كمال الجزولي


بقلم/ كمال الجزولى

لم يجد السيد وليد جنبلاط ما يعبر به عن مدى غضبه بإزاء الحيف الواقع على أنصاره فى ملابسات الأزمة اللبنانيَّة الناشبة هذه الأيام ، على خلفية تباين المواقف حول الدور السورى وتداعيات تعديل الدستور بما يسمح بالتمديد للرئيس إميل لحود ، أبلغ من أن يصف خصومه بأنهم محض (جنجويد) ، جاعلاً شعاره: "لا لحكم وطاويط الليل والاشباح و .. الجنجويد!" (النهار البيروتية ، 19/9/04).
وبرغم دقة الدلالة الاصطلاحيَّة فى هذا الاستخدام ، وبخاصة حين أردف السياسى اللبنانى الكبير فى معرض استهجانه لحملة الدهم والاعتقالات التى طالت أنصاره فى منطقة الشوف  قائلاً: "لن تخيفنا السجون ، فليعتقلونا جميعاً ، نعم للعروبة الحرة ، لا لعروبة السجن" ، فقد ساءنى ، مع ذلك ، ألا تسعف ثقافة المستعربين المسلمين السودانيين رئيس (اللقاء الديموقراطى) و(الحزب التقدمى الاشتراكى) فى لبنان ، والذنب فى المقام الأول ليس ذنبه ، بغير هذا اللفظ الشؤم الذى لا نكاد نحن أنفسنا نعرف له أصلاً أو فصلاً أو تصريفاً أو أىَّ معنى لغوى مباشر خارج دلالته الاصطلاحيَّة القبيحة!

***
واستطراداً ، فإن أكثر ما يصدم السودانى لدى خروجه الأول إلى المنطقة العربيَّة الكبرى  إكتشافه أن جُلَّ (الأشقاء) لا يعرفون عن بلده ، والذنب أيضاً ليس ذنبهم ، سوى كلمة (زول) وأغنيتَى (إزَّيَّكم) و(المامبو) وربما أضافوا إلى ذلك إسم رئيس الدولة! فرغم أننا "كلنا فى القمع شرق!" إلا أن النصيب الذى خصَّصته آلة الاعلام فى الكثير من بلدان المنطقة العربيَّة الكبرى ظلَّ كافياً ، إلى حدٍّ كبير ، لتعريفنا بأحوالهم ومشكلاتهم ولهجاتهم وفنونهم وأسماء أصغر مغنييهم وممثلاتهم ، بل أصغر نجوعهم وقراهم ، بينما لا تزال أغلب تلفزيونات وإذاعات الأقربين منهم إلينا تتأتئ وتفأفئ ثلاثاً قبل أن تلفظ خطأ إسم مدينة مهمَّة فى دارفور أو حتى وزير مركزىٍّ فى الخرطوم!
أما (إعلامنا) ، فبعد أن يستفرغ طاقته (الدعائيَّة) ، حتى آخر قطرة ، فى تقصِّى (إنجازات) الحكومة بالحقِّ وبالباطل ، وفى التسبيح بحمد رموزها من رأس الدولة ونوَّابه إلى أصغر وكيل وزارة أو مدير مصلحة ، وفى كيل السباب للمعارضين من أكبر الأحزاب إلى أقل اتحادات الطلاب شأناً ، فإن آخر ما يعنيه هو الترويج لتعدُّدنا الاثنى ، وثرائنا اللغوى ، وتنوُّعنا الابداعى ، المرئى منه أو المقروء أو المشاهَد. وحتى المساحة الضيِّقة من اشتغاله البائس بمثل هذه (الأمور) فمخصَّصة فى غالبها لشأن (العروبة) فى طبعتها (السلطويَّة) ، لغة وثقافة .. واستعلاءً! وتكفى المرءَ نظرة ولو عابرة ليرى كيف جفف هذا (الاعلام) منابر (الثقافة) ، فصفى الكثير من مؤسَّساتها ، وكرَّس المتبقى منها لخدمة مطلوباته السياسيَّة ، حيث حوَّل فرقة الفنون الشعبيَّة ، مثلاً ، إلى شاهد زور ، وطمر مجلتى (الخرطوم) و(الثقافة السودانيَّة) فى مقبرة جماعيَّة ، وأقصى من ساحاته مبدعين حقيقيين ومبدعات حقيقيات بدعوى (الصالح العام) ليحل محلهم (جربنديَّة) الترويج لثقافة العنف السلطانى ، وراح يسلط الأضواء كلها على مادحى البلاط ومادحاته ، فكافأوه وكافأنه وفاءً بوفاء ، مثلما انطلق يحجب كلَّ قطرة ضوء عن المنتديات غير الرسميَّة ومثقفيها (الهامشيين) ومثقفاتها (الهامشيَّات) ، فبادلوه وبادلنه جفاءً بجفاء ، قبل أن يتحلل نهائياً من عبء (الثقافة) كلها باستئصالها من مؤسَّسته ، كما يُستأصل الدِّمِّلُ من الجسد ، كونها علقت به منذ الاستقلال ، إدارياً ومالياً ، فعطلت (انطلاقه) ، فى ما يبدو ، باتجاه ما هو (أهم) ، وقعدت (بقدراته) عن خدمة (أمَّهات) القضايا!

***
و(العروبة الحرة) ، بمصطلح جنبلاط ، لم تقع لدينا بحمولة دلالتها هذه. (فالعروبة) ، كمفهوم تاريخى ، حمَّالة أوجه! وعلى حين ظلت الروح الوطنيَّة الديموقراطيَّة تنزع لمعانقة وجهها المجلوِّ (بالحريَّة) هذا ، فإن الوجه الذى انتهى إليه شأنها معنا (بفضل) المؤسَّسة الرسميَّة ، حتى إشعار آخر ، هو ، للأسف ، ذات الوجه الذى نعاه عليها القيادى اللبنانى البارز: (عروبة السجن/القمع/القهر) ، حيث (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، وحيث المناداة بالمساواة (زندقة) ، والمطالبة بحقوق الانسان (هرطقة) ، والدعوة إلى الديموقراطيَّة (خيانة للقضيَّة) ، والدفاع عن حقوق الأقليَّات (خروج عن المِلة) ، ودعم أوضاع التعدُّد والتنوُّع (تجديف على الثوابت) ، أى ما اجترح جنبلاط اختزاله فى مصطلحه الجديد: (عروبة الجنجويد!) الذى ساءنى كثيراً ، على حقيقته الجارحة ، أن يشكل ، دون سائر إبداعاتنا فى شتى المجالات ، الإضافة النادرة التى نرفد بها ، كمستعربين سودانيين ، الثقافة العربيَّة فى حقل الاجتماع والسياسة!
لقد تسرَّب إلينا (المكوِّن الخارجى) لقسمات هذا الوجه الكالح ، خلال خمسينات وستينات القرن الماضى ، محمولاً على أجنحة (الدعاية) القوميَّة العربيَّة المعاصرة ، منتَج البرجوازيات الصغيرة العربيَّة التى انهمكت ، أوان ذاك ، فى إنجاز انقلاباتها العسكريَّة ، وتأسيس أنظمتها الشموليَّة ، وعقد تحالفاتها المرتبكة ، ونشر رايات (فهمها) الخاص (للعروبة) و(الوحدة العربية) ، بكل ما تنطوى عليه خطاباتها من تعدُّد ، وشعاراتها من تناقض ، وسياساتها من اضطراب ، على كلا المستويين القطرى والاقليمى.
