عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في مشكل الهُويَّة في السُّودان

إنَّ مسألة الهُويَّة في السُّودان لقديمة، وقد أثارت كثيراً من التفكير وشيئاً من الحديث في المجالس الخاصة والعامة، ولكن ليست بالصُّورة السِّياسيَّة الصَّارخة إلا بعد نشوب الحرب الأهليَّة الثَّانية العام 1983م، ومن ثمَّ أمست جزءً من أجندة الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان. هكذا صار أمرها جديراً بالعناية خليقاً بالبحث والتفكير، وبات يحفل به السُّودانيُّون، ويحملهم على نحو من أنحاء التفكير، ويثير في نفوسهم الخواطر الوجدانيَّة والاهتمام الاجتماعي والتساؤل السِّياسي. ثم كان دخول العامل الدِّيني في هذا المعترك قد زاد الأمر سوءً واشتعالاً ما في ذلك شك.
وفي هذا الشأن أشاعت جماعة "الإنقاذ" في السُّودان ثقافة الموت والقتل والتقتيل والإقتتال، ونفخت فيها روحاً دينيَّة جهاديَّة، حتى أمست جزءً رائساً من الحتميَّة الحياتية (Living fatalism) في البلاد. ومتى ما اختلط المفهوم الإجرامي للثقافة مع الحتميَّة أيَّاً كانت، وذلك من خلال سيادة ثقافة تسلطيَّة قاهرة، يمسي النَّاس – بالأثر والتأثير – عبيداً للسُّلطة الحاكمة. ومن هنا يستوجب التفريق بين الشخص المسلم وانتماءاته وولاءاته الأخرى، والتي تختلف من شخص إلى آخر من جانب، وبين الشخص الجامد الذي اتَّخذ الإسلام هُويَّة أحاديَّة، وعمت بصيرته عن رؤية القواسم الحياتيَّة الأخرى مع الآخرين، والتنكُّر على الماديات الدنيويَّة التي يتمتَّع بها من جانب آخر. ذلكم "الوهم الانحساري"، أو "النَّظرة الانحصاريَّة"، لم يكد يستطيع أن ينجز شيئاَ، ولا يمكن أن يتوقع منه إنجاز أي شيء يُحظى بالإجماع المجتمعي، وبخاصة حين نضع في نصب أعيننا أو في الاعتبار الفرق الشاسع بين القضايا الدِّينيَّة من ناحية، والقرارات الدنيويَّة والإنسانيَّة التي ينبغي على الفرد اتَّخاذها في سبيل الحياة من جهة أخرى.
إزاء ذلك لا يمكن أن يكون الدِّين أي دين هو هُويَّة الفرد الشاملة. وإذا كانت الأكثريَّة المسلمة هي معيار الانتماء القومي أو التماهي الوطني لأمست الهند دولة إسلاميَّة، حيث يبلغ تعداد السكَّان المسلمين فيها 145 مليون مسلم، أي أكثر من سكَّان بريطانيا وفرنسا مجتمعين، وفي ذلك نجدها أكثر الدُّول تعداداً في جموع السكَّان المسلمين من أيَّة دولة أخرى في العالم باستثناء إندونيسيا، وهامشيَّاً باكستان. ومع ذلك لم تُوضع الهند في مصاف العالم الإسلامي، ولا في منظَّمة التعاون الإسلامي. والهند – بعد كل هذا – تعجُّ بالأديان الأخرى كالهندوسيَّة (أو البراهميَّة 79.8%)، والمسيحيَّة (2.3%)، والسيخيَّة (1.7%)، والجاينيَّة (أو اليانيَّة)، والبوذيَّة واليهوديَّة والبهائيَّة والزرادشتيَّة، وأصحاب مدرسة شارفاكا،(2) التي ازدهرت في القرن السَّادس قبل الميلاد وما زالت موجودة حتى اليوم. وقد ظهرت المجتمعات المسيحيَّة في الهند في القرن الرَّابع من الميلاد – أي قبل الظهور الفعلي للمجتمعات المسيحيَّة في بريطانيا. ففي الانتخابات العامة التي جرت في الهند في ربيع العام 2004م باتت الدَّولة يحكمها رئيس مسلم، ورئيس وزراء سيخي، بينما أصبح مسيحي رئيساً للحزب الحاكم. ومع ذلك، فمن الخطأ بمكان وصف الهند بأنَّها ذات حضارة هندوسيَّة، أو إسلاميَّة، أو خلافهما دون النَّظر إلى المكوِّنات العقديَّة والطائفيَّة الأخرى. ثمَّ كذلك من الخطأ بمكان محاولات أو اعتبار السُّودان دولة إسلاميَّة دون الالتفات إلى المعتقدات الأخرى في البلاد. فإلى أين نقذف بأصحاب هذه الأديان الأخرى؟ أفليس هم سودانيُّون يستحقون كامل الحقوق المدنيَّة والقانونيَّة والسِّياسيَّة؟ بلى!
