أربعون يوما مضت على فراق الغالي والدي الحبيب الدكتور بشير البكري، والدموع لم تزل حرّى في عيني وعيون كل المحبين والمريدين للراحل الذي أحب وأحبه الجميع. فهو أبى الذي رعاني وشملني بحبه وحنيته وعقلانيته، بعد أن فقدت والدي "البيولوجي"، وأنا حديث التخرج من الجامعة في منتصف السبعينات من القرن الفائت، خاصة وهو "أبو البنات"، ولعلها نعمة من الله يحسبها البعض نقمة، وهم غافلون عن هبة منه تعالى لا يدركها إلا المبصرون. كما قد كان صديقي وأستاذى الذي ألجأ إليه في كل صغيرة وكبيرة، وكل نصيحة أحتاجها، أو مشورة أو حكمة أستهدى بها في اتخاذ قرارٍ أو الإقدام على خطوةٍ، لا أدرك عواقبها.
         كم هو صعب ومؤلم أن أكتب عن حبيبٍ لم أستوعب بَعدَ بُعدهُ عنّى وعن زوجته العظيمة وبناته وأصهاره وأسرته الممتدة، بل وعن أصدقائه وتلاميذه وحوارييه، ومحيطه الاقليمى ودائرة نفوذه الدولي. يشهد على ذلك تشييعه المهيب وتدافع الجميع لتقديم العزاء فيه من داخل وخارج البلاد، سواء بالمشاركة الفعلية أو بالاتصال الهاتفي والإلكتروني لمن تعذرت عليه سبل الحضور.  فالكلمات لا تسعفني، بل وتستعص عليّ، والقلم لا يطاوعني، فالأمر جلل ترتعش معه الأيدي ويضطرب الكلام وتتبعثر الخواطر.

         رأيته، ومعي زوجتي الحبيبة، لآخر مرة في يوم الثلاثاء الموافق الثامن من يونيو الماضي، أى أسبوعين بالضبط قبل أن يختاره الله إلى جواره أيضا في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من نفس الشهر. وكنا قد قدمنا للخرطوم في زيارة مقتضبة لنطمئن على صحته بعد تعرّضه لدورة من المرض استوجبت دخوله للمستشفى كلّ أسبوعين لإجراء نقل للدم. وكان يومها قد خرج لتوه من المستوصف، ورغم إصرارنا على تأجيل السفر حتى تستقر حالته تماماً، إلا أنه لم يترك لنا أيّ فرصة لنبقى معه، ملحاً عليّ أنه بخير وفى أتمّ صحته، وأنه لن يرضى أن نتأخر ولو ليوم واحد، وفعلا بدا مشرقاً ومتألقاً، وكأنه يودعنا وهو في أحسن حال! عدنا إلى السودان بعد تشييعه بيوم، ومع أنه كان آخر يوم للعزاء لكن لم ينقطع سيل المعزّين من كل حدبٍ ومن كلّ صوب، وكأنه يوم التشييع. ولعل مؤازرة الأحباب والأهل والأصدقاء، وما أحاطونا به من حب ومودة ودفء، هو ما ثبّت القلوب وألزمنا الصبر وجعلنا نتحمل لوعة الفراق، وإنْ بقيَ الحزين دفينا في القلوب ،على أبى الذي أحب وأحبه الجميع.

كان بشير البكري فريد عصره ونسيج وحده. فقد جمع بين صفات، تبدو متناقضة، وقلما اجتمعت في شخص واحد. فقد كان ليبرالياً بمعنى الكلمة، ومن المؤمنين بالدولة المدنية الديمقراطية، فقد عاش قي باريس سفيراً ومندوبا لليونسكو، وعرف المدينة رمز الإشعاع الحضاري، وتجول فيها كما السوّاح، وفتن بسحرها ومتاحفها، وعشق مخزونها الثقافي. ولكنه كان متدينا ورعا ومتعبداً وقارئاً وحافظا للقرآن، مؤدياً لكل الفرائض ومتبعاً سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وحج إلى بيت الله وطاف بالكعبة وتهجد بمدينة الرسول، وأدى العمرة مرات ومرات، مع زوجته وأم بناته، وزار ثالث الحرمين الشريفين وصلى الجمعة بالمسجد الأقصى بالقدس، وكان له في ذلك ما زاد النفس أمانا، وزرع في القلب طمأنينة، ورسخ في العقل روية وعمقا.

