النُّوبة بين أهوال الحرب وآمال السَّلام (2)
الدكتور عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كمولو.. صرخة بلادي الحبيبة(9)
يتفق العارفون بشؤون جنوب كردفان أنَّ كادقلي أخذت تعيش نوعاً من التمرد غير المعلن منذ العام 1972م في شكل تنظيمات سياسيَّة سريَّة تضم كل أبناء قبائل النُّوبة في مدرسة كادقلي الثانوية والمصالح والوحدات الحكوميَّة وإدارات التعليم والمثقفين في كل أنحاء السُّودان وخارج السُّودان.  وكان الهدف الرئيس من تلك التنظيمات رفع المعاناة والظلم الاجتماعي الواقع على المنطقة من الحكومات المتعاقبة على مر الحقب السياسيَّة، وإيجاد السبيل للتنمية الشاملة والمتوازنة، والتقسيم العادل للثروة القوميَّة والسلطة السياسيَّة، واسترداد الحقوق الضائعة من خدمات التعليم والصحة، والبحث عن المساواة والعدل وحرية الرأي والأديان، وتلبية احتياجات الإنسان الأساسيَّة من المأكل والمشرب والمسكن والملبس والعمل.  فما من مشروع دستور حزبي على رأسه أبناء النُّوبة، أو مؤتمر سياسي أقاموه، أو ندوة جماهيريَّة عُقِدت، أو مذكرة احتجاجيَّة رُفِعت إلى السلطات الحكوميَّة، إلا وقد تطرَّق أصحاب المشروع أو منظِّمو ذلك المؤتمر أو متحدِّثو النَّدوة أو رافعو المذكرة عن هذه التظلمات قليلاً أو كثيراً، تفصيلاً أو عموماً، وبالأدلة الدامغة التي لا تقبل المُراء، أو بالأرقام المثبتة التي لا يستطيع أن ينكرها عاقل، حتَّى بات معروفاً أنَّ الدافع المشترك للأحزاب الشماليَّة – برغم من اختلاف توجهاتها فيما يتعلَّق بقضايا التنمية والوحدة الوطنيَّة – أنَّ الدافع المشترك بينها هو الإبقاء على سيطرتها على السلطة السياسيَّة مع تهميش الهُويَّة الثقافيَّة والوطنيَّة للمجموعات غير العربيَّة.  ولكن متى بدأ هذا التهميش حتى استغلظ الضيم؟
قبيل – وبعيد - استقلال السُّودان العام 1956م لم تتم استشارة أبناء جبال النُّوبة في مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.  وقد سار قادة الحكم الوطني بعد الاستقلال منتهجين ذات السياسية الاستعماريَّة ولم يبدلوا تبديلاً.  فعلى سبيل المثال عمل المركز على تغييب التمثيل البرلماني لأبناء المنطقة في الانتخابات التي جرت بعد ثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964م، بمعنى أنَّه كان تمثيلاً رمزيَّاً فقط.  وحين تمَّ ترشيح دانيال كودي لمجلس الشَّعب القومي العام 1982م، وفاز في هذه الانتخابات، ودخل المجلس في ظل النظام المايوي الشمولي، وجد نفسه أنَّه عضو صوري، إذ كان القرار في أيدي فئة معيَّنة.  ولا شك في أنَّ أهالي جبال النُّوبة ظلَّوا أوفياءاً للسُّودان، وأخذوا يلعبون دور المواطن العاقل برغم مما لحق بهذه المنطقة منذ وقت مبكر من إهمال من قبل كل الحكومات الوطنيَّة التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال.  ومع ذلك، لم يقد هذا الولاء إلى جني مغانمه، بل تسبَّب في مغارمهم.  فلا نجد مكاناً  للنُّوباوي في وزارة الثقافة والإعلام (الإذاعة والتلفزيون والمسرح)، ولئن وُجِد فتقتصر مهامه على تنفيذ البرامج السياسيَّة أو الاجتماعيَّة أو الدينيَّة أو الثقافيَّة المعدة سلفاً لتلبية رغبات الساسة الذين يرسمون السياسات العليا والدنيا للبلاد.  والجدير بالذكر أنَّ جذور السلطة السياسيَّة والاستغلال الزراعي تعود إلى حقب سحيقة في منطقة جبال النُّوبة.  إذ تجدنَّ أنَّ جبال النُّوبة قد "بدأت بداية استغلاليَّة بإدخال شركة أقطان جبال النُّوبة إلى المنطقة منذ العشرينيَّات (من الفرن الميلادي الماضي) لينتج النُّوبة القطن لمصانع بريطانيا، وكانت الأسعار تُحدَّد من الشركة التي كانت تدير كل شيء، وكان النُّوباوي عبارة عن آلة منتجة مستغلة (...) ومن ثَمَّ كانت الهجمة الشرسة باسم الثورة الخضراء في الستينيَّات والسبعينيَّات (من القرن الميلادي المنصرم) على أراضي هؤلاء القوم وتوزيعها بفلسفة الأرض لمن يستصلحها ويستثمرها وأُخِذت الأراضي من المالكين قسراً، وكنا نرى أهل قرى يُساقون إلى المحاكم لأنَّهم اعترضوا على مشروع التاجر الفلاني أو العلاني (...) وبعضهم كان يُحكَم عليه ويُجلَدون، ونحن نذكر أنَّ زعماء قبائل وشيوخ وعمد ورجال دين كانوا يُجلَدون أمام الناس في الأسواق بالمدن المختلفة، مثل: الدلنج، كادقلي، رشاد، تلودي، وأبوجبيهة."
