عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

خلاصة

 

من خلال ما أوردناه في الصفحات السابقة من السرد التراجيدي للأحداث فلا شك في أنَّك قد أدركت ما أورثته علاقات الرِّق في المجتمع السُّوداني من مشكل تأريخي-اجتماعي، بحيث تطوَّر إلى مشكل سياسي بعد تضافر عوامل أخرى كان الإنسان السُّوداني فعيلاً فيها.  فالمشكل الذي أخذ طابع النِّزاع الدستوري القائم على مطالب ممثلي أهل الجنوب المتمثلة في الفيديراليَّة كان يمكن تجاوزه بحل مرض لطرفي الصِّراع قبل فوات الأوان، ولكن اللهاث وراء الاستقلال، ومن ثمَّ الحظوة بمناصب دستوريَّة وقضائيَّة وعسكريَّة من الإرث الاستعماري قد عصف بكل تفكير قويم.  تلى ذلك إقدام السلطات الوطنيَّة الناشئة على القيام بإجراءات قضائيَّة ضد بعض أهل الجنوب فاقت حد العدل، أي كما تقول الفرنجة (A travesty of justice)، وحسمت الاضطرابات السياسيَّة والأمنيَّة، التي اندلعت في الجنوب نفسه، بصورة وحشيَّة أضرمت النار على الزيت.  ومن بعد صراع عسكري مرير، ووقفة لحظيَّة لحل النِّزاع الدموي سياسيَّاً، استطاع نظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري حل المشكل سياسيَّاً، إلا أنَّ دكتاتوريَّة نميري، وعودة الأحزاب السياسيَّة إلى ممارسة عاداتها وتقاليدها السيئة تحت مظلَّة "المصالحة الوطنيَّة" العام 1977م، وإيغال الدين في السياسة وغيرها من الأغلاط السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة قد أشعلت الصِّراع من جديد، وبصورة أكثر ضراوة من ذي قبل.  وأوجزنا لك في صفحات مضت دينامكيَّة الصِّراع، وضحايا الحرب الأهليَّة، والدور الأجنبي والأممي في محاولة كبح دور حكومة "الإنقاذ" في إساءة معاملة حقوق الإنسان، وتوصيل الإغاثة، وحماية المدنيين، والبحث عن السلام بواسطة أطراف محليَّة (سودانيَّة) وإقليميَّة ودوليَّة.

فمنذ اندلاع الحرب الأهليَّة الثانية في السُّودان العام 1983م أمست هناك ثلاث قضايا رئيسة تتحكم في مجريات الأحداث التي صاحبت هذه الحرب.  وحوت هذه القضايا المحاور الآتية: القضيَّة الإنسانيَّة (الإغاثة تحديداً)، ومسألة حقوق الإنسان، ثم الحل السياسي للمشكل السياسي، الذي قاد إلى هذه الحرب.  إذ أفرزت هذه الحرب أحاويل إنسانيَّة مؤلمة، حتى تكرَّرت المجاعات المهلكة، والأوبئة الفتاكة، والموت بسبب العطش وانفجار الألغام وغيرهما.  أما مسألة حقوق الإنسان فكانت تشمل القصف العشوائي على الأهداف المدنيَّة، حتى كان يموت الإنسان والحيوان حالاً من جراء هذا القصف العشوائي (Impact death)، والاعتقالات الاعتسافيَّة والقتل خارج نطاق القضاء للمشتبهين في انتمائهم لحركة التمرد، والذين قد لا يكون لهم عير ولا نفير في هذه العدائيات التي كانت تجري.  وكان أسوأ من ذلك كله ما كان من مصير أسارى الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وذلك لما كانوا يتعرَّضون له من فنون التعذيب والقتل عند وقوعهم في أيدي الجيش الحكومي، وكان ذلك تجاوزاً مروعاً لقوانين الحرب والتعامل مع الأسارى كما جاءت في معاهدة جنيف العام 1948م، حيث أنَّه بعد توقيع اتفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م أطلقت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان سراح أسارى الحكومة السُّودانيَّة، ولم تملك الأخيرة أسيراً واحداً لتسليمه للأولى.  أما في سبيل الحل السلمي فقد أخذت هذه القضيَّة مسارات عديدة ومتعرِّجة تارة، وفيها الاغتباط تارة أخرى والإحباط تارة ثالثة، بدءاً بتعنت الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم.  وقد علَّمنا التأريخ أنَّ الساسة الذين لا يبدون الرغبة في الوفاق (Compromise) في عقائدهم الفكريَّة من أجل المصالح القوميَّة إما إنَّهم ليحتفرون قبورهم بأنفسهم، أو إنَّهم ليسوقون أوطانهم إلى الإبادة الجماعيَّة.

