في المكتبات..

السُّودان.. انتفاض مواطني المناطق المقفولة   



       
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ولا نلين لسلطانٍ يكـــــــابدنا
                    حتى يلين لضرسٍ الماضغ الحجر

الفرزدق

لقد ترددت مراراً، أو ملكني التردُّد في أكثر من مرة، في تسمية ما أود تحريره في هذه الأسطر، أو أنوي إذاعته في الناس، بالمقدمة، أو تقديم، أو حتى توطئة، أو أي اسم آخر اعتاد المؤلفون والكتَّاب تسمية هذا النوع من الكلام الذي يُكتب في ديباجة الكتاب أو التأليف.  وسبب التردُّد في إطلاق هذا الاسم أو ذاك عليها، أو نعتها بهذه الصفة أو تلك، هو أنَّ هذه الأعمال قد تمَّ نشرها في صحف سيارة، مطبوعة وأخرى إلكترونيَّة؛ في خارج السُّودان وداخله.  وقد استعظمها البعض، وربما بغضها البعض الآخر الذي لم تصادف هوى في نفسه.  فقد نشرنا جزءاً منها في صحيفة "الزمان" اللندنيَّة، وصحف "الأيَّام"، "الصحافة"، "الرأي العام"، "السُّوداني"، و"الشعب".  وكانت هذه الصحف "الخرطوميَّة" قد نشرت هذه المقالات وأذاعتها في الناس سواء بإذن منا أو دون استئذان.  وما أكثر ما يؤلم الكاتب حين يجد بضاعته في الأسواق دون استئذان منه لعرضها على ذلك النحو!  ولكن كثراً من أصحاب الصحف وأهل العروض يعرضون أعمال غيرهم بهذه الطريقة دون أن يتكلَّفوا عناء البحث عن الكاتب أو سؤاله عما يودُّون عرضه من إنتاجه، حتى من باب الكياسة والتلطُّف.  وكذلك حدث لأعمالنا باللغة الإنكليزيَّة ما حدث للمقالات العربيَّة من نشر دون موافقة منا، أو حتى التسآل.
ولربما تساءل صاحبي لم تكلَّف الكاتب عناء التجميع ومشقة التصويب والتدقيق، وجهد الطباعة لنشر هذا العمل من حر ماله بعدما قرأه الناس، وأطَّلعوا عليه، وألموا به في الصحف السيارة والإلكترونيَّة في بلدان الغرب والشرق والشمال والجنوب والسُّودان نفسه.  ولكن لا نستطيع أن نزعم أنَّ كل الناس، أو جلهم، قد وجدوا الطريق إلى هذه المنشورات سهلاً هيِّناً، وبخاصة الإنسان الذي يقطن الريف بعيداً عن حركة المدن وأسباب مدنيَّتها من صحف ومجلات والحواسيب الآليَّة (الكمبيوترات) وماكينات تصوير ومكتبات عامة وجامعيَّة وغيرها.  وإنا لذلك رأينا أن نضم هذه الأعمال إلى بعضها بعضاً، ونجمعها في كتاب منفرد يمكن حفظه، والتنقل به، والتصرف به، على غير ما تحفظ الصحف السيارة ويتصرف بها، وكذلك على غير ما تحفظ الحواسيب الآليَّة مثل هذا النمط من العمل.  وكذلك ألح علينا الصحاب في أكثر ما يكون الإلحاح أن نخرجها لكافة الناس ونذيعها فيهم لعلهم بها ينتفعون.
وقبل الخوض في الأمر الذي أنتم فيه تستفتون كان حري بنا أن نحدِّد موقع السُّودان في الخارطة الجيوسياسيَّة (الجغرافيَّة-السياسيَّة) في إفريقيا على وجه التخصيص والعالم على وجه التعميم، حيث يتطلب ذلك تعريف المصطلحات التي تُستخدم في هذا المجال، وذلك لأنَّ ثمة مصطلحات سياسيَّة يتداولها الناس دون أن يتبيَّنوا معانيها بدقة، وثمة تعابير سياسيَّة يستدل بها أهل السياسة دون علمهم بأصولها وأمكنتها من الإعراب، وقد يأتون بها لإرباك العامة وخدمة مصالحهم السياسيَّة الآنيَّة.  ومن هذه المصطلحات نذكر: "الأقليَّة"، "الأغلبيَّة"، "العنصريَّة"، "القوميَّة"، "الأمة"، "الوطنيَّة" وهلمجرَّاً.  وقد فصَّلنا مدلولات بعض منها وما يحمله هذا البعض من معانٍ سالبة وموجبة في ثنايا الكتاب، ونودُّ هنا أن نلقي نظرة سريعة عما يعنيه البعض الآخر من هذه المصطلحات الجغرافيَّة-السياسيَّة.  فقد وصف فرانسيس ليبر كلمة الأمة (Nation) بأنَّها "مجموعة من السكان تجاوزت مرحلة الصيد وحياة الرعاة، وصارت تقطن وتستقر في أرض ذات حدود جغرافيَّة معلومة، ولها اسم خاص بها تُعرف به، وتتحدَّث لغة واحدة خاصة بها، ويجمع بينها أدب وتأريخ مشترك، ودستور يميِّزها عن المجموعات المماثلة، وتخضع لحكومة واحدة."  وقد أدى الخلط المريع بين بعض المصطلحات مع بعضها بعضاً – مثلاً الخلط بين الوطنيَّة (Patriotism) والقوميَّة (Nationalism) – إلى بروز بعض الأشكال العنصريَّة المختلفة.  فالعنصريَّة (Racism)، كما يقول أتينيه بالبار، "ليست وجوداً موضوعيَّاً لعناصر بيولوجيَّة، وإنَّما نتاج تأريخي وثقافي"، وهي ليست بالضرورة لصيقة بالطبيعة البشريَّة كما يصوِّرها البعض (صحيفة "الحياة"، الثلاثاء، 9/10/ 1993م، العدد 11227).  فالوطنيَّة تعني بالضرورة وجود وطن، ثمَّ نمو شعور بالانتماء لذلك الوطن، وهذا الشعور تغذيه العدالة والمساواة والمشاركة في صناعة القرار والتوزيع العادل للثروة.  وفي حال غياب هذه المصفوفات الوطنيَّة (National matrices) يكرِّس الناس شعور انتمائهم إلى أشياء أخرى، كالقبيلة، والعقيدة، والملة، والطائفة وغيرها، بحيث يمكنهم أن يحاربوا من أجلها ويموتوا في سبيلها.
ومن جانب آخر يعرِّف ابن خلدون الدولة على أنَّها "الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبيَّة ما"، ويقصد بالامتداد المكاني مدى نفوذ الدولة واتساع رقعتها، ويقصد بالزماني مختلف المراحل التي يختارها حكم العصبيَّة الحاكمة من استلامها السلطة إلى يوم خروجها من يدها.  وعند ابن خلدون الدولة أنواع: دولة خاصة ويقصد بها حكم عصبيَّة معيَّنة في إقليم معيَّن (إقطاعيَّة)؛ ودولة عامة، ويقصد بها مجموعة من الأقاليم (إقطاعيات) تتبع لعصبيَّة ما.  وبمعنى آخر فإنَّ الدولة الخاصة لملك ناقص، والدولة العامة ملك تام.  أما الأمة – كما أسلفنا تعريفاً - فهي جماعة من الناس يربطهم الأصل العرقي واللغة والعادات والتقاليد، وتجمعهم مشاعر واحدة عكس الدولة؛ فهي يمكن أن تكون قانونيَّة لأفراد يسكنون إقليماً محدَّداً.  إذ يرى البعض أنَّ الدولة عبارة عن مجموعة دائمة ومستقلة عن الأفراد الذين يملكون إقليماً معيَّناً وتربطهم رابطة سياسيَّة مصدرها الاشتراك في الخضوع لسلطة مركزيَّة تكفل لكل فرد منهم التمتع بحريته ومباشرة حقوقه؛ وهذا يُعتبر تعريفاً تقليديَّاً للدولة.  وإنَّ أركان الدولة – كما هو معلوم في العلوم السياسيَّة – لأربعة هي: السكان، الإقليم المحدَّد، الحكومة، والسيادة.  من خلال ما سبق ذكره بدأت أزمة السياسيين والمفكرين السُّودانيين؛ إذ أنَّهم تصوَّروا أنَّ هذا الإحساس، الذي كان في أحسن حالاته "وطنيَّاً" تصوروه شعوراً "قوميَّاً".  فقد تصوَّره البعض غفلة وجهلاً، وتصوَّره البعض الآخر تعمداً مقصوداً.  ولعلَّه من المدهش حقاً أنَّ أول من نبَّه إلى ذلك كانت الباحثة اليابانيَّة الدكتورة يوشيكو كوريتا حين كتبت عن الحركة الوطنيَّة في السُّودان، ففرَّقت بوضوح بين الحركة الوطنيَّة القائمة على "البلاد" من جانب، والقوميَّة القائمة على "العرق واللغة والدِّين" من جانب آخر (أنظر الدكتورة يوشيكو كوريتا، علي عبد اللَّطيف وثورة 1924م.. بحث في مصادر الثَّورة السُّودانيَّة (ترجمة مجدي النَّعيم)، مركز الدِّراسات السُّودانيَّة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1997م).  وهؤلاء القوميُّون، الذين ابتنوا قوميَّتهم على العرق واللغة والدين، عاشوا ردحاً من الزمان يرتدون قناع الهُويَّة العربيَّة الزائفة، ويدينون بالعقيدة الإسلاميَّة التي تحمل في كثير من علومها الثقافة العربيَّة المستمدة من بيئة الجزيرة العربيَّة الرِّيفيَّة التي شاعت قبل الإسلام وفي فجر الإسلام وضحى الإسلام.  لكن القناع إذا عاش طويلاً – كما يقول فيصل دراج - أرهق الوجه وألغى ملامحه، ومن ثَمَّ تصبح الاستكانة عندها طبعاً، وتغدو استعادة الوجه القديم أمراً لا سهولة فيه.  لذلك كابد الأغيار، الذين رفضوا الانجراف مع هذا التيار، من مشاق الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة والتنمويَّة كثير، واستخدموا الشكل الأدبي الاحتجاجي الذي يواجه به الضعفاء أعداءهم الأقوياء، وبخاصة حين يستقوى الأخير بسطوة السلطان، ثمَّ إنَّهم يئسوا في أشدّ ما يكون اليأس في إحداث تغيير يرفعهم إلى مصاف الإخوة الصادقة والمواطنة النديَّة.  واليائس حين يصل به اليأس إلى نهاية السبيل، يصبح لديه خياران: إمَّا الانتحار والموت الزؤام، أو الانتفاضة؛ ومن هنا تندلع الثورات دفعاً لمظلمة وطلباً لمكرمة.
