كمال الجزولي

حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (3)
كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) بمناسبة السادس والعشرين من يونيو ، اليوم العالمى لمناهضة التعذيب ، كتبنا فى الحلقتين الماضيتين نستبشع قهر المستضعَف بإذلاله ، ونذمُّ مَن لا يجد فى نفسه واعزاً من دين أو خلق يحول دون ارتكابه لعمل شنيع كهذا.
(1/2) وقلنا إن البشريَّة تمكنت من رفع (مناهضة التعذيب) إلى قلب أولويَّاتها فوق كلِّ ما ناء به ضميرها من أوزار ، كونها عرفت أساليب التعذيب منذ أقدم العصور مقترنة أكثر شئ بأنظمة ومناهج الاعتراف الجنائى. وأشرنا ، فى الاطار ، إلى عدد من الوثائق الدوليَّة (كالاعلان العالمى لحقوق الانسان) و(العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) مع (البروتوكول الاختيارى الثانى) الملحق به ، إضافة (لإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، حيث تحوَّل هذا الاعلان ، لاحقاً ، إلى (اتفاقية) دخلت حيِّز التنفيذ فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1997م يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب.
(1/3) وأوضحنا أن الاتفاقيَّة تعرِّف التعذيب ، وتحرِّمه ، وتنشئ لجنة خاصة لمناهضته ، وأن فقهاء القانون الدولى والجنائى يقطعون بأن التعذيب غير مبرَّر أخلاقاً أو قانوناً ، علاوة على كونه غير مُجْدٍ من الناحية العمليَّة. كما لاحظنا ، بوجه عام ، أن اهتمام القانون الدولى بحقوق الانسان آخذ فى الازدياد ، وبخاصة من زاوية مناهضة التعذيب. ولكننا استدركنا بأن مزيداً من الجهد يُنتظر أن يُبذل قبل أن تتحقق الانسانيَّة من محو وصمة التعذيب نهائياً من على جبينها.
(1/4) وقلنا إن هذا الجهد متعدِّد الأوجه فلا يجوز حصره فى إطار عمل الأمم المتحدة أو العلاقات الدبلوماسيَّة أو الأنشطة التقليديَّة لمنظمات المجتمع المدنى. ورأينا سداد التعويل على (الثقافة) التى تشكِّل الواعز الذاتى النابع من ديناميَّات العقل والوجدان الجمعيَّين ، والتى غالباً ما تتشكل على منظومات من ترميزات القيم المعتقديَّة الخيِّرة والمثل المتأصِّلة فى صميم الفطرة السليمة ، بأكثر من التعويل على (القاعدة القانونيَّة) الدوليَّة التى تنشأ من التواثق بين الدول. وفى السياق تمنَّيْنا على المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب إثراء خطابها بما يبرز نظرة مختلف الأديان والثقافات فى بلادنا لهذه الممارسة ، ويكرِّس الموقف الأخلاقى النهائى منها لدى منظومة التنوُّع السودانى ، باعتبار أن فى كلِّ دين حكمته النبيلة المقدَّسة ، وفى كلِّ ثقافة عنصرها الانسانى الرفيع.
(1/5) وبعد أن ألقينا نظرة عامة على أساليب ومناهج التعذيب كما عرفتها البشريَّة عبر مسيرة تطوُّرها الطويلة والمعقدة باتجاه استكمال مقوِّمات إنسانيَّتها ، منذ المجتمع البدائى وحتى العصر الحديث ، وَعَدْنا بأن نعرض لموقف الاسلام من هذه الممارسة ، ليس باعتباره دين الجماعة السودانيَّة المستعربة المسلمة فحسب ، بل ولكونه يتداخل أيضاً فى النسيج الثقافى لتكوينات إثنيَّة مغايرة تنتمى إليها مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، الأمر الذى يفترض التأثير المتبادل بين أنظمة القيم ، مِمَّا عددناه من حُسن فأل الوحدة الوطنيَّة المأمولة. وفى ما يلى نواصل:
 
(2)
(2/1) من غير الممكن مقاربة مضمون حقوق الانسان فى الاسلام من دون مقاربة المفهوم القرآنى للانسان ابتداءً. وهو مفهوم يرتكز على ثلاث شعَب أساسيَّة: المخلوق المُكرَّم بالأمانة = المخلوق المُكرَّم بالاستخلاف = المخلوق المُكرَّم بالعقل. فمِمَّا يُفترض علمه من الدين بالضرورة لدى كل مسلم:
أ/ أن ثمة حكمة تكمن وراء خلق السماوات والأرض ، وسن السنن الكونية ، وخلق الانسان ، وتحديد مركزه المُمَيَّز كأفضل الكائنات: "ربنا ما خلقت هذا باطلا" (191؛ آل عمران). وأن الله جعل هذه (الحكمة) فى متناول أفهام البشر بما أودع فيهم من قبس إلهى: "ثم سواه ونفخ فيه من روحه" (9 ؛ السجدة) ، وما خصهم به من خصيصة قرينة لخلقهم قبل التنزيل نفسه: "فطرة الله التى فطر الناس عليها" (30 ؛ الروم) ، ومامنحهم من أداة تمكنهم من بلوغ هذا (الادراك) وهى (العقل): "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير" (10 ؛ الملك). وروى عن النبى (ص) أنه قال: "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال الله عز وجل: وعزتى وجلالى ما خلقت خلقا أكرم علىَّ منك ، بك آخذ ، وبك أعطى ، وبك  أثيب ، وبك أعاقب" (أخرجه الطبرانى فى الأوسط).
ج/ وأن العقل ، كما يصفه الامام الغزالى ، هو ".. أشرف صفات الإنسان .. إذ به تقبل أمانة الله" (أبو حامد الغزالى ؛ إحياء علوم الدين ، ج 1 ، ص 12 ـ 13). وباستخدام العقل ، والتعويل على الفطرة ، والتدبُّر فى الآيات ، يستطيع الانسان أن يدرك أن غاية الخالق من خلقه هى (استخلافه) فى الأرض لإعمارها: "واذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة" (30 ؛ البقرة). وتركت له ، على هذا الأساس حريَّة الاختيار والتمييز بين العدل والظلم ، كما وألقيت على عاتقه المسئوليَّة عن هذا الاختيار والتمييز. وبقدر كسب الانسان ، بحريته غير المنتقصة هذه ، يكون حسابه: "وأن ليس للانسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النجم) ، فمدار هذا العدل الإلهى هو كسب الانسان بمحض إرادته الحُرَّة وعقله المختار.
    د/ وأن الخالق بذلك كله قد (كرَّم) الانسان (المستخلف) على إطلاقه ، دون أىِّ تمييز بالايمان أو الاسلام أو الجنس أو النوع : "ولقد كرمنا بنى آدم" (70 ؛ الاسراء) ، وفضَّله على سائر مخلوقاته الأخرى: ".. وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الآية) ، بل ورفعه درجة حتى على الملائكة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" (116 ؛ طه) ، ووهبه ، علاوة على نعمة العقل ، (الحرية) فلم يقسره حتى على الإيمان به: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (99 ؛ يونس) ، "وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل" (107 ؛ الأنعام) ، "وما أنا عليكم بوكيل" (108 ؛ يونس) ، "وما أنا عليكم بحفيظ" (86 ؛ هود) ، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (29 ؛ الكهف) ، "لا إكراه فى الدين" (256 ؛ البقرة). "لست عليهم بمصيطر" (22 ؛ الغاشية). وقد استندت جماعة من العلماء إلى هذه النصوص الواضحة لتقرر أن الراجح ، حتى بالنسبة للحربى ، ألا يُكره على الدخول فى الاسلام (وهبة الزحيلى ؛ آثار الحرب فى الفقه الاسلامى ، ط 2 ، ص 78).
(2/2) وإذن فخطاب (الاستخلاف) و(التكريم) القرآنى متوجه ، كما قد رأينا ، إلى جميع (الناس) ، لا إلى أصحاب (السلطان) الذين يحيطون أنفسهم بقدر من (العصمة) و(القداسة) ، سواء فى ذلك الحاكم المطلق الفرد ، أم النخبة الحاكمة ، أم الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصاديا وسياسيا ، فلكأنهم ظلال الله فى أرضه يستبدون بالأمر من دون سائر خلقه. ولا فرق بين أن يدَّعى هذه الوضعيَّة السلطويَّة دكتاتور علمانى أو آخر يدعى تنزيل حكم الله على المحكومين. فشعار (الدولة الدينية) ، فى حقيقته ، هو صنو الادعاء بأن (إنسانا) ما يحتكر وحده (الوكالة) عن (الله) عز وجل فى (معرفة) حُكمه ، و(تنزيله) على سائر الناس فى المجتمع المعين ، أو بأن هذا (الانسان) هو نفسه (الإله) المعبود!
(2/3) ويُلاحظ أن لكل استبداد فى التاريخ أسلوبه الخاص فى الاتشاح بأوشحة (الدين). ولئن كان الخوارج أول من تخندق تحت شعار (الحاكميَّة لله) فى تاريخ الفكر السياسى الاسلامى ، فقد استخدمه ، بمختلف الأساليب ، كثير من حكام المسلمين كسلطة معنوية تعضد أدوات قهرهم لشعوبهم  حتى أتى على الناس حين من الدهر ".. تربع على مقاعد الحكم خلفاء لا تسندهم سوى شرعية السيف ، و(صار) من مقتضيات حكم القوة أن .. يخضع الحكام شعوبهم .. و .. صارت ولاية الأمر فى جانب القوة وحدها ، وانتشر الاستبداد .. ملجماً الفكر واللسان" (الصادق المهدى ، أحاديث الغربة ، ص 30 ـ 31).
(2/4) على أن ممارسة القهر ، بدعوى تنزيل إرادة (الله) على (البشر) ، ليست وقفاً على تاريخ الدولة الاسلامية ، وانما عرفتها البشرية بمختلف أجناسها وأديانها ولغاتها وثقافاتها. ويتضمَّن القرآن الكريم خبر فرعون ضمن جملة آيات كريمات: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى" (38 ؛ القصص) ، "قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (29 ؛ غافر) ، "فقال أنا ربكم الأعلى" (24 ؛ النازعات). كما وأن هذه المزاعم الباطلة راجت أيضا لدى أكاسرة الفرس ، وقياصرة الروم ، وشتى ملوك وأباطرة وخواقين العالم القديم.
(2/5)     ويفسِّر بعض المفكرين عِلة ذلك بقدرة الدين على التأثير فى البشر حين تدعوهم تعاليمه "إلى خشية قوة عظيمة هائلة .. تتهدد الانسان .. تهديدا ترتعد منه الفرائص ، فتخور القوى ، وتنذهل العقول" ، فيجد المستبدون فى ذلك إغواءً خاصا بتدعيم سلطانهم عن طريق مشاكلته بتلك القدرة الخارقة ، ليتيسَّر لهم استرهاب الناس "بالتعالى الشخصى ، والتشامخ الحسى ، ويذللونهم بالقهر ، والقوة ، وسلب الأموال ، حتى يجعلوهم خاضعين لهم ، عاملين لأجلهم" (عبد الرحمن الكواكبى ؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ، ص 36 و 37).

