كمال الجزولي

مَرْجِعِيَّةُ الاتِّفَاقِ .. الوَرْطَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لم تتراجع الحكومة حتى الآن عن طلبها للانتربول العربى بتوقيف وتسليم العميد (م) عبد العزيز خالد ، أحد أبرز رموز التجمُّع الوطنى الديموقراطى ، وعضو هيئة قيادته طوال السنوات الماضية ، مِمَّا تسبَّب فى اعتقاله بمطار أبو ظبى عند وصوله إليه قبل شهر ، حيث ما يزال رهين السجن بانتظار صدور القرار النهائى بشأنه من الأجهزة العدليَّة هناك. مع ذلك داسَ التجمُّع على كرامته السياسيَّة ، فلم يشترط ، كما يُتوقع عادة فى مثل هذه الظروف ، إلغاء الحكومة لتلك الاجراءات أولاً ، وقبل أىِّ كلام عن جولة المفاوضات الحاليَّة ، الأمر الذى يُخشى معه أن تنفتح شهيَّتها لممارسة المزيد من الضغوط كما هى العادة أيضاً فى مثل هذه الحالات!
الشاهد أن الجولة قد ابتدأت ، بالفعل ، مساء الخميس 21/10/2004م ، تحت عنوان (الحل السياسى الشامل) ، وذلك بالعاصمة المصريَّة التى سبق أن شهدت جولة تمهيديَّة بين الطرفين خلال الفترة من 24 إلى 30/8/2004م. ولئن كان قادة التجمُّع قد وصفوا ، فى الندوة التى عقدوها بالقاهرة أوائل سبتمبر المنصرم ، تلك الجولة السابقة التى اقتصرت على محض مسائل إجرائيَّة واستمرت قرابة الاسبوع بأنها "كانت شاقة" (الزمان ، 9/9/04) ، فمن الراجح عقلاً ، إذن ، أن تتسِم هذه الجولة الجديدة بطابع (المشقات) المُضاعَفة بما لا يقارن ، كما ويُنتظر ، منطقاً ، أن تحتاج ، ربما كالزراعة تماماً ، إلى عمر نوح ، وصبر أيوب ، ومال قارون ، خاصة وهى جولة التفاصيل التى تملأ الألغام عرصاتها ، وتكمن الشياطين فى ثنياتها ، وتحتوشها احتمالات الخيبة والتوفيق جنباً إلى جنب ، وعلى قدم المساواة ، ومن كلِّ حدب وصوب. لذا فليس من قبيل التشاؤم المجانىِّ أن نتوقع لمداها الزمنىِّ أن يُحسب  بالشهور ، إن لم يكن بالسنوات ، وأن تعترضها الكثير من العوارض المحتملة ، والعقبات المنظورة ، والانقطاعات المُتصوَّرة ، بل ومن غير المستبعد أبداً ، فى عصر (صناعة المفاوضات) هذا ، أن تتخللها أيضاً بعض الانتقالات السياحيَّة إلى الاسكندريَّة أو مرسى مطروح أو شرم الشيخ ، اللهم إلا إذا عِيْلَ صبر وسيطها بأسرع مِمَّا جرى لوسيط (الإيقاد) من مشاكوس إلى كارن إلى نيفاشا ، أو إذا تضعضع موقف أحد طرفيها ، لسبب أو لآخر ، فتداعى ، بغتة ، كمثل كاتدرائيَّة تتقوَّض!
يدخل التجمُّع هذه الجولة الجديدة محتقباً ، بلا شك ، أطناناً من العزم ، وأضابير مُزنَّرة من المقرَّرات والمواثيق ، وما يملأ مجلدات بأكملها من روايات الفلاح والاخفاق ، علاوة على خمسة عشر سنة من الثبات المشهود لأغلب رموزه ، والتضحيات غير المنكورة لمعظم قياداته العليا والوسيطة. مع ذلك ، ومهما يكن من شئ ، وباستثناء بعض أعضائه من مفاوضى الحركة الشعبيَّة ، فإنه يدخل مستنداً ، فحسب ، إلى هذه الخصائص والمعينات غير الكافية ، على أهميَّتها الكبيرة ، لما يحتاجه هذا الضرب المتميِّز من الكفاح ، ومفتقراً ، بالأساس ، إلى الخبرة الواسعة فيه ، مقابل فيلق من المفاوضين الحكوميين الخارجين لتوِّهم من (الإيقاد) ، مدجَّجين برصيد طازج من الخبرة فى هذا المجال ، مثلما يدخل مفتقراً أيضاً إلى القدر المطلوب من التعاطف العالمى والاهتمام الاعلامى ، مقارنة بما وجدته الحركة الشعبيَّة على محور نيفاشا وما تجده حركتا دارفور على محور أبوجا!