وثورات الهامش التي أرَّخنا لها سياسيَّاً في هذا السفر قد اندلعت في أوائل الثمانينيَّات، باستثناء أهل الجنوب الذين شرعوا في النضال المسلَّح منذ الخمسينيَّات من القرن المنقضي، ولكن ثمة حقائق تأريخيَّة وسياسيَّة كان لا بد لنا من الإشارة إليها من قبل ذلك التأريخ ومن بعده في سبيل الوصول إلى النهايات التي وصلنا إليها.  إذ قصدنا أن يكون هذا الكتاب مستوعباً لمراحل تطوُّر الأحداث السياسيَّة التي سبقت العدائيَّات التي شهدتها تلك البقاع، أي في العصور التي فيها كان النضال ذا طابع سلمي، وحاولنا ما وسعتنا المحاولة، وجادلنا ما وسعنا الجدال أن يكون هذا الكتاب مصدر تحليل عقلاني واستنتاج سياسي لعبر التأريخ وعظاته، ومورد تأريخ سيروي للرجال والأعلام ذوي الصلة بهذه الأحداث، وبخاصة أولئك الذين وقفوا دوماً في تلك اللحظات الحرجة إلى جانب البائسين ضد مستغليهم.  لذلك شرعنا في مفتتح هذا العمل بإيراد خلفيَّة تأريخيَّة وتكوينيَّة وميلاديَّة للسُّودان، وبحثنا في العوامل القبليَّة والأثنيَّة لبعض قوميات السُّودان ودور المستعمر الخارجي والشخصيَّة السُّودانيَّة المحوريَّة في هذه الأحداث كلها.  ثمَّ غصنا في بعض شخصيَّات  القادة الوطنيين – عسكراً كانوا أم مدنيين – والذين ساهموا المساهمة كلها في غرس بذور أزمات السُّودان حتى استفحل الأمر في عهد "الإنقاذ" (1989-2005م).  ومن هذا المنحى التأريخي-السياسي كان علينا أن ندرس دور الحركة الإسلاميَّة في تأزيم الوضع في السُّودان، وذلك من خلال تمحيص خطاب الحركة الإسلاميَّة، أو بأسلوب آخر عبر استعراض تأليف أحد كتابها الإسلامويين، وما تحتويه هذه الحركة من أفكار عقائديَّة عنصريَّة مغلَّفة بشعارات عقديَّة صارخة.  ذلكم التأليف رميناه بحجارة من جبال النُّوبة، فجعلناه هباءاً منثوراً، أو كعصف مأكول.  كذلك درسنا تجربة "الإنقاذ" داخليَّاً في دمقرطة التسلطيَّة فيما عُرِف بتنظيمات التوالي السياسيَّة.  ثمَّ دلفنا نشرِّح مساعي الحركة الإسلاميَّة الأولى خارجيَّاً في أسلمة و"قلقلة" دول حوض النِّيل، وانعكاسات هذا المنهاج على أمن وادي النِّيل إفريقيَّاً وعربيَّاً، أو جواراً وإقليميَّاً.  ومنذ ما يربو على العشرين عاماً طفق الفشل ينتاب أصحاب هذا المشروع الذي أسماه أهله "المشروع الحضاري"؛ إذ كان – بحسب التأكيد القاطع لسياق منهجه – مشروعاً ذا طابع قومي، ولكن وقوده المذهب الإسلاموي المتزمِّت، والبراغماتيَّة التي لا تعرف ضفافاً ولئن كانت جزر الفلبين.  بيد أنَّه في نظر الإسلامويين وأشياعهم إذا هم يقولون من ذا الذي يستطيع أن يسميه فشلاً لأنَّه أخفق في كسب الحرب الأهليَّة، أو نشر "الإمبراطوريَّة الإسلامويَّة" طالما ساهم المشروع في جعل السُّودان محط أنظار العالم إلى الأبد، هكذا يزعمون.
فما هي خطبة الكتاب إذن، أو بأسلوب آخر ما هي الأطروحة المركزيَّة للمؤلف؟  إنَّها لتتلخَّص في تعبيرات معدودات.  فبعد الاضطرابات الأمنيَّة التي وقعت في مدينة توريت في 18 آب (أغسطس) 1955م، وبعد أن هدأت العاصفة، كوَّنت حكومة إسماعيل الأزهري لجنة برئاسة القاضي الفلسطيني توفيق قطران لتقصي الحقائق التي أفرزت هذه الأوضاع الكارثيَّة في جنوب السُّودان.  وقد أفرد التقرير حيزاً للحديث عن أسباب الأحداث، فأصابت اللجنة فيما ذهبت إليه وأخطأت في مواقع أخرى.  فأين تكمن مواضع التوفيق وموارد الإخفاق؟  تحدثت الفقرة الأولى من هذه النقاط على اعتبار أن الجنوب هو مديريات أعالي النيل، وبحر الغزال والاستوائية، والشمال هو بقية المديريات الستة (الشمالية، الشرقية، الخرطوم، الجزيرة، كردفان، ودارفور).  فالشمال بتركيبه الاجتماعي والثقافي والديني ليس بمتجانس.  فبعيداً عن تضاريسه السياسيَّة، يكتظ الشمال بفروقات لغويَّة وأثنيَّة لا تستطيع أن تجعل منه كتلة واحدة.  لذلك لا ندري لِمَ نظر المقررون إلى النُّوبة في جبال النوبة، والفونج في تلال الأنقسنا، والبجة في جبال البحر الأحمر، والنوبيين في شمال السودان، والفور في جبل مرة، وأقوام أخر بأنَّهم عرب مسلمون ويتحدثون اللغة العربية؟  هذه هي شيمة سياسيي السُّودان في التعاطي مع مشكلات القطر من خلال أفق ضيق.  وفي واقع الأمر لا يعني هذا أنَّه لم يكن هناك مَنْ لم يُبن لأهل الحل والعقد سبيل الرشاد.  فهذا إبراهيم بدري، رئيس الحزب الجمهوري الاشتراكي، يرفع مذكرة إلى لجنة تعديل الدستور في 13 أيار (مايو) 1951م ويقول: "عندما أقول جنوب السودان لا أعني مواطني المديريات الجنوبية الثلاث لكن أيضاً الذين هم في جنوب الفونج يقطنون - مديرية النيل الأزرق - وكذلك بعض مواطني دارفور وجبال النُّوبة في كردفان.  كما ذكرنا سلفاً، هؤلاء الناس ليسوا بمسلمين ولا يتحدثون العربية، كما يصعب عليهم فهم بعضهم بعضاً، ولا تربطهم علاقات تقليدية أو دينية أو لغوية أو ثقافية بينهم وبين الشماليين؛ العلاقة الوحيدة هي علاقة إقليمية التي تعود إلى الاحتلال (التركي-) المصري العام 1820م (صحيفة "الحياة"، الأحد، 26/9/2004م، العدد 15157).