(3)
(3/1) من هذه الوضعيَّة القرآنيَّة (للتكريم بالعقل والفطرة) ، أو (المسئوليَّة المؤسَّسة على حريَّة الاختيار) ، يمكن ، وبصورة عامَّة ، استخلاص مجمل مضمون وجوهر الموقف الاسلامى من (التعذيب) قبل النفاذ إلى الصورة المخصوصة التى وردت بشأن هذه المسألة فى سياق الخطاب القرآنى. لكن هذه الوضعيَّة لم تنسرب فى تاريخ الفكر الاسلامى بذات السلاسة التى هى عليها فى هذا الخطاب. والسبب واضح بلا شك ، (فالقرآن) هو كلمة الله المطلقة فى عليائه اللا متناهى ، بينما (الفكر) إنعكاس لصراعات البشر النسبيَّة حول مصالح دنيويَّة محدَّدة. وفى هذا تمظهُرٌ جلىٌّ لوجه أساسىٍّ من وجوه الفارق بين (الدين) و(التديُّن) ، بين (الاسلام) وبين (تاريخ الدولة الاسلاميَّة).
(3/2) ولهذا السبب بالذات فإن الخلاف ظلَّ ينشب دائماً فى تاريخ الفكر السياسى الاسلامى على تخوم العلاقة بين إرادة الله وإرادة الحاكم على خلفيَّة النقاش حول العلاقة بين إرادة الله وإرادة البشر. ".. ولعل الحقبة الأمويَّة تكثف المخاضات الأولى لمفهوم الإيمان والعدل والظلم وصفات الله .. فى صراع مفتوح على السلطة يبحث باستمرار عن الغطاء الأيديولوجى للطاعة" (هيثم مناع ؛ "الانسان فى الثقافة الاسلاميَّة" ، ضمن "رواق عربى" ، ع/20 ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان 2000م ، ص 27). وفى إطار ذلك الصراع أجمع (المرجئة) ، أو ما يُعرف (بالخطاب المفكر للحزب الأموى) ، على تأويل (آيات الوعيد) فى ما يتصل خصوصاً بظلم الحاكم ، باعتبارها تنطوى على استثناء مضمر (!) وهو ما يعده مفكرون معاصرون مسلكاً تبريرياً للظلم والفساد (نصر حامد أبو زيد ؛ الاتجاه العقلى فى التفسير ، ط 3 ، دار التنوير 1993م ، ص 17).
(3/3) لقد أسَّس غالب تيار (الارجاء) القائم على نظريَّة (الجبر) لسلب الانسان نعمة (الاختيار) ، وذلك بردِّ عمل الحاكم ، بما فى ذلك ظلمه وفساده (لإرادة الله)! وربما كان بمستطاع أعجل نظر أن يرى ، بيسر ، توافق المرامى بين أطروحة ذلك التيار القديم وبين أطروحة د. حسن الترابى المعاصرة ، والساعية حثيثاً ، وبوضوح تام ، رغم التواء العبارة ، للمطابقة بين مطلوبات (النظام السياسى) ومطلوبات (الإيمان) ، من حيث وجوب (التوحيد) ، عنده ، فى كليهما ، بقوله: إن الاسلام ".. دين توحيد يجعل الحياة كلها محياها ومماتها ونسكها وشعائرها وقوانينها وأسس بيعها وشرائها وسياستها .. وأخلاقها وأسس معاملاتها معاشاً وسياسة كلها عبادة لله سبحانه وتعالى .. ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلى الناس عبرها (فيشركون) بعض (إشراك) أو كل (إشراك) .. فى مجال (السياسة) كما .. فى كل مجالات الحياة .. فى العِلم وفى الاقتصاد" .. الخ (أقواس التشديد من عندنا ـ حسن الترابى ؛ خواطر فى الفقه السياسى لدولة إسلاميَّة معاصرة ، ص 6). فإذا كان (الشرك) بالله سبحانه وتعالى يعنى ، ببساطة ، أن يُعبدَ معه غيره: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل أعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (72 ؛ المائدة) ، أى من يجعل معه "فى العبادة غيره" (تفسير الجلالين) ، أو "يعبد معه غيره" (تفسير إبن كثير) ، فما هو المعنى الذى ذهب إليه د. الترابى بموضوعته عن (الشرك) فى (السياسة) التى لاتعتبر (أصلاً) من (أصول الإيمان) الثلاثة التى تستوجب التوحيد: الألوهية والنبوة واليوم الآخر ، بل هى من (الفروع) التى تحتمل الاختلاف بمعايير الصواب والخطأ ، لا الإيمان والكفر (د. محمد عمارة ؛ الاسلام والسلطة الدينية ، ص 77)؟!
(3/4) غير أن تاريخ الفكر الاسلامى شهد ، منذ وقت باكر ، تياراً آخر يمثله مفكرون أحرار اشتغلوا على الاعلاء من شأن مفهوم (حريَّة) الارادة الانسانيَّة فى القرآن ، مقابل (الجبر) كتبرير للظلم ، كاشفين بذلك عن الدوافع (السياسيَّة) الكامنة فى أساس نظريَّة (الارجاء) الملغومة! ولذلك لم يكن محض مصادفة أن يُغتال أبرز رموز هذا التيار من خلال صراعات الدولة الاسلاميَّة ، كمعبد الجهمى عام 80 هـ ، وغيلان الدمشقى عام 99 هـ ، والجعد بن درهم عام 120 هـ (هيثم مناع ؛ "الانسان فى الثقافة الاسلاميَّة" ..) ، تماماً مثلما اغتيل فى السودان ، ولنفس الأسباب ، الشهيد محمود محمد طه عام 1985م. ويلزمنا أن نشير هنا أيضاً إلى أن الحسن البصرى (21 ـ 110 هـ) يُعتبر أقوى أبكار المدافعين عن حريَّة الاختيار والعدل والمسئوليَّة ، وهو الذى سأله سائل: "آخذ عطائى من بنى أميَّة أم أدعه حتى آخذه يوم القيامة"؟ فأجابه من فوره: "قم ويحك خذ عطاءك فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة!" (أنظر: هيثم مناع ؛ الامعان فى حقوق الانسان ، موسوعة عالميَّة مختصرة ، دار الأهالى 2000م ، مادة "الحسن البصرى").

(4)
(4/1) هكذا نستطيع أن نلمح بوضوح أن أقدم وأقوى قراءة مفهوميَّة (للانسان) ، وبالتالى (حقوقه) ، ككائن معرفىٍّ عاقل ، قد وردت فى سياق الصراع الفكرى والسياسى حول منظومة المفاهيم القرآنيَّة (للتكريم) و(الاستخلاف) و(العقل) و(الاختيار) و(العدل) و(المسئوليَّة). وإذن فإن هذا (الانسان) الذى أعلى الله سبحانه من قدره فوق سائر مخلوقاته ، و(كرَّمه) بالعقل ، وحضَّه على اكتساب المعرفة ، ومن ثمَّ (التمييز) و(الاختيار) بين (العدل) و(الظلم) بهذه الأداة التى أودعها فيه ، وأمر الملائكة أن يسجدوا له لصيرورته بالارادة الالهيَّة (مستخلفاً) فى الأرض ؛ هذا (الانسان) لا يملك كائن من كان أن يسلبه شيئاً من هذه الخصائص أو يحط من قدرها.
(4/2) ومن هنا فإن (الشريعة الاسلاميَّة) ، على العكس مِمَّا يفهم الكثير من الداعين إليها للأسف ، تتميَّز عن القوانين الوضعيَّة باقترانها ، أصلاً ، وبحكم جوهرها العقيدى نفسه ، بفكرة (الكرامة الانسانيَّة) المتأصِّلة فى حواس وعقل ووجدان هذا المخلوق المُكرَّم. بل إن هداية الدين ذاتها ، فى ما يؤكد أئمة التنوير ، قد وُهِبَت للانسان بعد تلك الهدايات الثلاث الأسبق عليها ، إذ أنها ".. الهداية الرابعة بعد هداية الحواس ، والوجدان ، والعقل" (الامام محمد عبده ؛ الأعمال الكاملة ، ج 3 ، بيروت 1972م ، ص 293).
(4/3) وعلى هذا ، فالشريعة الاسلاميَّة ، وإن عرفت نظام (الاعتراف = الاقرار) كدليل فى الاثبات ، إلا أنها سيَّجته بقدر من الأشراط ، وكبحت استخداماته بقدر من القيود ، بحيث يستحيل على (الوالى) أن يغفلها أو يتجاوزها دون أن يكون قد أغفل أو تجاوز أشراطاً فى صميم العقيدة نفسها!
(نواصل)    


حُكْم اَبْ تَكُّوْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لا شكَّ أن القانون مفهوم ملتبس يعبر بشكل قامع عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء صغير من المجتمع ، بينما يدعى ، فى الوقت نفسه ، الإحاطة بقيم ومثل المجتمع كله. فهو كمؤسسة اجتماعيَّة ، وكشكل تاريخى لضبط العلاقات ، يقوم على جملة قواعد حقوقية لإنفاذ هذا الضبط وفق مصالح الطبقة الاجتماعيَّة السائدة اقتصادياً وسياسياً. والدولة ، توأم القانون ، هى التى تقرِّر هذه القواعد ، وتستخدم لإنفاذها ترسانة متكاملة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه. بعبارة أخرى ، وعلى حين يتمظهر القانون افتراضاً كأداة (خارجية) تعمل (بحياد) و(استقلال) وفق أعمِّ القيم المتواضع عليها والتى تتشكل تاريخياً ، وبتراكمية تلقائية ، فى مستوى البنية الاجتماعية الفوقية ، فإن وظيفته الحقيقيَّة هى إخضاع (الأغلبيَّة) لمصالح (الأقليَّة) بموجب قواعد محدَّدة فى المعاملات.
مع ذلك ، فما من دولة غير محتاجة ، ولو بالحد الأدنى ، (لإقناع) الناس فيها ، مواطنين وأجانب ، (بجدارة) قوانينها (لصون) أرواحهم وأموالهم ، ولو من باب حاجتها لخلق الحدِّ الأدنى من الاستقرار النسبى لأوضاعها. أما المدى الذى يتحقق فيه هذا (الإقناع) فرهين بالمدى الذى يطمئن فيه المستهدفون أنفسهم لشيوع القدر المعقول من معايير (الحق والواجب) فى علاقاتهم فى ما بينهم ، من جهة ، وفى ما بينهم وبين الدولة من الجهة الأخرى ، بما فى ذلك ، بل أوَّل ذلك أسلوب إصدار هذه القوانين قبل استقرارها فى التطبيقات القضائيَّة. فكم من قانون غير مكتوب اكتسب (قوة الشرعية) من كون التزام الناس به لا ينبع من رهب ، وإنما من استشعارهم بمحض (الفطرة السليمة) أن فى ذلك تعبيراً ، بالحد المعقول ، عن أعمِّ القيم والمثل الأخلاقية لأوسع الطبقات الشعبية. ولكن كم من قانون مستوفٍ لكافة شكليات التدوين والتوثيق والتوقيعات والأختام دون أن يكتسى سوى (شرعية القوة) المنفلتة المحروسة بأجهزة القمع ، كونه لا يحظى بأدنى قبول فى إطار البناء الأخلاقى العام لثقافة الشعب ، والذى يمثل أفضل عناصر القيمة فى تصورات الماضى الأخلاقية ، ويبلور قناعات الناس الداخلية ، وينعكس بثقل مؤثر على مجمل العملية التاريخية الاجتماعية.
ولأن (العدالة) تأتى على رأس هذه المعايير فينبغى التفريق بين مفهومى (القانون) و(العدالة) فى عمل السلطة ومشرِّعيها. فلئن كان (القانون) أداة ضبط سلطانية مصدرها الدولة ، فإن (العدالة) نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، مِمَّا ينقدح فى الضمير الحى والعقل المستنير. ولعل هذا هو بالضبط ما رمى إليه كبير أساقفة كنتربرى ، عند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا ، فيما روى اللورد ديننج فى مستهل كتابه (طريق إلى العدالة) ، حين خاطب قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة".
لذلك من الخطأ إعتبار (العدل) ، مجرد مجموعة نصوص يعكف على صياغتها فى الغرف المغلقة (خبراء) سلطانيون ذوو تأهيل فنى خاص ، توهُّماً ، من عند السلطة ، بأن الحياة كلها سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، وأن الدنيا بأسرها سوف تتغير بتغيرها: فتسود الفضيلة بقانون وتنحسر الرذيلة بقانون ، ويتحدد الصواب بقانون ويتعيَّن الخطأ بقانون ، بل يتحقق العدل نفسه ويزول الظلم بمجرَّد سنِّ الدولة للقانون ضربة لازب. لقد أصبحت أكثر التيارات (سلطويَّة) فى العصر الحديث تعى أهميَّة أن يتفادى (القانون) ، إلى الحد المعقول ، الاصطدام المباشر والمفضوح والفاجع بروح المجتمع وتصوراته الفطرية عن الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والجمال والقبح .. الخ.
إقتضانا هذا الاستطرادَ ما وقع فى حقل التشريع السودانى خلال الأسبوع الأول من مايو الجارى (2004م). فما من مواطن ، أو ناشط فى غالب الوسط المهنى بخاصة ، كان يعرف قبل ذلك أن رئاسة الجمهوريَّة أجرت منذ يناير الماضى ، وبدون إعلان ، تعديلاً جوهرياً على قانون الاجراءات المدنيَّة لسنة 1983م ، بموجب مرسوم مؤقت (تعديل لسنة 2004م) ، ليسرى من تاريخ التوقيع عليه!
أوَّل ما يصدم العقل المستنير والوجدان السليم ، شكلاً ومبدءاً ، فى هذا التشريع الجديد ، هو صدوره ، من ناحية ، بمرسوم مؤقت ، الأمر الذى لا مسوِّغ له فى وجود المجلس الوطنى المعتمد من النظام نفسه ، بل يجعل التشريع سلطة أصيلة فى يد رئيس الجمهوريَّة الذى هو رئيس الجهاز التنفيذى ، ويفضح شكلانيَّة وهشاشة البنية الدستوريَّة للنظام ودعوى ارتكازها على مبدأ الفصل بين السلطات ، علاوة على النص ، من الناحية الأخرى ، على سريانه من تاريخ التوقيع عليه ، وهى مسألة لا تحتاج إلى درس فى القانون لإدراك مدى خطورتها ، إذ يكفى تصوُّر تشريع جديد يمهره رئيس الجمهوريَّة بتوقيعه ثم يُحفظ فى أضابير القصر ردحاً من الزمن دون الإعلان عنه ، بينما سيفه مسلط قانوناً ، منذ التوقيع عليه ، فوق رقاب الناس الذين يواصلون التعامل فى الحقل الذى ينظمه دون أن يكون لديهم أدنى علم به!  
من جهة المضمون يطال التعديل البندين (1 ، 6) من المادة (231) ، ويلغى البند (3) منها ليستعيض عنه بنص آخر ، ويضيف البند (3) الجديد إلى المادة (243). فأما البندان (1 ، 6) من المادة (231) فقد سلبا القضاء سلطته الأصيلة فى تنفيذ أى حكم ضد الحكومة بعد مضى ثلاثة أشهر من صدوره ، ووضعاها فى يد وزير العدل (الخصم والحَكم) ، وبعد مضى ستة أشهر من صدور الحُكم!
وحدِّث ولا حرج عن طريقة التنفيذ بهذا التعديل العجيب! إذ يتعيَّن على المحكوم له أن يصبر ستة أشهر قبل أن (يلتمس) من وزير العدل تنفيذ الحكم. فإذا كان المبلغ المحكوم به ديناً خارجياً أو بالنقد الأجنبى فإن وزير العدل سوف (يحيله) إلى وزير الماليَّة والاقتصاد الوطنى (ليفاوضه) فى السداد حسب البند (3) الجديد! ولن يعجز حتى ذوى الذكاء المتوسِّط ، بطبيعة الحال ، عن تصوُّر نتيجة مثل هذا (التفاوض) ، خصوصاً لدى التمييز بين وضعى (الأقربين) و(الأبعدين)! أما إذا كان المبلغ المحكوم به بالعملة السودانيَّة فعليه العَوَض ومنه العَوَض!
ثم يجئ نص البند (3) الجديد المضاف إلى المادة (243) ليغلق كل باب قد يتوهم المحكوم له المسكين أن فيه محتملاً للعدل. ذلك أن النص القديم ، على علاته ، والذى يخوِّل المحكمة سلطة حبس المدين ، قد استثنى منه ممثلو الحكومة بموجب التعديل الجديد! وحتى يتضح موقفنا بشكل جلى فقد كان ولا يزال لدينا نظر ناقد للمادة (243) التى تقضى بحبس المدين لإرغامه على الوفاء بالدين ، ولكن أن يظل حكم هذه المادة قائماً على حاله القديم ويستثنى منه فقط ممثلو الحكومة بالتعديل الجديد فذاك لعمرى هو الظلم نفسه المعرَّف بالألف واللام! وعلى العموم ما كان أغنى المشرِّع عن هذا التزيُّد ، فالمحكمة (ممنوعة) أصلاً عن التدخل!.
يهدر هذا التعديل جملة قواعد ومباديء دستوريَّة وقانونية توصَّلت إليها الانسانيَّة عبر مسيرتها الطويلة من أجل استكمال مقوِّماتها ، وفى مقدمتها (المساواة أمام القانون). كما ويهدر مبدأ أساسياً لا تقوم للقضاء قائمة بدونه ، وهو مِمَّا ساقه سيدنا عمر فى رسالته الشهيرة إلى أبى موسى الأشعرى حين ولاه قضاء الكوفة: (لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له). ولكن المشرِّع ، مع ذلك كله ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يفصح صراحة فى (المذكرة التفسيريَّة) المرفقة بالتعديل عن كون الدافع إليه هو أن الديون أرهقت الحكومة ، وأن موظفيها لا يجوز ان يتحملوا أوزارها عند تنفيذ الاحكام ضدها!
وجدان المستعربين السودانيين صاغ أمثولة (حُكم اب تكو) كناية عن الاستبشاع الجمعى للجور ، ولكن هذا التشريع يجئ ، بكل المعايير ، آية فى (حُكم اب تكو)!
 