وانطلق هذا (المكوِّن الخارجى) يغـذى (المكوِّن المحلى) المتوارث فينا ، كمستعربين ومسلمين ، منذ زهاء الخمسة قرون ، ضمن أمة سودانيَّة لمَّا تبلغ ، بعدُ ، أشراط الحد الأدنى من التجانس المطلوب لانصهارها فى مجرى واحد ، حالة كوننا ظللنا غارقين ، قبل ذلك ، وحتى أسناننا ، فى مأزق (الاستعلاء) المقيت على (مُساكنينا) بالثروة والسلطة والعرق والدين واللغة والثقافة ، وعاجزين ، بالتالى ، تماماً عن استيعاب مقتضيات البناء الوطنى بتركيبته شديدة الفرادة والتعقيد.
هذا الوجه من (العروبة) هو الذى شكل ، بالنسبة لطبقات وفئات وشرائح المستعربين المسلمين المتمكنة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ، ومن ثمَّ لدى الجماعة الاثنيَّة كلها ، بحكم (الاعلام الرسمى) وسلطة (الثقافة السائدة) منذ فجر الاستقلال ، أيديولوجيَّة التعريب والأسلمة (المقدَّسة) ، و(خارطة الطريق) لسياساتها وبرامجها (الوطنيَّة) ، بهدف (إعادة صياغة) منظومة التنوُّع السودانىِّ بأسرها فى قالبها ، بأكثر مِمَّا وقع لديها كانتماء وجودى محدَّد ومبرَّر تاريخياً ، الأمر الذى كان يستلزم التعاطى معه من خلال الادراك العميق لموجبات (الوحدة مع التنوُّع) أو (التنوُّع فى الوحدة) ، مِمَّا لم يكن خافياً منذ البداية أنه لن تقوم للأمَّة السودانيَّة قائمة بدونه.

***
على أن تينك الخطة والأيديولوجيَّة ما لبثتا أن انفجرتا ، وبخاصة فى عقابيل تأسيس النخبة الاسلامويَّة لنظامها بانقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، ليس فقط فى وجه المساكنين من غير المستعربين أو المسلمين ، بل وبين يدى الجماعة المستعربة المسلمة نفسها ، حيث تسارعت خطى التشقق الثقافى والتشرذم الاثنى والاستقطاب السياسى والانقسام الاجتماعى ، فى أمَّة لم يتح لها أصلاً أن تتجاوز هشاشة تكوينها القومى لتصوغ من واقع تنوُّعها وتعدُّدها عوامل تماسكها وشروط لحمتها.
ولئن كانت الجماعة العربيَّة المسلمة الكبرى فى المنطقة قد كلفتنا ما لا طاقة لنا به لجهة (إعادة) صياغة (الآخر) على صورتها ، فإن أقصى ما قدرنا عليه ليس هو فقط سدَّ الطريق أمام الانسياب الهادئ (لعروبة الحريَّة) و(إسلام العدل) فى هذه التخوم ، بل و(رفع) مردود هذا التكليف المستحيل إلى هذه الجماعة الكبرى فى شكل إعادة صياغة (عربوأعجميَّة) لأوهامها التى لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت!
هكذا فإن ظاهرة (الجنجويد) التى أسعفت وليد جنبلاط بالتعبير الاصطلاحى المناسب عن وجه من (العروبة) يجده مشابهاً لأوضاع خربة فى بلده هى محض عَرَض لمَرَض سودانىٍّ مُزمن. وهو مَرَض ناشب ، بالأساس ، فى بنية التكوين الذهنى والوجدانى للجماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا ، فأضرَّ بها و(بالآخر) فى آن ، بقدر تأثيره على وتأثره ، جدلياً ، بالأوضاع الاقتصاديَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة الثقافيَّة الجائرة تاريخياً. ولذا فإن أنجع وصفات علاجه ينبغى أن تطبَّق داخل هذه الجماعة أولاً ، قبل عرضها على الأغيار من مساكنيها ، بل إن أكثر مناهج التفكير فى هذا العلاج سداداً هى مِمَّا ينبغى أن تصوغه هذه الجماعة بنفسها ، لا ما يُفرض عليها من خارجها!   
     
   






بقلم/ كمال الجزولى
لم أستطع أن أفهم على وجه اليقين سرَّ احتياج الدكتور غازى صلاح الدين للاشارة ، فى صدر مقالته عن (انقسامات الحركة الاسلاميَّة) بصحيفة الشرق الأوسط ـ 5/10/2004م ، إلى (المحرِّض) المباشر الذى دفعه لكتابتها. ذلك أنه ، وبصرف النظـر عمَّا إذا كان ذلك (المحرِّض) ، أو لم يكن ، (كرة ملتهبة) ألقى بها فى وجهه ، على حدِّ تعبيره ، الكاتب الصحفى حسن ساتى من خلال مناقشة جرت بينهما بلندن ، فإن د. غازى هو ، من قبل ومن بعد ، أحد أبرز قياديى ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى السودان ، والأمين العام السابق لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ، والمستشار السابق لرئيس الجمهوريَّة لشئون السلام.
بالتالى ، وبحكم هذه الكيفيات الفكريَّة والحركيَّة والتنفيذيَّة ، فإن مساهمة الرجل بالكتابة فى الشأن العام ، وشأن حركته وتجربتها فى (الحكم) بالذات ، يعتبر انعكاساً منطقياً ، بطبيعة الحال ، للتفكير المستمر الذى لا يهدأ حيال كلِّ هذه الهموم ، ولا بُد ، لديه كما لدى غيره من قادة حزبه ومفكريه ، مِمَّا لا يحتاج إلى (كرات لهب) خاصة يلقى بها فى الوجوه (للتحريض) على هذه المساهمة!
مهما يكن من شئ ، فقد استوقفنى فى هذا الأمر الطريقة التى تعاطى بها د. غازى مع حُكم محاوره بأن الحركة الإسلاميَّة ".. تلبُّست بجرم التشرذم والانقسام على كعكة السلطة فقط ، وليس على معالجة مصطلح الخطاب ولا مبادئه ومضامينه". وأدهشنى ، بصورة مخصوصة ، العـبور الخفيف للدكتور من فوق هذا النقد بقوله: ".. فالذي يتثبت لدىَّ فى هذه القضية الشائكة ، هي أنها برمَّتها مندرجة تحت لافتة أخرى .. هي (الإسلام والحكم) ، والتي أرى أنها تمر بمخاض صعب وامتحان عسير".