إذ أصرَّ الحزب على بقاء سلطات الحاكم-العام فيما يختص بالجنوب خلال الفترة الانتقاليَّة كما جاءت في مشروع قانون الحكم الذاتي، ضماناً لوحدة السُّودان ومصالح أهل الجنوب، وذلك في حال عدم إيجاد بديل فعَّال يطمئن له الجنوبيُّون، ويزيل مخاوفهم.  إذ أنَّ عدم الثقة المتبادل بين الشماليين والجنوبيين لا يزال قائماً ولا يمكن – حتى إذا صدقت النيَّات – أن نطوي بين عشيَّة وضحاها السلبيات التأريخيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة المتراكمة على مر الدهور.  وكان من رأي الحزب الجمهوري عدم تحديد موعد للسَّودنة أو ربطها بتقرير المصير، وإنَّما ينبغي أن يسير تنفيذها جنباً إلى جنب مع تطوير الجنوب، وتأهيل أبنائه في الخدمة المدنيَّة.  ولكن قد فوجئ الحزب في اجتماع عُقد في 10 كانون الثاني (يناير) 1953م باتفاقيَّة قيل إنَّها ستكون أساساً لدستور الحكم الذاتي.  إذ وقَّع مندوبو جميع الأحزاب عليها باستثناء إبراهيم بدري، الذي رفض التوقيع نيابة عن الحزب الجمهوري الاشتراكي، بحجة أنَّ الاتفاقيَّة تشكِّل خطراً على مستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال، مما يهدِّد وحدة البلاد.  وأضاف إبراهيم بدري أنَّ الاتفاقيَّة تفتقد ما يطمئن له الجنوبيُّون، ويزيل مخاوفهم، "وفيه أيضاً إجحاف واضح بحقوق الجنوبيين، وتأمين مستقبلهم، مما سيدفع قطعاً إلى تجاهل الوسائل الدستوريَّة والاستعانة – بدلاً عنها – بوسائلهم البدائيَّة المتاحة لمواجهة ما سوف يلحق بهم من غبن وعدم إنصاف."  واستطرد إبراهيم بدري قائلاً: "لو كان بين الموقعين جنوبي واحد من الأطراف الأخرى لما تردَّدنا في التوقيع (...) إنَّ الحزب الجمهوري الاشتراكي لن يوقِّع على الاتفاقيَّة خوفاً من أن يصبح مسؤولاً أمام الله والتأريخ عما سيقع من اضطراب وفتن متلاحقات في الجنوب، وعن تمزيق وحدة السُّودان.  وسوف يندم كل من وقَّعوا على هذه الاتفاقيَّة ولات حين مناص."  وخرج إبراهيم بدري من غرفة الاجتماع وهو يردِّد قول الشاعر الجاهلي:
محضتهم نُصحي بمنعرج اللِّوي        قلم يستبينوا النُّصح إلا ضحى الغد
هذا ما أكَّده محمد خير البدوي، وهو أحد مؤسسي الحزب الجمهوري الاشتراكي الذي كان إبراهيم بدري له زعيماً، أنَّهم "في معرض المفاوضات بين الأحزاب السودانية ودولتي الحكم الثنائي العام 1952م، طالبنا في الحزب الجمهوري الاشتراكي بمنح الحاكم-العام البريطاني سلطات استثنائية فيما يتعلق بالجنوب خلال الحكم الذاتي، وعندما قُوبل اقتراحنا بالرفض قال إبراهيم بدري إنَّه ليس نبياً، لكنه لن يستغرب وقوع فتنة في الجنوب لا تبقي ولا تذر عقب جلاء البريطانيين" (صحيفة "الحياة"، 18/8/1996م، العدد 12228).  وقال إنَّ مطالبتهم "بالسلطات الاستثنائية للحاكم-العام البريطاني كانت تستند إلى أنَّ قضية الجنوب كانت - ولا تزال حتى اليوم - قضية عدم ثقة متبادلة بين الشماليين والجنوبيين من جراء عوامل تأريخيَّة (...)" (صحيفة "الحياة"، 18/8/1996م، العدد 12228).  ومع ذلك، لم يكن بدري نبيَّاً، ولكنه ملك رجاحة العقل وناصية القول، وكان بصيراً بحال السُّودان باعتبار ما يكون، وما ستؤول إليه الأوضاع بعد حين أو عقب أحايين من الزَّمان.
أما السُّودنة فإنَّ أهل الشمال عكفوا عليها من قاعدتين: أولهما إشباع رغباتهم الجانحة نحو السلطة والجاه والمحسوبيَّة، وثانيهما التخوف من بقاء المسؤولين البريطانيين في السُّودان طيلة فترة السُّودنة التي حُدِّدت مدتها بثلاث سنوات، مما قد يؤثِّرون على الناخبين السُّودانيين ويختاروا الاستقلال التام، بدلاً عن الوحدة مع مصر.  وبناءاً على هذا الأخير جاءت السُّودنة إرضاءاً للمخاوف المصريَّة في السُّودان والأحزاب الاتحاديَّة.  أما السُّودنة نفسها فقد أُنجزت في خلال العام ونصف العام تقريباً في الفترة من آذار (مارس) 1954 – آب (أغسطس) 1955م، واحتل الشماليُّون بفضلها كل المناصب التي كان يشغلها البريطانيُّون في الشمال والجنوب، وبلغ جشعهم أن جرت مساع محمومة لإبعاد المرشح الشرعي لمنصب وكيل وزارة الري، المهندس حسن كافي، الذي ينتمي لأصول جنوبيَّة،  وهموا بإسناد المنصب لمهندس آخر يمت بصلة القرابة لواحد من أقطاب الحزب الحاكم منذ عهد حزب الأشقاء.  وكاد أن يتحقَّق هذا لولا وقفة إسماعيل الأزهري، رئيس الوزراء، وتهديده بالاستقالة.  وأثبت حسن كافي كفاءة عالية وقدرات عظيمة عندما أصبح وكيلاً لوزارة الري، حيث تمَّ في عهده مضاعفة مساحة مشروع الجزيرة بتنفيذ امتداد المناقل بأيدٍ سودانيَّة تحت إدارته.  على أيَّة حال، فقد تمَّت سودنة نحو 800 وظيفة في الشمال والجنوب، لم ينل الجنوبيُّون منها شيئاً ما عدا ترقية اثنين منهم إلى درجة مفتش مركز وأربعة إلى درجة مأمور، وهي درجات لم تكن في الماضي وقفاً على البريطانيين، فقد كان هناك قبل السَّودنة مفتشون شماليُّون، أما المآمير فكانوا كلهم أجمعون أكتعون شماليين.
إذن، من هو إبراهيم بدري؟  هو ذلكم الرّجل الذي ذكره الدكتور منصور خالد في الإهداء الذي زيّن به إحدى مؤلّفاته بأنَّه "لم يصانع في النصيحة خداعاً للنّفس، أو ارتكازاً إلى العنجهيّة.  قال لأهله خذوا الذي لكم، وأعطوا الذي عليكم إن أردتم أن لا يفسد تدبيركم، أو يختل اختياركم.  عزفوا عن رأيه ونسبوا الرأي وصاحبه إلى الاستعمار، ثمَّ مضوا في خداع النفس فأغراهم بالآمال العواطل الباطلات.  واليوم إذ يعودون إلى ما قال دون استحياء، لا يذكرون الرَّجل، وهم التَّابعون (السُّودان.. أهوال الحرب وطموحات السَّلام (قصة بلدين)، دار تراث، لندن، 2003م)."  أما محمد خير البدوي فيروي عنه بأنَّه ظلَّ "يرفض مراراً الانتقال إلى الشمال مترقياً إلي منصب المفتش، مفضلاً البقاء مأموراً في الجنوب، الذي ليس في ميزانيته بند لمفتش سوداني.  ورُؤي كحل وسط نقله مؤقتاً إلى الشمال مفتشاً لمركز سنكات، على أن يعود إلى الجنوب بعد فترة قصيرة.  وإبراهيم بدري ظاهرة نادرة وفريدة قلّ أن يجود به الزّمان؛ لو وُلد وعاش في غير السُّودان (مقبرة العباقرة)، لكان له شأن عظيم، لا يقل عن شأن عمالقة الفلاسفة والمفكرين الموسوعيين أمثال ابن رشد وفرانسيس بيكون وبيرتراند رسل.  تتجلى عبقريَّة إبراهيم بدري في رؤيته الملهمة السبًَّاقة، التي تأتي بآراء وأفكار تُعتبر في حينها كفراً وخيانة، لكنها تصبح مع مر الأيَّام حقائق مفعمة بالحكمة والإيمان، تصب كلها في مصلحة من مصالح الواقع الماثل للعيان.  وأصدق مثال على ذلك مواقفه وآراؤه حول مستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال (...)."  ويزيد محمد خير البدوي من غير تزيُّد: "لقد أمضى إبراهيم بدري ربع قرن من حياته في الجنوب، مما جعله حجة في شؤونه الاجتماعيَّة والتأريخيَّة والسياسيَّة والأنثروبولوجيَّة (علم الإناسة)؛ قال لي من أثق فيه إنَّ جامعة أوكسفورد البريطانيَّة لتعتبر إبراهيم بدري مرجعاً، كلمته الفاصلة في تلك الشؤون، وإنَّ أحكامه وآراؤه فيها غير قابلة للنَّقض، خاصة ما يتعلَّق منها بقبائل الدينكا الذين كثيراً ما يحتكمون إليه في أنسابهم ومشاكلهم اللغويَّة، لأنَّه أدرى بها منهم (محمد خير البدوي، قطار العمر.. في أدب المؤانسة والمجالسة، دار النّهار للإنتاج الإعلامي، الطبعة الأولى، الخرطوم، 2008م)."
