرار للوطن، وذلك من خلال سياساتها وتجاربها في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق ومناطق العمليات الحربيَّة الأخرى في السُّودان.  كما أنَّ المحاولات الدؤوبة للفصل بين قضيَّة جنوب كردفان وجنوب السُّودان، مع العلم بوحدانيَّة الحركة الشعبيَّة وخطابها السياسي لأهل السُّودان كافة، لم تكن موفَّقة.

 ومع ذلك تبقى تجربة العميد ركن (م) محمد الطيب فضل من أبناء أبوزبد، والذي ولد في النهود العام 1954م وتلقى دراسته في الأبيض وخورطقت وتخرج في الكلية الحربيَّة في أيار (مايو) 1977م، تجربة تأريخيَّة جديرة بالتداول في أمرها ومقاصدها وأبعادها وأسباب فشلها، وذلك في سبيل الدروس والعبر.  وبالطبع، فإنَّ الذين عاشوا في عهده كمحافظ لمحافظة كادقلي منذ تعيينه في 15 تموز (يوليو) 1991م حتى العام 1992م بعد أن كان قد عمل قاضياً لمحكمة "النظام العام" في أبوسعد بأم درمان، قد يكون لهم آراء متباينة حول هذه التجربة.  فقد نجد فيهم من أيَّد هذه الجهود تأييداً مطلقاً، وهنكاك من وافق على بعض منها وتحفظ على البعض الآخر، وهناك من اعترض عليها كل الاعتراض، ثمَّ هناك من سايرها إلى حدٍ ما ثم انقلب عليها في نهاية الأمر وتنكّر عليها، وقد ظهر هذا التنكر والانقلاب في "بعض محاولات الإجهاض لعمليَّة السَّلام من بعض الأشخاص الموجودين في كادقلي بحجة أنَّ عمليَّة السَّلام كانت مجهودا فرديَّاً قام بها المحافظ وحده، ولم يشرك فيها من يتميَّزون بصفة الحركة الإسلاميَّة."  هذا، وقد أقرَّ العميد ركن (م) محمد الطيب فضل أنَّ حكومة ولاية جنوب كردفان لم تكن تهتم بما كان يجري في كادقلي، علماً بأنَّ كل المعلومات كانت متوفرة لديها، والمدهش في الأمر أنَّه عندما حُوكم رئيس لجنة الأمن والنظام العام بالولاية لمجرد أنَّه أذاع بياناً عن السَّلام في كادقلي، وأُخِذت في هذه القضيَّة أقوال الوالي باليمن أنكر علمه بأي شيء عن هذه المبادرة.  ومع ذلك، كان يصر الوالي "أنَّ مشكل جنوب كردفان لا يُحل إلا بالمجاهدين، وأنَّه اتفق مع الرئيس عمر البشير أنَّ يسلمه جنوب كردفان خالية من التمرُّد في غضون ثلاثة أشهر."  فمثل هذا الحديث يمكن أن يكون للاستهلاك السياسي في اللقاءات الجماهيريَّة، أو عند تعبئة قوات الدفاع الشعبي والمجاهدين، ولكن في واقع الأمر لا يخضع هذا التصريح للظروف الموضوعيَّة والفهم العسكري لحرب العصابات، وبخاصة حين تكون هذه الحرب في الجبال.