 

جُنَيْهُ السُّودانِ الجَّدِيدْ: الدَّوْلَةُ المُوَحَّدَةُ .. عَلَى الوَرَقْ!
بقلم/ كمال الجزولى

السيد سامسون اراب ¡ مسؤول (بنك النيل التجارى) الذى أسَّسته الحركة الشعبيَّة برُمبيك مؤخراً ، أعلن منتصف الشهر الجارى أن جنوب السودان بسبيله لاعتماد عملته الخاصة وهى "جنيه السودان الجديد". وكشف عن اكتمال طباعة "أوراق نقدية من فئتى المئة والمئتين .. كما وأن القطع النقدية من فئة 10 و20 و50 جنيهاً باتت جاهزة". ورأى اراب أن ذلك "يشكل انتصاراً جوهرياً" للجنوب ، كما وصفه المسؤول الآخر بالبنك السيد فيليب يوات بأنه "مؤشر حرية لجنوب السودان" (فرانس برس ، 13/6/04).

***
وعلى حين أشار العقيد د. جون قرنق إلى أن اتفاقاً جرى بين الحكومة والحركة على إقرار عملة خاصة بالجنوب (المصدر) ، فإن المفاوض الحكومى د. أمين حسن عمر نفى ، من جانبه ، نفياً قاطعاً وجود أىِّ اتفاق كهذا ، مؤكداً على أن (بروتوكول قسمة الثروة) بين الطرفين "لم يتضمن إصدار عملة لجنوب السودان". ولذلك فقد اعتبر القرار "خرقاً للبروتوكول" مؤكداً على أن "العملة الجديدة إذا طبعت لن تكون مبرئة للذمة ، ولن تعترف بها الحكومة ولا أية جهة دولية" (الصحافة ، 16/6/04). وفى ذات المنحى ذهب محافظ بنك السودان د. صابر محمد الحسن الذى وصف القرار بأنه "أول خطوة لنقض الاتفاق" ، مؤكداً أن "سلطة اصدار العملات تأخذ قوتها من السلطة القانونية ، وإذا انتفت هذه السلطة كما هو الحال فى الجنوب الآن فلن تكون العملات مبرئة للذمة". وأضاف أن "الحركة تفتقر إلى البنك المركزى وليس لها سلطات نقدية معترف بها .. على النطاقين المحلى والدولى" (أنباء الشرق الأوسط ، 16/6/04). غير أن د. قرنق عاد ، بإزاء ذلك ، ليؤسِّس حجة الحركة على منطق آخر بقوله: "لم نتفق مع الحكومة حتى الآن على عملة واحدة للتداول فى السودان" ، معلناً على هذا الأساس أن "جنيه السودان الجديد سيتم تداوله فى الفترة القليلة المقبلة" (الأيام ، 19/6/04).

***
وقد يتبادر ، بطبيعة الحال ، إلى أذهان ذوى النوايا الحسنة ، للوهلة الأولى ، أن المسألة برمتها لا تعدو كونها محض مغالطة لا جدوى من ورائها طالما أن بالامكان حسمها ببساطة عن طريق الاحتكام إلى نصوص الاتفاق نفسه فى هذا الجانب. ولكن هؤلاء سرعان ما سيصطدمون بأن هذه النصوص لا تسعفهم كثيراً ، وهى التى حسبوها مرجعية صارمة مبرأة من الركاكة وعيوب الصياغة ، لطول ما عكف عليها طرفاها ، ومن ورائهم ميسِّرو مفاوضاتهما ، تدقيقاً ومراجعة!
وربما كان هذا أول أثر ملموس من الآثار السالبة لانغلاق تلك المفاوضات ، وما تمخض عنها من اتفاق ، على (ثنائيَّة) بالغة المحدوديَّة والضيَّق ، فى أمر يَفترض بطبيعته وسع المشاركة وشفافيَّتها ، حيث أن ذلك الوسع وتلك الشفافية هما ، فى الواقع ، الضامن الرئيس والحقيقى لفهم النصوص بما يتسق والحرص على مستقبل السلام المستدام والتحوُّل الديموقراطى والوحدة الطوعيَّة. وإذ نختلف تماماً ، فى هذا السياق ، مع الرأى القائل بأنه لم يعُد ثمة طائل من الحديث عن (ثنائيَّة) الاتفاق ، فلا نفعل ذلك عن مجرَّد رغبتنا فى اجترار كلام ماسخ ومكرور ، وإنما لكون أىِّ إصلاح (قومىٍّ) مأمول لأيَّة أوضاع معوجَّة فى هذا الاتفاق لا بد أن يبدأ من النقد الصارم والمستقيم (لثنائيَّته) التى أفضت إلى هذا الاعوجاج قبل أىِّ شئ آخر، اللهم إلا إذا كان المطلوب هو أن يقبل الناس به كما هو ، ويبصموا عليه ، وينخرطوا فيه بمبدأ "مشطوها بى قملها!" ، إستعارة للمثل الساخر الذى استخدمه مؤخراً السيد الصادق المهدى (الأضواء ، 20/6/04).

***
الشاهد أن (بروتوكول قسمة الثروة) عالج مسألة (العملة) وما يتصل بها من نظم ومنشآت وسياسات مصرفيَّة ضمن جملة فقرات ، من بينها (الفقرة/14/1) التى تقضى ، طبقا (لبروتوكول ماشاكوس فى 20/7/2002م) ، بإنشاء نظامين مصرفيين خلال الفترة الانتقالية، أحدهما إسلامى في الشمال والآخر (عادى!) فى الجنوب ، مِمَّا استلزم الاتفاق ، فى (الفقرة/14/2) ، على قيام منشآت مصرفية بالجنوب ، وتأسيس (بنك جنوب السودان) خلال الفترة قبل الانتقالية كفرع لبنك السودان المركزى الذى تعاد هيكلته وجوباً ليعكس هذه الثنائية بموجب (الفقرة/14/3) ، وليكون مسئولاً بموجب (الفقرة/14/9) عن إصدار "عملة جديدة بأسرع ما يمكن" ، وخلال نفس الفترة ، على أن يعكس تصميمها "التنوع الثقافي للسودان" ، وأن "تكون العملات المتداولة في جنوب السودان معترفا بها إلى حين إصدار العملة الجديدة بناء على مصادقة الطرفين". فهل فى هذه النصوص ، وبهذه الصياغة ، ما يسند حجة أىٍّ من الطرفين؟!
الاجابة قد تكون (بنعم) ، من جهة ، و(بلا) من الجهة الأخرى! فمن جهة الحركة ليس ثمة ما يحول دون تفسيرها على نحو يبيح لها أن تختار بين الاستمرار فى (التعامل) بالعملات التى كانت (متداولة) فى وقت إبرام البروتوكول ، أو الدفع بأى عملات أخرى (للتداول) بعد إبرامه، طالما أن النص لم يحدِّد هذه العملات (المتداولة) حصرياً ، أو يقيِّد (تداولها) زمنياً خلال الفترة السابقة على "مصادقة الطرفين على عملة جديدة"! أما من جهة الحكومة فثمة وجاهة أيضاً فى تأويل النص على احتمال أن مقصده من عبارة (العملات المتداولة) هو (العملات المتداولة فى تاريخ إبرام البروتوكول) ، فبأىُّ الحُجَّتين نأخذ؟!