وفي هذا المجال قام الدكتور عطا الحسن البطحاني بدراسة قيمة – برغم من أنَّها لم تتعرَّض بصورة مباشرة للشؤون السياسيَّة الخاصة بإقليم جبال النُّوبة في السبعينيَّات والثمانينيَّات والتسعينيات من القرن العشرين – إلا أنَّها رسمت الخلفيَّة التأريخيَّة التي لا يمكن بدونها استيعاب طبيعة الاقتصاد الزراعي في جبال النُّوبة والتركيبة الاجتماعيَّة أو النزاعات السياسيَّة أو أشكال المقاومة المتشدِّدة التي كانت سائدة حتى توقيع اتفاقيَّة جبال النُّوبة للسلام العام 1997م، وبروتوكول جنوب كردفان في إطار اتفاقيَّة السلام الشامل العام 2005م.  واعتمدت هذه الدراسة على مواد أرشيفيَّة غطَّت نشاطات منظمات نوباويَّة في فترة الخمسينيَّات والستينيَّات.  هذه المواد - التي لا بد منها لتقصي السياسات الزراعيَّة والقوميَّة – تتضمن مذكرات خاصة لقادة اتحاد مزارعي جبال النُّوبة في الخمسينيَّات، وقادة العديد من المنظمات الأخرى التي رفعت لواء المسألة النوباويَّة في الستينيَّات، وتتضمن وثائق حكوميَّة من الأرشيف المركزي والإقليمي، ومن أرشيف صحيفة "كردفان" الأسبوعيَّة، وأحاديث مع القادة الذين شاركوا في الأحداث السياسيَّة في الخمسينيَّات والستينيَّات، وساهموا بأساليب عدة في تشكيل الخارطة السياسيَّة على المستوى المحلي.(10)
أما من الناحية التعليميَّة، فنجد أنَّ "أهل جبال النُّوبة (...) لا يجيدون اللغة العربيَّة ولا الانكليزيَّة، ولكن عندما يذهبون إلى المدارس يُساوون بين الطلاب الذين يجيدون هاتين اللغتين وأبناء المدن دون أن تُعطى لهم خصوصيَّة، وكان ذلك هاجساً كبيراً، وهو الذي تسبَّب في تعطيل كثير من أبناء جبال النُّوبة من أخذ التَّعليم بالكم الذي يريدونه."(11)  وفوق ذلك، نجد أنَّه في هذه المدارس تُدرَّس فيها اللغة العربيَّة وتُمنع لغات النُّوبة، وألا يُنادى التلاميذ بأسمائهم النوباويَّة التي سموهم بها آباؤهم، مما حدا بالأساتيذ – أو الأساتذة أو أستاذين، جمع أستاذ وهو فارسي معرَّب – تسميتهم بأسماء عربيَّة، وتكليف أحد التلاميذ (الألفة) بالإبلاغ عمن يتحدَّث بأيَّة لغة من لغات النُّوبة.  وقد استشعر أبناء النُّوبة لاحقاً من التربويين هذه النظرة الفوقيَّة للأساتذة واستخفافهم بإرثهم اللغوي، وموروثاتهم الاجتماعيَّة لأنَّهم لا ينتمون إلى العرب.(12)  هذا، فلم يقتصر هذا الاضطهاد اللغوي والقهر الثقافي على النُّوبة في جنوب كردفان فحسب، بل سادت الحال إياها في كل مناطق السُّودان التي يعتبر أهلها اللغة العربيَّة لغة ثانية، أي ليست بلغة الأم (Mother-tongue).  ففي إحدى مدارس دارفور كان أستاذ اللغة العربيَّة يحمل معه مفتاحاً يضعه فوق رأس الذي لا يتكلَّم عربيَّة صحيحة، أي من ينطقها باللكنة المحليَّة.  وهذا التلميذ بدوره يمرِّر المفتاح إلى آخر مثله.  وفي صباح اليوم التالي يسأل المعلِّم عن آخر تلميذ كان يحمل المفتاح ومن سلَّمه إياه؟  وهكذا تشمل القائمة كل التلاميذ فيتم عقابهم بالجلد لأنَّهم لا يعرفون اللغة العربيَّة.  هذا أسلوب لطمس الحضارات الأصليَّة في التأريخ والثقافة.  