وفوق ذلك كله، كان إبراهيم بدري صاحب فكرة إنشاء "جمعيَّة رفاهيَّة جنوب السُّودان" برئاسة ستانسلاوس عبد الله بياساما، حتى بات "الأب الروحي لجميع أعضائها، ومعظمهم كانوا من الجنوبيين المثقَّفين آنذاك، الذين أصبحوا بعد سنوات نواة للحزب الجمهوري الاشتراكي، التنظيم السياسي السُّوداني الوحيد الذي ضمَّ أعضاءاً مؤسسين جنوبيين، في وقت لم يكن فيه للأحزاب الأخرى أعضاء مؤسِّسون جنوبيُّون أو عاديُّون من أبناء الجنوب."  إذ تعتبر "جمعيَّة رفاهيَّة جنوب السُّودان" أول تنظيم شبه سياسي للجنوبيين يمكن اعتبارها صنواً لمؤتمر الخريجين في سنواته الأولى، عندما كان المؤتمر أقرب إلى تنظيم نقابي يرعى مصالح أعضائه، ويهتم – كما  جاء في مذكرته إلى السكرتير الإداري العام 1938م – "بالإصلاح الاجتماعي والأعمال الخيريَّة"، وليس من أغراضه "إزعاج الحكومة".  لم يكن هذا الوجيز مما كُتِب عن مآثر إبراهيم بدري ومشاعره تجاه جزء كبير من الشعب السُّوداني استكثاراً أو تزيُّداً؛ ولم يكن ما قرأناه لك عنه إلصاق الأعمال الجلائل على الرِّجال الأفاضل دون وجه حق، بل كان هذا هو الحق ذاته ممن عاصروه وأخذوا الحكمة من فيه فأرادوا أن يبصرونا بها لعلنا نهتدي بها أو نأخذ منها قبساً.  تدثَّر إبراهيم بدري بالجرأة التي اتَّسم بها طرحه، الذي اخترق حُجب الغيب وغسق الدُّجى، ليخرج بتنبؤ سياسي كان يتهيَّب الإفصاح عنه كثرٌ من أساطين الاستقلال، ودهاقنة السياسة، والمهتمين بالشأن السياسي السُّوداني يومذاك.  وحسبنا أن ندرك الآن بعد فوات الأوان أنَّ قراءته للحال السُّودانيَّة وقتئذٍ كانت تتوشَّح بروح واقعيَّة.  فهو إنَّما سعى – في لهجة خالية من الاستعراض أو الخيلاء الفكريَّة – لتوضيح الرؤية لخلاص السُّودان؛ ويكفي أنَّه تنبأ بنار الجحيم التي اجتاحت جنوب السُّودان، وتجتاح مناطق أخرى كان قد أشار إليها عياناً جهاراً دون استلهام الأماني العدوانيَّة.  رجل بهذا القدر من المعرفة بطبائع أهل الجنوب، ونفاذ في البصر والبصيرة، وهو كان يمثِّل جبلاً – أو لنقل جيلاً – من الوطنيَّة، كان ينبغي أن يُطاع له الأمر إذا قضى في شأن من شؤون أهل الجنوب.
هكذا حاولنا أن نجاوب على ذاك السؤال الهام الذي ردَّده إبراهيم بدري قبل بزوغ فجر الاستقلال، والذي لم يفتأ القوم حينئذٍ يأبهون بما ظل ينادي به الرجل ويدعو له بالتي هي أحسن قبل فوات الأوان، وبرغم من ذلك رفض الزعماء الوطنيُّون تضمين سكان هذه الجهات - التي كانت تُعتبر من "الجهات المقفَّلة" - في المعادلة السياسيَّة، والتي كان حولها يصطرع قادة الاستقلال ثم يختلفون مرة، ويتفقون مرة أخرى من دون اعتبار للأغيار.  إذ لم يشركوهم في الجمعيَّة التشريعيَّة العام 1938م، ولا في المجلس الاستشاري لشمال السُّودان العام 1943م، ولا في مؤتمر الإدارة الذي انعقد في الخرطوم العام 1846م، ولا في وفد الأحزاب السُّودانيَّة السياسيَّة التي سافرت إلى القاهرة العام 1952م وعقدت اجتماعات ووقعت اتفاقات مع الحكومة المصريَّة حول مستقبل السُّودان في تقرير المصير والحكم الذاتي، ثم لم يتم إشراكهم في الوفود السُّودانيَّة التي سافرت إلى باريس العام 1952م.  مهما يكن من الأمر، ففي الإعلان الرسمي لأمر "الجهات المقفَّلة"، أو"الجهات المغلقة"، أو "المناطق المقفولة"، أو "المناطق المغلقة" – بعد تعديله في 24 آذار (مارس) 1953م – ألغى الحاكم-العام بعض الجهات التي كانت تعتبر مقفَّلة منذ صدور هذا المرسوم في بادئ الأمر العام 1922م، إلا أنَّه احتفظ بسلطات مخولة له تجوز له اعتبار أيَّة منطقة من مناطق السُّودان منطقة مقفولة.  كما حدَّد الأمر المعدَّل العقوبات القانونيَّة التي يمكن تنفيذها على كل من يخالف هذا الأمر.
بناءاً على هذه الخلفيَّة التأريخيَّة والسياسيَّة والأثنيَّة بدأ محور بحثنا يدور حول هذه المناطق التي استذكر إبراهيم بدري ورثة الاستقلال بذلك.  ومن هنا جاء عنوان البحث وصفاً لثورة سكان هذه المناطق في السُّودان ب"انتفاض مواطني المناطق المقفولة".  إذ لا يعني هذا أنَّنا تغافلنا أو تقاعسنا عن ذكر أو الإشارة إلى أقوام آخرين من قوميات السُّودان المختلفة.  إنَّنا اعتبرناهم خارجين عن الإطار المرسوم لهذا البحث، ولكننا كتبنا عنهم في مواقع أخرى.  ويقف على قائمة هذه المجموعات، التي لم تشملهم هذه الدراسة، لكننا أوفيناهم حقهم في بحث منفصل، أثنيَّة البجة في شرق السُّودان.  ولقد كانت أمنيَّة عزيزة داعبت خيالنا منذ أمد مديد أن يتطوًّر هذا المجهود البحثي ليأخذ منحى آخر، ويغطي أعصرأً مختلفة من الحقب التأريخيَّة-السياسيَّة التي مرَّت بها شعوب بعينها داخل السُّودان، بالإضافة إلى أولئك الذين أُشيروا إليهم بمواطني "المناطق المقفولة" كما ظهر ذلك التعبير لأول مرة، إلا أنَّ محدوديَّة الوقت وضيق اليد وغيرهما قد حالت دون ذلك.  وإذا كان في العمر بقيَّة من يدري ربما أقدمنا على إكمال ما لم نستطع إكماله الآن.  على أيَّة حال، فبتقدم مجالات البحث، يميل البُحَّاث الكلاسيكيُّون كثيراً نحو مجالات ضيِّقة في التخصص.  فليس هناك شخص يستطيع اليوم أن يتفوَّق في علم الحفريات والتأريخ والنقد الأدبي مثلما استطاع الكُتَّاب العظماء في التأريخ العام في القرون الفائتة، ولنتذكَّر هنا – مثلاً – جورج قروت، وثيودور مومسين، وزينوفون (431-355؟ ق.م.)، والأخير مؤرخ وقائد عسكري يوناني قاتل في خدمة الفرس في كردستان وأرمينيا.  إذ كتب زينوفون – بجانب "أناباسيس" (Anabasis: The Persian Expedition or The March Up Country)، أي الحملة الفارسيَّة التي اشترك فيها – رسالة في الصيد بمعلومات قيِّمة عن تربية الجياد والكلاب، وجمع مذكرات أستاذه الجليل سقراط (470-399 ق.م.)، وترك لنا مخطوطة عن القطع الأوربيَّة الأولى في الخيال النثري، ودوَّن تأريخ اليونان ابتداءاً من حيث وقف ثوسيديديس (460؟-400؟ ق.م.) وانتهاءاً بسقوط الأسبارطة، وسطَّر مسودة في المال – أي في سبل تحقيق الغايات.  لذلك كان تحديد الإطار الزماني والمكاني واجباً علميَّاً علينا حتى لا نضطر إلى كتابة موسوعة علميَّة عن تأريخ السُّودان السياسي منذ أكثر من ثلاثة قرون مضت، ولا تقديم "بانوراما" عن ربوع السُّودان كلها من وجهة نظر أحاديَّة.