وإن كان الدِّين وحده لا شريك له بقادرٍ على توحيد الشُّعوب لما انفصلت باكستان الشرقيَّة (بنغلاديش حاليَّاً) عن باكستان الغربيَّة (باكستان حاليَّاً) لتمسي دولة منفصلة ذات سيادة باسم بنغلاديش، فكلاهما دولتان مسلمتان. بيد أنَّ النزعة القوميَّة البنغلاديشيَّة، التي أخذت تحتفي باللُّغة والأدب والموسيقى والثقافة، علاوة على الأولويات السِّياسيَّة، كانت عاملاً مشتركاً بين جميع الفئات الاجتماعيَّة وسكَّان بنغلاديش المسلمين والهندوس على حدٍ سواء، ثمَّ كان له القدح المعلَّى في هذا الانشطار. إذ كان في استظهار البنغلاديشيين لفخرهم بثراء ثقافتهم أهميَّة في حدِّ ذاتها، حيث كانت هذه الثقافة قد تمَّ تهميشها أثناء الغضب المبتئس في العنف الهندوسي-الإسلامي. ثمَّ كان لهذا العنف مقاربات سياسيَّة في باكستان الشرقيَّة أيضاً، وهو الاستياء الذي أبداه البنغلاديشيُّون في عدم المساواة الحاد في السُّلطة السِّياسيَّة، والوضع اللُّغوي، والفرص الاقتصاديَّة بين شطري الدَّولة الإسلاميَّة ذات التكامل المعطوب.
على أيَّة حال، فقد أدَّى تهميش البنغلاديشيين في نهاية الأمر إلى انشطار باكستان في كانون الأوَّل (ديسمبر) 1971م، وإعلان دولة بنغلاديش كدولة علمانيَّة ديمقراطيَّة، وعاصمتها دكا. وفي المذبحة الدَّمويَّة التي حدثت في دكا في أذار (مارس) 1971م خلال عمليَّة الانفصال المؤلمة، والتي فيها حاول الجيش الباكستاني بصورة مسعورة إخماد التمرُّد البنغلاديشي كانت الهُويَّة مبنيَّة على اللُّغة والسِّياسة – لا على الدِّين – وأمسى الجيش المسلم من باكستان الغربيَّة يقتل ويبطش بالمتمرِّدين المسلمين، أو المتَّهمين منهم بالتمرُّد في باكستان الشرقيَّة. وكان "لواء الحريَّة"، الذي تمَّ إنشاؤه يومئذٍ من أجل خوض غمار الحرب في سبيل استقلال بنغلاديش من باكستان، قد ابتنى هُويَّته من أجل النِّضال في سبيل التحرير، وارتبطت هذه الهُويَّة بشيء من الارتباط وثيق باللُّغة والثقافة كما أبنا آنفاً، وبالطبع بالسِّياسة كما أشرنا سابقاً كذلك، وذلك دون اللجوء إلى أي اختلاف ديني آخر.
وإذا كان الأمر كذلك – أي لئن كان الدِّين عنصر وحدة اجتماعيَّة أو سياسيَّة – لما احترب السنيُّون ضد الشيعة، ولا البروتستانتيُّون ضد الكاثوليكيين، ولا تخاصم وتشاجر أصحاب المعتقد ذي الملة الواحدة في العالم. ففي الحق، إنَّ أغلب النِّزاعات والأعمال البربريَّة حول العالم تتم استدامتها من خلال وهم الهُويَّة الأحاديَّة، التي لا تقبل التعقُّل والتبصُّر. ومن هنا ينشأ فن بناء الكراهيَّة، ويأخذ منحى استنطاقيَّاً من قوَّة سحريَّة لأصحاب الهُويَّة المزعومة السائدة، التي تبتلع الانتماءات الثقافيَّة والاجتماعيَّة الأخرى، وتغرقها في شكل من أشكال اللُّغة العدائيَّة. وبهذا النمط من السلوك العدائي يمكن أن تؤثِّر هذه الهجمة الاعتنافيَّة في الأقوام من ذوي النفوس التي يسهل انقيادها إلى ارتكاب أفعال يدمي لها الجبين، وترتعد منها الفرائص. وفي هذا الشأن تكون المحصلة النهائيَّة العنف المحلِّي المستوطن، أو العنف الدَّولي المتمثِّل في ظاهرة الإرهاب عابرة القارات. وما العنف المركَّب والمتراكم الذي استصحبته الدَّولة السُّودانيَّة الحديثة منذ نشوئها العام 1821م، حتى أفضى إلى ما آلت إليه الأمور في حقب دولة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة (أو الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلاميَّة)، التي استنجدت بالهُويَّة الإسلاميَّة-العربيَّة، إلا مثالاً للاستغلال السيئ للاختلافات العرقيَّة، التي أدَّت إلى القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب والاغتصاب، والإبادة الجماعيَّة وجرائم الحرب الأخرى في حق الضحايا المغلوبين على أمرهم في جنوب السُّودان والنيل الأزرق وجبال النُّوبة ودارفور بواسطة الجيش الحكومي والقوَّات المتجيِّشة والمتمليشة التابعة لها، والمسنودة منها.