لا شك في أنَّه كان معلوماً أنَّ مسألة حمل السلاح لها جوانب قوميَّة لا تُحل إلا من خلال الجلوس بين الحكومة المركزيَّة والحركة الشعبيَّة، الأمر الذي لم تتحمَّس له الحكومة المركزيَّة في الخرطوم.  كما أنَّ الحكومة الاتحاديَّة بأجهزتها الأمنيَّة المختلفة حاولت أن تساير محافظة كادقلي في سبيلها للسلام من أجل اختراق الحركة الشعبيَّة والحصول على معلومات استخباراتيَّة لكي تستفيد منها في العمليات العسكريَّة من أجل القضاء على الحركة الشعبيَّة في جنوب كردفان عسكريَّاً وعودة المحاربين مهزومين مطأطأي الرؤوس إلى "حظيرة الإنقاذ".  أما الحكومة الاتحادية فلم يكن لديها وفد رسمي في المباحثات التي جرت بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة في جبال النُّوبة في أم سردبة وبلنجا، "بل جاء ثلاثة أشخاص يمثلون جهة لا نعلمها،" كما قال العميد ركن (م) محمد الطيب فضل.  وهؤلاء الأشخاص الثلاثة هم: موسى علي سليمان، سراج الدين عبد الغفار، وشخص ثالث لم يبين الكتاب اسمه وأمره.  فقد جاء هؤلاء الأخوة – والحديث للعميد ركن (م) محمد الطيب فضل – وظلَّت المعلومات بطرفهم حتى أجهضت عمليَّة السَّلام، بل أوهمونا بأنَّهم يمثلون الحكومة الاتحاديَّة، وعندما طلب منهم يوسف كوة مكي الحضور إلى البرام لمقابلته ظلوا صامتين دون تبرير حتى خاتمة المطاف.  وقد شارك هذا الوفد الحكومي المزعوم في مؤتمر السّلام بمنطقة بلنجا، وكان موسى علي سليمان أكثر الناس جدلاً، حيث امتاز بالتواء الأمور ولي الحقائق تارة، والاستفزاز والاستهتار تارة أخرى، واستغفال الناس تارة ثالثة.  إنَّه إنسان يكاد يكون بلا عواطف، وإنَّ حسابات الانتهازيَّة والتملُّق لدي رؤسائه تفوق كثيراً حسابات العقل والقلب.  فمن هو موسى علي سليمان إذن؟  موسى علي سليمان من أبناء النُّوبة، وهو كان قد تخرَّج من كليَّة التربية بجامعة الخرطوم، ولكن لا أحد يدري متى التحق بالحركة الإسلاميَّة – أو حوته الحركة الإسلاميَّة – حتى تعلَّق بها تعلق المحب بحبيبته ردحاً من الزمان.  بيد أنَّ من المؤكَّد أنَّه اشترى نفسه بأبخس ثمن لخدمة هذه الحركة ضد مصالح أهله النُّوبة.  لذلك صار يُوكل إليه المهام القذرة في جنوب كردفان وجنوب السُّودان، حتى قضى نحبه في حادث طائرة غامض في بحر الغزال هو من مكان معه في مهمة وُصِفت بأنَّها من أجل إحلال "السَّلام من الداخل" في جنوب السُّودان في مستهل التسعينيَّات من القرن الفائت.  وكان من ضمن القتلى القيادي البارز في الحركة الإسلاميَّة قسم السيد أبوقصيصة.

 هكذا أجهضت الحكومة الولائيَّة والاتحاديَّة مبادرة العقيد ركن محمد الطيب فضل – محافظ كادقلي السابق – الذي حاول إبرام عهد وميثاق مع الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في جبال النُّوبة حتى تتسنّى للمواطنين العاديين حرية الحركة والتنقل دون التعرُّض لهم، ولكن بطريقته ولئن اشتملت هذه الطريقة على متناقضات وجوانب عملت على تأجيج الحرب أكثر من إطفائها.  فلم ترض الحكومة بهذا المسلك فأمرت العقيد محمد الطيب فضل بأن يخلو المحافظة ويسافر لقضاء فريضة الحج دون العودة إليها مرة أخرى.  وبعد انهيار الجهود السياسيَّة الني شرعت محافظة كادقلي في السعي نحوها عادت الحال إلى سيرتها الأولى، وتمسَّك كل طرف بمبادئه وثوابته.  والتفَّ النُّوبة حول قيمهم وتقاليدهم ومجدهم المؤثَّل أكثر من أي وقت مضى، وتحصَّنوا بجبالهم، وارتووا من ينابيع وديانها، واعتمدوا على مزارعهم ومنتجاتهم وأنعامهم في العيش الكريم على هذه الحياة الضنكة.  وكانت حالهم كحال شعب كردستان في العراق، ومشكلاتهم مع العرب بسبب الأثنيَّة والهُويَّة والاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.  وقد تجلَّت هذه الفروق الكرديَّة-العربيَّة في قول قائل من أهل كردستان على النحو التالي:

ما للعرب للعرب وما للأكراد للأكراد

 