إنَّ أكثر ما يؤلمنا ويكدر حياتنا تعليم النشء التأريخ المثقوب، أو العلم المقلوب.  ويصيبنا بشيء من الأسى كثير ما ظللنا نقرأه في بعض الصحف السُّودانيَّة.  فقد طالعنا في صحيفة "خرطوميَّة" مقالاً – أو لنقل عموداً - للكاتب محجوب فضل بدري يحاول فيه إثبات ما أسماه "أكذوبة احتلال مصر للسُّودان"، لأنَّه "احتلال الإنكليز للسُّودان تبعاً لاحتلالهم مصر".  وأورد الكاتب ثلاث رسائل اعتبرها الكاتب "وثائق بسيطة من بحر زاخر بالمعلومات التي تؤكِّد براءة مصر من تهمة احتلال السُّودان واستعماره.. ذلك الأمر الذي يجعل مؤشر الحساسيَّة يرتفع لدي بعض السُّودانيين عند ذكر الحقبة الاستعماريَّة، أو أن يشعر بعض المصريين بالاستعلاء عند نظرهم للسُّودانيين (...)" (صحيفة "آخر لحظة"، الاثنين، 18/1/2010م، العدد 1237).  ومن هذه الرسائل نقف على وثيقتين.  إذ كتب الكاتب أنَّه "قد دافع شريف باشا بتأريخ 21/12/1883م في مذكرته للسير إيفيلنج بارينج (المعروف بلورد كرومر) المندوب السامي البريطاني عن الوجود المصري في السُّودان عندما طلبت بريطانيا من مصر (إخلاء السُّودان) فقال في مذكرة طويلة: "إنَّ مثل هذا الإجراء يترتَّب عليه حرمان مصر من حدودها الطبيعيَّة، وأن تصبح مكشوفة من كل الجهات، فيتعيَّن عليها المحافظة على كيانها أن تحتفظ بجيش عظيم تزيد نفقاته عن حدود طاقاتها..  أما الاحتفاظ بالسُّودان تحت إدارة حسنة فإنَّه، على العكس، يتيح لمصر، فضلاً عن تجنيد عدد كبير من السُّودانيين بنفقات قليلة، أن تجعل هذه الأقاليم جزءاً من النفقات اللازمة للاحتفاظ بجيش تكون مهمته المحافظة على الأمن في السُّودان والدفاع عن مصر ذاتها.. لذلك لا تستطيع حكومة سمو الخديوي إقرار ترك هذه الأقاليم التي تراها لازمة لضمان سلامة مصر، ولا غنى لها عنها – إلى أن يقول شريف باشا – ويصعب ذلك على المنصف أن ينكر على مصر جهودها الموفقة في تعريف العالم بهذه المناطق التي تمتد إلى البحيرات، فإليها وحدها يعود الفضل في إقامة مصارف ومتاجر أوربيَّة في السُّودان، وفي تمكين البعوث العلميَّة من ارتياده.. والإرساليات الدينيَّة من الإقامة."
أما الوثيقة الثانية فتقول: "وفي 4/9/1898م أصدر السير رينل رود مذكرة من القاهرة جاء فيها: "إنَّه بالنظر إلى المساعدات الماديَّة التي قدَّمتها الحكومة البريطانيَّة إلى الحكومة المصريَّة من الناحيتين الحربيَّة والماليَّة، فقد قرَّرت حكومة جلالة الملكة رفع العلم البريطاني بجانب العلم المصري في الخرطوم، وأنَّ هذا الإجراء لا يقصد به تحديد كيفيَّة إدارة الأراضي المحتلة في المستقبل، إنَّما يرمي إلى جميع المسائل المتعلِّقة بالسُّودان، وإنَّها تبعاً لذلك تنتظر أن تلتزم الحكومة المصريَّة كل نصيحة تقدِّمها إليها الحكومة البريطانيَّة في شأن المسائل السُّودانيَّة."  ففي التأريخ المشار إليه في الوثيقة الأولى – أي 21/12/1883م – كان السُّودان يرزح تحت براثن الاستعمار التركي-المصري (1821-1885م)، وليس البريطاني-المصري (1898-1956م).  وصحيح كانت مصر في ذلك الحين مستعمرة بريطانيَّة، ولكن السُّودان وقع تحت الاستعمار التركي-المصري قبل احتلال بريطانيا لمصر العام 1882م.  وهل ننسى بشائع العهد التركي-المصري في السُّودان من تجارة الرق وإنشاء زرائب لاصطياد العبيد في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة وغيرهما؟  كلا!  أما الرسالة "الباشويَّة" التي حاول محجوب فضل بدري الاستدلال بها فهي بالعكس تماماً، إذ أنَّها تثبت تشبث مصر باحتلال السُّودان، وهذه الرسالة لا تحتاج إلى عبقري زمانها – أو زماننا – لكي يفهمها بفهم غير ذلك.  والشعب السُّوداني أحسَّ ولمس هذا الوجود الاستعماري المصري كما أحسَّ ولمس الوجود الاستعماري الإنكليزي.  فكان هناك الأفندي المصري والمأمور المصري، والأمباشا والبكباشي والقائمقام والصاغ والشاويش المصري وغيرهم.
أما الوثيقة الثانية فأمرها أوضح في أكثر ما يكون الإيضاح.  إذ يعني رفع العلم على أرض ما التعريف بأنَّ هذه الأرض تحت سيطرة واستغلال الدولة صاحبة العلم، فالعلم المرفوع على سفينة أو باخرة هو مؤشر على تبعيَّة هذه الناقلة للجهة التي رفعت هذا العلم، والعلم الذي يرفرف خفاقاً على مبنى سفارة معيَّنة هو إقرار قانوني بأنَّ هذا البناء، وذلك الفناء الذي شُيِّدت في صحنه هذه السفارة يتبعان لسيادة الدولة المعنية.  وعليه، كان يعني رفع العلم المصري - بجوار العلم البريطاني – رفرافاً عالياً على سراي الحكم-العام البريطاني وكل منشآت الدولة والحاميات العسكريَّة دليلاً لا شك فيه بأنَّ السُّودان كان يئن تحت وطأة الاستعمار البريطاني-المصري.  فالمعروف أنَّ الحملة العسكريَّة التي قادها السير هيربيرت كتشنر وهزمت جيوش الخليفة عبد الله التعايشي في كرري في يوم 2 أيلول (سبتمبر) 1898م كانت معروفة باسم "حملة استعادة"، أي إعادة احتلال السُّودان، فيما تعني العبارة صراحة – لا ضمنيَّاً – أنَّ السُّودان كان تابعاً لمصر من قبل، وكل ما تحاول الأخيرة أن تفعله هو إرجاعه إلى ملكيتها بمساعدة الآلة الحربيَّة البريطانيَّة والدعم المالي منها.  أما النصائح التي تتحدَّث عنها الرسالة والتي تعبِّر عن رؤية الحكومة البريطانيَّة إلى الحكومة المصريَّة فماذا كانت تتوقع الأخيرة حين قبلت بالمساعدات الحربيَّة والماليَّة، إذ لم تكن هذه المساعدات البشريَّة والماديَّة هبة لها.  هذا، فإنَّ النصائح نفسها تختلف عن الأوامر أو القوانين التي تفرض عقوبات على من يتجاوز حدوده، وقد تكون هذه النصائح غير ملزمة.