هكذا أراد د. غازى الافلات من إسار ذلك النقد المحدَّد ، محاولاً نقل القضيَّة برمَّتها إلى إطار آخر أكثر (ملائمة)! سوى أن عبارته المقتضبة لم تفلح إلا فى إعادة إنتاج (المعضلة الخوارجيَّة) القديمة ذاتها: (الاسلام والحكم) ، مستخدمة الفعل المضارع فى وصفها بأنها "تمُر بمخاض صعب وعسير" ، ومشيحة ، فى نفس الوقت ، عن حقيقة كونها لم تغادر محطة (مخاضها العسير) هذا منذ اللحظة التاريخيَّة التى غرُبت فيها شمس الخلافة الراشدة ، عشيَّة انقلابها إلى مُلك عضود ، يوم رفع الخوارج مصاحفهم على أسنة رماحهم ، معلنين (ألا حكم لبشر وأن الحاكميَّة لله) ، مع أنه لا بُد من (بشر) يدَّعى ، فى كلِّ الأحوال ، معرفة مخصوصة بحكم الله لإنفاذه على المحكومين ، ورغم الحديث الشريف "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" (رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل) ، وحتف أنف كل النصوص الناصعة والفقه السديد مِمَّا تبيَّن به ، وبجلاء ، أن (أصول) الإيمان ثلاثة لا رابع لها: الألوهية ، والنبوة ، واليوم الآخر ، فليس من بينها مبحث (الامامة/الخلافة) الذى يندرج تحته الفكر السياسى فى تاريخ الاسلام وتراث المسلمين (د. محمد عمارة ؛ الاسلام والسلطة الدينيَّة ، ص 77). فليس من فراغ ، إذن ، أن الكرار رضى الله عنه دمغ ذلك الشعار الخوارجى بأنه "كلمة حقٍّ يراد بها باطل" (نهج البلاغة ، ص 65).   
ثم يمضى د. غازى مضيفاً: ".. إن المنطلق والمبرِّر الأساسي لحاكميَّة الإسلام يقوم على ركيزة أنه وحين يحكم ، فلا بُدَّ له أن يحكم بقيم رصينة وعالية" .. الخ. وهكذا ، أيضاً ، لا تفعل هذه العبارة المقتضبة أكثر من إعادة إنتاج ذات المشكلة التى ظلت تعانى منها حـركة الاسلام السياسى ، ليس فى السودان فحسب ، وإنما فى المنطقة بأسرها ، أى المشكلة القائمة فى الاستجارة (بنظام القيم) بدلاً من إنتاج (نظام للمفاهيم) ، مِمَّا اشتكى من جدبه وسقمه حتى بعض رموز ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى المنطقة ، كعبد الله فهد النفيسى وغيره.
لقد انصرفت مقالة د. غازى عن مجابهة النقد الأساسى لانشقاقات الحركة الاسلاميَّة بأنها لا تتمحور حول معالجة مصطلحات خطابها ومفاهيمه المبدئيَّة ، بل حول (كعكة السلطة) ، مثلما انصبت بكليَّاتها على اصطناع المماهاة المرغوب فيها بالنسـبة للحركة ، على تنوُّع (عناوينها) ، فى ما بينها من جهة وبين الدين نفسه من الجهة الأخرى ، فما بلغت ، بالنتيجة ، أكثر من ترجيح كفتها على كل الحركات السياسيَّة الأخرى في فلسطين ، والأردن ، ومصر ، وباكستان ، وإيران ، والعراق ، باعتبار أنها قد استحالت (مداً اجتماعياً) و(رمزاً لكبرياء الأمَّة) و(نظريَّة ومنهجاً يستعاض بهما عن المستوردات الغربيَّة والشرقيَّة). "ومن هنا فوجود الحالة السودانية في هذا المشهد ليس استثناء ، بقدر ما هو تجسيد متفرِّد لها بتجليات مختلفة أخذت بعداً تنظيميا وعملياً".
وبالطبع لا تعود ثمَّة مشكلة ، بنظر د. غازى ، بعد كلِّ هذا الترجيح الحاسم ، إلا فى ".. تفاوت النظر حول تطبيق المنهج الإسلامى في واقع معاصر" ، مِمَّا أدى ".. إلى حراك داخلي على مسائل فرضها ذلك الواقع". ونفهم من هذا أن (انشقاقات) الاسلاميين هى محض (تنوُّع) ناجم عن حراك (داخلهم) وحدهم بإزاء جملة قضايا معاصرة. أما (التنوُّع السودانى) فمحض خلفيَّة تكسب (تنوُّع) الاسلاميين السودانيين خصوصيَّته! وأما السؤال عن السبب فى تحوُّل (المدافعة) التى يستتبعها (التنوُّع) إلى تناحر داخل الحركة ، فإجابته فى درجة وجود أو غياب (السماحة الداخليَّة)! ولكن د. غازى يستدرك بأن ".. الغرابة تكمن في أننا كأنما لو كنا أمام تجربة لم تترسَّخ فيها بعد تقاليد عريقة وأدب واضح من ثقافة الاختلاف والمدافعة السلميَّة". فهو يرى أن ".. الحركة الإسلاميَّة كانت لها ، قبل أن تتقلد السلطة ، تقاليد شوريَّة داخليَّة تتسم بالكثير من السعة والقبول بتعدد الآراء ، فيما ضمر مثل ذلك التقليد لاحقاً" ، أى أن ما يجرى من تناحر داخل الحركة بعد وصولها للسلطة هو (الاستثناء) ، أما (القاعدة) قبل ذلك فهى (السماحة الداخليَّة)! ولكن الكاتب يكتفى هنا بالتوصيف ، ولا ينفذ للتفسير ، بل يتركه لنتائج العمل الذى تباشره حالياً "اتجاهات فكريَّة متعددة" من بين عضويَّة الحركة.
ورغم أن الدكتور يشدِّد فى مقالته على أهميَّة (الحراك) و(الاختلاف) و(قبول الرأي الآخر) لأن ذلك ، على حدِّ تعبيره ، ضد (السكون) على صعيدي الفكر والعمل ، إلا أن السياق الوارد فيه هذا التشديد ، وهو سياق الدعوة (للسماحة الداخليَّة) فى الحركة الاسلاميَّة ، لا يترك مجالاً لاعتباره ضرباً من التبنى الصريح للديموقراطيَّة فى الحكم وفى الحياة السياسيَّة خارج الحركة!
وفى الختام يحذر الدكتور من عواقب انتقاص تجربة السلطة من عطاء الدعوة والفكر ، دون أن "يعني ذلك التقليل من مركزيَّة السلطان في الفكرة الإسلاميَّة المعاصرة ، أو عدم الاعتراف بحيويَّة السلطة ، فهي مهمة ، ولكنها وحدها ، وفي غياب الآليات الأخرى ، يمكن أن تحيل التجربة إلى مغامرة سلطويَّة"!
الصحيح ، للأسف ، أنها أحالتها وانتهت ، وثمة ثلاثة أسباب جوهريَّة لذلك:
أولها أن الحركة انقضت بليل على تجربة ديموقراطيَّة كان المأمول أن تتضافر جهود القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة كافة لترسيخها وتطويرها حتى تغدو ، بالمران المستمر ، نمط حياة يكفل (السماحة) داخل المجتمع بأسره ، لا داخل جماعة واحدة فحسب.