        جمع الرّاحل الغالي بين المباشرة في تناوله لمختلف القضايا الوطنية وهموم الشعب واهتمامات النخبة، وبين دبلوماسية الطرح والنأي بالنفس من الانزلاق إلى حواف التجريح وتسفيه آراء المخالفين لرأيه، عصمه عقله الراجح ورأيه السديد على الدوام. كان الراحل العزيز مساهماً فاعلا ومشاركا نشطاً في الحركة الوطنية السودانية، وهى في نعومة أظفارها، وغيوراً على وطنه مدافعا، بيد أنه لم يرض لنفسه التوشح أبداً بعباءة الحزبية الضيقة أو التمسح بأعتاب السلطان تزلفا. كان متمسكا بمبادئه ومنافحا عن مواقفه، دون حياد سلبي أو توجس من نقد، ولكنه لم ينزع للتعصب أو الانغلاق العقائدي. كان رقيقا وهيناً لينا وعطوفا، لكنه كان دوماً شديد المراس قوى العزيمة، منحازاً لكلمة الحق، مالكاً لزمام أمره، حاسباً لكل خطوة حساب، تخرج كلماته موزونة بميزان المعدن النفيس.

         كان عادلاً في معاملته للناس ومنصفاً بينهم، بدءاً من أسرته ووصولا للفضاء العام، يخاف أن يظلم أو يتجنى على، أو يغمط حق أحد، فهو يخاف الله أكثر وأشدّ، ولا يقدم على فعل لا يرضى ضميره أو يغضب الخالق. لم يكن الحبيب الراحل يميز في صداقاته أو علاقاته الاجتماعية بين مسلم وصاحب ديانة أخرى، فمعدن الإنسان عنده لا يقاس بالدين أو السحنة أو العرق، فكم من مسلم ظالم يفتقد للواعز الديني والأخلاقي، وكم من "كافر" عادل يتحلّى بالخلق السمح، فقد كان الراحل الغالي متصالحاً مع نفسه ومتعايشاً مع الآخر ولو اختلفت المذاهب وتباينت المنابت، فأكرم الناس عند الله أتقاهم.  
           كان الراحل حبيبَ الكل أنيقاً وسيما مشرق الوجه، لو توشح بالعباءة السودانية أو ارتدى الزى "الأفرنجى" الكامل. كم برّني بهدايا من قطع قماش راقية وعالية الذوق، بل اصطحبني معه في القاهرة وفى الخرطوم لتفصيلها، إن كانت لجاكتة وبنطلون أم لجلباب، عند معارفه من الحائكين المهرة. وفوق ذلك كله، لم يكن الراحل المقيم يوما باحثا عن الثروة والجاه، أو تطاول في البنيان، أو لاهثا وراء السلطة ومفاتنها، بل كان غنى النفس عفيف اليد، جلّ همه العيش الكريم المتواضع له ولأسرته وبناته وأزواجهن. فحتى البلازما (شاشة التلفاز المكبرة) التي دخلت بيوت كل من هبّ ودب، لم يسع لاقتنائها إلا قريباً مع إلحاح أحفاده الذين، واللائي، ينازعونه المشاركة في المشاهدة، ولكل مزاجه ومزاجها، فآثر أن يحتفظ بالجهاز القديم في غرفته ليستمتع بمتابعة الأخبار ويستغرق "مع هيكل" في برنامجه المحبب على قناة الجزيرة، والذي درج على حثنا جميعا على مشاهدته، رغما عن إدراكه أن لكلٍ ممن حوله موجته وذبذباته.