***
هكذا نجدنا بإزاء نص مفتوح على كلِّ الاحتمالات ، وكفى بذلك مطعناً فى الصياغة bad drafting ، ولات ساعة مندم! وحتى لو أخذنا بالقاعدة الذهبيَّة golden rule التى ترجِّح كفة (المعانى) على كفة (المبانى) فى التفسير والتأويل ، فإننا لن نجد ما نستند إليه فى هذه المرحلة ، بالنظر إلى ظروف البروتوكولات نفسها وعلاقات طرفيها وطبيعتها الخاصة المعقدة ، سوى (النوايا) ، على أن هذه بدورها مسدَّدة ، للأسف ، كرءوس الشياطين ، فى كلِّ الاتجاهات!
خذ عندك ، مثلاً ، فرحة السيِّدين سامسون اراب وفيليب يوات ، من ناحية ، وحماستهما الكبرى "لحريَّة الجنوب!" و"انتصاره الجوهرى!"! واقرن ذلك بتسمية (العملة) نفسها (بجنيه السودان الجديد!) ، ثم أقرنه ، إن شئت ، بقول اراب "سنحذو حذو الصين ، حيث يتم التداول بدولار هونغ كونغ والدولار التايوانى إلى جانب اليوان" ، فى قياس خاطئ على استثناء لا يُقاس عليه ، ثم إن لك أن تتعجَّب: أيُنصَبُ كلُّ هذا (المهرجان) لمجرَّد عملة (موقوتة) بالفترة قبل الانتقاليَّة التى لا تزيد عن أشهر قلائل ، أم لشئ آخر؟!
كما ولا تثريب عليك إن أنت قرأت ذلك فى ضوء إفادة الخبير الاقتصادي الاميركى كوان تشوان دين مبا الذي يقوم بمهمة ما في المنطقة ، والذى لاحظ إجمالاً أن "جميع التدابير قد اتخذت تحسباً لاستقلال جنوب السودان"! مشيراً إلى أن هذه المنطقة التي أطلقت عليها الحركة اسم "السودان الجديد" بات لها جيشها وعلمها وعملتها ونظامها الضرائبى ولوحات تسجيل السيارت الخاصة بها ، فيما أبقيت الشؤون الخارجية وحدها بين يدى الحكومة المركزية ، وواصفاً كل ذلك بأنه إنما يمضى إلى ما وراء النظام الفدرالى ، حيث لا توجد الدولة الموحدة إلا .. على الورق! (فرانس برس ، 14/6/04).
وخذ أيضاً ، من الناحية الأخرى ، مسارعة السيدين أمين حسن عمر وصابر محمد الحسن إلى لغة الجفاء ، وتعجُّلهما إصدار الأحكام عند أوهى بارقة ، لكأنهما كانا يتصيَّدانها! فقرار الحركة لدى أولهما "خرق للبروتوكول" ، وعند الآخر "أول خطوة لنقض الاتفاق" ، وذلك قبل تقليب الأمر على وجوهه كلها ، أو استنفاد ما (يُفترض) أن يكون قد انفتح بين حكومتهما وبين الطرف الآخر من سبل التفاهم المشترك ، "فالقضية سياسية في المقام الأول ، ومكان حسمها هو مائدة المفاوضات ، وما زالت الفرصة متاحة لاجلاء غموضها في الجولة القادمة .. على المستوى السياسى" ، كما فى قول حكيم للأستاذ محجوب محمد صالح (الأيام ، 17/6/04).
ولك أيضاً ، بالمقابل ، أن تقرأ تصريحات السيدين أمين وصابر ، تعبيراً عن تيار بأكمله ما انفكَّ يسعى وسط النخبة الاسلامويَّة الحاكمة لإدخال العصا فى عجلة السلام. ففى أحدث إفصاحات السيد أمين: "لا يُفترض التعامل مع اتفاق السلام كوثيقة تأمين للاستقرار السياسى!" (الأضواء ، 20/6/04) ، وهو بهذا إنما يستلف فكرة السيد عبد الرحيم حمدى القائل: "السلام لا يعني الاستقرار بل يعني وقوف الحرب" (الرأى العام ، 15/6/04). وفى إفصاح باكر للسيد صابر يقول: "يجب ألا نضحى بالاستقرار الاقتصادى فى سبيل تنفيذ الاتفاق!" (أ ش أ ، 24/2/04). ولئن كان د. عبد الوهاب عثمان ، وزير الماليَّة السابق وأحد أبرز أركان الدعوة لفصل الجنوب ، قد عام عَوْمَ هؤلاء السادة ، فإننا نحمد له ، على الأقل ، صدقه مع نفسه ومع الآخرين فى قوله الصريح الفاجع ، دون أدنى محاولة لمواراة غرضه الحقيقى خلف قناع الحرص على الاستقرار: "إن وجود فرع للبنك المركزى فى الجنوب يعمل بالنظام التقليدى سيؤدى لمنافسة غير عادلة ويجعل العملاء يتحولون للمصارف فى الجنوب!" (المصدر).

***
النزاع حول (العملة) يوفر الآن خبرة عمليَّة فى الاحتباس الذى ينتظر قضيَّة (السلام والوحدة) إن استمرَّ تقرير مصيرها (ثنائياً) ، والاختناق الذى يتهدَّدها بالانتكاس المأساوى ، بل وبالانهيار الشامل ، فى ما إذا تركت لتنمو خارج الحاضنة الوطنيَّة الديموقراطيَّة! فلينظر ، إذن ، الوطنيون الديموقراطيون ماذا هم فاعلون!

أُمْ دُرْمانُ الأهْليَّةْ: لَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الحُبِّ نَقْتَسِمُ!
كمال الجزولى
 (1)
(1/1) كثيراً ما يروق لى ، فى باب التنويه بمناقب الامدرمانيين الفضلاء الذين شادوا بأريحيتهم النديَّة مجد المدينة الزاهى ، وعَبَّدوا بثرائهم الروحى مسالك الخير فيها إلى يوم الدين ، أن أستشهد بكلمة رقيقة المبنى ، باذخة المعنى ، كنت سمعتها صدفة من العميد الراحل يوسف بدرى أثناء اجتماع لمؤسسى جامعة أم درمان الأهلية فى بيت آل سوار الدهب بفريق الخنادقة ذات مساء بعيد مطالع العام 1984م. فعندما همست له ، وقد تصادف جلوسى إلى جواره ، بدخيلة قلقى من طيوف الفشل ، بدا متيقناً من نجاح المشروع من كلِّ بُدٍّ ، فهمس بدوره قائلاً: "ما تخاف .. أم درمان دى ربنا مِسَخِّر ليها ناساً مَصَلطين" ، وأومأ برأسه إلى الجمع المهيب المكبِّ على طروس يتولى الراحل محمد عمر بشير شرح محتوياتها فى ضوء فانوس كيروسين يدوىٍّ ، فالكهرباء مقطوعة ، وظلال العمائم الضخام تصطخب على حوائط الغرف الوديعة حماسة ، وفوق سور الحوش الامدرمانىِّ اقتدارا. لحظتها التقطت بيسر أن العميد إنما كان يستدعى خبرة "المدرسة الأهلية" و"معهد القرش" و"الجامع الكبير" والكثير من مثل ذلك ، اطمئناناً لعبقريَّة المكان الفذ ، وثقة بتقاليد العمل الطوعى فى المدينة الجليلة ، واستبشاراً بمن "جعلوا الخدمة فى الحىِّ نخوة وابتدارا" على قول المجذوب.
(1/2) وما خاب حدس العميد ولا حبط يقينه ، فما كاد ينقضى عام على رهانه المجيد ذاك حتى كان المؤسِّسون الأوائل (المصلتون) يتبادلون ، ودموع الفرح ملء المآقى ، أجمل التهانى وأعذب التبريكات بحصولهم فى مارس 1985م على التصديق (بمشروع جامعة أم درمان الأهليَّة ـ النظام الأساسى لكليَّة أم درمان الأهليَّة لسنة 1985م). وكان من رأى المرحوم محمد عمر بشير ألا يقل عدد أعضاء مجلس الأمناء عن 500 عضواً يمثلون أهل المدينة! فلكأنى به يرفع رأسه فى آخر لحظة من المخططات الأكاديميَّة للمشروع ، والتى كانت آنذاك قد استنفدته آنذاك عُمراً وعافية ، ليكتشف أن الصرح لا يتبع إلى جسد مدنىٍّ ملموس ، فيسارع للتعبير ، على نحو ما ، عن خشيته من مغبَّة ذلك ، مقترحاً زيادة تمثيل المؤسِّسين فى مجلس الأمناء تحسَّباً لما قد يطرأ على بعض النوايا بشأن (المِلكيَّة) فى مقبل الأيام! ولكن الرأى الغالب ، فى ما يبدو ، كان قد استبق تلك الانتباهة الثاقبة ، للأسف ، بانعقاده على التخفيف من تحديد العدد بتلك الصورة القاطعة ، فاستقرَّ على صيغة (ألا يقل) عن المئة ، وليته لم يفعل!  
(1/3) مهما يكن من شئ ، فقد تشكل أول مجلس أمناء فى 1986م من 247 عضواً برئاسة المرحوم محمد سيد احمد سوار الدهب ، و 6 نواب رئيس ، واختير المرحوم سليمان أبو قرون مقرِّراً ، كما جرى انتخاب لجنة تنفيذية من 15 عضواً لتسيير العمل فى ما بين دورات الانعقاد. كان مجلساً توفرت فيه كلُّ عناصر الهيبة والتجرُّد والاخلاص والرمزيَّة الامدرمانيَّة العالية. لكن ، وعلى حين كان ينبغى ألا تتجاوز مدته ، حسب النظام الأساسى ، أربع سنوات ، فإنه استمر عملياً حتى مطلع ديسمبر 1995م دون أن يفكر أحد فى الرجوع إلى هيئة المؤسِّسين! وكان ذلك أول الوهن! فرغم كلِّ ما يمكن أن يساق من تبريرات تتوكأ على عوامل الضرورة المُلجئة أو طيب الخاطر الغالب ، وحيث أنه ليس من النادر أن يكون الطريق إلى الجحيم نفسه محفوفاً بالنوايا الحسنة ، فقد شكل ذلك الخرق فى الحساب النهائى فاتحة لكل التجاوزات الكبيرة والاخلالات الخطيرة التى وقعت خلال السنوات اللاحقة.
ومع ذلك كله مضى الحلم يَشخَصُ بقوة الدفع الأولى من الاكتاف إلى أفواف السماء ، ومضى الصرح بسبيله لأن يستوى فى عوده خلقاً قويماً على ساقين وقدمين ، ومضى الأمل يعبر مرحلة (الكليَّة) حثيثاً إلى مرتقى (الجامعة) .. ولكن!