وثانيها أن هذه الحركة تنشأت ، وما تزال برغم الاختلاف ولحين إشعار آخر ، على فكر د. الترابى القائم فى التحلل من (المثال الأعلى) ، وفى اتخاذ البراغماتيَّة مذهباً فى النظر للواقع ، وفى اختزال المجتمع كله إلى صورة الحركة. فهو القائل: ".. لا بد اليوم من أن ننسب الحديث عن النظام السياسى الاسلامى إلى الواقع حتى يكون هادياً فى حركة حياة المسلمين" (خواطر فى الفقه السياسى لدولة إسلامية معاصرة ، ص 5 ـ 6). وهو القائل إن الحركة انتقلت من مجرَّد الوقوف عند (المطلقات) و(المجرَّدات) و(العموميات) ، لتتطوَّر باتجاه (الواقعيَّة) ، "وبدأ الفقه لديها ـ من بعد التنطع النظرى والتحكم القطعى والعموم ـ مما هو ميسور فى طرح قواعد الدين الكليَّة ، يتجه نحو المرونة ، ويتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. ويتكيَّف حسب وجوه تطوُّراتها ووقائع تقلباتها .. وإذ لم يعد كله خطاب دعوة وجدل يورث الإقناع ، أو وعظ  يجيِّش عاطفة الإيمان ، إكتسب صفة .. خطاب البيان الذى يشرح ليهدى العمل ، وليمهِّد لتطبيق الأحكام .. ومن صور المنحى الواقعى فى فكر الحركة أنها آثرت (التفكر) على (التفيقه) .. تؤصل تحركها بالفكر وتصوب تفكرها نحو الواقع" (الحركة الاسلاميَّة فى السودان ، ص 218 ـ 219 ـ 220). وهو القائل إن من وجوه الكسب الذى هيَّأته انتفاضة 1985م لحركته فرصة ".. الاستيعاب للقدرات الشعبيَّة .. ومحاولة إدراج المجتمع كله فى الحركة ، فقد أخذت الجماعة تتحوَّل بطبيعتها نحو أن تكون المجتمع" (المصدر ، ص 35) ، بحيث يكون (انبثاث) هذه الجماعة ".. فى المجتمع بما يحيله كله إلى مثالها .. ينبغى أن تسعى الجماعة للتمكن فى مجتمعها تدرُّجاً حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصف وصورة" ، وبالنتيجة ".. تصبح هى المجتمع الجديد" (المصدر ، 130).
أما ثالث هذه الأسباب ، أخيراً وليس آخراً ، فهو أن الحركة التى قلصت ثوب السلطة عن طريق العنف إلى مقاس قامتها وحدها كان لا بُد لها من الاستمرار جدلياً فى ممارسة هذا التقليص من الخارج إلى الداخل ، ثم إلى داخل الداخل .. بالعنف أيضاً ، وبلا توقف!


 
بقلم/ كمال الجزولى
كتبت قبل أشهر من الآن متسائلاً عمَّا إذا لم يكن ضرباً من الوهم التعويل بالكليَّة  على مجرَّد ارتباط الحركة الشعبيَّة بمواثيق مع أطراف المعارضة كى تتصوَّر هذه الأخيرة ، ولو للحظة ، إستحالة أن يُفضى أىُّ اتفاق سلام ضمن ترتيبات الايقاد إلى شراكة ما فى مستوى السلطة بين الحركة والحكومة. فقد وقع عندى أن مثل هذا التصوُّر يستمد منطقه من الفكر الحقوقى بأكثر من السياسى! ذلك أن الالتزامات الناشئة عن أىِّ اتفاق لا تعتبر مقدَّسة فى حقل الحقوق إلا بقدر ما يحرسها القانون وآليات إنفاذه. أما فى حقل السياسة فإن القانون نفسه يتحدَّد بميزان القوَّة!
ومن ثمَّ استصوبنا التعاطى مع إشارات قادة الحركة حول حرصهم على حلفائهم بأكبر قدر من الواقعيَّة السياسيَّة ، ليس فقط بسبب تضارب هذه الاشارات ، مثلاً ، ما بين تأمين السيدين منصور خالد وإدوارد لينو على مشروع هذه (الشراكة) ، تارة ، ونفى السيد ياسر عرمان ، تارة أخرى ، لاندراجها ضمن أجندة التفاوض ، أو حتى تقييده إياها بأشراط التحوُّل الديموقراطى وحقوق الانسان .. الخ (الأضواء ، 21 ـ 23/9/03) ، بل ولأن من الظلم للحركة ولأطراف المعارضة الأخرى فى نفس الوقت محاولة تقييد حراكات المستجدات السياسيَّة ، مسبقاً ، بقيود )قانون  العقود) الذى لا يشتغل بفعالية معها ، لكونه ليس أصلاً من جنسها ولا هى من جنسه!
وقلنا إن الحركة ليست مظنونة بأن تتقيَّد بأى (التزام) سياسىٍّ سابق فى ما لو تبيَّنت لاحقاً عدم جدواه فى ظل متغيِّرات أىِّ ظرف جديد! وهكذا فإن أىَّ اتفاق سلام (ثنائىٍّ) بين الحكومة والحركة لن يستنفد ، بالغاً ما بلغت ضرورته لوقف الحرب ، مطلب (التسوية السياسيَّة الشاملة) ، أو يغنى عنه شيئاً. فما أن يجف غداً حبر التوقيع عليه ، حتى تفيق البلد والمنطقة والعالم على أن ثمة نزاعات أخرى ما تزال أشراط تسويتها غير مستوفاة ، فى الشمال والجنوب والغرب والشرق. وفى هذه الحالة لن يكون التلفت بحثاً عن (التزام) سابق للحركة باستيفاء هذه التسويات الأخرى ، كشرط لاتفاقها مع الحكومة ، سوى ضرب من (الغشامة السياسيَّة) فى أفضل الأحوال!
لكن المعضلة ، بالنسبة للحركة ، تظل قائمة ، مع ذلك ، فى إدراكها اليقينىِّ لما يمكن أن يكون عليه رصيد الأحزاب الجماهيرىِّ غداً ، حين تتراجع البندقيَّة وتتقدم السياسة ، وذلك بصرف النظر عن فشل هذه الأحزاب بالأمس فى تحقيق ثقل يكافئ ما للحركة فى مضمار المواجهة العسكريَّة مع الحكومة. ولعل هذا هو بالضبط ما فطن إليه السيد ياسر عرمان ، الناطق الرسمى باسم الحركة الشعبيَّة ، فى لحظة من لحظات انتباهاته الذكيَّة بقوله فى تصريح باكر: إن الكيانات السياسيَّة المكوِّنة للتجمع الوطنى الديموقراطى سوف تظل "قوى مهمَّة لضمان مستقبل أىِّ تحول ديمقراطى في السودان ‏,‏ كذلك حزبا الأمة والمؤتمر الشعبي‏ .. ومنظمات المجتمع المدنى وجميع أقاليم السودان ‏,‏ لاسيما في الشرق والغرب‏" (الأهـرام ، 24/9/03). وفى الندوة التى نظمها له التجمع بفرجينيا فى 19/6/04 لم تبتعد إفصاحات الرجل كثيراً عن هذا المعنى ، وإن بدت فى سَمْت (الوعيد!) هذه المرَّة ، عندما (حذر!) القوى السياسيَّة من محاولة عزل الحركة ، مطالباً بضرورة التعاون معها (الصحافة ، 26/6/04).