غير أن الأخطر من ذلك كلِّه هو أن التجمُّع ، ما لم يجترح أفكاراً مُفكراً فيها جيداًthinkable    thohght بمصطلح نعوم تشومسكى ، وما لم يتمكن من تحشيد الجماهير حول مشروع جاذب بحق ، فإنه سيخوض جولة من اللت والعجن ، بينما ملايين الناس فى السودان لم يتبقَّ لديهم ، للأسف ، الكثير من فائض الطاقة على ترقب (مُطاولات) ساسَ يسوسُ! فعلى الرغم من الأهمية الاستثنائيَّة لقضايا مثل الحريًّات والتحوُّل الديموقراطى وتوسيع قاعدة المشاركة فى الحكم .. الخ ، وعلى الرغم من أنها بالفعل قضايا مصيريَّة ، إلا أنها تظل بلا مضمون حقيقى بالنسبة لهذه الملايين إن لم تقترن بمردود مادىٍّ ملموس ومباشر على حياتها ومعيشتها.
لقد تصرَّمت سنوات طوال منذ أن بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر فى بلادنا 96% ، وفق بيانات الأمم المتحدة ومراكز البحوث المحليَّة. أما دولة النخبة الاسلامويَّة التى رفعت طاقات الرأسماليَّة الطفيليَّة إلى أقصى احتمالاتها ، فإنها ما تنفكُّ تلهث ، صباح مساء ، خلف وصفات البنك الدولى وروشتات صندوق النقد الدولى وتعليمات منظمة التجارة العالميَّة وسائر أشراط مؤسَّسات العولمة الرأسماليَّة التى تجبرها على التخلى ، يوماً بعد يوم ، عن دور الرعاية ، وعلى التخلص تماماً من ممتلكات القطاع العام ، وعلى إدارة الظهر نهائياً لوظائفها الاقتصاديَّة ، فأضحت تغلُّ يدها ، أكثر فأكثر ، عن معايش الناس اليوميَّة ، بما فى ذلك قطاع الخدمات من صحة وتعليم وغيره. وبالنتيجة التى أقرَّ النظام نفسه بها قبل ست سنوات ، ناهيك عن تفاقم الظاهرة بما لا يحتاج إلى أكثر من العين المجرَّدة تحت الظروف الراهنة ، فإن 83% من سكان الريف فقراء غذائياً ، أى تقل دخولهم عن خط الفقر الغذائى ، و45% منهم فى فقر مدقع ، مما يتسق ".. تماماً مع دعاوى التنمية غير المتوازنة وتهميش الريف" (التقرير الاستراتيجى السودانى 1998م ، مركز الدراسات الاستراتيجية ، الخرطوم ـ السودان ، ص 359 ، 361). أما سكان الحضر ، وحسب البيانات الرسمية نفسها المرصودة خلال الثلث الأول فقط من عمر النظام ، فإن "حوالى 81% (منهم) لا يستطيعون الحصول على غذاء كاف ، أى لا تمكنهم دخولهم من ذلك" ، وبإضافة الاحتياجات الأساسية الأخرى فإن ".. نسبة فقراء الحضر قد ارتفعت إلى 87%" (المصدر ، ص 358). وبحسب تلك البيانات الرسميَّة ذاتها فإن ".. فجوة الفقر .. قد تكون حوالى 70% أى أن إنفاق الفقراء يفى  فقط بحوالى 30% من تكلفة غذائهم" (المصدر ، ص 360). ومع كون ".. الفقر ما زال يتخفى تحت قناع قيم التكافل والتراحم السائدة فى المجتمع السودانى (إلا أن) الخوف الآن أن هذا القناع بدأ يتمزق ، لأن مقدرة من يدعمون الفقراء .. بدأت تضعف بفعل الأحوال الاقتصادية الصعبة .. هذه القيم بدأت فى التلاشى جراء التضخم وقلة الدخل" (المصدر). ولا تسَلْ عن تفاصيل الاحتياجات الأساسيَّة ، إذ تكفى الاشارة ، حسب احصاءات وزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية ، إلى أن الملاريا وحدها تفتك بمئات الآلاف كلَّ عام ، ومعدل وفيات الامهات أثناء فترة الحمل والولادة بلغ حوالى 7000 حالة سنوياً. وأما عن أوضاع التعليم فحدِّث ولا حرج! وها قد أتى على الوجدان العام حين من الدهر انصدم فيه ، ذات صباح أغبر خلال الأيام الماضية ، بنبأ انتحار طفل تهشمت دواخله تماماً عندما طرد من مدرسته الابتدائيَّة لعجزه عن سداد الرسوم الدراسيَّة المفروضة!
إن الفقر يُدمِّر قدرة الفقراء على الصبر ، ويسحق بوصلة انتباهتهم للشأن العام ، ويمحق ، بالتالى ، وعلى المديين المتوسط والبعيد ، إمكانيَّة التمييز بين الفعل السياسى الصالح والآخر الضار فى مستوى الوعى الاجتماعى السائد. ولعل هذا بالتحديد هو ما يدفعنا ، ونحن بين يدى هذه الجولة من المفاوضات ، للتنبيه إلى أحد أكثر موضوعاتها التى تجابه التجمُّع خطورة وحسماً: القضيَّة الاقتصاديَّة.