(2)
(2/1) كرَّت مسبحة السنوات حتى منتصف تسعينات القرن المنصرم. وياله من زمن أعجف تقلبت بالناس خلاله صروف المتغيِّرات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المزلزلة ، فغالت غائلتها نفرة هِمَم جمَّة لطالما استعصت على نوائب الدهر ، وأطفأت قسوتها جذوة مبادءات كثيرة كانت إلى وقت قريب لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وراحت مملكة (الحاجة) تفاقم من سطوة صولجانها اللعين لتفضى بطاقات المشاركة فى الهمِّ العام إلى التآكل ، ولتسلم البعض إلى حالة مؤسفة من خوف الظلال ، وإلى الانهماك، حدَّ الانغماس ، فى تربية العيال ، وإلى الانشغال بما لا يتجاوز قليلاً عتبات المساكن ، أو الاستغراق فى ما لا يبعد كثيراً عن أرانب الأنوف!
(2/2) فى لجَّة هذا الظرف التاريخى الاستثنائى ، والذى أبعِد فيه الكثيرون أو ابتعدوا ، صدر قانون التأسيس الموحَّد للجامعات عام 1993م ، فسارع مجلس الأمناء لإعلان قبوله به فى 8/12/1993م ، دون استشارة هيئة المؤسِّسين ، تلهفاً ، كما قيل ، للحصول على الاعتراف بالجامعة. غير أن تلك الخطوة دقت أول إسفين داخل المجلس ، حيث خرجت منه جموعة مغاضبة ، ليتهيأ مناخ عدائيَّات بغيض وملبَّد للأسف بكل غيوم الانشقاق والتكتل. وهنا أيضاً لم يفكر أحد فى دعوة هيئة المؤسِّسين لحسم ذلك الخلاف. بل لم يَدعُ المجلس هذه الهيئة المُغيَّبة ولو (للمشاركة) فى صياغة قانون الجامعة ، أو لمنحها الفرصة ، على الأقل ، للوقوف على الخلل الواضح فيه حتى بعد أن اكتملت صياغته مع خواتيم عام 1994م ، قبل أن يصدر بتوقيع رئيس الجمهوريَّة فى 15/8/1995م. وأبرز ملامح هذا الخلل:
(أ) أن المادة/3 منه تعرِّف (المؤسِّسين) بأنهم "المواطنون الذين بادروا بإنشاء الجامعة (أو) أسهموا بفكرهم وجهدهم ومالهم"! إنتهى النص. ونحسب الخلل هنا أوضح من أن يحتاج إلى مصباح ديوجينس لإضاءته ، كون كلمة (أو) هذه تصنف (المؤسِّسين) فى فريقين: أحدهما (بادر) والآخر (أسهم) لاحقاً ، فهى ، بهذا المعنى ، كفيلة بأن تدرج فى قوام (المؤسِّسين) حتى من يتبرع للجامعة مالياً ، فى أى وقت لاحق ، أو يتكبَّد مجرَّد حضور اجتماع فى أىٍّ من مستوياتها ، ولو بعد قرن من إنشائها! خطورة هذا النصُّ لا تقتصر ، فحسب ، على منح صفة (المؤسِّس) لمن لا يستحقها ، بل وتمتدُّ لتتيح لأىِّ (مركز قوة) يتشكل ، فى أىِّ وقت ، داخل مجلس الأمناء أن يستجلب من يشاء ويسبغ عليه صفة (المؤسِّس) لأغراض الاستقواء! ولعل مِمَّا يكشف نيَّة المشرع أنه أورد بعد كلمة (أو) عبارة "أسهموا بفكرهم وجهدهم ومالهم" دون أن يوضح فيمَ (أسهموا)! فلو قال: (فى إنشاء الجامعة!) لاستدار المعنى رجوعاً إلى من (بادروا بالانشاء!) ، الأمر الذى قد يجعل العبارتين مترادفتين فيخلق مشكلة عند التفسير والتأويل مستقبلاً ، ولذلك فضَّل المشرِّع الصمت!
(ب) وقد يقول قائل: ولكن النص مفتوح ، حتى بهذه الدلالة ، (للجميع) بدون فرز! غير أن المادة/8/8 ضمن الفصل الثالث من القانون تهزم (حسن النيَّة) هذا ، وتكشف ، بدورها ، غرض المشرِّع بجلاء ، كونها تخوِّل لمجلس الأمناء "تعريف المؤسِّسين ومهامهم"! بعبارة أخرى فإن (المؤسِّسين) الذين هم فى مقام (الأصيل) ، والذين يُفترض أنهم أنابوا (مجلس الأمناء) عنهم (كوكيل) فى الاشراف ، أصبحوا هم أنفسهم فى قبضة هذا (المجلس/الوكيل) الذى يمتلك صلاحية أن يمنح صفة (المؤسِّس/الأصيل) لمن يشاء ويمنعها عمَّن يشاء! فتأمَّل القدر من المفارقة للمنطق الشكلى ، دعْ منطق العدل ، سماوياً كان أم وضعياً!
(ج) والواقع أن نظرة عابرة للقانون تكفى لتقدير فداحة السلطات والصلاحيات والمسئوليات والحقوق والمهام الخاصة (بمجلس الأمناء/الوكيل) ، مقارنة (بالمؤسِّسين) الذين هم (الأصل) ، والذين لم يتكبَّد المشرع محض كلمة يتيمة فى الاشارة ، مجرَّد الاشارة ، إلى (قيُّوميتهم) على هذا المجلس الذى يُفترض أنه (ينوب) عنهم ، فلم يرد لهم ذكر فى غير ذلك التعريف العجيب سوى مرَّتين اثنتين فقط: الأولى ضمن المادة/8/1 التى تنصُّ على أن أعضاء المجلس "يُختارون من بين المؤسِّسين ومن غيرهم .." ، لاحظ (يُختارون) وليس (يُنتخبون) ، ولا غرو فقد صدر القانون فى زمن (الشرعيَّة الثوريَّة) التى حللت (التعيين) حتى فى أكثر الكيانات اقتراناً بالديموقراطيَّة ، كالنقابات والاتحادات المهنية! أما المرَّة الثانية فضمن اختصاصات رئيس (مجلس الأمناء/الوكيل) الذى يعمل ، بنص المادة/12 ، على "تقوية صلة المؤسِّسين بالجامعة". وعليك أن تتصوَّر أن من سهروا على لهبة فانوس الكيروسين يؤسِّسون لهذا الصرح يوم لم يك شيئاً مذكورا أصبحت علاقتهم به رهينة ، حال قوتها أو ضعفها ، بعمل رئيس مجلس الأمناء ، وليس حتى بالمجلس مجتمعاً! ثم لا تسَل بعد ذلك عمَّا (عمل) الرئيس وعمَّا (ترك)!
(د) ورغم أننا نركز هنا ، بالأساس ، على اختلال العلاقة بين مجلس الأمناء وبين المؤسِّسين ، كوننا نرى فى ذلك أسَّ البلاء والأزمة ، إلا أن الخلل يتعدى ، فى حقيقته ، هذا الاطار ليشمل سلطويَّة مجلس الأمناء على كلِّ هياكل الجامعة الأخرى ، وتحديداً مجلس الجامعة وهيكل إدارتها اللذين عانيا ويعانيان الأمرَّين من التهميش والاستلاب بفعل التدخل المباشر ، سواء من جانب شخصيات نافذة فى مجلس الأمناء ، أم من جانب اللجان التى درج رئيسه على تكوينها ولم نجد لها صرفاً أو عدلاً على أىِّ نحو حاولنا تفسير أو تأويل اختصاصاته بموجب المادة/12 من القانون ، كلجنة العشرة عام 1996م ولجنة الخمسة عشر عام 2004م ، حتى ليبدو مجلس الجامعة وهيكل الادارة محض تابعين بلا حول ولا قوة لمجلس الأمناء الذى لا رقيب له ولا مُعقب عليه!
(2/3) بتلك الصورة ، ومنذ أن صدر قانون 1995م ، صار جليَّاً أن الجامعة بدأت تتسرَّب حثيثاً من بين أصابع مؤسِّسيها الأوائل ، أصحاب الجلد والرأس ، الذين أبعدوا أو تباعدوا ، غيبوا أو تغيَّبوا ، عن حرم الهرم الذى شادوا! وقد عززت من ذلك الانطباع القوى ، بل المُعطى الواقعىِّ المباشر ، الطريقة التى اتبعت فى (تعيين) أول مجلس أمناء للجامعة فى 7/12/1995م ، بموجب المادة/8/1 من هذا القانون. فقد تدخل الوزير بين مجموعتين مصطرعتين على مقاعد المجلس الستين ، فاختار منهما أربعين ، ثم أكمل العدد بعشرين لا علاقة لهم بالمؤسِّسين ، ثم (عيَّن) لهم رئيساً! ومع أن مدة ذلك المجلس كان من المفترض أن تنتهى فى 6/12/1997م ، بنص المادة/8/2 ، ليتم (اختيار) مجلس جديد يستمر لفترة أربع سنوات تبدأ فى 7/12/1997م لتنتهى فى 6/12/2001م ، إلا أن ذلك المجلس الأول مدَّد فترته (بإيده وشديده) حتى 14/3/1999م ، حيث دعيت هيئة (يُفترض!) أنها تمثل (المؤسِّسين) ، فاستصدر منها رئيس المجلس موافقة على قائمة حوت تقريباً ذات الستين عضواً السابقين مع ملء خانات المتوفين ، وهكذا انفض السامر بلا ترشيح ولا تصويت ولا يحزنون!
(2/4) لكن الفأل الحسن ، برغم ذلك كله ، لم ينطفئ فى النفوس الخيِّرة. لم يغيِّبه الموت الحق مع النفر العزيز الذى غيَّب تباعاً ، ولم تبهت بريقه مماسح الاهمال الفظ تطال أخلص المحبِّين المؤسِّسين ، ولم تجرف لؤلؤته سيول الجحود الهائجة تطبْطبُ فى كل وادٍ تتراجع عنه ديموقراطيَّة النشاط الأهلى! ووحدُه حُسن الفأل والظن والنيَّة هذا هو ما ألزم الكثيرين من أبكار (المَصَلطِين) الصمت ، جزعاً من مآلات التنازع على الوليد ، تماماً كحال الأم التى نازعتها أخرى على جنينها ، فى الأمثولة الصينيَّة ، ولما لم يجد القاضى الحكيم مناصاً من الحكم بقسمته بينهما (بالتساوى!) ، صرخت متنازلة عنه (كله) لغريمتها ، كآية فى (القسمة بقدر الحب)!
   
(3)
(3/1) وليت كلَّ ذلك التنازل أجدى فتيلاً! فقد استيقظ الناس ذات صباح من منتصف مايو المنصرم على انفجار الأوضاع فجأة فى هذا الصرح على النحو الآتى:
(أ) كانت هيئة الأساتذة قد تقدمت للادارة فى تاريخ سابق بمطالب محدَّدة لزيادة الرواتب بنسبة 100% بالاضافة لإصلاح الوضع الادارى والمالى داخل الجامعة ، كما أصدرت مذكرة ضمَّنتها انتقاداتها لميزانيَّة العام 2004م. لكنها ، وبإزاء إجازة الميزانيَّة دون الالتفات لمطالبها ، قرَّرت فى 11/5/04 التوقف عن العمل يومى 15 ، 16 مايو ، وتنظيم ورشة لتدارس الأوضاع الأكاديميََّّّة والاداريَّّة والماليَّّة للجامعة ، وضمَّنت ذلك فى مذكرة وجهتها للمدير بتاريخ 12/5/04. ردَّ المدير بهدوء فى 13/5/04 ، نافياً رفض المطالب ، ومرحباً باقتراح الورشة ، ومؤكداً استعداد الادارة للحوار. لم يقتنع الأساتذة بردِّ المدير ، ولم يروا ، بالتالى ، موجباً لتغيير موقفهم ، فنفذوا إضرابهم بالفعل فى موعده المحدد ، وأصدرت هيئة الاداريين وتجمع روابط الطلاب بيانين منفصلين تعبيراً عن مؤازرتهم لهيئة الأساتذة.
(ب) صباح 17 مايو إنتهى الاضراب ، وتوجَّه الأساتذة والطلاب والاداريُّون إلى الجامعة ليفاجئوا بأن مجلس الأمناء أغلق أبوابها دون سابق إخطار حتى لعمداء الكليات ، وأنه استدعى قوات الشرطة لتحيط بالمبنى وتمنع الاقتراب منه ، وأنه أصدر بياناً هاجم فيه الاضراب باعتباره "حدثاً غير مسبوق فى تاريخ الجامعات السودانيَّة إذ لم يحدث أن توقف أستاذ جامعى عن العمل بسبب مطالب فئويَّة!" ، وشكك فى شرعيَّة هيئة الأساتذة باعتبارها "تضم أساتذة الجامعة ومساعدى التدريس والمدرسين من حملة البكلاريوس!" (الرأى العام ، 17/5/04). ولم يكتف المجلس بذلك بل عقد مؤتمراً صحفياً وصف من خلاله عضو المجلس المحامي عمر شمينا قرار الهيئة "بالفوضى ومخالفة القانون العام" ، كما اتهم العضو الآخر ياسين عمر الامام ، جهات لم يسمها "بالتآمر لتقويض الجامعة لاغراض خاصة" (الصحافة ، 18/5/04). ولو ان السيد ياسين بالذات تريَّث قليلاً لأحجم عن إطلاق قول غليظ كهذا ، كون إخوة له قابعين الآن خلف القضبان بسبب اتهامات من هذه الشاكلة حرفياً ، وعلى رأسهم د. حسن الترابى الذى نطالب مع المطالبين بإطلاق سراحه فوراً أو تقديمه لمحاكمة عاجلة وعادلة. وعلى العموم فقد ردَّت هيئتا الأساتذة والاداريين على ذلك الهجوم ببيان مشترك دافعتا فيه عن شرعيَّتهما ، وأوضحتا أن هدف الاضراب كان فتح باب التفاوض ، وأنه ليس ثمة مسوِّغ لإغلاق الجامعة ، وأنه "لو حسنت النوايا لكان بالإمكان التوصل إلى حلول وسطى" ، وأن مطالبهما ليست مطلبية بحتة "بل شملت الإصلاح المالى والإدارى والتطور الأكاديمى وتحسين بيئة العمل" ، وأن "تدهور الوضع المالى والإدارى فى الجامعة هو ما قاد إلى هذا الوضع" ، وأكدتا أن "أموال الجامعة تستثمر فى أغراض لا صلة لها بأهداف الجامعة كالقيام بأعمال .. البنوك من تمويل قصير الأجل للغير" ، وتلك تهمة أنصح مجلس الأمناء بالمسارعة للابانة حولها ، فلا جدوى من تجاهلها ولا طائل من وراء السكوت عليها!
(ج) ما حدث بعد ذلك كان عبارة عن كوميديا سوداء بكل المعايير. فقد تحوَّلت جهود الأساتذة والاداريين والطلاب لإقناع مجلس الأمناء بفتح الجامعة واستمرار الدراسة واستئناف التفاوض (!) لكن مجلس الأمناء ظل يتعنت ، للعجب ، ولم يستجب إلا بعد لأى ، وبعد أن أهرقت الصحف حبراً كثيراً فى هذا المنحى ، وبعد أن سعى الخيِّرون بالوساطة ، وبحت حناجر الناصحين فى المناشدة!
(3/2) إن أكثر ما يبعث على القلق فى هذه الأحداث هو أنها كشفت عن خلو وفاض مجلس الأمناء ، للأسف الشديد ، من أبسط حكمة أو كفاءة خليقة باحتواء أزمة كهذه ، دون حاجة لاستعراض قوة هوجاء أو عنف فج ، مادياً كان أم لفظياً. كما كشفت عن شكلانيَّة منهجه فى معالجة مثل هذه القضايا بمسارعته لتأطيرها فى علاقة (المخدِّم والشخص المستخدَم) ، دون مراعاة لحساسيَّة وضع المؤسَّسة فى مخيلة الناس العاديين اجتماعياً وأخلاقياً! وحتى لو استبعدنا حُجة الهيئتين القويَّة على شرعيَّتهما بكونهما ممثلتين فى مجلس الجامعة ، فقد كان على مجلس الأمناء ، بدلاً من أن يغرق مع مستشاره فى شبر ماء الشكليَّات القانونيَّة ، منصرفاً عن (لؤلؤة) المطالب العادلة نفسها للبحث عن ماهيَّة (صَدَفتها) ، أن يستشعر خجلاً إنسانياً مرغوباً فيه من أن دخول هؤلاء (المستخدَمين) الذين لولاهم لما قامت لهذا الصرح قائمة تقل بما لا يقاس عن دخول أغلب أعضاء المجلس ، وأنهم لا يملكون ، ومن ورائهم أسرٌ ممتدَّة ، سوى هذه المرتبات الشحيحة ، وأن تهيئة ظروفهم الماديَّة الأفضل ، ووضع شروط خدمة مجزية تحقق لهم الاستقرار ، لهوَ من أولويات شروط الاستقرار للبيئة الجامعيَّة بأسرها ، وأن ارتفاع أسعار السكر والبنزين والجازولين وتكلفة النقل ومدخلات الانتاج الزراعي والصناعي قد تسبَّب مؤخراً فى رفع أسعار كل السلع الأخرى ، مِمَّا يعنى عملياً انخفاض الدخول الحقيقية للمواطنين ، وأن هؤلاء الأساتذة والموظفين سبق أن ضحوا من أجل هذه المؤسَّسة بالعمل فى مرحلة التأسيس لقاء مكافآت رمزيَّة ، وأن آخر مرة حُسِّنت فيها شروط خدمتهم كانت قبل أربع سنوات ، وأن الدولة نفسها قرَّرت زيادة الأجور فى هذه السنة الماليَّة بنسبة 66% ، رغم عدم جدوى ذلك فى ظل استمرار التضخم وارتفاع الاسعار!