وهكذا كان فرض تعليم اللغة العربيَّة على أبناء النُّوبة – أو المجموعات غير العربيَّة الأخرى في السُّودان - خصماً على اللغات المحليَّة ومنعهم من التحدث بلغاتهم القوميَّة، مما أفضى إلى تولُّد الغبن لدي مواطني المنطقة، وفي هذا المنحى تجريد للهُويَّة والتركيبة الثقافيَّة للمنطقة، حتى المنهج التعليمي فقد كان يعطي الإنسان ذا البشرة السوداء مرتبة ثانية.  فلتجدنَّ في كتاب المطالعة الأوليَّة (الابتدائيَّة) قصة حسن البطل، حسن ولد العرب!  وماذا إذن عن النُّوباوي كوة وكوكو وكافي وتيَّة؛ وعن البجاوي أوشيك وأدروب وأوهاج؛ وعن الدينكاوي ملوال وأروب وشول وموم؛ وهل هناك أرجل من الفوراوي آدم رجال وإساغة (اسحق) والدومة وأبو البشر؛ وماذا عن الدنقلاوي نقد الله (عبد الله)، والمحسي أوشا الله (عبد الله) وغيرهم!  أليسوا هم بأبطال كذلك، ويستحقون الاحتفاء ببطولتهم؟!  بلى!  ومن محصلة هذه التجارب وغيرها نبع الشعور بالتَّهميش السياسي والاقتصادي والثقافي لدي مواطني جبال النُّوبة.
وكثيراً ما يختلط القهر الثقافي بالديني والعرقي والسياسي، وبرغم من أنَّ لهذا القهر سوابق ولهذا الاضطهاد قدمة، إلا أنَّه اشتد أوراهما في مطلع السبعينيَّات، وبخاصة بعد أن نشرت المصوِّرة السينمائيَّة الألمانيَّة النازيَّة – ليني رافينشتال – صوراً عن النُّوبة في كاو-نيارو، وذاع صيت البث التلفزيوني عن هذه المجموعة القبليَّة، مما أثار حفيظة حكومة جعفر محمد نميري.  فقامت الحكومة بحملة اجتماعيَّة وسياسيَّة واسعة ضد العري في جبال النُّوبة.  وفي هذا الإطار يقول الدكتور محمد صالح: "(إنَّ) حكومة نميري أمرت العام 1972 الدوائر الحكوميَّة في جبال النُّوبة بعدم تقديم خدمات إلى النُّوبة الذين يهتمون بتربية الخنازير، وأولئك الذين يتمسَّكون بالعيش شبه عراة، وهو تقليد نوباوي عند بعض القبائل.  وقامت مجموعات البقارة المحليَّة بتطبيق القانون بنفسها، وقتلت الآلاف من الخنازير مما حُرِم النُّوبة من مورد طعام أساس، وأُجِبر أبناء النُّوبة على التكلم بالعربيَّة وكانوا يعاقبون إذا استخدموا لغاتهم المحليَّة؛ أما المدارس في المناطق غير الإسلاميَّة فكانت شبه محرومة من التمويل الحكومي."(13)  وما من شك في أن سياسة منع الخدمات عن المواطنين لأنَّهم لم يلتزموا بسياسة الدولة القمعيَّة فيها هضماً بواحاً للحقوق الأساسيَّة، التي تستوجب حق العيش والتمتع بخدمات المواطنة.  إذ كان الأحرى على السلطات استخدام وسائل عقلانيَّة وأخلاقيَّة أخرى لا تجنح إلى سلب المواطن من حقوقه المدنيَّة وإفقاره وإذلاله.  كما أنَّ أخذ القانون بيد العرب فيه تجني صريح على الأغيار.  إذ يمثل هذا الانعطاف جناية ضد القانون ذاته، وكان ينبغي على الدولة تعويض هذه المجموعة، التي سُلِبت حقوقها الماديَّة في أنعامها، قبل الإقدام على شيء من هذا القبيل.  وهل دمَّرت حكومة نميري الكحول في الخرطوم ومدن الشمال العام 1983م بعد إعلان قوانين الشريعة الإسلاميَّة دون تعويض أصحاب البارات؟  فلِمَ لم يتم تعويض النُّوبة في أمر خنازيرهم؟  أما إن لم تكن هذه الخنازير ملكاً للأفراد وتابعة للدولة – أي خنازير بريَّة – فكان ينبغي أخذ أضرار البيئة والصحة العامة وحقوق الحيوان ذاته، بل كان يمكن إهدائها أو بيعها إلى أيَّة دولة تريدها.