وفي نهاية الأمر أفلحت الجهود الإقليميَّة في إحلال السَّلام في السُّودان بواسطة دعم مالي وضغط دولي.  فكان إيقاف الحرب في حد ذاته انجازاً إنسانيَّاً هاماً، وكان يمكن أن تزداد أهميَّته إذا تمَّ استثمار هذا السَّلام استثماراً حقيقيَّاً، بحيث يكون هذا الوفاق سلاماً دائماً يوفِّر قيم العدالة والمساواة، ويصون الوحدة الوطنيَّة، ويراعي قيم حقوق الإنسان، ويحقَّق التنمية المتوازنة، ويوفِّر الخدمات الاجتماعيَّة من تعليم وصحة وغيرهما.  وبما أنَّ كل الجهود القائمة حينذاك كانت موجَّهة نحو حل مشكل الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان والمناطق الثلاث (أبيي، جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق)، إلا أنَّ الحكومة السُّودانيَّة تتحمَّل أوزار فتح جبهة حربيَّة أخرى في دارفور قبيل التوقيع على اتفاقيَّة السلام الشامل، كما سنرى في فصل منفصل خاص بدارفور.  بيد أنَّ مسألة نشوب حرب جديدة بهذه الصورة تشي بأنَّ الحلول الجزئيَّة ما هي إلا مسكِّنات لاستمرار أهل السلطة في الحكم، والتعويل على الأقدار، وإنَّها لتعني قصور الرؤية، وعدم قراءة المستقبل بصورة بصيرة.  والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل ينبغي معالجة المشكلات التي تدفع سكان جهة معيَّنة أو إقليم بعينه، إلى الميول إلى خيار حمل السِّلاح ضد السلطة أم يجب النظر دوماً إلى المشكلات القوميَّة التي قد ترغم مواطني مناطق أخرى إلى الانخراط في النضال المسلح؟  لا شك في أنَّ النظرة الآنيَّة تفضي إلى استقرار إقليم بعينه، بينما يشجّع هذا الحل الأقاليم الأخرى لحمل السِّلاح.  فمن هنا ينبغي استئصال مشكلات السُّودان القوميَّة كلها حتى تتفرَّغ الدولة إلى قضايا التنمية والتعليم والصحة وهلمجرَّاً.  ومن هنا ندرك أنَّ ما بدا أول الأمر باسم "مشكل جنوب السُّودان" بات مشكل السُّودان كله، فإن مضى الجنوب إلى سبيله لسوف تذهب كل الأقاليم السُّودانيَّة التي تعاني من نفس الظلم والاضطهاد والإهمال والتهميش وغيرها من صنوف المعاناة التي أمسى يعاني منها أهل الجنوب.  ومن هنا أيضاً يصبح مستقبل السُّودان في مهب الريح من خلال قراءة التأريخ الماضوي للنِّزاع في جنوب السُّودان، أو الصِّراع الذي بدأ في صورة مطالب شرعيَّة لأهل الجنوب قُبيل وبُعيد استقلال السُّودان العام 1956م.

فرؤية أهل الشمال تجاه الجنوب لها عدة جوانب.  فهناك طائفة منهم يرون أنَّ السُّودان يمكن أن يكون بخير بذهاب الجنوب أهلاً وأرضاً، وهؤلاء يتناسون أنَّ ما حدث في جبال النُّوبة والأنقسنا وفي ديار البجة بشرق السُّودان – ويدور الآن في ودارفور – يمكن أن تتكرَّر.  وهناك طائفة منهم يفضِّلون الوحدة الوطنيَّة، لكنهم قلة أكاديميُّون، وبما أنَّهم أكاديميَّون فلا يملكون من أمر السلطة شيئاً لكيما يؤثرون في صنع القرار وإدارته في سبيل جعل هذه الوحدة جاذبة، ولا نقل جذَّابة لأنَّ الأخيرة صيغة مبالغة؛ إذ لم نبلغ الحد الأدنى من هذه الوحدة بعد.  وهناك من أهل الشمال ممن رأى أنَّ من بعد هذه التضحيات الجسيمة، وبعد هذه السنوات الطويلة، التي فيها أنفقت حكومات الخرطوم جهدها وكيدها للاحتفاظ بالجنوب أرضاً ولو بدون أهل، لا ينبغي التفريط في هذه الوحدة المزعومة، حتى ولو كانت التضحية بآخر جندي في سبيل الاحتفاظ بها.