(4)
إن تقديرى لا تحدُّه حدود للكثير من الرموز الأمدرمانيَّة الماجدة التى سعت بالوساطة فى هذه الأزمة. وأعلم يقيناً كم هى خيِّرة دوافعهم ، وكم هى نبيلة مراميهم. غير أننى ، مع ذلك ، أستميحهم الإذن والعفو أن أهمس فى آذانهم بأن هذه الخبرة المريرة قابلة للتكرار ، ولذا فإن الاستقامة الواجبة تقتضينا أن نصدع الآن بكلمة حق مستحق باتجاهين: ضرورة إعادة الاعتبار لهيئة المؤسِّسين الحقيقيين ، من جهة ، كى تنتظم فى كيان مدنىٍّ مؤهَّل لضمان مستقبل هذه الجامعة ، وضرورة إجراء المراجعات الشاملة ، من الجهة الأخرى ، ليس فقط للسياسات والمناهج والأساليب ، بل وللقانون نفسه الذى جعل الجامعة بلا أب ولا أم .. لا بد من مراجعة وإصلاح هذا القانون. أما بغير ذلك فإنكم لن تبلغوا ، برغم نواياكم الشفيفة هذه ، أكثر من حشو الجرح بالتبغ ، وتقبلوا صادق اعتذارى!

بْرُوبَاغَانْدَا الفَرَحْ!
كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ساء صديقى الكاتب الصحفى عثمان ميرغنى ، أحد أشهر وأحصف الكتاب المعروفين بانتمائهم التاريخى لتيار الاسلام السياسى فى السودان ، حين خرج يتجوَّل فى شوارع الخرطوم بعد منتصف ليلة 26 مايو الماضى ، أن رآها هامدة فى مواتها المعتاد ، لا يحرك ساكنها التوقيع على بروتكولات السلام بين الحكومة والحركة ، وكان قد فرغ للتو من متابعة حفله منقولاً على شاشة التلفاز من ضاحية نيفاشا الكينيَّة ، ولا تنفجر جنباتها بمظاهر الفرح الجماهيرىِّ العارم والنشوة الشعبيَّة الغامرة إزاء الحدث الذى لم يجد له شبيهاً غير يوم (الاستقلال!) عام 1956 ، فكتب فى عموده الرائج (حديث المدينة) يقول: "كنا نتوقع بمجرد ما أذاع التلفزيون الحفل .. أن تنطلق الجماهير إلى الشوارع ويطلق سائقو السيارات أبواقها" ، ولكنَّ "الاحساس الشعبى لم يكن فى مستواه" ، أو كما قال (الرأى العام ، 28/5/04).
وهكذا كان من المنتظر ، بإزاء هذه الحقيقة الموضوعيَّة التى كذبت توقعاته ، للأسف ، وخيَّبت آماله ، أن يُعدِّل الكاتب الكبير زاوية رؤيته ، ويُعيد ضبط عدساته ، لكى يستطيع ، على الأقل ، أن يبصر ما ورائيَّات هذه الحالة (الشاذة!) بشكل أفضل. ولكن يبدو أن حصافته المشهودة خانته هذه المرة ، إذ لم تهدِه ، للعجب ، إلى سبب واحد لهذا الهمود سوى أن ".. الاتصال الجماهيرى لم يكن فى قامة الحدث" ، وأن الاعلام قد قصَّر فى "بث حالة الفرح" ، على حدِّ تعبيره.
ثم إنه سرعان ما استدرك ، لعلمه اليقينىِّ بحجم المخاوف التى ما انفكت تحتوش ثنائيَّة تلك المفاوضات وعناصر قصورها العديدة ، قائلاً: " .. مهما تخوف البعض من مرحلة مابعد السلام لكن متغيرات ما بعد الاتفاق ستفوق في حجم تأثيرها كل ماحدث في تاريخ السودان الحديث في نصف القرن الماضى"! وهو قول كان يمكن أخذه على محمل كثير من السداد لولا أنه ذهب به فى اتجاه التفكير الرغبى wishful thinking المعاكس تماماً لمنطق العلاقة المحتومة بين المقدمات المتوفرة وبين النتائج التى لا يمكن أن يترتب غيرها على ذات المقدمات!
والأنكى أنه بنى مطالبه على هذا الضرب من التفكير قائلاً إنه ".. فى مثل هذه اللحظات من الأفضل أن ينشر الاعلام بشارات الفرح بأوسع ما تيسر. الفرح الشعبي في مثل هذه الأحداث واجب وطنى مهما كانت التحفظات ، لأن بث الأمل في الشعب في مثل هذه المنحنيات التاريخية لقاح ضد مخاطر الاحباط ، وحائط صد لكل المنتجات الثانوية التي يمكن أن تنتج من مستقبل أيام ما بعد السلام". ثم ما لبث الكاتب الكبير أن بلغ أفدح مطالبه خطورة بقوله الصريح: "ليس مناسباً إثارة أى مخاوف الآن. مخاطر الردة المعنوية كبيرة للغاية إذا شاع الاحباط. انشروا الفرح بقدر المستطاع فهو دواء وحصانة من كل الأمراض"!
ومِمَّا يثير الدهشة لجوء الاستاذ عثمان لإصدار هذا الصنف من (الروشتات) التى تستدعى إلى الذاكرة ركن الوصفات المجانيَّة فى بعض الصحف أو الصباحيَّات الخفيفة فى بعض الاذاعات: "كن مرحاً بشوشاً وابتعد عن الاكتئاب فإنه ضار بالصحَّة"! سوى أنه وقع فى تناقض مُحيِّر حين قرَنَ نداءه الخاطئ هذا بقوله الآخر الصائب: "طريق السلام يحتاج لإرادة شعبيَّة تصنع الضغوط المطلوبة على الساسة حتى يعظموا شعيرة التسويات السياسية التي تتناصر على المصالح العليا للبلاد قبل الذات الحزبية الضيقة" (المصدر). حسناً! ولكنه لم يقل لنا كيف يمكن أن تتشكل مثل هذه (الإرادة الشعبيَّة) فوق كل هذا التلٍّ من (الوعى الزائف) الذى ينصح به؟!
مكمن الخطر فى هذا النوع من التفكير ليس ، بالقطع ، (النوايا) القائمة فى (الاحسان) للرأى العام أو (الترفق) به كما قد يبدو للوهلة الأولى ، وإنما هو غالب طاقته على الانزلاق بديناميَّات العقل الانسانى من قمم (الحريَّة) إلى مهاوى (الاستتباع والارتهان) ، والانحدار بوسائط الاتصال الجماهيرى من قيمة (الاعلام) إلى ربقة (الدعاية والاعلان) ، فلا يضحى المطلوب فى مثل هذه الحالة رفد الرأى العام بمقوِّمات استنارته فى مواجهة أوضاع محدَّدة ، بل شحنه بأكبر قدر من التوجيه المعنوى (لخلق) الحالة الذهنيَّة والوجدانيَّة الجماهيريَّة التى تناسب حزباً ما أو نظاماً معيَّناً! وهى ، لذلك ، خطة كاسدة نضن بقلم (حقانىٍّ) مرموق كقلم الأستاذ عثمان أن يجترحها ، كونها لا تفضى فى نهاية المطاف ، بصرف النظر عن حسن النوايا ونقاء السرائر ، سوى إلى ضرب من (الفاشستيَّة!) فى النظر والعمل!
أما (تحصين) الأمة ضد مشاعر (الاحباط) و(اليأس) فهو ، بالحق ، واجب مفكريها وكتابها وشعرائها وسائر مبدعيها الوطنيين ، فى كثير من اللحظات التاريخيَّة العصيبة ، بيد أنهم لا يتوسلون قط إلى ذلك بتغييب الوعى العام نهائيَّاً ، أو حتى بتخديره مؤقتاً ، وإنما ، على العكس تماماً ، بتسليحه بالحقائق الموضوعيَّة ، بالغاً ما بلغت مرارتها ، مع دعم الثقة بالنفس وإضاءة مسالك الخلاص كيلا تنبهم أو تغرق فى العتمة. وشتان بين هذا وبين تصوير السالب موجباً ، والأسود أبيضاً ، والمحزن مفرحاً .. الخ.  
إن تصوُّر الشعب قطيعاً يحتاج لأن تسوقه أجهزة (الدعاية) الرسميَّة propaganda كى تحشده فى سوح الاحتفالات لهو أمر ينطوى ، فى الواقع ، على كثير من سوء الظن بهذا الشعب ، مِمَّا يثير الجزع فى فكر هذا الكاتب المعروف بمصادمته للباطل ، ومنافحته عن الحق ، ودفاعه عن حريَّة الكلمة وديموقراطيَّة الخبر.
لقد شبَّه حدث نيفاشا بيوم الاستقلال. ولئن كنا وقتها ما نزال ، بعد ، أطفالاً ، إلا أن الذاكرة ما تزال نديَّة حتى الآن بمشاهد (الفرح) الشعبى الحقيقى ، ومظاهر (الزهو) الجماهيرىِّ التلقائى ، حيث رأينا الناس يتزاحمون ، نساءً ورجالاً ، فى حوانيت الأقمشة ومحلات الحياكة ، منهمكين ، حتى الساعات الأولى من الصباح ، فى إعداد الآلاف من نسخ (العلم) القديم ، ينفقون عليها من حر مالهم كى يرفعوها فوق أسطح البيوت ، حتى استحال فضاء المدينة كله إلى نضرة ألوان ثلاثة زاهيات. ثم رأينا كيف هبُّوا باكراً يتعانقون فى موكب الحشر العظيم ، بالوجوه الوضيئة والعشم البهىِّ والهتاف المجلجل والدمع الهتون. ثم لم نرَ وراء شئ من ذلك (إعلاناً) يَدفع أو (دعاية) تسوق!
وتكرَّر المشهد ذاته فى عمر جيل واحد مرَّتين: فى أكتوبر 1964م وفى أبريل 1985م. وفى كلِّ تلك المرَّات كان القاسم المشترك الاعظم هو .. (الاجماع الوطنى). ثم ها هو نفس الشعب ما تزال روحه معلقة بهذا (الاجماع الوطنى). غير أنه فرض عليه أن يتابع ، بمزيج من الملل والاشفاق ، مفاوضات السلام ، منذ بدايتها فى مشاكوس أواسط عام 2002م ، مقتصرة على تنظيمين لا ثالث لهما ، ولا يمثلان غير نفسيهما ، وحتى نهايتها فى نيفاشا عام 2004م ، بمساومات عجولة تمت لهوجتها تحت ضغوط الوسطاء فى الساعة الخامسة والعشرين، وفى سرادق كئيب جرى تأليفه خصيصاً لممارسة الضغط (!) فانتظم الطرفان تحته عابسين ، مقطبين، كقوم فى مأتم!
فإن كان قد أسعد الشعب وقف إطلاق النار فى البداية أيَّما سعادة ، فإن كلَّ ما خلا ذلك شكل مصدر حزن له ، ومحل ارتياب ، بل ورفض من جانبه: ثنائيَّة المفاوضات ، ونفوذ القوى الأجنبيَّة فيها ، وإجبار كلِّ الأحزاب والقوى السياسيَّة ومنظمات المجتمع المدنى على مراقبتها من مقاعد متفرجى الدرجة الثالثة ، بل وتسقط أسرارها الشحيحة من أجهزة الاعلام العالميَّة ، فاستحالت إلى مادة لثرثرات المساءات المتثائبة ، وشائعات المؤانسات الماسخة ، وطغت ، إلى ذلك ، شنشنات (القسمة على اثنين) بين أجنداتها ، بينما آل إلى خفوت صوت (الديموقراطيَّة) و(المحاسبة) و(الوحدة) ، ثم اندلع حريق دارفور يلتهم ما تبقى من آمالها ، ويقضى على أدنى بارقة خير مأمولة فيها!  
فرح السلام الحقيقى يصنعه (الاجماع الواسع) لا (الأطماع الضيَّقة). ونتفق مع الكاتب تماماً فى أنه "يحتاج لإرادة شعبية تصنع الضغوط المطلوبة على الساسة حتى يعظموا شعيرة التسويات السياسية التي تتناصر على المصالح العليا للبلاد قبل الحزبية الضيقة". ولهذا السبب بالذات لا بد من أن يتسلح الشعب بالوعى ، غض النظر عمَّا يسبِّبه من حزن ، لا أن تتناصر أدوات (الدعاية) الرسمية على طمسه وتغييبه باصطناع فرح زائف!