وعن تهميش النُّوبة في جنوب كردفان يذهب البعض من غير النُّوبة مذاهب غرائبيَّة في مجادلتهم بالباطل، أو محاولاتهم الميؤوسة لإثبات غير ما هو معلوم ومعايش.  فقد كتب الصافي علي أحمد من عرب الحوازمة، الذي عاش الطفولة في مدينة كادقلي ودرس في الدلنج وتطوَّع في هبيلا لحصاد سمسم الحكومة العام 1969م، كتب يقول: "وجد أبناء جبال النُّوبة اهتمام كل الحكومات – المدنيَّة والعسكريَّة – ودليلنا على ذلك وجود وزير في كل حكومة أبدأ من (حكيم النُّوبة) محمود حسيب، أمين بشير فلين، الحبيب سرنوب، إبراهيم نايل إيدام وأخيراً (الدكتور) كبشور كوكو، أي تكريم وأي شرف أكثر من هذا؟ وأيَّة قبيلة في كردفان كانت لها حظوة أبناء جبال النُّوبة؟؟"(14)  هذا ما دوَّنه قلم الصافي علي أحمد من جدة بالمملكة العربيَّة السَّعوديَّة.  إنَّ ما يشير إليه الصافي لا يرقي إلى الاستدلال بشيء، لأنَّ استوزار الأشخاص دون أن تكون لهم سلطة تنفيذيَّة فعليَّة لعمل شيء لا يغني من الأمر شيئاً.  لكن الأهم في الأمر أنَّه لماذا لا يتفاعل هؤلاء الأعراب المتواجدين في المنطقة مع قضايا المنطقة التي استوطنوا فيها ولبثوا فيها أحقاباً، بدلاً من الولاء الأعمى لأحزاب الخرطوم وحكوماته التي لم تجود عليهم بشيء قليل أو كثير.  فحين يطالب أبناء النُّوبة بتأهيل المدارس والمراكز الطبيَّة فستعود الفائدة على النُّوبة والعرب في المنطقة على السواء؛ لأنَّ الملاريا لا تفتك بالنُّوبة وحدهم، وإنَّ مشكل النساء اللائي يفقدن حياتهن في فترة الولادة لعدم وجود القابلات المدربات غير مقصور على النُّوبة فقط، والحمى الصفراء حين تضرب المنطقة يموت النُّوبة والعرب كلهم دون تمييز.  أفلم تبدأ الحمى الصفراء بالعرب البدو قبل النُّوبة في جنوب كردفان في خواتيم العام 2005م!  وحين يطالب النُّوبة بتحسين الخدمات البيطريَّة فلسوف تستفيد منها أنعام العرب والنُّوبة على حد سواء، ولن يحرم النُّوبة إخوتهم العرب من استخدام الطرق المعبدة والكباري المشيدَّة التي يلحون على تعبيدها وتشييدها.  ولسوف يشرب العرب ومواشيهم وإبلهم وماعزهم والنوبة وحيواناتهم كذلك إن وردوا الماء من الآبار التي يسألون السلطات أن تحتفرها.  ولكن مع ذلك كله تميل المجموعات العربيَّة إلى دعم السلطات المركزيَّة في الخرطوم – حكومات وأحزاب – والتماهي بهُويَّتهم التي تمتد جذورها إلى خارج الوطن، بدلاً من الوقوف يداً واحدة مع أخوتهم النُّوبة في جنوب كردفان والمطالبة بتحسين الأوضاع العامة التي لسوف تسكب عليهم الفائدة كلهم أجمعين أكتعين.  فليس التهميش في المنطقة مقصوراً على النوبة فحسب، بل على كل ساكني الإقليم من نوبة وعرب وفلاتة وشوابنة وغيرهم.  ويسعدنا هنا أن نضرب مثلاً ب"الفايكينغس" (The Vikings)، وهم من البحارة المكتشفين والتجار المغامرين من الدول الإسكندنافيَّة (الدينمارك والنرويج والسويد)، الذين احتلوا مساحات أوروبيَّة في أواخر القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر الميلادي.  وتعني كلمة فايكينج القراصنة، وبذلك اشتهروا بأنَّهم من المغيرين.  