مهما يكن من شئ ، وبما أن الحركة لا تملك للمعارضة ، حتى بتغليب حسن النيَّة ، أكثر من الانتباهة الثاقبة لوزنها الشعبى ، والاقرار الجهير بقدراتها السياسيَّة ، فقد خلصنا إلى أن الموقف الصائب الوحيد الذى كان منتظراً فى هذه الحالة هو أن تسارع المعارضة لمغادرة محطة (أشركونا) إلى محطة (نحن هنا)! ومن ثمَّ دعَوْنا التجمع للتوقف عن أعمال الصيانة والطلاء بمقرِّه الجديد بالقاهرة ، مِمَّا جاء فى الأنباء وقتها ، كناية عن أن الضرورة الملحَّة لم تعُد تستوجب نشاطه فى الخارج!

***
بعد بضعة أسابيع من ذلك كان السيد ياسـر عرمان يخاطب ندوة التجمُّـع التى أقامها فى 12/11/03 بدار حزب الوفد بالقاهرة على شرف زيارة وفد الحركة لمصر ، نافياً بشدة أن تكون الحركة بصدد الدخول فى شراكه لتقاسم الشمولية فى الخرطوم على حد قوله (سودانايل 14/11/03). غير أن وسائل الاعلام كانت قد تناقلت ، إلى ذلك ، نبأ اجتماع وفد الحركة الرفيع بقيادة الكوماندور سيلفاكير مع هيئة قيادة التجمع ، حيث أبلغوا حلفاءهم بوضوح أنهم ماضون قدماً فى ترتيب شراكتهم مع الحكومة (البيان 12/11/03). ومع أن السيد باقان اموم حَرص على التأمين ، فى ذلك اللقاء ، على (احترامهم) لتحالفاتهم مع التجمع ومع القوى السياسيَّة الأخرى ، إلا أن ذلك كله لم يحُل دون أن يشدِّد الرجل على أن (شراكتهم) مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم ماضية لا ريب فيها (المصدر).
أحكَمُ قرار كان يمكن للتجمع اتخاذه فى تلك اللحظة هو العودة الجماعيَّة الفوريَّة للالتحام بجماهيره ، وإعادة تنظيم صفوفه ، وتنشيط العمل بالداخل ، وتعديل موازين القوى ، ومن ثمَّ تغيير شروط الظرف السياسى نفسه ، وبذلك ينقل وضعه إلى خانة أفضل ، بكل المقاييس ، فى رقعة صراع التسوية. وكما سلفت الاشارة ، فلئن لم يكن للتجمع نفس المنعة الماديَّة التى للحكومة والحركة ، أو حتى ما يقاربها ، فإن لديه السند الشعبى الذى يشكل عنصراً كامناً يستطيع بتفعيله أن يكافىء تلك المنعة ، فيأخذ بذلك زمام المبادأة ، ويرغم اللاعبَين الرئيسَيْن ، بالاضافة لوسطاء الايقاد ، على مراجعة حساباتهم ، حتف أنف النفوذ الخارجى ، بحيث يصعب تجاهله بمثل تلك الكلفة الزهيدة التى تجاهلوه بها فى المفاوضات وفى الاتفاقيَّة!

***
لكن التجمع واصل رهانه ، بدلاً من هذا ، على منهج الدبلوماسيَّة الماكوكيَّة بين الأروقة المغلقة ، وفى عزلة تامَّة عن جماهيره ، تحت عنوان وحيد هو: (أشركونا)!
وقد لا نحتاج فى معرض التدليل على ذلك إلى أكثر من إلقاء نظرة عابرة على رزنامة أدائه خلال الفترة الأكثر حسماً فى مسار المفاوضات بين أوائل ديسمبر 2003م وأواخر مايو 2004م:
(1) شهدت تلك الفترة اتفاق جدة المفاجئ بين طه والميرغنى فى 4/12/03 ، وفى غياب كل رموز التجمع ، مِمَّا أثار التساؤل المقلق المشروع حول جدوى مثل هذه الأساليب المعزولة فى العمل السياسى. وهو التساؤل الذى لا تخفف من حدَّته تصريحات الميرغنى بأن "كل فصائل التجمع .. فوضتني لتحقيق هذا الاتفاق" (الخليج ، 6/12/03) ، أخذاً فى الاعتبار بنفى بعض أطراف التجمع لهذه الواقعة ، حيث انتقد السيد التجانى الطيب الاتفاق ، كما أكدت مصادر فى الحزب الشيوعى أنه لم يسبقه تشاور بين الأطراف (أ ش أ ، 31/12/03).
(2) ثم أعلن التجمع ، بمنطق الأمر الواقع ، عن تشكيل غرف عمليات ولجان فنية استعداداً للحوار مع الحكومة ، والتنسيق مع الحركة الشعبية فى مفاوضات الايقاد تفاديا (لتضارب!) المسارات (موقع التجمع على الشبكة ، 7/12/03). وأعلن فى وقت لاحق عن تشكيل سبع لجان للسياسة والقوات النظامية والشؤون الدستورية والاقتصادية والانتخابات .. الخ (أ ش أ ، 23/2/04). ثم ما لبثت أن تلاشت ، بلا أىِّ أثر فى الواقع ، كل تلك (الاجراءات) المصمَّمة جيداً على الورق ، وغير المُعزَّزة بأىِّ اعتبار شعبىٍّ فعَّال ، مِمَّا سهَّل على الحكومة انتهاز أول فرصة (للنكوص!) عن الاتفاق نفسه ، والذى لم يكن سوى طلعة استكشافيَّة فى جبهة المعارضة ، متعللة بقبول التجمع لحركة تحرير السودان فى عضويته (أ ش أ ، 28/2/04).
(3) رغم ذلك بعث الميرغنى بالدكتور جعفر عبد الله حاملاً رسالتين إلى كل من طه وقرنق حول (أهميَّة!) إشراك التجمع فى مفاوضاتهما (الثنائية) التى كانا قد استأنفاها آنذاك بنيفاشا. وعبَّر الناطق باسم التجمع عن (تفاؤل!) التجمع بأن توافق الاطراف على تمثيله خلال تلك الجولة ، كما أعلن فاروق أبو عيسى أن هناك إشارات من الوسطاء الامريكيين والبريطانيين إلى أن الوقت قد حان لإشراك التجمع (وكالات ، 28/2/04). أما الميرغنى فقد أكد من جانبه أنه سيقود الوفد فور صدور الموافقة (وكالات ، 23/2/04). إلا أن نائب رئيس الجمهورية أبلغ المبعوث بان حكومته قررت تعليق الاتصالات مع التجمع حتى يصحِّح قراره بقبول عضوية متمردى دارفور (وكالات ، 28/2/04).