مهما يكن من أمر، فبعدئذٍ تمحورت هذه السياسة البريطانيَّة في بعض المناطق المقفولة في السُّودان لتأخذ اسم "سياسة الجنوب" العام 1930، و"سياسة جبال النُّوبة" العام 1933م (أنظر الدكتور مدثِّر عبد الرَّحيم الطيِّب، مشكلة جنوب السُّودان: طبيعتها وتطوُّرها وأثر السياسة البريطانيَّة في تكوينها، الدار السُّودانيَّة، الطبعة الأولى، الخرطوم، 1970م).  وفي كل ما قرأناه وأحصيناه من المؤلفات الكثيرة من قبل الكثرة الكاثرة من أهل السُّودان حول السياسية الاستعماريَّة (البريطانيَّة-المصريَّة) في السُّودان (1898-1956م) لم نجد ما يقنعنا أنَّه لولا وجود هذه السياسة لتحقَّقت الوحدة الوطنيَّة في السُّودان، ولاستطاع السُّودانيُّون أن ينعموا بتنمية اقتصاديَّة رائدة.  وما يؤكِّد استنكارنا لهذا الاعتقاد الخاطئ عندهم هو أنَّ هناك مناطق في السُّودان لم تُعتبر مقفولة، لكنها ما تزال تعاني من قضايا التنمية والتعليم والصحة والطرق وغيرها.  أفلم يرحل الاستعمار قبل أكثر من نصف قرن؟  بلى!  فماذا جنينا في ظل الحكومات الوطنيَّة، بل خراب ديار ونذر بتفتيت السُّودان الذي تركه الاستعمار موحَّداُ مهما يكن من الأمر.  ولم يستطع الذين يستنكرون قانون الجوازات والرُّخص للعام 1922م أن يثبتوا لنا كيف كان يمكن أن يكون الوضع أحسن حالاً في التنمية والتَّعليم والرخاء الاجتماعي في حال عدم وجود قيود التنقل التي فرضتها سلطات الاستعمار.  وإذا كان الاستعمار قد أدخل هذه الأصقاع في دائرة "المناطق المقفولة" – كما يردِّد معظم السياسيين والمثقَّفين السُّودانيين – فلا شك في أنَّ العهد الوطني لم يفعل شيئاً لفك تلك العزلة تنمويَّاً.  كل ما يتحدَّث عنه هؤلاء هو تعضيد أواصر الوحدة الوطنيَّة، وتعزيز الشعور الوطني للبلد الواحد عند الشَّعبين الشمالي والجنوبي وكأنَّ الشمال نفسه كتلة متجانسة.  غير أنَّ هذا الشعور العاطفي لا يسمن ولا يغني من الأمر شيئاً، وإنَّ هذا الانتماء المعنوي لا تسنده ظواهر ماديَّة ولا روابط تأريخيَّة يمكن أن تساهم في نسيان مرارات الماضي وتجاهل الحاضر وغموض المستقبل.  والضرورة تقتضي مواجهة الماضي حتى يندمل بعض الجروح، ولا نقول كل الجروح (Without confronting the past, some wounds never heal).  بيد أنَّ أنصار هذا الادعاء ضد الاستعمار ليكتبون تأريخ السُّودان منذ العهد البريطانيَّ- المصري العام 1898م، أي مبتوراً، ويتناسون الحقب السابقة له، وكذلك الحقب السابقة للحقب السابقة له من تأريخ الرق، والذي يعود أصله إلى اتفاقيَّة البقط بين العرب الغزاة بقيادة عبد الله بن أبي سرح والملك النوبي قاليدروت العام 652م.  وكما أقرَّ الشيخ عمر الأمين أحمد، "فالعرب رغماً عن كونهم لم يكونوا أصحاب ضربة البداية في المباراة الاسترقاقيَّة والاستعباديَّة (في العالم، ولكنهم قطعاً أول المستسوقين لها في السُّودان)، فإنَّ شواهد كثيرة تدعو للقول إنَّهم لأصحاب قدر معلى في أنسنة تلك الممارسة البغيضة؛ وهذا واقع تشهد به وقائع تأريخ ماثل لا نمل، ولا نترفَّع، ولا نخاف من تسليط ضوء كاشف عليه (صحيفة "الصحافة"، الجمعة، 23/12/2005م، العدد 4507)."  وبالتالي فنحن نعود بجذور المرض النفسيَّة إلى القرن السابع الميلادي، وليس مستهل القرن التاسع عشر، وكان العرب عنصراً رائساً في هذا كله.  إذن فالعلة راسخة وعميقة، لذلك يصعب على أصحاب السلطة في السُّودان بما عرفناهم به من خصال وسمات أن يصلوا إلى الحلول المستديمة، ولذلك فشلت مشاريع التشخيص السابقة، ولم نجد من بين أولئك وهؤلاء من هو مبضع الجراح حقيقة، لأنَّ نفوسهم صغيرة، تتواطأ مع عجزها، ويتواطأ عجزهم الذاتي مع وعي يرتاح إلى الوهم والمخادعة.  والوعي الزائف يؤدِّي إلى الهلاك ليس لصاحب ذلك الوعي وحده لا شريك له، بل للمركبة التي يقودها ومن على متنها دون استثناء.
إذن، إلى أين يفضي الوعي الضيِّق الذي يتعامل مع قضيَّة معقَّدة تحتاج إلى شجاعة سياسيَّة لاتخاذ قرار تأريخي يصون وحدة البلاد، ويحقِّق العدالة والمساواة؟  لا مُراء في أنَّ التعارك السياسي قد أفضى إلى تبني بعض الأحزاب السياسيَّة والعناصر المؤثِّرة في القوى الحديثة مفهوم "السُّودانويَّة" (Sudanism) كإطار تعريفي للهُويَّة السياسيَّة والثقافيَّة للسُّودان ومواطنيه.  وهذا المفهوم المعروف بمصطلح السُّودانويَّة هي ذاتها التي دعت إليها، ونادت بها الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان لإعادة صياغة الهُويَّة السياسيَّة-السُّودانيَّة لتشمل ثقافات وأثنيات وديانات أهل السُّودان قاطبة دون إقصاء لأحد.  ومع ذلك، فإنَّ هذه القوى الحديثة، التي من الممكن أن تتحوَّل إلى مؤسسة سياسيَّة بديلة، لتتكوَّن من القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تقف ضد المؤسسة السياسيَّة القديمة، والتي يمثلها الصفوة السياسيَّة الشماليَّة.  ولا ريب في أنَّ أجندتها السياسيَّة والثقافيَّة، تقوم على التعارض مع المؤسسة السياسيَّة التقليديَّة، التي حاولت تذويب الثقافات الأخرى في الأحاديَّة العربيَّة-الإسلاميَّة.  وبمعنى آخر – والحديث هنا للحارث إدريس، "أي أنَّ المشكل في أحد أبعاده هو "لا تعدُّديَّة" الذَّات السياسيَّة التي فسَّرت العروبة مطلقاً برغم من أنَّها أكثريَّة سياسيَّة (بحكم القهر)، وبالتَّالي تضييق هامش التفاعل مع الثقافات الإفريقيَّة/الإحيائيَّة/النبلوطيَّة/النُّوباويَّة، وحتَّى تهميش وتبخيس الآخر الثَّقافي داخل الشمال نفسه في نظرة المركز السِّياسي إلى الجهوي في غرب السُّودان، وتوظيف إيديولوجيَّة الإعلام والدعاية السمجة بأنَّها ثقافات "وافدة"، ووصف محاولات استلام السلطة بذات الأسلوب الذي استولت عليه الذَّات الحاكمة العسكريَّة بأنَّها محاولات "عنصريَّة" مرشحة في الخيال الجماعي لهذه الجهويَّات التي كان عطاؤها في تشكيل السُّودان القديم والحديث أوفر من "أخرى" (التي هي) الذَّات العربيَّة السياسيَّة الإقصائيَّة (صحيفة "الحياة"، السبت، 12/6/1999م، العدد 13244)."  ومحاولات المهمَّشين لإثبات وجودهم في السُّودان قد أخذت ردحاً من الزَّمان، وتسبَّبت في خسائر بشريَّة وماديَّة، لأنَّهم أُجبِروا ليس على الدِّفاع عن أنفسهم من غلو الهيمنة الشماليَّة فحسب، بل لأنَّهم أُرغِموا على محاولات تغيير هذه المؤسسة في سبيل صيانة هُويَّاتهم الأثنية والثقافيَّة.  وبما أنَّ هذا التغيير يعد عمليَّة صعبة للغاية لأنَّه يتطلَّب تحولاً جذريَّاً في العقليَّة الشماليَّة والقيمة المعياريَّة، وُصِفت هذه المحاولات بالمؤامرات العنصريَّة تارة حين ينتفض أبناء هؤلاء المهمَّشين في العاصمة المسماة قوميَّة، أو ب"المتمرِّدين"، أو "الخوارج"، أو "الأنيانيا"، أو "الخونة المارقين"، أو بغير تلك الأوصاف تارة أخرى حين ينتظموا في قوى عسكريَّة ضد الأنظمة الحاكمة في الخرطوم، أو ب"الطابور الخامس" تارة ثالثة لنعت المشتبهين بالتعاطف مع الحركات المسلَّحة أيَّاً كانت.  وقد يتبادر إلى أذهان بعض البسطاء من الناس أنَّ هذه المصطلحات والمفاهيم مقصورة على الوضع القانوني لهذه الحركات المسلحة ضد السلطة القائمة أو الدولة، وبالتالي رفض مطالبهم السياسيَّة والثقافيَّة الشرعيَّة، ولكن في حقيقة الأمر – وكما كتب الدكتور محمد أبو سبيب – تحمل هذه المصطلحات الاستنكاريَّة ازدراءاً ضد ما يعتبرونهم "توابع عصاة"، وهكذا يؤكِّد الشعور الشمالي في أوضح ما يكون التأكيد "الاستعلائيَّة العربيَّة المتأسلمة" في سلوكهم الابتدائي ضد أولئك وهؤلاء.