جبالنا لنا وصحرائكم لكم

 

جوزنا لنا وتمركم لكم

 

ينابيعنا لنا وأهواركم لكم

 

بغالنا لنا وجمالكم لكم

 

شروالنا لنا وعكلكم لكم

 

من السما لنا وسيوفكم لكم

 

كركوك لنا وبغداد لكم

 

كوردستان لنا وعربستان لكم

 

ومع هذا كله كان صوت الجهاد عالياً، وأنفقت سلطات إقليم كردفان أموالاً طائلة فيما سمي ب"نفير الجهاد"، ذهب بعضها إلى جيوب المسؤولين الفاسدين المفسدين، مما يقودنا هذا إلى الحديث عن الفساد المالي في ذلكم العهد.  إذ لا أحد يدري متى بدأ الفساد السياسي والمالي يدب في أجهزة الحكم في السُّودان حتى وصل قمته في نظام "الإنقاذ"، حيث أمسى الفساد من غواش الحكومة وشائبة من شوائب الدولة.  بيد أنَّ الأغرب في هذا الأمر أنَّ رائحة الفساد أصبحت تزكم أنوف رجال النظام أنفسهم، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ويتحدَّثون "عن تبديد المال العام، و(أخذوا يردِّدون أنَّ) التجاوزات في المال العام في عهد "الإنقاذ" لا يحتاج إثباته إلى وثائق، وإن كانت الوثائق موجودة في إدارات الثراء الحرام، وديوان المراجع العام، وفي مخالفات النظم الماليَّة المتعارف عليها في كل وزارة أو ولاية أو مصلحة".  هذه شهادة شاهد من أهلهم – أي الصحافي المرحوم محمد طه محمد أحمد، الذي أبان العلل بعلل أخرى جسيمة.  فقد كتب محمد طه يقول: "إن 560 مليون جنيهاً سودانيَّاً بدَّدتها حكومة كردفان السَّابقة في الاحتفال والدَّورة المدرسيَّة"، إضافة إلى "أرقام أخرى تستحق التحقيق ومساءلة حكومة كردفان عنها."(50)  وقد بدأ والي كردفان المعزول – اللواء سيِّد الحسيني عبد الكريم – يجادل بالباطل وعالقاً بأهداب الحجة الواهنة، حيث ذكر أنَّ كل المبلغ المرصود لم يتجاوز 299 مليوناُ من الجنيهات السُّودانيَّة، تم صرفها على الدورة المدرسيَّة، ونفير الجهاد، والاحتياطات الأمنيَّة، ومنشآت جامعة كردفان.(51)  وبما أنَّ محمد طه محمد أحمد كان قد تعرَّض لبعض أساليب الترهيب لأنَّه يغوص في إرهاج المرهجات – أي إثارة الغبار والفتن – إلا أنَّ، ولا ريب في ذلك، كثراً من قيادات الحكومة كانوا قد تمرَّغوا في هذا الفساد المالي الذي يبيح بيع الأمانات والانخداع بالعطاء في وتغ الديانات.  فمن الواضح - حسب اعتراف الوالي – أنَّ أغلب الأموال قد صُرِفت في "نفير الجهاد والاحتياطات الأمنيَّة"، التي كانت تصب في نهاية الأمر في الاعتداء على النُّوبة ونهب أموالهم في جنوب كردفان، والاتجار بممتلكاتهم المسلوبة إمعاناً في إفقارهم، وتهريب الثروات المنهوبة إلى خارج المنطقة، وحجبها عن التوظيف والاستثمار في مشاريع إنتاجيَّة ذات عائد محلي للمواطن.  لم تتوقف حملات النظام الغواشم برغم من عزف رجال "الإنقاذ" على السلام الوهمي والتمادي في قرع طبول الحرب.  كما لم يتوقَّف تجنيد وتدريب الميليشيات الحكوميَّة (قوات الدفاع الشَّعبي)، التي كانت تجوب مسالك الجبال في ارتياد مهالك النُّوبة.  بيد أنَّ الذي أمسي يحيرنا حقاً هو دخول بعض أبناء النُّوبة – بئسما اشتروا به أنفسهم – مع النظام في دعواه عن "السَّلام من الداخل"؛ تلك دعوة حق أُريد بها باطلاً.