لقد نصَّ الاتفاق المبرم فى ختام الجولة الاجرائيَّة السابقة فى 30/8/2004م على أن تكون مرجعية التفاوض فى الجولة الراهنة هى (اتفاق جدة الإطارى) و(برتوكولات نيفاشا) ، كما نصَّ ضمن (الفقرة/8) منه على أن يشمل جدول الأعمال (السياسة الاقتصاديَّة) ، وهنا بالتحديد تكمن الورطة! فلو كان التجمُّع محتفظاً ما يزال بأىِّ هامش يستطيع المناورة من خلاله حول هذه القضيَّة لانفتحت ، إذن ، خياراته بشأنها ، ولهانت المسألة. غير أنه ، وعلى حين لم يتطرَّق (بروتوكول اقتسام الثروة) فى نيفاشا إلى هذه القضيَّة إلا بأعمِّ العبارات ، وأكثرها غموضاً ، كالنص ضمن (الفقرة/1/4) منه على أن "تقسيم وتخصيص الثروة .. يضمنان ترقية نوعية الحياة وكرامة وظروف المعيشة لكل المواطنين"، وضمن (الفقرة/1/7) على أن "جنوب السودان والمناطق التي تحتاج إلى التعمير وإعادة التعمير سترفع إلى نفس متوسط الخدمات الاجتماعية الاقتصادية والخدمات العامة في الولايات الشمالية" ، فلكأن هذه الخدمات البائسة معيار يُقاس عليه! وكذلك ضمن (الفقرة/5/1/1) على الموازنة ".. بين حاجات التنمية القوميَّة وإعادة إعمار جنوب السودان" ، وغيرها من النصوص المغرقة فى مثل هذا الضرب من الابهام ، فإن الحكومة استطاعت ، من خلال (اتفاق جـدة الاطارى ـ 4/12/2003م) الذى يشكل المرجعيَّة الثانية للتفاوض ، أن تنتزع من التجمُّع ، للأسف ، إقراراً عزيزاً وجهيراً بتخليه التام عن قضايا الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة (!) وذلك بالنصِّ ضمن (البند/ب/خامساً) منه على تأكيد اتفاق التجمُّع مع الحكومة على "المضي قدماً فى سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر"!
لا رغبة لنا فى العودة لاجترار ما سبق أن أوردنا من رأى حول هذا (الاتفاق/الورطة) فى حينه ، ولكننا لا نملك ، بمناسبة المفاوضات الجديدة ، إلا أن نعيد التذكير بشكوكنا القديمة. فمن غير المفهوم إطلاقاً أن يوافق التجمُّع بشيوعييه واشتراكييه ويسارييه ونقابييه ومهمَّشيه على هذا النصِّ الذى يعلن أن (اقتصاد السوق الحر) يشكل نهاية التاريخ الاجتماعى ، والنقطة فى آخر سطر التطور ، بل ويعلن ، ضمناً ، إستقالة هذه القوى والتنظيمات الوطنيَّة الديموقراطيَّة من ساحات الصراع فى بلادنا ، طالما أنها تقر بشطب أفق العدالة الاجتماعية ذاتها من أى مشروع وطنىٍّ للنهضة! فماذا ، بربِّكم ، ستكسب الجماهير لو خرج التجمُّع (منتصراً) فى كلِّ قضايا التفاوض الأخرى من ديموقراطيَّة وحريَّات وخلافه ، على أهميتها ، ولكنه (مهزوم) فى قضيَّة الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة؟! وأيَّة مشاركة للتجمُّع فى الحكم سوف تسعد هذه الجماهير طالما أنها تعلم مسبقاً أنه (مُقيَّد) فى هذه المشاركة بالموافقة على الاستمرار فى "سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر!" ، أى سياسات إفقار الملايين وتهميشها؟!
ولعل أكثر ما يبعث على الاستغراب ، بعد هذا كله ، بل أكثر ما يثير القلق ، النقد الذى وجهته (هيئة قيادة التجمُّع) فى اجتماعها بأسمرا فى 20/7/2004م (لاتفاقيَّة نيفاشا حول قسمة الثروة) بأنها "تتجاهل ضرورة التخطيط الاقتصادى الاجتماعى ودور الدولة والقطاع العام فى إحداث تنمية شاملة ومتوازنة في كل أقاليم البلاد" ، وأنها  "تنطلق من البرنامج الاقتصادي الحكومي .. لتركز ضمنيا على اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسَّسات التمويل الدوليَّة" ، وأن "مثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشـة الاخرى ، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق أوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضريَّة وفئاتها الطفيليَّة والبيروقراطيَّة"!
كما يبعث على الاستغراب ويثير القلق أيضاً النقد الذى وجهته (سكرتاريَّة تجمُّع الداخل) لهذه الاتفاقيَّة ، بقولها ، ضمن الرسالة التى بعثت بها فى 26/6/2004م إلى رئيس التجمُّع فى القاهرة: إن الاتفاقيَّة "لم تتطرق الي وضعية القطاعين العام والخاص والمؤسسات التي تم تخصيصها أو التي قيد التخصيص بالرغم من أهمية ذلك"!