إنَّ رجال الشمال (Norse)، الذين عُرِفوا عبر القرون باسم "الفايكينغس"، قد غزوا بريطانيا، واستوطنوا فيها، وتحوَّلوا من امتهان الإغارة إلى التجارة، وانصهروا في المجتمع البريطاني، وشاركوا المجتمع الجديد في التكنولوجيا وتبادل الأفكار، وعاشوا جنباُ إلى جنب مع السكان الأصلين لبريطانيا (سيلتيك) والمهاجرين السابقين (الأنغلو-ساكسون) والمعاصرين لهم.  أما الفايكينغس، الذين لم يعودوا إلى موطنهم الأصلي في الدول الإسكندنافيَّة فقد تعلَّموا اللغات المحليَّة (الإنجليزيَّة والويلزيَّة والأيرلنديَّة واللاتينيَّة – والأخيرة كانت لغة الصفوة في بريطانيا)، واعتنقوا المسيحيَّة، وتبنوا أسماء الأنغلو-ساكسون المهاجرين الذين سبقوهم في الاستيطان في بريطانيا، وامتدحوا الأشعار التي قيلت فيهم بواسطة البريطانيين والأيرلنديين، وتفاعلوا مع المجتمع من حولهم، وتعلَّموا كيف يتواصلون ويتواصون مع بعضهم بعضاً في الفترة ما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي، وأصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع البريطاني والأيرلندي.
مهما يكن من شأن، فقد بدأت فكرة بناء تنظيم سياسي من النُّوبة المتعلمين وطلاب مدرسة كادقلي الثانويَّة العليا (تلو) العام 1973م وكان الغرض من إنشاء هذا التنظيم، الذي أخذ اسم "كمولو"، إبراز القضيَّة السياسيَّة لمنطقة جبال النُّوبة، ولا سيما بعد فشل الأنظمة الحاكمة في تحقيق مطالب النُّوبة في الخدمات الاجتماعيَّة والصحيَّة والتعليميَّة والتمثيل السياسي العادل في جميع أجهزة الدولة المدنيَّة والعسكريَّة والسياسيَّة والديبلوماسيَّة، فضلاً عن تشتت أبناء النُّوبة أنفسهم بين اتحاد عام جبال النُّوبة بقيادة المرحوم محمد حسيب جباه، وجناح أخر تحت زعامة الأب فيليب عباس غبوش.  وترأس تنظيم اتحاد الشباب – "كمولو"- المرحوم عوض الكريم كوكو تية.  هكذا شرع المثقَّفون من أبناء النُّوبة في وضع خطة العمل السياسي للتنظيم الوليد الجديد، وذلك بتكوين الهيكل السياسي وإنشاء اللجان المختلفة وابتكار أسلوب العمل السري، الذي بدأ فور الانتهاء من الإجراءات التنظيميَّة.  وفي بادئ الأمر عمل التنظيم الوليد على جمع شمل أبناء النُّوبة، وبث روح الوحدة بينهم، والتفاكر حول كيفيَّة وضع الخطط الإستراتيجية السليمة لتحرير أنفسهم وأهليهم من ربقة "الاستعمار الداخلي"، وتوصيل القضيَّة إلى مواطني جبال النُّوبة وإعدادهم معنويَّاً لكي يحملوا السلاح - إذا دعت الضرورة – لشن حرب عصابات طويلة المدى ضد الدولة لانتزاع حقوقهم المسلوبة.  وفي فترة ليست بمديدة استطاع التنظيم أن يفوِّز دانيال كودي في انتخابات مجلس الشعب القومي، ويوسف كوة مكي في مجلس الشعب الإقليمي، وقد تمَّت هذه النجاحات بدون أيَّة موارد ماديَّة، نسبة لفقر التنظيم.  بيد أنَّ التنظيم كان يتحلَّى بالإرادة العالية والتضحيات العظيمة، ومن الدعاية الإعلاميَّة التي كانت تتم بالدراجات والسير على الأقدام، وذلك في وجه منافسيهم الذين استخدموا إمكانيات ماليَّة هائلة وما كان لهم من وسائل النقل والاتصالات.  برغم من ذلك كله مُني خصومهم بالفشل الذريع.