فالتعدد الأثني هو العنصر الرئيس في المشكل السُّوداني، وهو المسكوت عنه في الصِّراع السياسي السُّوداني.  وإذا كان هذا العامل الرائس في النِّزاع السُّوداني قد أخذ في الماضي شكل الاستقطاب بين الشمال والجنوب، إلا أنَّه تبدَّلت الحال فتبلور في هيئة المركز ضد الهامش، وهذا الهامش ليس موجود في الجنوب فحسب، ولكن في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وأبيي وديار البجة وإقليم دارفور وأقاصي شمال السُّودان.  وتزداد وتيرة هذا الصِّراع كلما تعلَّم أبناء هذه الأقاليم، ووعوا بحقوقهم السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وأدركوا حجم التَّهميش، وعلموا بحقيقة التضليل في الإعلام المسمى "قومي"، وشعروا بمرارة الإقصاء من مراكز القرار، والتمثيل السياسي والديبلوماسي، وهرم القيادة العسكريَّة والأمنيَّة وبيوتات المال والأعمال.
على أيَّة حال، لقد غرسنا بذرة هذا العمل البحثي في مدينة مانشستر البريطانيَّة في أيلول (سبتمبر) 1995م في شكل كراسة تحت اسم "مأساة النُّوبة في السُّودان" في الفترة ما بين (1985-1989م)، حيث استعرضنا الاستعراض كله وبشيء من الأسى كثير في تلك الكراسة تجاوزات حقوق الإنسان على أيدي أهل الحكم في الخرطوم في تلك الفترة الزمنيَّة وفي ذلكم الإقليم.  ثمَّ ما لبثنا حيناً من الزَّمان حتى أذعناها في النَّاس خارج البلاد وداخلها، وكان غرضنا في تلك الإذاعة أن نزيح غبار النسيان والإهمال عما قد يندثر من سجل مرعب في حق النُّوبة إذ ذاك في السُّودان مع الأسف الشَّديد والحزن العميق.  ومن بعد، ظهر تأليفنا "النُّوبة في السُّودان.. نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السُّلطة"، الصادر بمدينة لندن العام 2006م، وقد طُبعت الطبعة الأولى بالقاهرة، ولم يتيسَّر لهذا الكتاب الرواج الكافي حتى يجد القراء النُّوبة خاصة والأغيار عامة منه ما يكفي من النُّسخ لشفاء غليلهم.  وهكذا ظلَّ هذا الكتاب "النوباوي" على وجه الخصوص والسُّوداني على وجه العموم أصلاً وفصلاً يتسرَّب إلى السُّودان على أنَّه منحة "نوباويَّة"، فتتخطَّفه الأيدي، وتلتهمه العقول، ويحتفظ به النَّاس في خزائنهم كتحفة عزيزة نادرة لديهم.  ولم يمض على طبعه غير يسير حتى أصبح – كما يقول المثل العربي – أعزَّ من بيض الأنوق.  لذلك كان من الأهداف الكبرى التي توخَّاها هذا الكتاب الصَّادر في بلاد الضباب أن يعمل على نشر ما أقبرته السنون من الحقائق "النُّوباويَّة" ليسمع صوت النُّوبة من ابن النُّوبة، ويساهم بذلك في تغذية حركة النَّهضة السياسيَّة التي أخذت منذ أمد غير قصير تشق طريقها في السُّودان وحيداً، وتمضي في تطوُّر منفرد دون آخذ رأي الأغيار في الاعتبار.
ومن هول ما وقع على النُّوبة من مأساة كارثيَّة على وجه الخصوص جاء هذا الفصل في أربعة أبواب.  وقد أعطينا هذا الفصل كليتنا، وحرَّرناه وقيَّدنا منها ما ناسب تقييده عليه وما دعت الحاجة إليه من فوائد مهمَّة وإضافات مفيدة، برغم من أنَّنا تجشَّمنا المشاق الكبرى في سبيل الظَّفر بالكتب المؤلَّفة عن الأجيال والأعصار في هذه الحقبة الزمانيَّة.  وفيما في الكتاب من تصوير منصف للحوادث والحقائق كما جرت في تلك السنوات الكالحات، وفيما في الكتاب من تشهير بالشر كما صورناه لك، ومثَّلناه لك في ثنايا هذا الكتاب، إلا أنَّه هو الحق وآية ذلك ما تقرأه من مآسٍ تعجز الكلمات عن وصفها.  وبهذا السرد لجوهر الواقع لا ظاهره، أردنا أن يكون هذا السرد موضوعيَّاً إلى حدود الوجع، لأنَّه يربك العقل ولا يسر القلب.  ولسنا نظن أن قارئاً نوباويَّاً خصوصاً، أو من الآخرين من أهل الهامش عموماً، مهما يكن من أمره، يستطيع أن يقرأ هذه الصفحات التي بين دفتي هذا الكتاب دون أن يثور قلبه وتضرب نفسه، ودون أن يغلي دمه غلياناً شديداً، ودون أن يحتاج إلى جهد عنيف ليكظم غيظه قبل أن ينفجر، وليمسك نفسه دون أن يندفع إلى ما لا يحسن الاندفاع إليه.  ومع ذلك، سخَّرنا ما لدينا من إرث معرفي بالمنطقة – وليس الخبر كالعيان.  هكذا جاء هذا الباب خاصة، وهذا الفصل عامة، تعبيراً صادقاً عن وطننا ومحل نشأتنا.  وكان إيماننا بأنَّ التَّربية تقوم على مساهمة الفرد في الوعي الاجتماعي لقومه.  وهذه المساهمة تبدأ - في شكل غير واع - منذ الولادة؛ وإنَّ للسيرورة التَّربويَّة لوجهين: سيكولوجي واجتماعي.  وإنَّ هذين الوجهين لمترابطان عضويَّاً.. خصوصاً في مجتمع نراه أنَّ الفرد المطلوب تربيته فيه هو فرد اجتماعي، والمجتمع اتحاد عضوي بين الأفراد.  وكذلك قد يقول قائل، أو يسأل سائل، لِمَ هذا الهيام الذي همنا به لجبال النُّوبة؟  فنحن نرد عليه بأنَّها هي البلاد التي بلغنا فيها التمام، وهي أول أرض مسَّ جلدنا ترابها، وأخذنا الزينة من آفاقها، وقطفنا من رياضها، ولهونا تحت سحائبها.  وفي هذا يتمثَّل قول الشاعر رقاع بن قيس الأسدي:
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي        وأول أرض مسَّ جلدي ترابها
فلا برحت تزهو على الأفق بالَبَها    ولا زال يهمي في الرِّياض سحابُها
والجبال تكتسب دلالة دفاعيَّة من المنظور الأمني متى ما علمنا أنَّ هذه الجبال حمت النُّوبة من أعدائهم المحليين والمستعمرين الأتراك-المصريين (1821-1885م).  ومع ذلك، استأصل الأتراك-المصريُّون بعضاً من القبائل "النُّوباويَّة" في سبيل الاسترقاق، وبخاصة في المناطق الواقعة وسط "الجبال الستة".  إذ لم تكن للجبال وما لها من الرمزيَّة المنطوية على القوة والغموض والاستعلاء والصمت للنُّوبة فحسب، بل عند أهل بعض سكان الجزيرة العربيَّة كذلك؛ وكأنَّما الجبل تكثيفٌ متعمِّد لمدلولات الطبيعة بالكامل في المنظور الجيوبوليتيكي (الجغرافي-السياسي).  وفي استجابته غير المشروطة لمفردة الجبال قصَّد الشاعر اللبناني جودت فخر الدين في ديوانه "أربع قصائد إلى اليمن" قصيدة طنَّانة يقول في بعض أبياتها:
لاحت أعاليهم وهم غابوا
كأنَّ بيوتهم حجبٌ أقاموها على قمم الجِّبال
كأنِّي في مهب للأساطير الوليدة
مَنْ أثار الرُّعب في هذه الوعور المشرئبة؟
ثمَّ ذلَّله
وألقى فوقه سحراً
فماجت هالةٌ مذلولةٌ في الشعاب