حسناً! لن نتساءل ، مع ذلك ، عن الكيفيَّة التى اعتمد بها التجمُّع هذا الاتفاق! ولا عن الكيفيَّة التى استطاعت بها كلا (هيئة القيادة) فى أسمرا و(سكرتاريَّة الداخل) رؤية هذا جميعه فى (اتفاقيَّة نيفاشا) ، بينما لم تستطيعا مجرَّد لمح شئ منه فى (اتفاق جدة)! ولكننا نفضل التركيز على حث التجمُّع على الاستمساك ، من خلال هذه المفاوضات ، بهذا الموقف النقدى الصارم الذى اتخذته الوثيقتان من اقتصاد السوق ، وسياسات الخصخصة الحكوميَّة ، بالانحياز لمصالح الفقراء والكادحين والمُهمَّشين ، ورفض التأمين على مكاسب حلف الطفيليَّة والبيروقراطيَّة غير المقدَّس ، فلمثل هذا وحده تنفتح آذان الملايين وعقولهم وقلوبهم ، حتى لو أدى الأمر إلى اختيار الامتناع عن المشاركة فى (الحكومة القوميَّة) خلال الفترة الانتقاليَّة ، مع الوقوف فى صفِّ المُعارضة إلى حين الاحتكام لصناديق الاقتراع ، طالما أن (التواثق) على إدارة الظهر لقضايا (العدالة الاجتماعيَّة) هو الشرط اللازم لمثل هذه المشاركة!


لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (1)
بقلم/ كمال الجزولى

 (1)
(1/1) تكتسى قضية تعليم حقوق الانسان أهمية خاصة فى العالم بأسره ، وبصورة استثنائية فى بلداننا الفقيرة ، بأنظمتها المتخلفة التى لا تكاد تقوم قائمة لها بغير الانتهاك المتواصل لهذه الحقوق ، سواءً فى صورته الماديَّة أم التشريعية. فعلى الرغم من الطابع العالمى للالتزام بهذه الحقوق ، إلا أنه غالباً ما يصطدم بمصالح السلطات الداخلية فى الدولة ، والتى تضع أمنها فوق أى اعتبار آخر للعدل أو الحرية. لذلك ".. فإن إلزامية حقوق الانسان يجب أن تستند إلى إصـرار أصحاب المصلحة .. على التمسَّـك بها والاصـرار على احترامها وكفالة تطبيقها" (محمد ن. فرحات ، 1987م). وربما كانت هذه بالتحديد هى نقطة البداية الأكثر ملائمة لأيَّة مقاربة لحقوق الانسان عموماً ، باعتبارها ساحة صراع سياسى بالأساس ، ومن ثمَّ ، لأىِّ تقدير مخصوص لتعليم هذه الحقوق التى تشكل المعرفة بها ، علاوة على كونها هى نفسها جزءاً لا يتجزأ منها ، الضمانة الأكبر لحراستها ، حيث أن "حريات الناس أثمن من أن يؤتمن عليها الآخرون، وثمن حرية كل فرد هو دوام سهره على حراستها" (الباقر العفيف، 1998م).
(1/2) ولعل هذا ما يفسر الأهمية الفائقة التى يكتسيها تكريس (الوعى) بهذه الحقوق فى متون وثائقها الدولية نفسها. فالمادة/26 من (الاعلان العالمى لحقوق الانسان لسنة 1948م) تشدِّد على أن التعليم عموماً يجب أن يوجه نحو التطوير الشامل للشخصية الانسانية ، ونحو حقوق الانسان وحرياته الأساسية ، وإن كانت لا تنص صراحة على إدخال حقوق الانسان كمنهج قائم بذاته ضمن المناهج الدراسية. غير أن الوثيقة الختامية الصادرة عن (مؤتمر فيينا العالمى لتدريس حقوق الانسان لسنة 1978م) تنصُّ على أنه لا يكفى أن يتأسس التعليم على احترام حقوق الانسان فحسب ، بل ينبغى تدريس هذه الحقوق كمقرر مستقل ، وكمادة مشمولة بالمواد المناسبة لتدريسها كالفلسفة والعلوم السياسية والقانون والعقائد الدينية. من ناحية أخرى ظلت منابر ومحافل دولية رفيعة تبدى حرصها على تضمين هذا الأمر فى توصياتها. فقد طالب (مؤتمر اليونسكو الدولى لحقوق الانسان لسنة 1968م) ، على سبيل المثال ، بإعادة بحث موضوع تربية الشباب على حقوق الانسان وحرياته ، ودعا المنظمة الدولية لنشر برامج تهدف إلى بث الوعى لدى التلاميذ ، منذ دخولهم المدارس ، بهذه الحقوق والحريات ، ونشر مبادئ الاعلان العالمى فى كل مراحل التعليم.   
(1/3) وفى السودان ما تزال دوائر هذا الاهتمام المتعاظم تنداح ، يوماً عن يوم ، لتشمل أوسع القطاعات الشعبية ، والمزيد من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى والكتاب والفنانين والصحفيين والمعلمين والمثقفين من مختلف التخصصات والمهن والمدارس الفكرية والانتماءات السياسية. وعلاوة على الجهود التى يبذلها ناشطون متطوعون فى نشر الوعى بهذه الحقوق خارج المساقات النظامية ، من خلال المحاضرات والندوات العامة ودورات التدريب الخاصة وما ينتزعونه من فرص شحيحة عبر أجهزة الاعلام وغيرها ، أصبحت ترتفع الآن أكثر فأكثر المطالبة بإدراج هذه الحقوق ضمن مناهج التربية والتعليم فى جميع المراحل. وما من شك فى أن (مؤتمر تعليم حقوق الإنسان فى السودان) الذى نظمته جامعة الاحفاد للبنات مع مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة ، بين 15 ـ 18 ديسمبر 2003م ، قد أعطى دفعة قوية لهذه المطالبة ، الأمر الذى يستوجب الحرص على متابعة تنفيذ مقرَّراته وتوصياته.