(4) ومع ذلك فإن الميرغنى ظل يؤكد أن مشاركة التجمع "قد التزم بها قرنق .. علاقتي مع قرنق تعود الى 16 نوفمبر 1988م .. ولاتزال ثقتي فيه كما كانت" (البيان ، 7/3/04). ومن المؤكد أن رئيس التجمع قد وجد من الخصائص والخصال الشخصيَّة لدى زعيم الحركة ، بعد كلِّ تلك السنوات الطويلة من المعايشة الانسانيَّة والسياسيَّة ، ما يدعو بالفعل للثقة فيه. هذا ، دون شكٍّ ، أمر طيِّب فى حدِّ ذاته ، ولكن هل يصلح بمجرَّده مبرِّراً لأن يلقى التجمع بمهامه السياسيَّة على كاهل الحركة أو قائدها؟! إشراك أو عدم إشراك التجمع فى المفاوضات قضيَّة سياسيَّة تخضع ، أوَّل ما تخضع ، لميزان القوَّة فى الظرف التاريخىِّ المعيَّن , وهذا ، بدوره ، يتحدَّد بجملة عوامل يتشابك فيها الذاتى والموضوعى. وفى حالتنا الراهنة ثمَّة طرفان تكافأت كفتاهما فى ميزان القوَّة حتى لم يعد فيهما من يعتقد أن بمقدوره إنزال الهزيمة الحاسمة بالآخر. بالاضافة إلى طرف ثالث لديه مصالح فى بلادنا ، وفى المنطقة من حولنا ، وقد تهيأ له ظرف دولىٌّ وإقليمىٌّ جعله يستقوى بمركزويَّة تتيح له ، وإلى حدٍّ بعيد ، إعادة ترتيب البيئة الملائمة لتحقيق هذه المصالح. فإذا وجد طرف آخر يريد أن يبرز فى ساحة هذا الصراع ، فيتوجَّب  عليه ، قبل أىِّ شئ آخر ، أن يتلمَّس مكامن قوَّته هو نفسه ، وما يمتاز به من مقوِّمات التفوُّق أو ، على الأقل ، عناصر الضغط التى تمكنه من تعديل ميزان القوَّة بحيث يصعب على الآخرين إهماله أو تجاوزه. وليس من بين هذه المقوِّمات والعناصر ، بالطبع ، وجود حليف يقوم مقامه أو ينهض بمهامه ، بالغاً ما بلغ هذا التحالف من الوثوق. وبالحق أنت لا تستطيع أن تبلغ على طاولة المفاوضات أبعد مِمَّا تستطيع أن تبلغ مدافعك فى الميدان ، على حدِّ تعبير ونستون شيرشل ، غير أن (المدافع) ليست دائماً هى ذلك السلاح النارى المحدَّد. وإلا فما هى (مدافع) المهاتما غاندى أو نلسون مانديلا؟! المهم أن لكل (مدافعه) التى يتوجب عليه أن يُحسن إدارتها. ولعل التعويل الملحوظ فى أداء التجمع على طاقات الحركة القتاليَّة ، أوان كانت تلك هى لغة الصراع الرئيسة طوال السنوات الماضية ، والاكتفاء فى غضون ذلك بالاستماع إلى التنويرات الدوريَّة عن سـير العمليات من د. جون ، هو الذى أغاظ ستيفن واندو ، مدير مكتب الحركة بواشنطن ، ودفعه لأن يتلفظ بما تلفظ به فى ندوة أخرى بواشنطن أواسط يونيو المنصرم ، حيث قال: لا نقبل أن تعطينا أحزاب الأمة والاتحادى والشيوعى دروسا في الديمقراطية! إن هذه الإحزاب هى سبب الأزمة في السودان! إن ما حققته الحركة من إنجاز يعود لكونها التنظيم الوحيد الذي يمتلك القدرة والتنظيم والكفاءة! إن الحركة تحمَّلت الكثير في الحرب دون أن تقوم القوى الأخرى بدورها ، فقد دفعت الحركة بالآلاف من قواتها في الجنوب والشرق على حين عجزت الأحزاب مجتمعة عن تكوين لواء واحد (الصحافة ، 17/6/04).
(5) الشاهد أن التجمع واصل عزلته عن الجماهير ، وأدار سياسته طوال الفترة الماضية تحت شعار: (أشركونا) ، مُعوِّلاً بالكليَّة على دبلوماسيَّة الأروقة المغلقة. فعقد اجتماعا موسعا، مطالع مارس الماضى ، للسفراء الأجانب بالقاهرة ، طلب فيه من دولهم الضغط على النظام ليقبل بمشاركة بقية القوى التى ستوفر للاتفاق غطاء جماهيرياً وسنداً شعبياً يضمن الاستقرار. ويستوقفنا هنا ، بصفة خاصة ، للتدليل على مدى ما أضاع التجمع فى التركيز فقط على هذه الأنشطة ، قول ناطقه الرسمى إن التنوير لاقى ارتياحاً كبيراً لدى الدبلوماسيين وأكمل لديهم الصورة الناقصة! (سودانايل 11/3/04) ، ولا تسل بعد ذلك عمَّا فعلت دولهم!
(6) وفى منتصف مارس الماضى طار الميرغنى إلى كمبالا ليعرب عن أمله فى أن يقوم (موسفينى!) أيضاً بدور ما على صعيد المفاوضات بما يضمن اتفاق سلام شامل وعادل .. الخ! ثم انتقل من هناك إلى نيفاشا ليبلغ طه وقرنق رسالة فحواها استعداده التام للتعاون من أجل الاسراع فى عملية السلام! وطالب بسلام نهائى ، شامل وعادل ، ينال موافقة كل القوى السياسية ، معلناً استعداده أيضا لقبول أى اتفاق سلام يتوصل إليه الطرفان (!) مشيراً إلى أن ذلك سيخلق واقعاً جديداً أفضل حالاً. كما ناقش مع قرنق مستقبل (التحالف!) بين الحزب الاتحادى والحركة (موقع التجمع على الشبكة ، 19/3/04).

***
أخشى ما نخشاه الآن أن يخطئ التجمع التقدير السياسى مرة أخرى ، وهو يُقبل على اتخاذ قراره التاريخى (المؤجَّل) بالعودة ، كما هو متوقع ، من خلال أحد أهم وأخطر اجتماعات هيئة قيادته بالعاصمة الاريتريَّة مطلع يوليو القادم ، وذلك فى ما يتصل بعلاقته بالحركة ، فيظلمها بتحميلها ما لا طاقة لها به ، ويظلم نفسه برهن حركته لمثل هذه الحسابات الخاسرة مجدَّداً ، أو أن تتحمَّل الحركة عبء هذا الخيار المستحيل من تلقاء نفسها ، مدفوعة بهاجس الخوف من (العزلة) كما سبق أن ألمحنا ، والنتيجة فى الحالين .. واحدة!
فالحركة ، من جانبها ، تتهيأ لترتيب شراكتها مع المؤتمر الوطنى فى السلطة ، والتحوُّل من حركة مقاتلة فى الأحراش إلى حزب سياسىٍّ مدنى حاكم ، بعد أن حققت انتصارها بالتوقيع مع شريكها الجديد على بروتوكولات السلام الستة. أما أحزاب المعارضة داخل وخارج التجمع فلم تحزم أمرها بعد بشأن المشاركة فى الحكومة القوميَّة ذات القاعدة العريضة ، إذ لا تزال تنتظر موقف (الشريكين) من شروطها التى طرحتها لأغراض هذه المشاركة ، وفى مقدمتها عرض الاتفاقية على منبر وطنى واسع لإخراجها من ضيق (الثنائيَّة) وإكسابها الطابع (القومى) ، ومعالجة اختلالاتها ونواقصها الكثيرة ، فضلاً عن اصطناع منبر آخر لوضع المعالجات اللازمة لمشكلة دارفور .. الخ.