وحين تفجَّرت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في 16 أيار (مايو) 1983م، جلس قادة تنظيم "كمولو"، وقرروا ابتعاث يوسف كوة مكي إلى إثيوبيا لمقابلة قادة الحركة الشَّعبيَّة لاستجلاء الأمر، وأن يأتيهم بالخبر اليقين.  وعند انضمام يوسف كوة مكي إلى الحركة الشَّعبيَّة أرسل خطاباً إلى التنظيم في السُّودان، وفيه اختار عشرة من كوادر التنظيم من أبناء النُّوبة للالتحاق بالحركة الشَّعبيَّة، وليتم تدريبهم وتأهيلهم عسكريَّاً وسياسيَّاً في بونقا بإثيوبيا، ثم بعده يتم تكليفهم في مهمات عسكريَّة إلى جبال النُّوبة.(15)  كان ممثِّل الحركة الشَّعبيَّة في الخرطوم آنذاك الدكتور لام أكول أجاوين، الذي كان يعمل محاضراً في جامعة الخرطوم، والذي بدوره سلَّم خطاب يوسف كوة إلى ممثل "كمولو" بالخرطوم عبد العزيز آدم الحلو، والذي قام هو الآخر بتكليف المرحوم أيوب أبري لتوصيل الخطاب إلى رئاسة "كمولو" في كادقلي، وقد قامت الرئاسة هي الأخرى بإخطار المعنيين في الخطاب.  وبعدئذٍ عُقد الاجتماع التنويري في الخرطوم برئاسة الفكي سليمان، ممثلاً للحزب القومي السُّوداني آنذاك، وذلك لأنَّ الأب فيليب عباس غبوش كان في ذلك الحين من الزمان قد أُخرِج لتوه من السجن، وكان تحت رقابة أمنيَّة منزليَّة.  وكان حضوراً في هذا الاجتماع فيليبوس أبرص والخير ونيلا وكان الغرض من هذا الاجتماع هو حث المختارين على الالتحاق بيوسف كوة مكي في إثيوبيا.  وقد ذهب بعض المختارين وهم خمسة بعد ذلك لمقابلة الدكتور لام أكول أجاوين في جامعة الخرطوم للتنوير النهائي وهذا ما كان، حسبما رواه تليفون كوكو أبو جلحة.
وقبل سفر هؤلاء ذهبوا إلى الأب فيليب عباس غبوش في منزله، وأخبروه بأنَّهم جاهزون للسفر للانضمام إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في إثيوبيا.  وقال لهم: "أنا معكم؛ الجنوبيين خانوني في أنيانيا ون، وأنتم لو ماشين (ذاهبين) تنضموا إلى المقدَّم يعقوب إسماعيل، فأنا معكم".  فردَّ عليه عوض الكريم كوكو تيه: "يا فاظر (الأب) فيليب، المقدم يعقوب إسماعيل موجود في إثيوبيا قبل الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، ولم يستطع أن يقوم بأي دور إعلامي ولا نشاطات عسكريَّة في الميدان، والحركة الشَّعبيَّة حديثة جداً من العام 1983م وحاليَّاً هي معروفة في العالم أجمع إعلاميَّاً، ونشاطاتها العسكريَّة في الميدان مستمرَّة ليلاً ونهاراً".  فقال له الأب فيليب: "المهم أنتم لو ماشين لقرنق، أنا ما معاكم، ولو ماشين ليعقوب إسماعيل أنا معكم".  وخرجت المجموعة وغادرت الخرطوم إلى كينيا في صبيحة 2 كانون الثاني (يناير) 1985م، ووصلت إلى قيادة الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في يوم 16 كانون الثاني (يناير) 1985م، وكان في استقبالهم في إثيوبيا اللواء قيرشوانق ألونق الذي أصبح وزير الاتصالات في حكومة الجنوب لاحقاً.  تُرى لِمَ رفض الأب غبوش مباركة انضمام أبناء النُّوبة إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، برغم من أنَّ مجنِّدي النُّوبة كانوا يشكِّلون القوة الثانية الضاربة في الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان بعد الدينكا؟  