وبما أنَّ العالم عموماً، والسُّودان خصوصاً، يواجه اختلافات وسط المسلمين أنفسهم، كان من الطبيعي أن تتبادر إلى الأذهان وتختمر في المخيَّلات الأسئلة المشروعة التَّالية: هل الإسلام يحتمل التعدُّديَّة في دينه ذاته أم لا؟ فهناك ثمة فرق كبير في أن تكون مسلماً وأن تتَّخذ هويَّة إسلاميَّة أو إسلامويَّة. إذ أنَّ الإسلام ليس بالهُويَّة السَّامية التي تحدِّد كلَّ شيء يعتقده الفرد بحريَّة. فقد يكون الشخصان مسلمين، لكنهما لا يشاركان بعضهما بعضاً في السلوك السِّياسي أو الهُويَّات الاجتماعيَّة والثقافيَّة المختلفة. ثمَّ هناك كذلك ثمة عامل آخر ألا وهو فكرة الاجتهاد، الذي يسمح للمسلمين بحريَّة معتبرة في الإطار الإسلامي أن يختاروا القيم والأولويَّات الأخرى دون زحزحة القاعدة الأساسيَّة في الإسلام. إزاء ذلك قد يكون الدِّين – يهودِّيَّاً كان أم مسيحيَّاً أم إسلاميَّاً أم هندوسيَّاً – ذا أهميَّة لمجتمع ما. بيد أنَّه لا يمكن أن يتمّ نعته بأنَّه دين محبٌ للسَّلام أو مثيرٌ للحرب، لأنَّه قد يحمل الصفتين معاً، أو يدعو إليها بشكل أو بآخر، والإنسان هو في نهاية الأمر هو الذي يثير الحرب أو يحفظ السِّلم والأمن، وترتبط الممارسات أو المعتقدات الدِّينيَّة مع بعض الملامح الشخصيَّة والهُويَّة الذاتيَّة، وبعض الالتزامات الأخلاقيَّة والقيم الاجتماعيَّة – كرؤية الشَّخص أو الأمَّة إلى السِّلم والحرب – فيما تؤول إليه الأمور. إذاً، الانتماء الدِّيني كهُويَّة جامعة يسبِّب مشكلات جانحة. وينبغي أن ندرك أنَّ العقيدة الدِّينيَّة ليس بقادر على حل كل المشكلات التي تعتري سبيلنا في الحياة، وبخاصة تلك التي تخص الأولويات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة وما يصحبها من قضايا السلوك والأفعال والسَّلام، وتقبُّل أو تحمُّل الآخر وهلمجرَّاً.
على أيٍّ، فإنَّ الجهود المبذولة في بعض الأقطار في محاربة التطرُّف الدِّيني بالأئمة والفقهاء خارج المساجد والمعابد قد تشي ببعض الفروق المتواضعة. بيد أنَّ هذا المنهاج قد يحط من قدر دور مبادرات تنظيمات المجتمع المدني، والتي على قيادتها يقوم أشخاص مسلمون في الغالب الأعم، ويتصدون للمشكلات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة. وكذلك إنَّ هؤلاء الفقهاء قد يباعدون المسافة بين الطوائف والملل الدِّينيَّة الأخرى في المجتمعات فيما بينها، وذلك من خلال إبراز الفروق الدِّينيَّة على حساب الهُويَّات الأخرى – بما فيها هُويَّة المواطنة في الدَّولة المعنيَّة – والتي يمكن أن يكون لها دور وحدوي أكبر.
بيد أنَّ ارتباط الإسلام بالعروبة قد أفضى إلى شحنة عنصريَّة مقيتة ضد من هم ليسوا بعرب. والعنصريَّة في تعريفها، والعهدة هنا لتاور ميرغني علي، "هي الأفكار والمعتقدات التي ترفع من قيمة مجموعة معيَّنة، أو فئة معيَّنة على حساب الفئات الأخرى، بناءً على أمور مورَّثة مرتبطة بقدرات النَّاس، أو طبائعهم أو عاداتهم، وتعتمد في بعض الأحيان على لون البشرة، أو الثقافة، أو مكان السكن، أو العادات أو اللغة، أو المعتقدات. كما أنَّها يمكن أن تعطي الحق للفئة التي تمَّ رفع شأنها بالتحكُّم بالفئات الأخرى في مصائرهم وكينونتهم، وسلب حقوقهم، وازدرائهم بدون حق أو سبب واضح."(3) ويعتبر الفصل العنصري أحد أشكال الجرائم، و"يتم تعريف جريمة الفصل العنصري من قبل نظام روما الأساسي لعام 2002م للمحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة عن الأفعال اللاإنسانيَّة ذات الطابع المماثل لغيرها من الجرائم ضد الإنسانيَّة التي ارتكبت في سياق نظام مؤسَّسي قائم على القمع والسيطرة بصورة منهجيَّة من جانب جماعة عرقيَّة واحدة على أيَّة مجموعات، وتُرتكَب بنيَّة الإبقاء على الإنسان أقلَّ شأناً منه." ففي هذه الأثناء نودُّ أن نسأل السؤال السيكلوجي الاستفساري التالي: بِمَ يشعر أو يحسُّ السُّودانيُّون الذين مارسوا العنصريَّة على إخوتهم في الوطن داخل حدود السُّودان فإذا هم يتعرَّضون للعنصريَّة ذاتها في الدول العربيَّة التي هاجروا إليها في سبيل كسب العيش، أو الدول الغربيَّة التي استقروا فيها طلباً للجوء السِّياسي؟