(1/4) وما يزال هذا العصف الفكرىُّ المرموق brain storming يراكم ، عبر العديد من الندوات والسمنارات وورش العمل واللقاءات المختلفة ، أفكاراً وتوصيات كثيرة فى هذا الاتجاه. من ذلك ، على سبيل المثال ، التحذير من اقتصار هذا النوع المتميِّز من التعليم على برامج محددة ، بمناهج محددة ، وساعات دراسة محددة ، بهدف إبلاغ معرفة فنية محددة ، تنتهى ، كما فى التقليد المتبع ، بامتحانات تحدِّدُ مستويات التحصيل لأغراض الانتقال للفصول العليا ونيل شهادات التأهيل ، بل أن يقوم ، وبالأخص فى مرحلتى التعليم العام والتعليم قبل الأساسى ، على مفاهيم التربية وصياغة الشخصية والتكوين الثقافى والأخلاقى ، بحيث يستهدف ، ليس فقط تشكيل الذات الحاملة لهذه المعرفة ، وإنما المنفعلة بها أيضاً. وما تزال العديد من المقترحات تقدم لتفادى (المناهج الصريحة) واعتماد (المناهج الخفيَّة) ، وإضفاء مفاهيم هذه الحقوق على العملية التعليمية من خلال أساليب (الاندياح المستعرض crosscutting) أو (تسييد الاتجاه mainstreaming) وما إلى ذلك.
(1/5) ورغم العناية المبررة التى ينبغى إيلاؤها لتعليم حقوق الانسان فى هاتين المرحلتين ، إلا أن إدماج هذا الحقل المعرفى الحديث ضمن برامج المرحلة الجامعية والدراسات العليا يحتل مكاناً بارزاً ، ليس فقط لما توفر هذه البرامج من معرفة أكاديمية متقدمة ، بل ولما تتيح من بيئة بحثية مطلوبة بإلحاح ، بمشاركة الأساتذة والطلاب ، وبالأخص طلاب الدراسات فوق الجامعية من خلال برامج الدبلومات والماجستير والدكتوراه ، وذلك لترقية هذه المعرفة ، وتطوير سبل ووسائل ومناهج التنوير بها ، وغرسها عميقاً فى الوعى والسلوك الاجتماعيين ، بما يسهم بفاعلية فى بناء رأى عام منيع ضد أى انتهاك محتمل لهذه الحقوق.

(2)
(2/1) كانت الجامعات الأوربية سباقة فى هذا المضمار ، حيث أدرجت تدريس حقوق الانسان كمادة ضمن كليات القانون والعلوم السياسية على مستوى الشهادة الجامعية الأولى under graduate ، مِمَّا كان له أبلغ الأثر فى توقيع اتفاقية روما لحماية حقوق الانسان لسنة 1950م ، والتى أوصت بإنشاء محكمة أوربية لحقوق الانسان تأسست بالفعل ، فى ما بعد ، فى مدينة ستراسبورغ الفرنسية ، وكذلك اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949م لحماية المدنيين فى زمن الحرب ، والتى تعتبر أحد المكونات الأساسية للقانون الدولى الانسانى ، وقد نصت على وجوب نشر المبادئ والاحكام الواردة فيها ، وتعميم تعليمها فى جميع المدارس العسكرية والمدنية التابعة للدول الاطراف (وهبة الزحيلى ، 1978م). كما أنشئت عدة معاهد أوربية متخصصة فى مجال تدريس القانون الانسانى وحقوق الانسان ، أهمها: معهد جنيف للقانون الانسانى الخاص بالنزاعات المسلحة تحت الرقابة المباشرة للجنة الدولية للصليب الأحمر ، والمعهد الدولى لحقوق الانسان التابع لكلية القانون بجامعة ستراسبورغ الفرنسية (المصدر) ، بالاضافة إلى كليَّات القانون الدولى فى العديد من الجامعات الغربيَّة.