        غنىّ عن القول أن الحبيب الرّاحل، المقيم بيننا، بعطائه وثرائه الروحي وعبقه الفكري، كان ديمقراطيا حتى النخاع في تعامله مع بناته وأحفاده وكل أفراد الأسرة، صغيرهم وكبيرهم، رجالهم ونسائهم. كما كان ديمقراطياً منفتحا حينما يقترب من الشأن العام. فلا يكتب مقالة أو يسطر كلمة بدون نقاش وحوار حولها وإشراك الجميع في كنه موضوعها. ورغم كتابته الأسبوعية المنتظمة في جريدة "الرأي العام"، وقبلها في "الأهرام المصرية"، إلا أنه كان يميل أكثر نحو، ويفضل التفاعل المباشر وحضور الندوات والمحاضرات والمؤتمرات، على اختلاف قضاياها المطروحة من سياسة وأدب وثقافة وشؤون إقليمية ودولية، والمساهمة بمداخلاته القيمة وأفكاره المتقدمة. فلا يخلو محفل من هذه المحافل، وإلا رأيت الراحل بشير البكري في الصفوف الأمامية. ولقد سألني أحد أحبائه من أقربائي ذات مرة، وبالرغم من عدم دهشته من حضوره الدائم، إلا أنه كان مستغربا من كيفيه معرفة عم بشير بهذه المناسبات ومواعيدها، وأماكن انعقادها. فتحديته أن يحاول الاتصال به في أوقات مختلفة إن لم يجد هاتفه مشغولا، فقد كان العزيز الراحل في حالة اتصال دائمة بأصدقائه من الدبلوماسيين ومن المهتمين بالشأن العام يتقصى منهم أخبار الندوات والمؤتمرات، فيعدّ العدة منطلقاً صوبها ليدلى بمداخلاته ونصحائه لصناع القرار وواضعي السياسات لعلهم يسمعون، ويعرف من خلال لقاءاته على هامش الاجتماعات بما يدور في الساحة من وقائع وأحداث. وفى سبيل الحصول على المعلومات كان عم بشير يتبع طقوسا بعينها يستمتع بها ولا يقبل حولها نقاشا، وتتمثل أدواتها في "نظارة القراءة"، و"طاولة" صغيرة يضعها أمامه، و"مفكرة" كبيرة يكتب علبها أرقام التلفونات، والتي من العسير لشخص غيره أن يفك ألغازها، وجهاز "تلفون" أرضى، إذ فشل في أن يكون صديقا للهاتف المحمول، طالما أستطاع بدونه أن يتحصل على المعلومات التي يبتغيها.    

         كان كريماً معطاء، يمنح باليد اليمنى ما لا تعلمه اليسرى، حتى في توصيل المعلومات، سواء في المحافل العامة أو على مائدة الطعام بالبيت حين نلتف حوله ساعة الإفطار أو الغداء يوم الجمعة. إنه اليوم الذي نتوق إليه ونشتاق لنسمع منه ويستمع إلينا، وهو يلح علينا على الأكل وله عن كل صنف قصة أو طرفه تحثك على تناول المزيد. حقيقة لا أعرف كيف سأواجه هذا الموقف الصعب بعد عودتي بالجلوس على نفس المائدة والوالد الحبيب لم يعد بجواري وعلى رأس المائدة. فهل ستطاوعني نفسي الخاوية، وهل ستتحرك يداي أم ستتجمد في سكون المكان ووحشة اللحظة؟ إنه حقا لاختبار  ثقيل لا أدرى كيف سأجتازه!

        كان قارئا نهماً، تشهد عليه مقتنياته من الكتب والدوريات والمجلات، ناهيك عن الصحف اليومية، المحلية والأجنبية، وتشهد غرفته ذات المساحة الواسعة التي تضيق عليه فتجده جالساً وسط أكوام وأكوام من الأوراق المتداعية على جانبي السرير الذي ينام عليه، في انتظار أحد أحفاده ليساعده في العثور على بعض المواد المفقودة. وكم تآمرت عليه رفيقة دربه، بالتعاون مع أحفادها، في إزاحتها كلما شكا المكان ازدحاما. وفى زيارتنا الأخيرة له قبل رحيله، ونحن على سفرٍ في اليوم التالي، كنا نبحث وكأننا "ننقب" عن وثيقة هامة ظننا أنها قابعة في مكان ما وسط هذه الأكوام من المطبوعات، وبناته وأحفاده يضحكون ولسان حالهم يقول أن ما نفعله ما هو إلا حرث في البحر، فطالبونا بأن "ننسى" الموضوع، مع الوعد بأن يقوموا بالتفتيش على مهل بعد مغادرتنا.