مهما يكن من أمرهم، فالنِّزاعات الحديثة التي نشأت في السُّودان لم تكن مبنيَّة على اللون فحسب كما ادَّعى أحد الباحثين الذي طفق يكتب في مسألة الهُويَّة السُّودانيَّة، بل لعلَّ التراكمات التأريخيَّة والأحداث المعاصرة من التظلٌّمات السِّياسيَّة والآليات الاعتنافيَّة التي استخدمتها النُّخب الحاكمة في الخرطوم في سبيل تكريس هذه التظلٌّمات هي التي قادت إلى إبراز التساؤلات العديدة من قبل المظلومين بما فيها: لم نُعامل بشيء من الاحتقار شديد؟ هل مبعث ذلكم الاضطهاد هو اعتناقنا للمسيحيَّة، والتمسُّك بإرثنا الإفريقي، والتعضيد على عاداتنا وتقاليدنا التليدة التي لا تمت إلى العروبة بشيء، والإقرار بهُويَّتنا الثقافيَّة الفريدة؟ ومع ذلك، شرع المسلمون منا يردِّدون هذه الأسئلة ذاتها. ولعلَّ الاعتماد على التفرقة اللَّونيَّة بالكيفيَّة التي تبنَّاها الكاتب وبالشكل التبسيطي إيَّاه يشي بالخطأ الفادح. إذ أنَّ هناك ثمة خطأَ منهجيَّاً ما في طرحه لمشكل الهُّويَّة في السُّودان بهذه الصورة الاختزاليَّة، كما جادلنا ما وسعنا الجدال. بيد أنَّ خلاصة الباحث إلى أنَّ العروبة تمثِّل مستودعاً لوحدة السُّودانيين في استيعاب قومياتهم المتعدِّدة، ولغاتهم المتشعِّبة، وثقافاتهم المتنوِّعة، وأسمائهم التي تشي بمعاني تعكس بيئاتهم وعاداتهم وتقالديهم، هو الشطط ذاته.
ومع ذلك فإن الإصرار على هذه العروبة المزعومة من قبل بعض أهل السُّودان لا يعمل ضد إنسانيَّتنا المشتركة فحسب، بل يقلِّل من شأن الآخر المختلف عرقيَّاً وثقافيَّاً وحضاريَّاً وتأريخيَّاً وجغرافيَّاً وإرثيَّاً وهلمجرَّاً مع أصحاب أو أدعياء العروبة – الحقيقيَّة كانت أم الكاذبة. إذ أنَّ وهم الأحاديَّة العروبيَّة-الإسلاميَّة، أو هذا المفهوم غير السوي أو الوصف المنقوص، هو الذي جعل السُّودان بلداً هشَّاً تذروه الرِّياح الاجتماعيَّة، وتعصف به العواصف السِّياسيَّة. ومن هنا بدأت منقبة ومنقصة هذه النظرة الاختزاليَّة المعيبة، وذلك قبل وصول الباحث إلى النتيجة الاستباقيَّة التي رسمها في ذهنه، وجاء إليها قبل الخوض في التحليل والإثباتات الموضوعيَّة. فلا سبيل إلى الشك في أنَّ هذا الفقر الوصفي المحصور في هذا الاتجاه اللَّوني هو أس المشكل المتشكَّل في الاعتماد المعيب على الاختزاليَّة الأحاديَّة.
وفي هذا الشأن كان الأستاذ خالد أحمد محقاً حين كتب قائلاً: "(إنَّ) الإرشاد الإلهي ليس بهُويَّة أو تشريع لهُويَّة في شيء، إلا عند (دعاة) الفكر العربي الإسلامي، أو ما يُدعى بالإسلام السنِّي (...)،" لأنَّ الإرشاد الإلهي عبارة عن معاني للقيم الإنسانيَّة الدَّافعة نحو التكامل والتواصل الإنساني، ويطبِّقها كل مجتمع بناءً على قيمه وتحوُّلاته الاجتماعيَّة.(4) ومن ثمَّ استطرد الأستاذ خالد قائلاً: "ولذلك تصبح هُويَّة المجتمع السُّوداني هي الثقافة (الثقافات) بقيمها وعاداتها وتحوُّلاتها الاجتماعيَّة، وليس مفهوم الإسلام، وذلك لأنَّ الثقافة السُّودانيَّة ضاربة عميقاً في (جذور) التأريخ، ولها السَّبق على كثير من الثقافات."(5)