(2/2) أما فى العالم العربى فإن الاهتمام الرسمى بدراسات حقوق الانسان لم يبدأ بشكل ملحوظ إلا فى عقابيل هزيمة عام 1967م ، حيث عقدت جامعة الدول العربية مؤتمراً للقانون الدولى الانسانى ، أعقبته بتخصيص جوائز عام 1969م لأفضل الدراسات فى مجال حقوق الانسان (المصدر). غير أن الاهتمام الحقيقى بهذه القضية نبع من داخل المجتمع المدنى العربى ، حيث ركز اتحاد المحامين العرب اهتمامه ، منذ السنوات الأولى لتأسيسه فى أغسطس عام 1944م ، على قضايا حقوق الانسان باعتبار أن تعزيزها والدفاع عنها سيسهم بشكل أساسى فى مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى تحيط بالشعوب العربية. ومع ذلك فإن الاتحاد لم يدشن البداية الحقيقية لاهتمامه بقضية تدريس حقوق الانسان إلا بلقاء الخبراء الذى انعقد ضمن أعمال مؤتمره العام الخامس عشر (سوسة ـ تونس ، نوفمبر 1984م). ثم تلت ذلك أعمال المائدة المستديرة ضمن برنامج ندوة أوضاع حقوق الانسان فى العالم العربى التى نظمها الاتحاد بالتعاون مع المنظمة العربية لحقوق الانسان (القاهرة ، مايو 1985م). وأجرى الاتحاد اتصالاته بعدها مع عمداء كليات الحقوق فى مصر للنظر فى مسألة تدريس حقوق الانسان فى الجامعات المصرية ، مما انعكس خلال اجتماعات القطاع القانونى بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية عام 1986م. وفى العام التالى ، وضمن أعمال مؤتمر الاتحاد السادس عشر (الكويت ، أبريل 1987م) ، نظم مركز الاتحاد للبحوث والدراسات القانونية بالتعاون مع كلية الحقوق بجامعة الكويت ندوة بعنوان: تدريس حقوق الانسان وتطوير العلوم القانونية بالجامعات العربية (فاروق أبوعيسى ، 1987م). ومع ذلك كله ، لا توجد ، فى الوقت الراهن ، تجارب يؤبَّه لها فى مجال تدريس حقوق الانسان فى الجامعات العربية إلا فى كليَّتى الحقوق بجامعة الكويت والجامعة الأردنية.
(2/3) وأما فى السودان ، وتحديداً فى أعرق جامعاته ـ جامعة الخرطوم ، والتى نتخذها نموذجاً معيارياً لأغراض هذه الورقة ، فإن مادة (حقوق الانسان) ظلت تشكل غياباً تاريخياً عن برامج كلياتها المختلفة ، دع عنك أن سِجل هذه المؤسَّسة ظلَّ يشهد انتهاكاً صارخاً لحقوق طلابها ، طوال السنوات الماضية وحتى وقت قريب ، فى إقامة اتحادهم ، ولحقوق أساتذتها ومستخدميها ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابيَّة ، مِمَّا يتناقض ومناهج الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه التى سلفت الاشارة إليها ، والتى تلعب (القدوة) فيه دوراً حاسماً. ومن نافلة القول أن الأمر نفسه ينطبق على مؤسَّسات التعليم العالى الأخرى فى البلاد ، وإن بشكل متفاوت فى ما يتصل باتحادات الطلاب. الشاهد أن العمل ظل جارياً ، حتى فى كلية القانون بجامعة الخرطوم ، على تدريس (حقوق الانسان) ، لا كمادة متكاملة منفصلة ، وإنما ضمن المواد التقليدية الأخرى كقانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والقانون الدستورى والقانون الدولى. ولم يبدأ التفكير فى تدريسها كمادة متكاملة منفصلة إلا مع بداية ثمانينات القرن المنصرم (على سليمان ، 1987م). وللدقة فإن فرصة نادرة كانت قد سنحت فى مطلع سبعينات ذلك القرن للتغيير وخلق برامج جديدة لدراسة حقوق الانسان بهذه الكيفيَّة عندما بدأ يسود اتجاه عام فى الجامعة آنذاك لتعديل برامج كلياتها بغرض استيعاب (نظام الساعات المعتمدة) أسوة بالجامعات فى أمريكا والكويت. على أنه لم يقدر لكلية القانون أن تنفذ البرنامج الذى كانت وضعته لذلك الغرض بسبب النقص فى هيئة التدريس نتيجة الهجرة المستمرة للأساتذة (المصدر). ولكن الفرصة لاحت مرة أخرى لتنفيذه من خلال التوسع فى مجال الدراسات العليا بالكلية ، حين تم للمرة الأولى عام 83/84 قبول دفعة صغيرة من القضاة المبعوثين للتحضير لدرجة الماجستير فى القوانين (LL.M) ، فتم إدراج مادة (حقوق الانسان والحريات الأساسية) ضمن برنامج السنة الأولى بالنسبة لتلك الدفعة ، مع التركيز على المادة السودانية فى محاولة لتأصيلها وسبر غورها ، أملاً فى تجميع كل ما يتعلق بها فى السودان من قوانين وممارسات وقضايا مدونة وغير مدونة بغرض تأسيس (مركز) خاص بدراسات حقوق الانسان بالكلية (المصدر). وكان التفكير فى أمر هذا (المركز) قد بدأ صيف 1980م ، إستجابة لتوصية المؤتمر الذى كان قد انعقد وقتها بمركز دراسات حقوق الانسان بجامعة أنقرا بدعوة من اليونسكو. وكان محور التوصية أن يسعى المؤتمرون لإقامة مراكز لحقوق الانسان فى بلدانهم. على أنه لم يكتب لتلك التوصية أن يُشرع فى تطبيقها عملياً ، كما أشرنا ، إلا فى العام الدراسى 83/84 ، حين خطت الكلية خطوات جادة بمخاطبة إدارة الجامعة وإعداد مشروع النظام الأساسى (للمركز) بهدف خلق وحدة مستقلة فى إطار الكلية ، تعمل على تنشيط الدراسات وتشجيع وترقية البحث العلمى فى تخصصات حقوق الانسان (المصدر). وكان المأمول أن يشكل (المركز) حلقة وصل بين كلية القانون والكليات الأخرى حول موضوع حقوق الانسان ، وكذلك بين الجامعة والمجتمع فى هذا المجال. على أن إدارة الجامعة رأت ، وقتها ، أن يكون المشروع جزءاً من (مركز) آخر سعت لإقامته (لدراسات السلام) ، سوى أن هذا الأخير لم ينجح للأسف (المصدر). وهكذا فإن برامج كلية القانون بجامعة الخرطوم لا تزال ، حتى الوقت الراهن ، خالية ، وفى كل الصفوف من الأول حتى الرابع ، من مواد حقوق الانسان ، ما عدا الأسلوب القديم فى ملامستها من خلال المواد التقليدية كما سلفت الاشارة.  