فإذا لم يُُستوفَ هذا الشرط ، على الأقل ، فإن الاحتمال الغالب هو أن تبقى هذه القوى ، أو جُلها ، فى المعارضة. ومن نافلة القول أن الحركة ، فى هذه الحالة ، لن تستطيع ، مهما أوتيت من المهارة ، أن تلعب دور (السلطة) و(المعارضة) فى آن. فلا هى مستطيعة أن تخرج من اجتماع مجلس الوزراء ظهراً لتلتحق باجتماع هيئة قيادة التجمع مساءً ، كما يتوهَّم البعض ، ولا بمقدورها حتى أن تنفذ عملياً ، دون مخاطرة سياسيَّة حقيقيَّة ، ما أشار إليه السيد عرمان فى ندوة فرجينيا المشار إليها قائلاً: إن الحركة ستستمر في التنسيق مع التجمع وهي داخل الحكم لتضمن تنفيذ كل المواثيق المتفق عليها لإنجاز قضايا التحول الديمقراطى (سودانايل ، 23/6/04).

***
لا نستبعد ، بالطبع ، أن يتوصَّل الطرفان من خلال اجتماع هيئة القيادة إلى صيغة ما من خلال الاجتماع المشار إليه. لكن المهم هو أن نعى جيداً ، وبصورة موضوعيَّة ، أن شراكة الحركة والمؤتمر الوطنى قد ابتدأت فعلياً منذ أن قررا التفاوض الثنائى لحل المشكلة. وأن الاختلالات التى شابت البروتوكولات التى خلصت إليها مفاوضاتهما هى من جنس اختلال هذا الطابع الثنائى لمفاوضات تتعلق ، فى أصلها ، بقضايا ذات طابع وطنى عام وشامل.
لكن ، وبرغم الخطورة الاستثنائيَّة لهذه المفارقة ، فليس من المستحيل على الحركة السياسيَّة الوطنيَّة ، إن هى اعتمدت على الجماهير ، تحقيق اختراق جدى لإكساب الاتفاق قوميَّته المطلوبة ، وربطه بتحول ديمقراطي حقيقى لجهة الأوضاع المعيشية بتحسينها ، فمن حق مواطنى القوميَّات كلها فى الوطن أن يتلقوا تعويضاً مجزياً عمَّا ظلوا يكابدون من شظف فى حياتهم اليوميَّة بسبب الحرب التى كانت تكلف مليار جنيه يومياً ، وإلا فلن يعنى السلام بالنسبة لهم غير أناشيد فى الراديو والتلفزيون! وكذلك لجهة الحقوق والمظالم ، فما من قوة فى الأرض تستطيع أن تنسى المظلوم غبنه إلا برد حقه المعتدى عليه ، مادياً أو معنوياً ، وإلا فسوف يبقى السلام مهدَّداً!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كمال الجزولى
نظم اتحاد الكتاب السودانيين أواخر ثمانينات القرن المنصرم ، قبيل حله فى عقابيل انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، أمسية أدبيَّة مشهودة بمقرِّه بالخرطوم تحت عنوان (محاكمة الطيِّب صالح) ، التماساً لمقاربة نقديَّة مباشرة للروائى الكبير المقيم ببريطانيا بمناسبة إحدى عوداته القصيرات للبلاد. وقد وقف أحد النَّقـَدَة يومذاك ناعياً على الطيِّب ما بدا له فى أدبه من (إساءة وتشويه) لما أسماه (طابع الطهر والوداعة فى الريف السودانى) ، وتصويره لبعض الظواهر (الغريبة) على (قيم القرية) فى بلادنا ، أو كما قال!
من أقوى ما رسخ فى ذاكرتى من وقائع تلك الأمسية تعقيب الطيِّب على ذلك الكلام ، بصوته العميق وبساطته المعهودة ، قائلاً: "لا أملك والله سوى أن أعلن عن إحساسى بالاشفاق على أخينا هذا وعلى أمثاله من البسطاء الذين يرسمون لأنفسهم أوهاماً حول القرية والريف ، يصطنعون منها غشاوة يضعونها على عيونهم ، فتحول دون رؤيتهم لحقائق الواقع وصراعاته وتحوُّلاته ، ثم يمضون حياتهم مطمئنين لهذه الأوهام"!
وما أن أنهى الطيِّب كلمته البليغة تلك حتى انفجر الجمهور ، وجُله ، كالطيِّب نفسه ، من أصول قرويَّة ريفيَّة ، يتجاوب معها بالتصفيق الحار والقهقهات الصخَّابة ، أو قل بالضحك الذى هو كالبُكا!
إستدعى هذه الواقعة إلى ذاكرتى حديث والى ولاية شمال دارفور عثمان يوسف كبر فى ندوة عقدها مؤخراً بدبى ، "لبسط الحقائق" حول قضيَّة دارفور أمام "التجمُّع الإعلامىَّ المُمَيَّز" فى هذه المدينة الخليجيَّة ، ومن ثم "تنوير" الجاليات العربية والسودانيَّة على وجه التحديد. فما أن جاء الحديث على سيرة (الاغتصاب) كاتهام يوجَّه عالمياً ، فى الوقت الراهن ، لمليشيا (الجنجويد) سيِّئة السمعة ، حتى انبرى السيِّد الوالى (داحضاً) هذه التهمة الشنعاء بحماس شديد قائلاً: "الذي يتكلم عن الاغتصاب لا يعرف مواطنى دارفور .. سمعنا عن زواج جماعى ولكن لأول مرة أسمع عن اغتصاب جماعى .. لا يمكن أن يحدث هذا في دارفور التي كست الكعبة في يوم من الأيام .. من الذي يرضى بحدوث مثل هذه الحالات أمامه .. أهل دارفور لا يمكن أن يرضوا بهذا أصلاً!" (الرأى العام ، 30/7/04).
طبعاً لا أهل دارفور ، ولا أهل السودان عموماً ، على تنوُّع تكويناتهم الاثنيَّة ، ولا غيرهم من شعوب العالم وقوميَّاته المختلفة ، يمكن أن يرضوا بهذا. وما سمعنا ، مثلاً ، بأن شعوب البلقان أو رواندا أو سيراليون أو العراق ، مِمَّن نكبوا فى حروباتهم بمثل هذه الممارسات ، قد (رضوا) بها ، أو أنها معتادة أصلاً فى ثقافتهم بحيث يمكن لأحداثها أن تمُرَّ فى حياتهم مرور الكرام!
وإذن فهى الحرب ما قد علمتم وذقتم برغم وجود قانون دولىٍّ إنسانىٍّ يرعى حقوق الانسان فى أزمنتها!
وتؤكد د. سعاد موسى عميدة كليَّة علم النفس بجامعة الأحفاد للبنات أن حدوث حالات الاغتصاب أثناء الحروب "أمر متوقع .. حيث .. تكثر كل الافعال الخارجة عن القانون" (الرأى العام ، 27/7/04). كما يضيف د. موسى آدم عبد الجليل أستاذ علم الاجتماع بجامعة الخرطوم أن ظاهرة الاغتصاب في الحروب موجودة ومعروفة كعنف موجَّه نحو الجماعة "والهدف منها أن المجموعة المعتدية تريد أن توقع أكبر ضرر بالمجموعة الأخرى" (المصدر نفسه).