ففي شأن مستقبل السُّودان أعدَّ معهد الولايات المتحدة للسَّلام في آب (أغسطس) 2009م تقريراً بعنوان "سيناريوهات السُّودان.. تجنُّب العنف السياسي خلال العام 2011م".  وهذا التقرير، الذي كتبه البروفيسور ألن شوارتز بجامعة جورج تاون، عبارة عن خلاصة ثلاث ورش عمل لاكتشاف فرص تجنب العنف السياسي في السُّودان بنهاية العام 2011م.  وقد خلص كاتب التقرير إلى أنَّه في ظل غياب التغيير في الأوضاع الحاليَّة، فإنَّه من الصعب جداً اجتناب العنف السياسي في السُّودان.  إذ يرجع هذا – كما رأى كاتب التقرير - إلى إخفاق الحكومة في الجنوب لبسط سلطتها على الوجه الأكمل، والفشل في حل القضايا العالقة بين الشمال والجنوب لتسهيل عمليَّة الاستفتاء العام 2011م.  وبما أنَّ الإنفاق المتزايد على الآلة الحربيَّة في حكومة الجنوب له دواعيه في الحفاظ على مكتسبات اتفاقيَّة السلام الشامل، وذلك عملاً بالقول القائل إذا كنت ترغب في السَّلام، فعليك بالاستعداد للحرب (If you want peace, prepare for war)، إلا أنَّ هذا الإنفاق خلق فجوة كبيرة في توفير الخدمات الاجتماعيَّة.  بيد أنَّ هناك قضايا مشتركة بين الشمال والجنوب تتطلَّب الاتفاق عليها قبل الاستفتاء، ومنها على سبيل المثال: النفط، ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب بما فيها حدود أبيي وفقاً لقرار محكمة التحكيم الدوليَّة في لاهاي في تموز (يوليو) 2009م، ومياه النيل وغيرها، لأنَّ هذه القضايا يمكن أن تكون عناصر نزاع في المستقبل.  وانتهى التقرير إلى حث الولايات المتحدة الأمريكيَّة والمجتمع الدولي لبذل دور حاسم في إجبار طرفي النِّزاع للوصول إلى تفاهم حول المسائل الخلافيَّة، وتطبيق اتفاقيَّة السلام الشامل وجعل الوحدة جاذبة.(231)

وفي تقرير آخر أصدره جير فان دير ليجن، من المعهد الهولندي للعلاقات الدوليَّة بلاهاي في الفاتح من أيلول (سبتمبر) 2009م، رسم كاتب التقرير صورة قاتمة عن مستقبل السُّودان، وأضاف قائلاً: "في الوقت الراهن يركِّز المجتمع الدولي، الحكومات، الهيئات الدوليَّة ومجموعات المجتمع المدني بشكل أساس في تنفيذ اتفاقيَّة السلام الشامل، والتأكيد على إجراء الانتخابات والاستفتاء.  ونتيجة لذلك، ليس هناك من بات يفكِّر إستراتيجيَّاً في الفترة التي ستعقب العام 2011م، وبالطبع ليس هناك أدنى تفكير حتى في ما الذي سيحدث العام 2012م."(232)  فالورقة التي أعدها جير ليجن تصف أربعة سيناريوهات في السُّودان برزت كنتيجة حتميَّة لسؤالين هما: في العام 2012م هل ستكون هناك حرب جديدة بين الشمال والجنوب، أم سوف لا تكون هناك حرب.  وبما أنَّ الإجابة لأي من السؤالين غير معلومة، إلا أنَّ الاستفسارين يحملان أربعة احتمالات هي:

(1)       عودة الحرب الأخيرة (الحرب مع وحدة البلاد).

(2)       حرب الحدود بين الشمال والجنوب (حرب الانفصال).

(3)       الإذعان لاتفاقيَّة السَّلام الشامل (حال لا حرب مع وحدة البلاد).

(4)       وضع أشبه بالحال الصوماليَّة، في إشارة إلى انفصال إقليم أرض الصومال (لا حرب، ولكن انفصال).