على أيٍّ، فقد "شاءت الأقدار أن يتناسى السُّودانيُّون أصلهم الحامي الممتد إلى كوش بن حام بن نوح، العرق الحامي الضارب في القدم، ثمَّ أخذوا يعتنقون فكرة غير مثبتة علميَّاً لدرجة الإيمان واليقين عن هجرة عربيَّة ضخمة غيَّرت ديمغرافيا المنطقة، وحوَّلت السُّودانيين إلى عرب ينتمون إلى العبَّاس عم النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام."(6) علاوة على ذلك، والقول هنا مستطرد من مقولة القائل أعلاه: "وفي المقابل تناسيتم أنَّ أجدادنا في كوش ونبتة ومروي (قد) أسَّسوا حضارة قديمة ذُكِرت في مشاهد منها في الكتب المقدَّسة، واهتمَّ بها أهل الغرب اهتماماً شديداً فاق اهتمام أهلها بها، حتى شعر المصريُّون بخطورة شديدة من ذلك، مما سيؤثِّر سلباً على حضارتهم الفرعونيَّة."(7) إزاء ذلك الوضع المحيِّر حقاً طفقت سناء حمد تتساءل بدهشة: "هل نحن عرب أم أفارقة؟" وأقرَّت بأنَّ "المنازعة بين الثقافة والشحنة (التي أفرغها المستعربون في النَّاس) خلقت حالة من عدم التوازن النَّفسي، وانعكست في تفاصيل اجتماعيَّة وثقافيَّة وسلوكيَّة."(8)
متناسياً هذا الإرث السُّوداني المتجذِّر في التأريخ والجغرافيا، كتب المرحوم محمد خير البدوي في كتابه الموسوم ب"مواقف وبطولات سودانيَّة في الحرب العامليَّة الثَّانية" قائلاً: "ما من شك في أنَّ السُّودان لا يمكنه الانتماء لغير العروبة بحكم اللُّغة والدِّين، والتقاليد السائدة، وبحكم مشاعره القوميَّة. وتكشف نظرة عاجلة عن التركيبة السكَّانيَّة في السُّودان عن عراقة أصوله العربيَّة المنحدرة من قبائل جهينة وربيعة في شبه الجزيرة، بل إنَّ مجموعة قبائل الجعليين تدَّعي الانتماء إلى العبَّاس عم الرَّسول عليه (الصلاة) والسَّلام، بينما يتَّفق المؤرِّخون على أنَّ قبيلة الكبابيش التي تقطن غرب كردفان من نسل القائد العربي عقبة بن نافع، شأنها في ذلك شأن قبيلة أولاد علي في مصر. وهناك قبائل عربيَّة في السُّودان تنتسب لبني هلال، غير أنَّ جهينة هي العنصر الغالب. وينتهي نصف القبائل العربيَّة السُّودانيَّة تقريباً إلى عبد الله الجهيني. وقد أخذ العرب يتدفَّقون بأعداد هائلة على السُّودان منذ فتح مصر على يد عمرو بن العاص عن طريق الصحراء الليبيَّة، وإفريقيا الغربيَّة، وعن طريق النِّيل من مصر ذاتها. وأنشأت عناصر أمويَّة منهم في حوالي العام 1500م دولة السلطنة الزرقاء على غرار الدولة التي أنشأها الأمويُّون في الأندلس، وظلَّت دولة السلطنة الزرقاء تحكم السُّودان من عاصمتها سنار زهاء ثلاثة قرون، وكانت أول دولة إسلاميَّة جنوبي الصحراء. ولا ينكر أحد أنَّ في السودان عناصر غير عربيَّة، إلا أنَّها أصبحت مستعربة، أو شبه مستعربة إلى حد توارت فيه هُويَّاتها السَّابقة."(9)
ما سطَّره قلم المرحوم محمد خير البدوي يفوح بغلواء في أكثر ما يكون الغلو، وفيه تناسي للآخر وكأنَّه لم يكن شيئاً مذكوراً، ثم أضاف إلى ذلك الغلو والتزيُّد بعض الأخطاء الجغرافيَّة والتأريخيَّة. فعلى سبيل المثال، لا يقيم قبيل الكبابيش في غرب كردفان، بل في شمال كردفان، والسلطنة الزرقاء – أو السوداء تعبيراً موصولاً – قد ظهرت في المسرح التأريخي العام 1405م من تحالف مكوَّن من قبيل إفريقي هو في الأصل من الشلك الذين كانوا يقطنون في الأراضي المشاطئة من جنوب الخرطوم على النِّيل الأبيض حتى فشودة من جانب، والقبائل العربيَّة التي كانت تقطن منطقة الخرطوم من جانب آخر. أما فريَّة بنى أميَّة فهي واحدة من تزييف التأريخ التي ترسَّخت في أذهان السُّودانيين، وإنا لترانا نكد في إصلاحه وتصويبه، حتى لا يتشرَّب الأجيال المعاصرة والقادمة بدروس مزيَّفة أو مبتورة. أما إذا كان سلاطين مملكة سنار قد ادَّعوا الإسلام والعروبة، فكان ذلكم الادِّعاء لتجنُّب أو تحاشي الغزو التركي-المصري – ومن ثمَّ الاسترقاق – الذي كان محمد علي باشا في مصر قد فكَّر فيه، وأخذ يعدُّ له العدَّة. وقد علم سلاطين سنار عن طريق الفقهاء الذين وفدوا إلى المملكة بأنَّ الإسلام لا يسترق المسلمين والعرب. وهل كان يمكن أن يرضى العرب بتسمية السلطنة زرقاء أو سوداء، لئن كانوا هم في بادئ الأمر من مؤسِّسيها، علماً بأنَّ العرب لديهم حساسيَّة مفرطة من اللون الأسود أو الأزرق!