ولعلَّ الحركات المسلحة التي اشتعلت في جنوب البلاد لا ريب في أنَّها قد أضاءت السبيل – بالنضال المسلح المستمر – لمناطق مختلفة في السُّودان؛ وهي قد أدَّت إلى نتائج عمليَّة، من خلال الإصرار على المطالبة بالحقوق السياسيَّة، حتى أمست هذه النتائج مطالب مشاعة حتى اليوم في أقاليم أخرى من القطر.  لذلك كذلك شكَّلت قضيَّة دارفور محوراً بحثيَّاً بين دفتي هذا الكتاب الذي بين يديك.  إذ لم تختلف طبيعة مشكل دارفور عن الجنوب أو جبال النُّوبة في شيء.  فمثلما هي الحال في جبال النُّوبة يعج إقليم دارفور بأثنيات عديدة، بما فيها القبائل العربيَّة.  وكان إقليم دارفور يقع ضمن المناطق المقفولة، إلا أنَّ هذا الأمر لم ينل هيطاً وميطاً كثيرين في بادئ الأمر، وذلك لأنَّ أهل دارفور لم يبادروا بالكفاح المسلَّح مثلما فعل أهل الجنوب أو أسوة بجبال النُّوبة إلا أخيراً.  بيد أنَّ الفرق الوحيد بين إقليمي دارفور وجبال النُّوبة هو وجود الحدود الدوليَّة في الأول بين السُّودان وتشاد.  إذ انعكست الصراعات السياسيَّة-العسكريَّة في تشاد على الأمن المحلي في دارفور، وبخاصة أنَّ هناك قبائل مشتركة تقطن في الدولتين، وتتنقَّل بسهولة عبر الحدود الدوليَّة بينهما، حاملة معها النزاعات السياسيَّة والقبليَّة والصراعات في سبيل مصادر المياه وحقول المراعي، والأراضي الزراعيَّة الخصبة.  وعند قراءة الوثائق الموجودة في باطن هذا الكتاب عما أسموه "التجمع العربي" في دارفور، والاطلاع على محاضر الاجتماعات، وتقرير اللجنة التي طافت في الإقليم للتأليب والتجنيد لقيام فكرة "الجنجويد"، واللقاءات التي تمَّت بينها وبين ممثلي القبائل العربيَّة وأعيانهم، والتنسيق الدقيق مع أمناء المؤتمر الوطني وبعض المعتمديات، تتضح ثلاثة أشياء: أولها التخطيط الدقيق والعنصري لهذا التنظيم ضد ما أسموه "الزرقة" (الأفارقة)؛ ثانيها الدعم السخي الذي تلقاه هذا التنظيم، أو بالأحرى، تبنَّته حكومة "الإنقاذ" ورعته وموَّلته سياسيَّاً وعسكريَّاً وأمنيَّاً وإمداداً؛ وثالثها تشابه الحال بما حدث في جنوب كردفان (جبال النُّوبة) حين بدأت السلطات الحكوميَّة في الخرطوم بتسليح وتنسيق نشاطات القبائل العربيَّة في ذلك الإقليم عقب سقوط حكومة جعفر محمد نميري في نيسان (أبريل) 1985م.  أفلم نقل لكم إنَّ هناك أكثر من وجه مقاربة بين الأوضاع في إقليم دارفور وجنوب كردفان من قبل ومن بعد اشتعال فتيل العدائيات في كلاهما؟  بلى!  وكما كانت الحال في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة ودارفور فإنَّ الدمار الشامل ليحتاج إلى طبقة مبتذلة من القتلة؛ إذ عثر هتلر على ضالته في نصف مليون ألماني لهم الاستعداد أيما الاستعداد للمشاركة المباشرة في جرائمه، وفي خلال الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م) لم يعان الأتراك من صعوبة تجنيد وحدات خاصة لذبح الأرمن (حوالي 2 مليون شخص).  وكذلك حين اعتزم الجنرال لوثر فون تروتا تحت سلطة قيصر ألمانيا العام 1904م لاستئصال قوميَّة الهيريرو في جنوب-غرب إفريقيا (ناميبيا حاليَّاً) لم يبد الجنود الألمان أيَّة رحمة لتطبيق الأوامر الصادرة لهم في هذا الصدد، وقاموا بقتل 60,000 من الهيريرو، بما في هذه الممارسات اللاإنسانيَّة والتي تمثَّلت في تعليق الأطفال المقتولين على السونكي.  ولكن هل يُولد السفاحون قتلة في أول الأمر؟  كلا!  لكنهم يُحالون إلى قتلة، وهذه الإحالة سهلة تحت سلطة قائد وطني مصمِّم ومعتزم، مع وجود سكان معرَّضين بصورة سيئة ضد الضحايا، وتكثيف لبرنامج إشراب القتلة – الذين ارتضوا أن يكونوا وقود حرب في حرب وقودها الناس – فكريَّاً لإقناعهم بأنَّ ضحاياهم يستحقون هذا المصير.  هكذا كانت الحال في الحين الذي فيه قام الألمان بما قاموا به ضد اليهود والسلافيين تحت هتلر وجماعته النازيَّة، وجزء من الشعب السُّوداني ضد الأغيار عند التشهير بهم بأنَّهم "طابور خامس"، "خوارج"، "كفرة فجرة"، ونصارى وخونة مارقون يتطاولون على الإرادة الإلهيَّة، وذلك في الأنظمة "الخرطوميَّة" المختلفة.
أما بعد، فحين يكون موضوع البحث شائكاً كالذي بين أيدينا، فلا يكفي استخدام منهج واحد لمثل هذا النمط من الدراسة.  ولئن استخدمنا منهج التحليل الوصفي (Descriptive analysis) في بحثنا هذا، وهو المنهج الذي غالباً ما يؤخذ به في الدراسات التي تعتمد على تحليل مختلف الآراء والمفاهيم، إلا أنَّنا لم نستغن عن المناهج الأخرى، لأنَّ الاستعانة بأكثر من منهج كمثل المستغيث بأكثر من دولة إغاثيَّة، لأنَّ تلك الاستعانة لسوف تفضي إلى نتائج أفضل.  ففي البحث نجد قضايا ذات علاقة بالتأريخ، وأخرى بالسياسة، وثالثة بعلم الإناسة (علم الأجناس)، ورابعة بشخصيات تأريخيَّة وسياسيَّة.  إذ ينبغي في مثل هذه الأحوال استخدام منهج (Triangulation)، وهو منهج به يستطيع أن ينظر الباحث إلى الموضوع قيد الدراسة من زوايا مختلفة، وكذلك استعنا بمنهج التحليل النفسي للغوص في أعماق بعض الشخصيات التأريخيَّة-السياسيَّة التي لعبت دوراً محوريَّاً في صنع الأحداث في السُّودان، وذلك دون أن نتعرَّض إلى التفاهات والمتاهات التي فيها يلج بعض الباحثين ذوي الأغراض الملتوية، وبذلك يفقدون الموضوعيَّة والمنطق السليم.  وبفعل مشاركتنا في بعض الأحداث السياسيَّة، وبفعل انتمائنا إلى أثنيَّة سودانيَّة بعينها، وكذلك بفعل معرفتنا ببعض الشخوص صانعة الأحداث، بفعل كل هذا وذاك استخدمنا منهج المشاركة (Participation)، والذي به يستعين باحثو علم الإناسة.
هذا، فلم نعتمد في هذا الكتاب على قبول الأخبار والروايات من دون نقد وتمحيص وتجريح، حتى لا تمتلئ صفحات هذا السفر بالخرافات والروايات التي لا تثبت أمام النقد العلمي والموضوعي.  ولم نتعصَّب من زاوية سياسيَّة ضيِّقة، أو حزبيَّة دينيَّة عندما وضعنا هذا الكتاب، حتى لا نقع في الشطط والتطرُّف.  ولم نقصد بهذا الكتاب استرضاء كبار الحكام والموظَّفين في دواوين الدولة بالتمجيد والمبالغة كوسيلة لخطب ودَّهم، وكسب من ذويهم، مما قد يبعدنا عن صحة الخبر الموضوعي، فتفسد بذلك الرواية التأريخيَّة الصحيحة.  وكذلك لم نبتغ بهذا العمل التكسُّب والرِّبح المادي، أو الحصول على منصب في الدولة، لأنَّ ذلك من الأسباب التي تدفع إلى تحوير التأريخ، وإضافة الأخبار الكاذبة على الحقيقة العلميَّة، وتشويه صورة الواقع في سبيل إرضاء ذوي السلطان والنفوذ، للحصول على ربح مادي، أو منصب اجتماعي وسياسي.  هكذا لم نكتب هذا الكتاب هازلين، ولا كنا لاعبين.