(2/4) مع ذلك ، ولأنه لا مناص من التغيير والتطور. ولأن هذا التغيير والتطور ليس قضية شكلية ، بمعنى أنه لا يتم لمجرد الملل من الأساليب القديمة ، أو محض الرغبة فى التجريب ، فإنه يتوجب التفكير ملياً فى سؤالين أساسيين متصلين: هل ثمة احتياج موضوعى لإدراج (حقوق الانسان) ضمن برامج الدراسة فى المرحلة الجامعية وفوق الجامعية؟ وإذا كان ذلك كذلك ، فهل ثمة مسوِّغ للربط فى هذا البرنامج بين حقل المعارف القانونية وحقول المعرفة فى مختلف العلوم الاجتماعية والانسانية الأخرى؟! الاجابة على هذين السؤالين تحتاج قطعاً لعقل جمعى يعمل على تجميع عناصرها من مختلف التخصصات والمدارس. على أننا سنحاول هنا تقديم مساهمة متواضعة ، بمنهج يقوم على إضاءة بعض المداخل ، فحسب ، صوب ما نعتقد أنه يشكل الفضاء الفكرى للاجابة المطلوبة.
                                          (نواصل)

لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (3)
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) شدَّدنا ، من خلال الحلقات الماضية ، على أهمية إدماج (حقوق الانسان) فى الدراسات الجامعية ، لما توفره هذه الأخيرة من برامج أكاديمية وبيئة بحثية مطلوبة. ونظرنا ، ضمن هذا الاطار ، فى خبرة الجامعات الأوربية التى أدرجتها ، كمادة منفصلة ، ضمن كليات القانون والعلوم السياسية. كما أشرنا ، بالنسبة للعالم العربى ، إلى جهود اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الانسان وكليات الحقوق فى جامعات الكويت والأردن ومصر وغيرها.
(1/2) أما بالنسبة لجامعة الخرطوم ، كنموذج أعلى للجامعات السودانية ، فقد أشرنا إلى غياب هذا الحقل المعرفى الحديث عن برامج كلياتها ، بما فى ذلك كلية القانون ، علاوة على الانتهاك الصارخ لحقوق الطلاب فيها ، حتى وقت قريب ، ولحقوق الأساتذة والعاملين ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابية ، مِمَّا يتناقض ومناهج (الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه) الحديثة. وقلنا إن العمل ظل جارياً فى كلية القانون على تدريس (حقوق الانسان) ضمن المواد التقليدية ، رغم الفرص التى أتيحت لتدريسها باستقلال ، بل ولإنشاء مركز متخصص لها بالكلية ، يشكل رابطاً مع الكليات الأخرى ، كما وبين الجامعة والمجتمع ، فى هذا المجال.
(1/3) ولأغراض هذا المبحث الذى يعنى بطرح بعض أبرز المسائل الفكرية ذات الصلة بإدماج (حقوق الانسان) فى البرامج الجامعية ، ولأجل التحقق من طبيعة العلاقة التى تصِل هذا الحقل بالحقول المعرفية المختلفة ، سعينا لاستجلاء نسق المفاهيم والمصطلحات المستخدمة ، فأضأنا الفارق المائز بين مفهومى (القانون) و(العدل) ، كما أجرينا مقاربة (لحقوق الانسان) فى سياق نشأة وتطور قواعد (القانون الوطنى) ، عموماً ، و(القانون الدولى) بخاصة ، فى محاولة للكشف عن حقيقة الدور الذى تلعبه المصالح والارادات الطبقية فى تحديد الوشائج الباطنية التى تربط بين النظامين الاجتماعى والقانونى فى كل دولة على حدة ، وانعكاساتها فى مستوى العلاقات الدولية والقانون الدولى بالضرورة. ونفذنا ، من ثمَّ ، لرؤية التطور الجارى فى فروع علم القانون التقليدية ، تبعاً للتغيرات الاقتصادية السياسية والعلمية الهائلة فى كل مستويات البنى الوطنية والدولية ، وتشقق هذه العلوم إلى مباحث أدق وأوثق بمنظومة الدراسات فى حقول الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والدين والأخلاق والفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية التى تشتغل على خلفيَّة المصالح والإرادات المصاغة فى صورة هذه القواعد القانونيَّة. ورتبنا على ذلك استحالة تصوُّر (القانون) بدون (المجتمع) و(الدولة) ، والعكس صحيح ، من جهة ، ومن الجهة الأخرى استحالة تصوُّر (معرفة) هذا (القانون) بمعزل عن (معرفة) القدر اللازم من (العلوم الاجتماعية والانسانية) الأخرى التى يشكل (المجتمع) و(الدولة) محورها ، والعكس صحيح أيضاً.