وفي يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2009م أصدرت مجموعة الأزمات الدوليَّة تقريراً بعنوان "السُّودان: وقف الانفجار".  وقد أشار كاتبو هذا التقرير إلى أنَّ كلاً من المؤتمر الوطني والحركة الشعبيَّة حريص على الانتخابات لأسباب تخصه.  فالمؤتمر الوطني يسعى لخوض الانتخابات ليضفي الشرعيَّة على حكومة السُّودان، وبذلك يستطيع أن يحمي الرئيس عمر البشير من اعتقاله بواسطة محكمة الجزاء الدوليَّة، وأن تكون هذه الحكومة المستبشرة في وضع قوي، بحيث تستطيع أن تعلن حال الطوارئ في حال تجدُّد الحرب.  أما الحركة الشعبيَّة – من جانب آخر – فهي قلقة لأنَّ عدم قيام الانتخابات قد تعوق جدول الاستفتاء، ولذلك باتت تهدِّد بإعلان الاستقلال من جانب واحد إذا تمَّ تأجيل موعد الاستفتاء لممارسة حق تقرير المصير.  فالمعروف أنَّ اتفاقيَّة السلام الشامل فصَّلت العمليَّة السياسيَّة عامة، لكنها لم تخاطب قضيَّة دارفور، ولا ترتيبات ما بعد الاستفتاء العام 2011م، ولا كذلك القضايا المشتركة (الشماليَّة-الجنوبيَّة)، لذلك رأى كاتبو التقرير أهميَّة وجود بروتوكول جديد يوحِّد عمليات السَّلام المتعدِّدة (اتفاقيَّة السلام الشامل للعام 2005م، اتفاقيَّة القاهرة للعام 2005م، اتفاقيَّة سلام شرق السُّودان للعام 2006م، واتفاقيَّة سلام دارفور للعام 2006م) ويراجع بعض جداولها الزمنيَّة.  كذلك اقترح التقرير فترتين انتقاليَّتين: الأولى بعد الاستفتاء حتى تموز (يوليو) 2011م، والثانيَّة تستمر لعدة سنوات أخرى (ربما أربع سنوات، وهي عمر الدورة البرلمانيَّة)، وذلك لإكمال إجراءات الانتقال السلمي للسيادة، والإقرار على تفاصيل عمليَّة عديدة.  وعدَّد التقرير 17 نقطة خلافيَّة بين الحكومة (أو لنقل حزب المؤتمر الوطني) من جهة، والقوى السياسيَّة الأخرى والنقابات المهنيَّة تحت لواء الحركة الشعبيَّة من جهة أخرى.  وخلص التقرير إلى القول إنَّ تجربة الأربع سنوات منذ التوقيع على اتفاق السلام الشامل العام 2005م قد أثبتت – بما لا يدع مجالاً للشك – أنَّ الأحزاب السُّودانيَّة تعوزها العزيمة السياسيَّة لإنجاز الوعود في غياب التعهدات الدوليَّة والضغوط المستديمة.  ومع ذلك، فإنَّ انهيار اتفاق السلام الشامل لسوف يقود إلى نتائج كارثيَّة، بما فيها استمرار الصِّراع في دارفور، وانفجار تمرُّدات إقليميَّة جديدة، بل حتى العودة إلى الحرب بين الشمال والجنوب.  إذ أنَّ التحدِّي الرئيس أمام الأحزاب السُّودانيَّة وشركائها الدوليين هو بناء الإجماع على الخطوات الواجبة اتخاذها بأسرع فرصة ممكنة لتطبيق اتفاق السلام الشامل، وتفعيل ديمقراطيَّة الحكم في جميع أرجاء البلاد.  وفي الحين نفسه ينبغي الإقبال على مفاوضات سلام حقيقي في دارفور، وإنصاف الأقاليم الأخرى في شمال السُّودان، وذلك من خلال مشاركة أبنائها في العمليَّة السياسيَّة الشرعيَّة، وإجراء الاستفتاء في الجنوب، وإدارة نتيجة هذا الاستفتاء.  وفي حال تعثُّر تحقيق الأجندة الشاملة بسرعة فائقة، ينبغي الإبقاء على أمل السَّلام حيَّاً بواسطة القناعة عند الشمال والجنوب في أن ينظِّمان أشراط الاعتماد على بعضهما بعضاً في المستقبل، وذلك قبل نهاية العام 2010م.(233)