عندما ذهب الأب فيليب غبوش في مستهل السبعينيَّات من القرن الماضي الميلادي إلى يوغندا لمقابلة رئيس حركة أنيانيا ون وهو كان القائد جوزيف لاقو، وذلك للتنسيق معه على تدريب 400 مستجد من أبناء النُّوبة رفض لاقو هذا الاقتراح.  وحسب ما جاء في محاضرة القائد العام للحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان الدكتور جون قرنق دي مابيور في تموز (يوليو) 2000م في مدينة ياي، قال القائد قرنق: "إنَّ اللواء جوزيف لاقو عيَّن ضابطين وثالثهما هو الضابط جون قرنق نفسه، حيث كان هو أركان حرب القائد جوزيف لاقو آنذاك وبرتبة ملازم أول، (وقد) عيَّنهم كلجنة لمقابلة الأب فيليب عباس غبوش في كمبالا.  فبعد المقابلة خلصوا إلى أنَّ فيليب عباس يريد أن يدرِّبوا له 400 مقاتل من أبناء النُّوبة، وبعد المقابلة جلس ثلاثتهم لإعداد التقرير لرفعه إلى القائد جوزيف لاقو، ولكنَّهم اختلفوا فيما بينهم حيث أنَّ الاثنين من زملائه رفضا فكرة انضمام أبناء النُّوبة إلى حركة أنيانيا ون، وذلك بسبب أنَّ أبناء النُّوبة في الهجانة هم الذين يقاتلونهم ويهزمونهم ويطاردونهم في ميادين القتال من شجرة إلى أخرى.  فقال لهم جون قرنق: "يا أخوانا أولاد النُّوبة في الهجانة ديل ما كويسين، ولكن أبناء النُّوبة العاوزين يتدرَّبوا معانا ويحاربوا معانا (ضد) الحكومة ديل كويسين."  ولكن زملاءه رفضوا وتغلَّبوا عليه، ورفعوا تقريرهم إلى القائد جوزيف لاقو برفض أبناء النُّوبة في حركة "أنيانيا ون".  ومع ذلك، لا نستطيع أن نقبل كليَّاً أو جزئيَّاً بقول إنَّ النُّوبة هم من الذين كانوا يحاربون الأنيانيا وحدهم، ولا نستطيع أن نطمئن إلى هذا الزعم قليلاً أو كثيراً.  فإنَّ القوات المسلَّحة السُّودانيَّة مؤسسة قوميَّة بها النُّوباوي والفوراوي والجنوبي والبقَّاري والشايقي والدنقلاوي والجعلي والمحسي والبجاوي وغيرهم من قوميَّات السُّودان المختلفة؛ لذلك لا يستقيم التركيز على أثنيَّة واحدة بأنَّها هي التي كانت تقود حرباً عشواء ضد أهل الجنوب المتمرِّدين في صفوف أنيانيا ون.  لأنَّنا نعلم علم اليقين أنَّه كان هناك 3,000 جندي جنوبي في القيادة الجنوبيَّة بجوبا، وكانوا يقومون بطلعات دوريَّة وعمليات عسكريَّة ضد أهلهم المتمرِّدين ضد الدولة في مديريات جنوب السُّودان المختلفة.  ونحن نعلم علم الحق كذلك أنَّ حكومات الخرطوم حينها قد أنشأت ميليشيات جنوبيَّة، وسمتها "الحرس الوطني"، وأمدتها بالسلاح والمعلومات الاستخباراتيَّة، وشرعت تعيث في أرض الجنوب فساداً وتدميراً وقتلاً واغتصاباً لنساء الجنوب ونهباً لمواشيهم وممتلكاتهم.  وفوق ذلك، نحن ندرك أنَّ قيادة الجيش – سواء في الجنوب أم في الخرطوم – من أهل الشمال العربي المسلم هي التي كانت، وما تزال، تقوم بالإشراف والإدارة في المؤسسة العسكريَّة، ولم يكن النُّوبة ممن يضعون الخطط الحربيَّة، ويشرفون على تنفيذ العمليات العسكريَّة ويموِّلون الإمداد العسكري.