 

ومن جانب آخر، لم تتوقَّف المساعي الشعبيَّة في سبيل البحث عن السَّلام في جنوب كردفان.  ففي يومي الخميس والجمعة 5-6 كانون الأول (ديسمبر) 1991م عقد أبناء جنوب كردفان بالولاية الوسطى مؤتمراً لتدارس "الصيغة المثلى لتحقيق السَّلام" في جنوب كردفان.  وقد قام هذا المؤتمر تحت رعاية والي الولاية الوسطى العقيد الركن سليمان محمد سليمان عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني.  وكذلك خاطب المؤتمر عضوا مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني العميد الركن إبراهيم نايل إيدام والعقيد الركن محمد الأمين خليفة.  هذا، فقد تلخَّصت الأطروحات التي قُدِّمت في شكل أسئلة حائرة لم يستطع أحد من المشاركين أن يرد عليها.  فقد تساءل المشاركون كيف السبيل للوصول لسلام دائم في جنوب كردفان؟  ومن يؤجِّج نار التمرُّد؟  ومن يكتوي بهذه النار؟  وعلي أي المستويات تكون الطريق إلى السَّلام؟  هل يتم الاجتماع بالمثقفين وينتهي الاتفاق بالوصول للسَّلام؟  هل يتم وضع صيغة للسَّلام وفق منظور الروابط الاجتماعيَّة كرابطة أبناء الحوازمة ورابطة أبناء المسيريَّة ورابطة أبناء النُّوبة؟  هل يتم السَّلام عبر رجال الإدارة الأهليَّة الذين لا حول لهم ولا قوة ضاغطة على أفراد القبيل؟  ومن خلال نقاش المشاركين أعلنوا أنَّه "لا بدّ من النظرة الشموليَّة لهموم الإقليم، ولا بدّ من دعوة كل أبناء الإقليم للمشاركة في عمليَّة إعادة البناء والتنمية."  ودعوا في مؤتمرهم هذا – فيما دعوا – إلى تجريد الميليشيات القبليَّة من السِّلاح، ولكن قد جاءت هذه الدعوة بصورة عامة.  إذ قالوا: "فإذا أردنا سلاماً بيِّناً فلنعمل على جمع السِّلاح من كافة المجموعات التي تتذرَّع بحمله دفاعاً عن نفسها، وتستغله في سحق المجموعات الأضعف منها.  وإذا أردنا سلاماً كاملاً فلا بدّ من عودة إدارة أهليَّة قادرة ومؤهلة لتواكب الحدث."(52)

 ومن بعد، إذا فشلت نداءات العملاء من أبناء النُّوبة الذين باتوا يتصايحون في إذاعة أم درمان أولاً وإذاعة "نداء الجهاد" بكادقلي ثانياً، وذلك إذا أغطش الليل أو تنفس الصبح.  وإذا أخفقت مساعي السَّلام في جنوب كردفان بالطريقة التي ابتغتها محافظة كادقلي، ثمَّ إذا باءت الحملات العسكريَّة بالفشل السياسي، ولم تحقق من الغايات المرصودة شيئاً أبداً.  وإذا لم تحرز المساعي الشعبيَّة أيَّة نجاحات في سبيل الوصول إلى سلام في المنطقة.  وإذا فشل كل هذا وذاك انتظرت الحكومة السُّودانيَّة حيناً من الزمن، أو قل ركَّزت الحكومة جهودها في اتجاه إحداث انشقاق في قيادة الحركة الشعبيَّة العام 1991م.  وبما أنَّ بعضاً من أبناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة في جنوب كردفان قد حاولوا أن يحذوا حذو جماعة الدكتور رياك مشار، إلا أنَّ محاولتهم أُحبطت في المهد، ولم تقم لها قائمة.  بيد أنَّ الحكومة السُّودانيَّة وجدت ضالتها في بعض أبناء النُّوبة في كينيا وبعض دول المهجر وغرتهم بما يسيل له اللعاب دوماً، وكان لها ما أرادت العام 1996م، وجاء إخوة يوسف إلى الخرطوم عشاءاُ يبكون، كما سنرى في الصفحات القادمة.