وكذلك أصدرت مجموعة الأزمات الدوليَّة في يوم الثلاثاء 22 كانون الأول (ديسمبر) 2009م تقريراً عن الاشتباكات القبليَّة في جنوب السُّودان، بعنوان "اشتباكات جونقلي القبليَّة: مواجهة العنف في جنوب السُّودان"، قالت فيه إنَّ فشل وقف هذه الاشتباكات "ربما سيجعل جنوب السُّودان غير مستقر مع اقتراب انتخابات السنة القادمة، والاستفتاء في السنة التي بعدها".  وبرغم من أنَّ التقرير ركَّز على منطقة جونقلي، وهي واحدة من أكثر ولايات جنوب السُّودان وعورة في الطرق والاتصالات، إلا أنَّه أضاف أنَّ الاشتباكات القبليَّة هناك ربما ستنتشر في ولايات أخرى في الجنوب.  وقال التقرير كذلك إن الاشتباكات القبليَّة في كل الجنوب خلال العام 2009م كانت سبباً في قتل عدة آلاف من السكان.  وإنَّ الاشتباكات القبليَّة ليست جديدة على جنوب السُّودان، لكنها "اتخذت نهجاً سياسياً جديداً وخطيراً."  وأضاف التقرير أنَّ على الحركة الشعبية، برغم من انشغالها بالمفاوضات المعقَّدة مع حزب المؤتمر الوطني في الشمال، أن تهتم أكثر بالوضع الأمني في الجنوب.  وأنَّ على الحركة الشعبية كذلك أن "تعترف بأن هذه الاشتباكات محلية (ليس للشمال دور فيها)، وأنَّ حلها في يدها هي، وأنَّه لا بدّ من منع عرقلة هذه الاشتباكات على الطريق نحو الحكم الذاتي وما بعد ذلك."  وقال التقرير إنَّ الاشتباكات القبلية في الجنوب خلال العام 2009م كانت سبباً في قتل 2,500 شخص تقريباً، وسبباً في تهجير أكثر من 350,000 شخص.  وعن دور الشمال في هذه الاشتباكات، زعم التقرير: "برغم من أنَّ حزب المؤتمر الوطني يمكن أن يلعب دوراً اعتماداً على تجارب الماضي من تدخل الشماليين في شؤون الجنوب، فلا يوجد دليل يثبت تدخل الشماليين هذه المرة."  وأشار التقرير إلى أن الولاء في الجنوب للسلطات المحلية والقبلية أقوى من الولاء للوطن.(234)  ولكن بالنظر إلى طبيعة الصِّراع السياسي في جنوب السُّودان، وبخاصة عقب انشقاق الدكتور رياك مشار والذين معه عن الحركة الشعبيَّة العام 1991م، وإحالة النِّزاع إلى السياسي-القبلي أو الجنوبي-الجنوبي، ودور النظام في الخرطوم ومصلحته في هذا كله.  وكذلك بالنَّظر إلى الخلفيَّة السياسيَّة والقبليَّة للأشخاص الفاعلين في الصراع الحالي، وارتباطهم بالميليشيات القبليَّة التي كانت ترعاها الخرطوم في الماضي، والحماية التي يتلقَّاها قادة تلك الميليشيات من الخرطوم كل هذا لا يدع مجالاً للشك في أنَّ حكومة الخرطوم متورِّطة ومتواطئة في افتعال هذه الفتن القبليَّة مستخدمة الخلافات السياسيَّة والثأرات القبليَّة والتنافس حول موارد المياه والمراعي، والانتقام من عمليات اختطاف النساء والأطفال، ونهب المواشي والممتلكات الأخرى.  لذلك لا ريب في أنَّ أيادي الخرطوم موجودة في هذا الاقتتال القبلي لتحقيق عدة أغراض سياسيَّة لا تغيب على أحد، ومنها اختلاق أجواء غير آمنة لاختلاق فوضى في الانتخابات، وبخاصة في الدوائر التي لا يتوقع المؤتمر الوطني الفوز فيها، وبذا يتعطَّل الاستفتاء لممارسة حق تقرير المصير في الجنوب.

بعد هذا كله نتمنى كل المنى ألا يكون ذهاب الجنوب إلى سبيله بداية النهاية لدولة عرفناها باسم جمهوريَّة السُّودان بحدودها السياسيَّة المعلومة، وتضاريسها الجغرافيَّة المختلفة، وشعوبها المتباينة (الأصليَّة والمستوطنة).  فقد كان للسُّودانيين - حكاماً وقيادات سياسيَّة – فرص ذهبيَّة كثيرة أضاعوها بأيديهم؛ فلئن تحمَّلت أحزاب السُّودان السياسيَّة على مر الدهور وزر ما آلت إليه الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة في هذا البلد، إلا أنَّ حزب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة (المؤتمر الوطني والشعبي حاليَّاً) يتحمَّل أوزار وأرزاء السُّودان كلها، لأنَّه هو الذي قضى على كل آمال السُّودان، أو كما في القول الإنكليزي الشائع (It sounded the death-knell of all Sudan’s hopes).  وكذلك نأمل الأمل كله ألا تكون منطقة أبيي كشميراً آخر بين شمال السُّودان وجنوبه.