المشكلة هى أن السيِّد الوالى ذهِل فى غمرة حماسته ، على ما يبدو ، عن أنه بحديثه هذا قد استبق عملياً نتائج التحقيق الذى عهدت به حكومته نفسها إلى لجنة برئاسة رئيس القضاء الأسبق دفع الله الحاج يوسف الذى أكد أن علمهم قد اتصل فعلاً بدعاوى وقوع جرائم اغتصاب فى دارفور ، وأن لجنته (سوف) تحقق فى الأمر (المصدر نفسه).
بل لعل الأخطر من هذا أن السيد الوالى ذهِلَ أيضاً ، من ناحية أخرى ، عن أن خطابه بدا ، لهذا السبب بالذات ، كما لو كان منصرفاً بكليَّاته للدفاع المستميت عن الجناة ، وذلك بالنظر إلى تأكيدات لا يمكن الاستهانة بوزنها ولا يتطرَّق الشك إلى دوافعها السياسيَّة.
لقد سرد السيد الوالى فى حديثه فى (ندوة دبى) المشار إليها مراحل تطوُّر المشكلة حتى انهيار اتفاقية أبَّشى في 16/12/2003 بسبب ما وصفه (بالشروط التعجيزيَّة للمتمردين) ، وما أعقب ذلك من تجدُّد للمواجهات الحربيَّة ، حيث أشار إلى قيام الحكومة باسترداد بعض المناطق التى سبق لمقاتلى دارفور أن انتزعوها ، واعتبروها مناطق محررة ، وأعلنوا أنهم فى طريقهم (لاحتلال) الاقليم بأكمله خلال 51 يوماً ، والتوجُّه ، من ثمَّ ، نحو  الخرطوم. غير أنهم ، لمَّا فشلوا فى تحقيق ذلك ، غيَّروا "الاستايل بتاع اللعب!" على حدِّ تعبيره ، فكانت هذه الادعاءات! بمعنى أن (المتمردين) ، حسب السيد الوالى ، ما لجأوا (لاستايل) إثارة دعاوى الاغتصاب إلا بعد فشلهم فى تنفيذ مخططهم!
حسناً! فإذا افترضنا ، من جهة ، إمكانيَّة إهمال كلِّ التقارير التى ليس من المعتاد أن تجمع على معلومة ما بلا سبب مفهوم ، والتى ما تنفكُّ تتردَّد من جهة كبريات القنوات الفضائية والاذاعات والصحف والمنظمات المدنيَّة العالميَّة ، ومن أشهرها منظمة العفو الدوليَّة ، واعتبرناها كلها (أجنبيَّة معادية) ، اتساقاً مع خطاب الحكومة الرسمى ؛ وافترضنا ، من الجهة الأخرى ، سداد صرف النظر عن شهادة شخصيات سياسيَّة كالسيد الصادق المهدى والسيدة رباح الصادق وغيرهما مِمَّن زاروا مواقع الأحداث والتقوا بالضحايا وتحققوا من المعلومات وعادوا وصرَّحوا وكتبوا ، وعدَدناهم أجمعهم (حزبيين مغرضين) ، وفق ذات الخطاب ؛ فهل يمكننا الاستهانة أيضاً باللهجة الحذرة التى اتبعها الفريق ابراهيم الرشيد ، مدير الاكاديميَّة العسكريَّة السابق ، فى وصفه لهذا السلوك بأنه "تصرف موجود ينتج من إفرازات الصراع وقد يحدث بصفة عامة فى الحروب في المفهوم الدولى"؟! أو التغاضى عن قول المحامى الطيِّب هارون ، الموالى للنظام والناشط فى تنظيمات (حقوق الانسان) الحكوميَّة ، بأن مثل هذه الجرائم غير مستبعدة فى حالات الحروب ، حيث "تزهق الأرواح ، وبالتالى فإن حدوث أيَّة جرائم أخرى غير مستبعد"؟! بل هل يمكننا الاشاحة ، على سبيل المثال لا الحصر ، عن إفادة كاتب مرموق كعبد الله آدم خاطر ، المثقف الدارفورىِّ المستقل والمعروف بموقفه الوطنىِّ المتوازن من المشكلة عموماً ، والذى أكد أنه زار المعسكرات ووقف بنفسه على حقيقة وقوع حالات اغتصاب لعدد من النساء (المصدر نفسه)؟!
يقيننا أن (اللاعب) الأساسى الذى يحتاج ، أكثر من غيره ، لتغيير (استايل لعبه) هو النظام نفسه الذى يتوجب عليه ، إن توفرت لديه إرادة سياسيَّة حقيقيَّة للخروج بنفسه وبالوطن وبالشعب من المأزق الراهن ، أن يتخلى أولاً عن (استايل) المكابرة والمغالطة والاستغراق فى طمأنة النفس بأوهام التفكير الرغائبى وبرقِهِ الخلب ، وأن يقدِّم من التنازلات ما يكفى ، بأعجل ما يمكن ، لتوحيد الجبهة الداخليَّة ، ولانتزاع عناصر المبادأة من (اللاعبين الأجانب) وتبيئتها مناخاً وطنياً ملائماً لمعالجتها بمشاركة كلِّ القوى السياسيَّة والمنظمات المدنيَّة الفاعلة فى مفاصل المجتمع الأساسيَّة ، الأمر الذى لا يمكن أن يتحقق بمحض مواكب الحزب الحاكم المصنوعة ، وشعاراته البرَّاقة التى تنحو إلى حبس القضيَّة فى مجرَّد (التدخل الخارجى) ، وبدون اعترافه المستقيم بأن (استايل) الشموليَّة البغيض الذى ظل ينتهجه طوال السنوات الخمس عشرة الماضية هو المسئول الأكبر ، فى الحساب الختامى ، عن كلِّ هذا الحريق الوطنى المتفاقم ، والذى لا تمثل ظاهرة الاغتصاب غير عَرَض من أعراضه ، فيلزمه ، من ثمَّ ، تغييره (باستايل) إشاعة الحريات العامة وإطلاق الحقوق الأساسيَّة للمواطنين.
تلك هى العناوين الكبيرة (لخيار) المخرج الوحيد المطلوب ، والذى بحت أصوات الوطنيين من المناداة به ، لولا أن النظام ، بغير (الجبر) الخارجى ، لا يبصر ، على ما يبدو للأسف ، إلا ظلاله ، ولا ينصت ، فى ما هو واضح ، إلا لهواجسه! سوى أنه ليس ثمة مناص ، مع ذلك ، من أن يواصل الوطنيون الحفر فى الصخر بالأظافر خدمة للقضيَّتين معاً وفى وقت واحد: القضيَّة الاجتماعيَّة بالحل السياسى الشامل ، والقضيَّة الوطنيَّة بتجنيب البلاد مخاطر التدخل ، الغزو ، الاحتلال .. فالعراق ليس نموذجاً فى زحل أو المريخ ، والخير ، من قبل ومن بعد ، فى ما اختار الله!