ففي بداية عهد "الإنقاذ" أخذ النِّظام يتبنَّى خيار الانتماء العربي بشيء من الشطط عظيم مقابل التنكُّر على الانتماء الإفريقي من جانب آخر، مما أثار حفيظة الصحافي عماد محمد أحمد، وهو الذي كان معروفاً أنَّه أحد أعضاء جماعة الدكتور حسن الترابي. وبمناسبة انعقاد مؤتمر "الإستراتيجيَّة القوميَّة" كتب الصحافي عماد النَّص التَّالي: "إنَّ على المؤتمر أن يتعامل – وبصورة واضحة – مع قضيَّة العروبيَّة والزنوجيَّة، وتأثيراتها الاجتماعيَّة والسيَّاسيَّة، وذلك بمفهوم أنَّها واقع مؤسف له تأثيراته السلبيَّة على مسيرة الدَّولة السُّودانيَّة، وآن لنا ونحن ننظر في اتجاه الإستراتيجيَّة ألا نصرف النَّظر عن هذا الاتجاه الكبير، وفي رأيي أنَّه يجب علينا إعادة النَّظر في انتمائنا العربي على الأقل بصورة أخفَّ من الطرح المكثَّف الموجود الآن؛ وفي هذا الإطار أحبُّ أن أطرح هذه الملاحظات:(10)
(1) من المعلومات العامة أنَّ العرب دخلوا السُّودان عن طريق الشمال والشرق، ولكن ما ألاحظه أنَّ قبائل الشمال الأقصى لا تتحدَّث العربيَّة (الحلفاويُّون والمحس والدناقلة)، وكذلك قبائل الشرق، أي المدخل الثاني، كلها لا تتحدَّث العربيَّة (الهدندوة والبني عامر)؛ وقد لاحظت أنَّ منطقتنا في ديار الشايقيَّة أغلب أسمائها غير عربيَّة (مروي وتنقاسي وأمبكول وقنت والباسا وجلاسي وغيرها)، وكذلك أسماء الأواني (الككر والدبكر والواسوق والتقنت)، حتى جدِّي اسمه "حنك"، فنحن شايقية "حنكاب"، وبرغم من ذلك (نُصنَّف) بأنَّنا عرب!
(2) كذلك فإنَّني ألاحظ أنَّ السحنات السُّودانيَّة تغلب عليها (السحنة الإفريقيَّة السوداء)، فبأيَّة نسبة يوجد الدَّم العربي في عروقنا؟ فإذا ما خلطنا لبناً وماءً، ثمَّ خلطنا اللَّبن المخلوط بماء قراح، واستمرَّينا في هذه الخلطة التي يغلب عليها الماء فبعد عدَّة عقود من الزمان كم يبقى من اللَّبن "الخلطة الأولى"؟
(3) إنَّ الوجود العرقي الموجود الآن في القرن الإفريقي (إثيوبيا وإريتريا والصومال) يشبهنا بصورة يصعب التمييز فيها، فما علاقتنا بهذا الوجود (...)، وحتى تسمية "السُّودان" لا تحتاج إلى كثير تفكير، أي أنَّها مشتقة أو تنسب إلى "السود".
إذاً، إنَّ حسم قضيَّة انتماء السُّودان عرقيَّاً وجغرافيَّاً وتأريخيَّاً وما يترتَّب على ذلك الحسم من توجه ثقافي واجتماعي وسياسي ليعتبر قضيَّة أساسيَّة في اتجاه الوحدة الوطنيَّة، وبخاصة أنَّ هناك ثمة حساسيَّة في كل إفريقيا تجاه العرب بسبب ظروف تأريخيَّة وآنيَّة معروفة أبرزها تجارة الرِّق.
مهما يكن من شيء، ففي حوار بين الدكتور حسن مكِّي وصحافي أفرنجي في الخرطوم سأله صاحبه الأفرنجي عن العداء المستحكم بين العرب والأفارقة في السُّودان، حيث طفق الدكتور حسن مكِّي قائلاً: "كيف تكون هناك عنصريَّة؟ أنظر إلى (لون) جلدي، ليس هناك شماليَّاً عربيَّاً خالصاً (في السُّودان). ولعدة قرون امتزجت دماؤنا بدماء الأفارقة، (والآن) نحن إخوة."(11) هذا المسلك ما هو إلا عبارة عن إطلاق الكلام على عواهنه، وهو الحديث الذي يقال أمام الأجانب "الخواجات"، وذلك لعلم الصفوة الخرطوميَّة بأنَّ هؤلاء الإنكليز أو غيرهم من الأفرنج أو أهل الغرب الآخرين يدركون في قرارة أنفسهم، وبشواهد العين المجرَّدة، بأنَّ هؤلاء السُّودانيين الذين يزعمون العروبة شططاً ليس بعرب أقحاح في شيء، لذلك تحاول النُّخبة الخرطوميَّة المستعربة من أهل الشمال أن تخبرهم بما ليس في أفئدتهم، ويخفون ما يفعلون بالسُّودانيين الآخرين سرَّاً وجهراً، وما يذيعونه في النَّاس علانيَّة على طول وعرض الوطن. وحينما سُئِل الدكتور حسن مكي عن كراهيَّة الشَّعب السُّوداني للحكومة "الإنقاذيَّة" لم يكن لديه ما يتفوَّه به، بل اختار الصمت بديلاً عن الكلام، وفضَّل أن يسكب الشاي في الكوب للمرَّة الثَّانية لضيفه الخواجي.