آلامُ المَسِيْحِ .. السُّودَانِى!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بقلم/ كمال الجزولى

آخر ما كان ينقصنا ، كى تكتمل دورة تاريخنا الحديث فى احتمالها الملهاوى ، هو ظهور المسيح فى شوارع الخرطوم! فقد جاء فى الأنباء أن رجلاً غريب الأطوار من سكان حىِّ (العزبة) بمدينة الخرطوم بحرى يسعى بين الناس زاعماً أنه نبى الله عيسى بن مريم ، وأنه (أنزل) فى هذا التوقيت على وجه التعيين ، ليس فقط لحل مشاكل السودان ، بما فيها مشكلة دارفور ، بل ولحل مشاكل العالم بأسره!
تولت الأجهزة (الأمنيَّة!) أمر الرجل ، حيث اتضح أن لديه خمسة أتباع وجهاز حاسوب ، وأنه يصدر منشورات ومؤلفات عن الساعة ، وقد ظل هادئاً يردِّد أثناء التحقيق معه: أنا على حق .. وهذه المشاكل لن تنتهى إلا بتصديق دعوتى! فلم تجد الشرطة تفسيراً لحالته أو ما تفعل بإزائها سوى إحالته إلى .. طبيب الأمراض النفسيَّة (الرأى العام ، 20/8/04).
لقد أصبح فى حكم المتفق عليه تقريباً ، بصرف النظر عن اختلاف المدارس الفكريَّة ، أن التاريخ لا يستعيد نفسه إلا بإحدى صورتين ، فإما كمأساة أو كملهاة. وبما أن هذه ليست المرَّة الأولى فى تاريخنا السياسى التى يدَّعى فيها شخص أنه المسيح ، حيث سبق أن شهد مطلع القرن العشرين عدداً من الوقائع المشابهة من حيث الشكل والمختلفة من حيث المحتوى ، فإنه ليس من فراغ ، إذن ، أن قد تبادر إلى ذهننا هذا التفسير الأوَّلىُّ للواقعة الجديدة كمحض ضرب من الاسترجاع الملهاوى للتاريخ.
على أن ما تهمنا إضاءته هنا بوجه خاص ، وبمنأى عن تحقيقات الأجهزة الجنائيَّة بطبيعة الحال ، هو العنصر المائز بين الظاهرتين بفارق قرن كامل. وفى هذا الاطار يتوجَّب استصحاب ملاحظتين جوهريَّتين:
أولاهما أن بدو السودان من المسلمين الذين صدمت وجدانهم الانسانى والدينى ، خلال القرن التاسع عشر ، بشاعات الاستعمار الاقطاعى على النمط العثمانى (1821 ـ 1885م) ، وجدوا فى المهدية ، ما يوحِّدهم ضده ، ويستنهض من ثقافتهم نسقاً أيديولوجياً راديكالياً يفجِّر طاقاتهم باتجاه إقامة دولة العدل والقسط والمساواة على أنقاض دولة النهب والظلم والفساد ، "فالواقع الاجتماعى المحدود يعبِّر عن نفسه فى شكل أيديولوجية دينية لا يحتاج التعبير عنها إلى تعقيدات تقعُ خارج قدرات ذلك الواقع" (م. س. القدَّال ، 1992م). واستطراداً فإن تلك البشاعات لم تعدم تبريراتها (الشرعيَّة) لدى (علماءِ السوء) ، بمصطلح الامام الثائر ، والذين ارتبطت مصالحهم نهائياً (بالباشا) مذ أغدق عليهم المال ، وخلع عليهم الخلع السَّنيَّة ، مقابل أن يصحبوا حملته ليحثوا أهل البلاد على أن "الخضوع لجلالة السلطان أمير المؤمنين وخليفة رسول المسلمين واجب دينى" (ن. شقير ، 1981م).
أما الملاحظة الثانية فهى الآصِرة العقديَّة التى لم تكن لتنفصم لدى الذهن السودانىِّ المسلم ، آنذاك ، وبتأثيرات من تيارات إسلاميَّة مغاربيَّة معلومة ، بين (ظهور المهدى) وبين (رجعة المسيح) ، وذلك من خلال الحراك السياسى الاجتماعى والفكرى الذى وَسَمَ المهديَّة ، ثورة ودولة ، قبل انكسار جيوشها فى كررى صبيحة الثانى من سبتمبر 1898م. الجوهرى فى تلك الآصِرة هو فكرة (الارتباط التراتبى) بين الظاهرتين فى عقائد المسلمين. وهى فكرة غير موجودة ، بطبيعة الحال ، فى أىٍّ من الديانتين اليهوديَّة أو المسيحيَّة.
فعقيدة (الرجعة) تعنى لدى اليهود أن المسيح سوف يعيد إليهم (سلطانهم) المفقود و(دولتهم) القديمة (بيلاييف ، 1973م) ، ولدى المسيحيين (النجاة) على يديه: "وتكون علامات فى الشمس والقمر والنجوم. وعلى الأرض كرب أمم مُحيَّرة. البحر والأمواج تضجُّ. والناس يغشى عليهم من خوفِ وانتظار ما يأتى على المسكونة لأن قوات السماء تتزعزع. وحينئذٍ يبصرون إبن الانسان آتياً فى سحابة بقوةٍ ومجدٍ كثير. ومتى ابتدأت هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رءوسكم لأن نجاتكم تقترب" (العهد الجديد ـ إنجيل لوقا ـ الاصحاح الحادى والعشرين ، 25 ـ 28).
أما فكرة (المهديَّة) فى العقائد الاسلاميَّة فهى رائجة ، أصلاً ، فى كل المذاهب السنيَّة والشيعيَّة بالاستناد إلى جملة أحاديث أشهرها ما رواه عبد الله بن مسعود من أن النبى (ص) قال: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يَبعث فيه رجلاً منى أو من أهل بيتى يواطئ اسمه إسمى ، واسم أبيه إسم أبى ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً". ومنها أيضاً ما رواه الرافضى عن ابن عمر أن النبى (ص) قال فى هذا المعنى وأضاف إليه: "ذلك هو المهدى". ورغم ما وُجِّه من نقد إلى أسانيد هذه الأحاديث ، حتى قال ابن خلدون فى (المقدمة) إنه لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه ، إلا أنها مقبولة لدى الكثيرين ، كابن تيمية فى (منهاج السنة) على سبيل المثال. وقد لاحظ باحثون أن فكرة (انتظار المهدى) غالباً ما تبرز فى أوقات الشدَّة (أركون وغارديه ، 1983م) ، وفى ظروف يستشرى فيها الشر والفساد والاختلاف والفرقة بين الناس (أ. جلى ، 1988).
وأما تأثير الفكرة على المسلمين السودانيين ، بالأخص ، فلعله قد وفد مع تيارات التلاقح الفكرى من غرب أفريقيا ، حيث كان لها رواج كبير هناك ، وبالذات فى ملابسات نشأة حركة الموحِّدين فى الريف المراكشى ، خلال القرن الثانى عشر ، على يدى المهدى بن تومرت أو (المنقذ المنتظر). ومعلوم أن لفكرة (الانتظار) حضور كبير لدى الشيعة ، وأن ثمة تسرُّبات شيعيَّة قويَّة وقعت فى بدايات العصر الموحِّدى (أركون وغارديه ، 1983م).
ولكنَّ فكرة (الارتباط التراتبىَّ) بين (ظهور المهدى) أولاً ، ثم (رجعة المسيح) من بعد ذلك ، إنما هى عقيدة سُنيَّة محضة فحواها أن وقت خروج المهدى فتنة وزلازل ، وأنه يُبايَع بين الركن والمقام ، وفى عهده يظهر المسيح الدجال ، وينزل بعده عيسى فيقتل الدجال (سنن ابن ماجة).
ونقل ابن القيِّم فى (المنار المنيف) عن أبى الحسين محمد بن الحسين الآبرى تواتر الأخبار عن رسول الله (ص) بذكر المهدى وأنه يملأ الأرض عدلاً ، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال ، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلى عيسى خلفه.
كان ذلك هو السياق الفكرى والوجدانى الذى انفجرت الثورة المهدية ضمن شروطه فى مواجهة الاستعمار التركى المصرى مطلع ثمانينات القرن التاسع عشر ، تماماً مثلما انفجرت ضمنه أيضاً المقاومة الأوليَّة ضد الاستعمار البريطانى خلال العقدين الأوَّلين من القرن العشرين ، بما فى ذلك المقاومة  الدينية ، وبالأخص (حركات النبىِّ عيسى). فلمَّا كان من غير المعقول ، بالنسبة لتلك الحركات ، أن يَدَّعى من ظلَّ يعتقد فى (المهدى) ردحاً من الزمن أنه (مهدى آخر) ، فقد أضحى الممكن الوحيد لمن يتصدَّى لتحريكها أنه (النبى عيسى) ، باتساق تام مع فكرة (التراتبيَّة) المشار إليها ، سعياً لإعادة إنتاج الأيديولوجية الثورية القديمة أو ، بالأحرى ، الدفع (بأصدائها) إلى أقصى احتمالاتها الممكنة تحت الظرف التاريخى الجديد.   
هكذا شاعت تلك الحركات بقيادة عدد مِمَّن ادعوا (نبوَّة عيسى) ، خلال تلك الفترة ، كعلى ود عبد الكريم فى أمدرمان عام 1900م ، ومحمد الأمين فى تقلى عام 1903م ، وآدم ولد محمد فى سنار عام 1904م ، والشريف مختار والفكى مدنى بالنيل الأبيض عام 1910م ، والفكى نجم الدين فى كردفان عام 1912م ، وأحمد عمر فى دارفور عام 1915م وغيرهم ، وذلك فى خلفيَّة الاعتقاد بأن (الدجال = الاستعمار) الذى حطم حكم المهدى وخليفته سوف يُهزم على يد (النبى عيسى) الذى سيهبط من السماء ، ويقود المسلمين نحو النصر ، كعلامة من علامات الساعة.
ولعل ذلك الاجتهاد المنطقىُّ المجيد ، والدافع بأيديولوجيَّة المقاومة المهديَّة للقهر الاستعمارى فى ظل الواقع الجديد الذى رتبته الهزيمة والاطاحة بالدولة السودانيَّة الوطنيَّة الموحَّدة الأولى فى تاريخنا ، هو بالضبط ما حدا ببعض الباحثين لتسميته "بالمهديَّة الجديدة" (م. ع. بشير ، 1980م). على أن الادارة البريطانيَّة لم تنكل ، فحسب ، بقادة تلك الحركات سجناً ونفياً ، بل وجدت أيضاً من (العلماء) ، تماماً كما كان الحال فى مواجهة الامام إبان التركيَّة ، من (يُشرعِن) ذلك التنكيل ، ويدمغ أولئك القادة البواسل (بالهرطقة) ، مِمَّا ".. ساعد الحكومة على تصوير البنيان القانوني وكأنه بنيان إسلامى" (ت. نبلوك ، 1990م).
وإذن ، فظاهرة (رجعة عيسى) مطلع القرن الماضى وقعت فى سياق تاريخىٍّ منسجم مع مستوى الوعى بمقتضيات الصراع السياسى الذى كان سائداً وقتها ، بينما تقصر الظاهرة الحاليَّة عن ملامسة أدنى مستوى للتطور الراهن الذى بلغه هذا الوعى حتى فى حدِّه الدينى. فالناس يدركون الآن حقيقة القضايا التى يجابهونها على كلا المستويين الوطنى والاجتماعى  باعتبارها مركوزة فى خيارات البشر ، حكاماً ومحكومين ، كأمور دنيويَّة ملموسة ومحدَّدة يتم حسمها فى الأرض ، وليس فى السماء ، جرياً على الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أمَّا ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" (رواه مسلم وابن ماجة وابن حنبل).
ومن ثمَّ فإن دعوى (مسيح العزبة) ، وإن كانت لا تخلو من انفعال (بآلام) العباد والبلاد ، إلا أنها تبقى ، مع ذلك ، معزولة عُزلة مُزرية عن مستوى الوعى الاجتماعى الذى يُفترض أن تخاطبه ، شأنها فى ذلك شأن أىِّ دعوى سياسيَّة تتلبَّس لبوسَ الدين ثم تعجز ، مع ذلك ، عن مقاربة أسئلة الواقع الموضوعىِّ المحدَّد ، فى الظرف التاريخىِّ المحدَّد ، وبالصورة المنطقيَّة المحدَّدة التى تعتمل بها فى عقول الناس ويمور بها وجدانهم. ومن نافلة القـول أن ذلك حين يقع ، فإنما يقع لا بسبب (الدين) نفسه ، بل بسبب نمط (التديُّن) الذى ينتهجه أصحاب هذا الخطاب ، مِمَّا يُفقدهم القدرة على التلويح ، مجرَّد التلويح ، بأدنى شارة أثر أو خطر ، ولا ينتهى الأمر بهم ، فى نهاية المطاف ، سوى إلى .. مستشفى الأمراض العقليَّة والنفسيَّة!  
 