ومن بعدما شهدنا من ذا الذي يستطيع أن يستنكر اختيار النُّوبة للعمل المسلَّح بعد هذا الانتظار الطويل؟  فلا مريَّة في أنَّه ليست هناك أمة أو طائفة أو جماعة يمكن أن تستكين وتستسلم إلى العمل السلمي إلى الأبد، حتى الدوخوبوريين الذين اتخذوا من الدين وسيلة في سبيل السلم لم يظلَّوا هكذا أبد الدهر.  فمن هم الدوخوبوريين؟  الدوخوبوريُّون (Doukhobors) – وتعني لفظة "دوخوبور" مصارع الأرواح – هم جماعة انشقت من الكنيسة الأرثوذكسيَّة الروسيَّة بعد الإصلاحات الكنسيَّة في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي بعد أن رفضوا التعبُّد الطقوسي، وبدأ الأغيار ينظرون إليهم بأنَّهم هرطوقيين، ونبذهم المجتمع الروسي وهجرهم هجراً مليَّاً.  لكنهم أصروا أنَّهم يتصارعون مع – ويخافون – روح الله، وابتنوا فلسفتهم الدينيَّة على وصيَّتين من الوصايا العشر، وهما: الاعتراف وحب الله – أي القوة الروحيَّة للخير والخلق – بكل القلب والعقل والروح؛ والوصية الثانية هي حب الجار كما تحب نفسك.  وكان لهم من الإيمان ما هو خليق بأنَّ قانون الله يتمظهر في السلوك الودي بين النَّاس.  عليه، نجد أنَّهم مسالمين كانوا ثم ورعين، وكانوا ضد كل أنواع العنف، ويؤمنون بأن الحرب غير ملائمة مع المسيحيَّة.  وفي العام 1895م رفضوا الخدمة العسكريَّة في الجيش الروسي، وحرقوا جميع أسلحتهم، وتعرَّضوا للاضطهاد بسبب معتقداتهم، وفكروا مليَّاً في الهجرة إلى الخارج.  وقد وجد هؤلاء الدوخوبوريُّون تعاطفاً من الروائي الشهير الكونت ليو تولستوي  - مؤلف كتاب "الحرب والسلم" – الذي رأى في اعتقاد القوم ما يتناسب تناسباً طرديَّاً مع بنات أفكاره في إدراك المعتقد الروحي والنظام الاجتماعي.  ومن ثمَّ شرع تولستوي في حملة لإجبار حكومة التزار للسماح لهم بمغادرة الاتحاد السوفيتي.  وبالفعل نزل حوالي 1,100 منهم قبرص العام 1898م، وبعد العام وصل حوالي 7,000 منهم إلى شواطئ شرق كندا ومنها إلى غرب البلاد.  وفي كندا عاشوا حياة الجماعة الواحدة واحترفوا الزراعة، والاكتفاء الذاتي، وتعاطفت الحكومة الكنديَّة معهم ومنحتهم أراضي بلا ثمن.  بيد أنَّه في العام 1906م تبنى وزير الداخليَّة الكنديَّة تغييرات جذريَّة في لوائح الأراضي، التي أمست تهدِّد مجتمع الدوخوبوريين.  وفي الفترة ما بين (1908-1912م) نزح آلاف منهم صوب الغرب القصي، وكان بينهم مجموعة منشقة من المقاتلين يدعون سفوبودنيكي (Svobodniki) – أو أبناء الحريَّة.  لقد رأى هؤلاء المنشقون في سياسة الحكومة الجديدة في كندا نكوصاً على العهد، فتركوا مبادئ السلام، ودخلوا في عصيان مدني، واستخدموا العنف لتحقيق أهدافهم.  ولم يكتفوا بالتفجيرات وإشعال الحرائق، بل استخدموا التظاهرات العامة دون أن يرتدوا الملابس، أي عراة.(16)
ومن هنا نستطيع أن نقول ما من إنسان مهما بلغت به الدرجة من الخنوع يريد أن يقلِّب خديه يمنة ويسرة لتلقِّي الضربات والإهانات دون أن يتحرَّك لصد هذا الذل والهوان، والسعي في سبيل البحث عن المساواة والعدالة والإنصاف لدفع الظلم.  هكذا امتثل النُّوبة، ولجأوا إلى حمل السِّلاح.  ولكن هذا العمل المسلَّح حمل مخاطر جسيمة، والتضحيات كانت عظيمة، وقد أتت هذه العزائم على قدر أهل العزم من النُّوبة نساءاً وشيوخاً وأطفالاً ورجالاً وشباباً.  وتشابكت العوامل التي غذت الحرب حتى بات من الصعوبة جداً تحديد عنصر واحد للاستعانة بها كمرجعيَّة لهذه الحرب الأهليَّة السُّودانيَّة، وتحديداً في هذه المنطقة من القطر.  فكم استخدمت السلطات الحكوميَّة السياسة في هذه الحرب تارة، والدين الإسلامي تارة أخرى، والعنصريَّة البغيضة تارة ثالثة، والموارد الطبيعيَّة تارة رابعة، والتجويع تارة خامسة، ودعَّمت هذه العمليات بالإعلام الضليل والمال الغرير والترهيب والترغيب.