ففي كتابه "الهُويَّة والعنف: وهم المصير" (2006م) (Identity and Violence: The Illusion of Destiny)،(12) والذي فيه تحدَّث عن العلوم الاجتماعيَّة وبمقاربات ومنهجيَّات تكامليَّة عابرة للتخصُّصات، قدَّم البروفيسور الهندي أمارتيا سين لجيلنا والأجيال القادمة رؤيَّة جديدة وحديثة في كيفيَّة تحقيق السَّلام من خلال احترام الإنسانيَّة وتعدُّديَّة الأغيار. وهذا الكتاب هو في الأساس مبحث يعبِّر عن النَّقد بشكل جلي ومقنع للظواهر السائدة في التفكير المجتمعي والثقافي، وبصورة مفهومة لدينا، وبحيث لا يكاد أحد أن يأتي بمثله، إلا من كان في مقامه، وبلغ حظاً رفيعاً في الخلفيَّة المعرفيَّة المعقَّدة، والأبعاد المتعدِّدة في الهُويَّة الحديثة. وفي الكتاب إيَّاه كتب البروفسيور سين، وبشيء من العقلانيَّة والتفكُّه شديد، عن جذور بعض مشكلاتنا اليوميَّة الأكثر عسراً وانفجاراً، كالتي تنبع من العرق أو الهُويَّة، وتسبِّب نزاعاً مستطيراً. وهل كان هناك شخص أكثر تأهيلاً ودراية في الخوض في غمار هذا المعترك الشائك، أو المجال ذي الجدال اللازب، لكي يفكُّ طلاسم هذا اللغز الجوهري في زماننا! كلا، فهو الذي شهد انفجار الهُويَّة الاعتنافي عشيَّة انقسام الهند العام 1947م، والوحشيَّة من منطلق الهُويَّة في البوسنة في مستهل التسعينيَّات من القرن المنقضي، ومجازر رواندا من قبل إثنيَّة الهوتو ضد التوتسي ومعتدلي الهوتو العام 1994م، والمذابح الدَّمويَّة في السُّودان منذ العام 1983م حتى اليوم، وحاليَّاً الحرب الدائرة بين منشدي الإسلام المتطرِّف والغرب، حتى بات عالمنا يبكي في سبيل الحلول الناجعة. هكذا طفق البروفيسور سين يتحدَّى الحكمة التقليديَّة رأساً على عقب، وهو فيما هو مقبل على ذلك يفيدنا بأجوبة عقلانيَّة جديدة.
مهما يكن من أمر، فقد أدَّت التدخلات العربيَّة في الشأن السُّوداني السِّياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبلغت مبلغاً خطيراً، حتى باتت تهدِّد كيان الدَّولة السُّودانيَّة، وبخاصة في الآونة الأخيرة، وفي ظاهرة سمَّاها البعض ب"الانتداب الثلاثي" على السُّودان، وذلك في إشارة إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة والإمارات العربيَّة المتَّحدة وجمهوريَّة مصر العربيَّة. بيد أنَّ إفريقيا سعت – ولا تزال تسعى سعياً حثيثاً – إلى المساهمة في حل مشكلات السُّودان المستعصية سواء عن طريق منبر "الإيقاد" (اتَّفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م)، أو الآليَّة الإفريقيَّة الرفيعة المستوى في الاتحاد الإفريقي للتوسُّط بين حكومة الرئيس المعزول عمر البشير من ناحية، والحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان – شمال منذ تجدُّد العدائيات العام 2011م من ناحية أخرى، ثمَّ ما يقوم به الاتحاد الإفريقي حاليَّاً من سياسة العصا والجزرة حيال المجلس العسكري الانتقالي (الانقلابي) في أمر تسليم السلطة إلى حكومة مدنيَّة برعاية قوى إعلان الحريَّة والتغيير. وفوق ذلك، هناك ثمة مطالبات من منظَّمات ومجالس كنسيَّة إفريقية تطالب المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السُّلطة إلى المدنيين، وذلك كما جاء في بيان المؤتمر الدَّولي لإقليم البحيرات العظمى، وخروج الجماهير الكينيَّة والغانية في تظاهرات هادرة تشجب وتندِّد بمقتل المدنيين والأطفال المعتصمين سلميَّاً واغتصاب الحرائر والرِّجال في يوم 29 من شهر رمضان (3 حزيران (يونيو) 2019م)، والناس صيام ونيام.