 

ولَوْ بَعْدَ دَهْر!
بقلم/ كمال الجزولى

مرَّت ، قبل أيام ، ذكرى انقلاب 25 مايو 1969م ، ليرتفع فحيح (الكير) الذى درجت على نفخه ، كالعادة ، جهات ذات مصلحة فى الابقاء على (تهمة) تدبيره مشتعلة حول الحزب الشيوعى ، لا تخبو جذوتها أو ينعس وميضها!
أغرب ما فى هذه الحملة أنها تتحرَّك بمنطقين شديدى التباين: منطق الساعين للايهام بأن الحزب لم يقبل بالديموقراطيَّة إلا ريثما يمكنه الانقضاض عليها ، ومنطق الهادفين للايحاء بأن المرحوم عبد الخالق لم يكن (ثورياً) بما يكفى لتحمُّل تبعة الانقلاب الذى شارك فى اتخاذ قراره ، فنكص عنه فى آخر لحظة ، ولكن عندما نجح وصار واقعاً سعى للاستئثار بثماره (!) وأبرز القائلين بهذا السيد أحمد سليمان الذى نركز عليه هذه الاضاءة.
ومن نماذج إيحاءاته الباكرة سعيه للربط ، بطريق غير مباشر ، بين الحزب والانقلاب ، من خلال محاولته إثبات (نفوذ) موسكو على الحزب ، ضمن كتيِّب أعده بطلب من بعض أجهزة الحركة الاسلاميَّة!
فبعد أن أطنب فى الحديث عن هذا النفوذ الذى يعنى التأثير على أدق (خيارات) الحزب ، عرض لواقعة سفر وفد عسكرى إلى موسكو قبيل الانقلاب لإتمام صفقة سلاح قائلاً عن السوفيت إنهم ".. كانوا يعلمون .. ما يدبر بليل .. وكانوا قد تحوَّطوا لكل احتمال .. فأعدوا لاستقبال الوفد .. أحسن استقبال ، ليكون ذلك شاهداً على عدم صلتهم بل ومعرفتهم بما يدور فى الخرطوم من تخطيط للاطاحة بالسلطة" (من سجل الحركة الشيوعيَّة العالميَّة .. ، دار الفكر ، الخرطوم 1985م ، ص 53).
وقال فى موضع آخر: "بالرغم من حل .. كافة الاحزاب إلا أن الحزب الشيوعى .. احتل موقعاً مميَّزاً تمثل فى قائديه العسكريين فى مجلس قيادة الثورة ، رغم أنهما لم يشتركا فى .. إسقاط الحكم السلف ، بل رغم انسحاب العسكريين الشيوعيين من .. التنظيم السرى الذى واصل التخطيط لعمليََّّة الاستيلاء على السلطة وقادها بالفعل. وكان انسحابهم هذا قبل أسبوعين فقط من ليلة الخامس والعشرين من مايو بعد أن كانوا قد قطعوا فى طريق الانقلاب شوطاً بعيداً ، وبعد أن كانوا قد أسهموا فى الزج بآخرين فى المغامرة الخطيرة. وتمثل وضع الحزب الممتاز أيضاً فى أن نصيبه من عضوية مجلس الوزراء .. كان نصيب الأسد" (المصدر ، ص 54).
ثم قال فى موضع ثالث: "واغتنم الشيوعيون المشاركة فى الحكم .. للاطاحة بالسلطة الجديدة والظهور بمظهر المالك لها ، وكذلك فعل السوفيت .. و .. بدأ عبد الخالق .. يعد .. للسيطرة عليها تماماً .. فكان هناك عاملان جعلاه لا يكتفى بالوضع الممتاز .. للحزب .. أحدهما موضوعى والآخر شخصى: أما الأول فقد كان اقتناعه بحق الحزب فى الانفراد بالسلطة .. وأما .. الشخصى فقد كان الحرص على رد الاعتبار لذكائه ومقدرته على التحليل .. فقد كان السبب الرئيس ، بل الوحيد الذى دعاه لدعوة العسكريين للانسحاب من عمليَّة التحضير .. هو خوفه .. من فشل المحاولة. وكان بعضنا قد واجهه قبل أسبوع من يوم الانقلاب وكادوا يصفوه بالجبن ويتهموه بالخور .. الخ" (المصدر ، ص 54 ـ 57).
ولكن السيد أحمد لم يقل إن الانقلاب وقع فى سياق خلاف أيديولوجىٍّ عميق داخل الحزب بين تيارين: أحدهما كان يروِّج لحل قضيَّة السلطة عن طريق العمل العسكرى ، ويمثله السيد أحمد نفسه الذى كتب مقالاً قبل شهور قليلة من الانقلاب أجمل فيه خطته بوضع ميثاق شعبى تنفذه حكومة وحدة وطنيَّة يتولى الجيش حمايتها باعتباره القوة الوحيدة القادرة على ردع المغامرين العابثين .. الخ (الأيام ، 5 ، 6 ، 8/12/1968م).
أما عبد الخالق ، فى قيادة التيار الآخر ، فقد ردَّ على المقالة فى حينها بصحيفة (أخبار الأسبوع) ، منبِّهاً لخطورة الحديث عن الجيش بوصفه الأمل الوحيد للانقاذ ، لما ينطوى عليه ذلك من تجاهل لخبرة شعبنا مع الحكم العسكرى. وشدَّد على أن ما تحتاجه بلادنا ليس محض إجراءات الضبط والربط والتنفيذ السريع. وأن الحديث عن أجهزة الدولة كقوة منفصلة عن المجتمع غير سليم ، بل ومجاف للحقيقة. وأن الأمر الجوهرى الذى أغفلته خطة السيد أحمد هو إعداد الجماهير فكرياً وتنظيمياً لاستكمال الثورة الوطنيَّة الديموقراطيَّة (نص المقالة ضمن: القدال ؛ الحزب الشيوعى السودانى وانقلاب 25 مايو ، ط 1 ، الخرطوم 1986م ، ص 74).
ولم يقل السيد أحمد ، من جهة أخرى ، إن الخلاف قديم ، حيث أفضت صعوبات العمل فى إطار الديموقراطيَّة الليبراليَّة ، والحملة التى شنتها القوى التقليديَّة ضد الحزب ، إلى بروز تياره الفاقد للثقة فى الجماهير ، اليائس من أى جدوى للعمل الصبور وسطها ، المتطلع لاختزال كلِّ أفق (للنضال!) فى النشاط الفوقى ، التآمرى ، الانقلابى.
ولم يقل السيد احمد ، من جهة ثالثة ، إن المؤتمر الرابع (أكتوبر 1967م) انتقد تياره هذا بشدَّة ، ووجَّه بالتصدِّى الحازم له ، بوصفه مجرَّد اتجاه انتهازىٍّ يسارىٍّ يبشر بأن كلَّ ما بقى للحركة الثوريَّة هو أن تنكفئ على نفسها وتقوم بعمل مسلح (الماركسية وقضايا الثورة السودانية "تقرير المؤتمر الرابع 1967م" ، دار الوسيلة ـ بدون تاريخ ، ص 208).
ولم يقل السيد احمد ، من جهة رابعة ، إن دورتى اللجنة المركزيَّة العاديَّتين فى يناير ويونيو 1968م سارتا فى نفس خط المؤتمر الرابع ، وإن الدورة الاستثنائيَّة فى مارس 1969م قد أكدت على خطورة التفكير الانقلابى وعلى أنه لا بديل عن العمل الجماهيرى.
فى المحصلة النهائيَّة فإن السيد احمد لم يقل إن تيار عبد الخالق هو الذى كان وفياً لأطروحة الحزب الأساسيَّة ، بينما كان السيد احمد ومن معه والغين فى النشاط التآمرى المنفلت من خلف ظهر الحزب!
المسألة ، إذن ، لا علاقة لها (بالجبن) و(الخور) وما إليهما! دع عنك أن السيد احمد ، عندما أراد مواصلة طرح القضيَّة فى هذا المستوى الأخلاقى ، أثناء مداخلته فى المؤتمر التداولى الذى حسم الخلاف لصالح تيار عبد الخالق فى 21/8/1970م ، متحدثاً عن أن (الشرف) يوجب على الشيوعيين مؤازرة الانقلاب ، ردَّ عليه عبد الخالق بأن ساق واقعة ضلوع السيد احمد ، قبل ذلك ، فى انقلاب على حامد عام 1959م ، وكيف أنه ، عندما فشلت تلك المحاولة، وأعدم قادتها ، وكتبت مجلة (آخر ساعة) المصريَّة أن له دوراً فيها ، سارع لرفع دعوى (ردِّ شرف) ضد المجلة (!) وختم عبد الخالق ردَّه المفحم قائلاً: أىُّ شرف هذا الذى نقرنه (بالمنتصر) ونفصله عن (المهزوم)؟!
أعدم عبد الخالق بعد ذلك بأقل من عام ، فى ملابسات انقلاب 19 يوليو 1971م ، بينما لا يزال السيد احمد ، أمدَّ الله فى عمره ، يواصل إرسال إيحاءاته حيناً ، وإفصاحاته أحياناً أخرى، حول دور الحزب فى تدبير وتنظيم انقلاب مايو. والغريب أنه ظل يثابر على ذلك طوال العقود الماضية ، برغم استماتة قائد الانقلاب نفسه جعفر نميرى فى إثبات العكس تماماً (أنظر مثلاً: النهج الاسلامى لماذا ، المكتب المصرى الحديث ، القاهرة 1980 ، ص 74 وما بعدها).
مؤخراً ، وربما لأن الأمر قد باخ من كثرة التكرار ، وأصبح محتاجاً لبعض البُهارات ، أطلق السيد احمد تصريحاً غير مسبوق أفاد من خلاله أن الحزب ظل يخطط لانقلاب مايو منذ العام 1965م! وأن عبد الخالق شخصياً هو الذى كان يتولى ذلك مع السيد بابكر عوض الله الذى أصبح فى ما بعد نائباً لرئيس مجلس الثورة ورئيساً للوزراء (أخبار اليوم ، 1/5/04).
هنا ، ولسوء حظ السيد أحمد ، قرَّر السيِّد بابكر عوض الله أن يتكلم بعد أن كان قد انسحب من دائرة الضوء تماماً ، والتزم الصمت المطبق منذ العام 1972م ، ويا له من كلام! قال: إن الأستاذ أحمد حاول أن يربط بين الحزب الشيوعى وحركة مايو ، فى حين أنه ".. هو أول من يعلم .. أن الحزب الشيوعى كان أبعد الأحزاب عن الحركة ، وكان ضدها على طول الخط ، وهذا ما دفعنى نهار 24 مايو ، بعد تسجيل كلمتى التى أذيعت فى اليوم التالى ، للذهاب إلى المرحوم عبد الخالق فى منزله ، حيث أوضحت له أن حركة مايو سوف تقوم رافضة جميع الأحزاب .. وبالرغم من يساريَّة الحركة إلا أنها ترفض الانتماء إلى الحزب الشيوعى أو الارتباط به ، فثار ثورة عارمة ، وقال لى: عاوزين ترجعونا لحكم العسكر تانى؟! والله لو أعلنتم الارتباط بالحزب الشيوعى دون غيره لرفضنا ، ونحن الآن سائرون فى الطريق الممهد للديموقراطيَّة التى لا تستند إلى أحزاب طائفيَّة" (أخبار اليوم ، 1/6/04).
صَمْتُ السيد بابكر عن هذه الحقيقة البسيطة طوال خمس وثلاثين سنة يثير ، يقيناً ، جمهرة من الأسئلة التى يتداخل فيها (السياسى) مع (الأخلاقى) ، ولكن .. أتراه يطول صَمْتُ السيِّد أحمد إزاء ما كشف عنه الرجل الثانى فى الانقلاب؟!