        الغالي الراحل رجل أسطورة جدير بالاحتفاء والاحتفال به، إذ من النادر أن يتكرر أمثاله، فهو جدير بأن يكون قدوة يحتذي بها، وأن ونقتفى أثره ونتعلم منه الدروس ونأخذ منه العبر، وليتنا نتحلى بأخلاقه ونتمثل صفاته ونسلك صراطه. وتخطر في بالى هنا بعض من كلمات سطرتها إبنتى "راوية" وهى وقتها طالبة في نهاية العام الدراسي الثاني لها بجامعة يورك بكندا، وتستعد للتخصص في "الكتابة الخلاقة"، بمناسبة حفل تكريم جدّها (الذي نظمته لجنة قومية تحت رعاية نائب رئيس الجمهورية، الأستاذ على عثمان، فى فبراير 2007)، فقالت: (( كنت أعلم منذ وقت مبكر وأنا مازلت يافعة أنى أردت أن أنمو لأصبح مثل جدي. وفى الواقع، فإني أذكر بالضبط اللحظة التي شعرت فيها بهذا الإدراك. فقد كان بعد الظهر في يوم من أيام الصيف العادية وأنا ممدة على سرير جدي أكتب بعض القصص وأتمرن على أسلوب الخط المتصل، وإذا بجدي يستيقظ من النوم على انفجار مفاجئ لصوت الراديو الصغير الذي دائما ما يحمله بين يديه، فبدأ يحكى لي بعض القصص. فحدثني عن دراسته للقانون وعن أول قضية جنائية ترافع فيها للدفاع عن "مكوجى" الحي الذي دخل في عراك مع شخص آخر. ومع أنها كانت قصة مضحكة، ولكن ما رسخ في ذهني بشدة هي البلاغة التي تحدث بها "جدو"! ومنذ ذلك الحين، صممت على التمثل بالصفات التي لمستها في "جدو". فقد وجدت أن التوقد الذهني والمعرفة التي تنضح بها كلماته، لفظا ومعنى، لمذهلة حقاً. فثروته من التجارب والخبرات، والتي لاشك ساهمت في حكمته الفريدة، مدهشة ومثيرة. فهكذا، لفتاة صغيرة في سني تحلم بالأمراء والأميرات، ما الذي كان يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من حكايات جدي السحرية عن ملك بلجيكا والإمبراطور هيلاسلاسى؟)).      
           لنكتب له ميلاداً جديداً رغم رحيله عنا ومغادرته لنا، ولمقابلة عطائه الثر بوفاء يستحقه، سأسعى على الأقل لتحرير مجلد أقوم بتقديمه ويهدف إلى توثيق وتدوين مساهماته المكتوبة في صحيفتي "الأهرام" المصرية و"الرأي العام" السودانية، والتي كتب لها مقاله الأسبوعي الأخير من على سرير المرض بالمستشفى. وقد شرعت بالفعل في جمع مقالاته من هذين الموقعين الصحفيين المميزين واللذين كانا يعنيان الكثير للراحل المقيم. كما أنني أتعشم في أصدقائه ومحبيه ومريديه والمسئولين في الدولة، وسأكون معهم سندا ومعينا، أن يثابروا في إعداد حفل تأبين بعد عام من رحيله، حتى يتم التحضير له بصورة جيدة ليأتي مشرفا يليق بالدكتور بشير البكري، الذي لم يبخل على وطنه وأهله حتى لحظة فراقه بثاقب فكره ومثابرته. رحمه الله رحمة واسعة، بقدر ما قدم لهم وألزمنا وأسرته الصبر على الفقد الكبير، الغالي الذي أحبّ وأحبه الجميع.

د. الواثق كمير
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الكويت
يوليو 2010   
 
Elwathig Kameir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]