أما من الجانب الآخر، فقد أخذ الانتماء العروبي الفاقع يجهض أحلام الشَّعب السُّوداني المتثمِّلة في السَّلام والحريَّة والعدالة. إزاء ذلك شرع كثرٌ من أهل السُّودان يلفظون هذا الانتماء العروبي الزائف، وأمسوا يطالبون بالخروج من جامعة الدُّول العربيَّة وهجرها هجراً مليَّاً. فباستثناء بعض الأكاديميين وصواحب الضمير الإنساني كالدكتورة عائشة البصري، التي كاد قلمها ينزف دماً ودمعاً من أجل أهل السُّودان المهمَّشين، والسيِّدة الموريتانيَّة التي كتبت "بمنتهى الرِّقة والعذوبة والجمال عن الثورة السُّودانيَّة"، التي انطلقت في كانون الأوَّل ديسمبر 2018م، والناشط الأردني سليمان قنودة، والكتَّاب الصحافيين العرب، وتعاطف بعض منظَّمات المجتمع المدني في مصر والمغرب مع انتفاضة الشَّعب السُّوداني في سبيل السَّلام والحريَّة والعدالة، وهي مناشدات فرديَّة وشعبيَّة، إلإ أنَّه لا حياة ولا صحوة من قبل جامعة الدول العربيَّة أو مؤتمر التعاون الإسلامي، أو أي موقف رسمي من قبل أيَّة حكومة دولة عربيَّة أو إسلاميَّة.


خلاصة

في خلاصة القول نستطيع أن نقول بثقة متناهية بأنَّ مشكلات السُّودان السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ناشئة من الوهم المغروس في الثقافة الأحاديَّة، والمفاهيم التوهميَّة التي تصاحب هذا الانحياز. فلا مُراء في أنَّ السُّودان بلد مكوَّن من كثرٍ من المجتمعات في الحين الذي فيه نجد أنَّ بعضاً منها ذا ثقافة مميَّزة، وأخذ هذا البعض يوعى سياسيَّاً في سبيل هُويَّة قوميَّة منفضلة. وإنَّ الدَّعوة إلى هويَّة فريدة متنازعة عليها، ولأغراض سياسيَّة اعتنافيَّة تأخذ شكل هويَّة واحدة بعينها، ومرتبطة ارتباطاً لصيقاً بالعنف، هي سبب البلاء الأعظم في السُّودان. ومن هنا تستمر هذه الدَّعوة ليخيِّم البؤس فوق الهُويَّات والانتماءات الأخرى، وذلك من خلال الاختيار الخاص والتأكيد المستعظم لقلة قليلة من الصفوة السِّياسية وعليَّة القوم، مما حدا بالأغيار إلى مساءلة مزاعم الوحدة الوطنيَّة في أجواء يسود فيها قتلهم، واسترقاقهم، واغتصاب وسبي نسائهم، وانتهاب ممتلكاتهم وأنعامهم. إذاً، ما الذي يحدث دوماً ويفضي إلى تغيير الشعور بالوعي الذاتي، حتى يتحوَّل هذا الوعي إلى آخر زائف، ومن ثمَّ يمسي أداة قاتلة؟ إنَّ العلَّة تقبع في تجهيل أهميَّة الانتماءات والصلات الأخرى، وفي ذلك يستدعي الأمر إعادة تعريف مطالب الهُويَّة الأحاديَّة من صورتها العدائيَّة إلى أخرى مسالمة.
ففي سبيل السَّعي الجاد إلى حل مشكل السُّودان السِّياسي يستوجب مخاطبة مسألة التعدُّديَّة بكل أنماطها المختلفة، والاعتراف بالآخر من أجل الحقوق السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة المتساوية، حيث لا سبيل إلى إنجاح المحاولات المجرَّبة لإحلال السَّلام في الوطن، والتعايش السلمي بين جميع فئات المجتمع السُّوداني من ناحية، والأطراف الهامشيَّة مع الدَّولة من ناحية أخرى، إلا بالبدء في معالجة قضيَّة الهُويَّة السُّودانيَّة. وهذا الأمر يتطلَّب قيادة تملك إرادة سياسيَّة، وعزيمة ثوريَّة نابعة من موروثنا وتقاليدنا، دون اللجوء إلى النَّظريات المستوردة، وبخاصة الدِّينيَّة، أو الخنوع إلى إرهاب الرَّجعيَّة الطائفيَّة المستوطنة. وينبغي أن يتم ذلك كله من جغرافيتنا ومن تأريخنا نتعلَّم، ومن واقعنا نستلهم العبر والدُّروس للانطلاق إلى آفاق المستقبل الرَّحب المنشود، حتى نضمن سبل الحياة الكريمة لأجيالنا.
إذاً لا يمكن الحصول على السَّلام والوئام في السُّودان بالشعارات الشوهاء عن التعايش السِّلمي، ومؤتمرات نشر ثقافة السَّلام ونبذ أساليب العنف وغيرها، دون احترام إنسانيَّة وتنوُّع الأغيار. ثمَّ لا يمكن أن يتحقَّق هذا التنوُّع المجتمعي، أو التعدُّديَّة الثقافيَّة، دون المراجعة النقديَّة للميول السائدة في التفكير الثقافي في المجتمع السُّوداني بأشكالها وأبعادها المعقَّدة التي تشكِّل أطر الهُويةَّ. فإذا أحسِنت قضيَّة التعدُّديَّة بكل أنماطها لسوف تصبح رمزاً للقوَّة في المجتمع، لأنَّنا نحتاج إلى بعضنا بعضاً في فكر الوئام الاجتماعي، وهذا الفكر هو ما يُعرف في المفهوم الصيني ب"شو" – أي التبادليَّة، وفي الجنوب الإفريقي ب"أُمبونتو"، والذي يحمل نفس الفكرة في الأساس بأنَّنا نعيش بسبب ومن خلال وجود الآخرين.