(1/4) وانتقلنا ، بعد ذلك ، لتتبع التطور الهائل فى (القانون الدولى) ، وبخاصة منذ القرن السابع عشر حين كان كلاسيكيوه ، كالفقيه جروتياس وغيره ، يحصرون أشخاصه فى الدول ذات السيادة SOVEREIGNTY ، ومجاله فى العلاقات (بين) هذه الدول التى لم تكن ، بحكم طبيعة أنظمتها ، لتهتم بالشؤون (الداخلية) لبعضها البعض. ولذا فقد اقتصرت قواعد القانون الدولى القديم على حَلحَلة مسائل السيادة على الأقاليم ، وتنظيم الحرب ، والحصانات الدبلوماسية .. الخ. غير أن الأحداث الثورية العظمى ، ومحطاتها الأكثر بروزاً خلال القرنين الماضيين ، فرضت مراجعة الأسس التى انبنت عليها ، وتأثيراتها المحتومة على علاقات القانون الدولى ، كالثورة الأمريكية ، والثورة الفرنسية ، والثورة الروسية ، ثم التحوَّلات الديموقراطية العميقة التى رتبتها أجواء ما بعد الحرب الثانية ، وظهور المعسكر الاشتراكى ، وانهيار النظام الاستعمارى القديم ، وتكوين الامم المتحدة ، وتنامى مطالبة الشعوب حديثة الاستقلال بأنصبتها من ثروات العالم ، وارتباط العلاقات الدولية عموماً بالعمليات الدستورية والسياسية الداخلية ، وانفتاحها على قضايا السلام ودرء الحروب وتقرير المصير ورفاهية الشعوب وحقوق الأفراد والتنمية المستدامة وحماية البيئة وغيرها. وقلنا إن ذلك هو السياق العام الذى نشأ وتطور ضمنه المفهوم المعاصر (لحقوق الانسان) ، وفق الصياغة الجماعية الدولية للقواعد والمعايير وأنظمة الجزاءات فى القانون الدولى الحديث ، الأمر الذى أمكن معه إصدار جملة من الوثائق القانونية الدولية الجديدة ، وعلى رأسها (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) فى 10/12/1948م. وفى ما يلى نواصل:

(2)
(2/1) يلزمنا هنا خط تشديد تحت ما قد يوحى به السرد من تخصيص للسياق الغربى وحده بنشأة وتطور (المفهوم القانونى الدولى الحديث) ، لا (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، إستدراكاً على أىِّ احتمال لإيحاء غير مرغوب فيه بغربة متوهَّمة لهذا الأخير عن البنيات الثقافية لدى الشعوب الأخرى ، بما فى ذلك التكوينات القوميَّة فى السودان ، صرف النظر عن موقعها فى سلم التطوُّر ، من جهة ، أو بأىِّ استعلاء فجِّ ، من الجهة الأخرى ، على ما أسهم به الفكر الانسانى من إنشاء وتطوير لعناصر هذا المفهوم ، سواءً باستلهامات عقيديَّة أو بمحض الفطرة السليمة.
(2/2) لقد كان من الممكن لنا أن نتفق ، مثلاً ، مع فكرة "نسبيَّة حقوق الانسان" بين مختلف الحضارات والثقافات (محمد يوسف علوان ، 1989م) ، أو فكرة "نسبة مفهوم حقوق الإنسان إلى الغرب" (حيدر ابراهيم على ، 2003م) ، لولا عدم اعتمادهما التفريق بين المفهومين: (الثقافى التاريخى العام) و(القانونى الدولى الحديث) لهذه الحقوق ، مما يفتح باباً لسوء التفاهم حول موضوعتهما. ذلك أننا إذا عمدنا إلى النظر فى (حقوق الانسان) من زاوية (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فإننا نجدها مغروسة ، على نحو ما ، فى كل بنية ثقافية ، ويقع خطأ القول بخلاف ذلك. غير أن الصحيح أيضاً أنها تتسم ، فى ذات الوقت ، بطابع نسبى ، بمعنى أنها ليست مطلقة ، لا زماناً ولا مكاناً ، حيث قد يختلف مضمونها من مجتمع لآخر ، بل وقد يختلف فى المجتمع نفسه من مرحلة تاريخية لأخرى. ومن ثمَّ يصحُّ الحكم ، فعلاً ، بأنه لا يجوز تقديم نموذج حقوق الانسان بهذا (المفهوم الثقافى التاريخى) فى حضارة معينة على أنه نموذجها فى العالم أجمع كما يقرِّر د. علوان (1989م). أما إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى فإننا نجد أن التفاوت فى درجة تطور (المفهوم الثقافى التاريخى) أنتج ، بحق ، تفاوتاً ملحوظاً فى إسهام أمم عن أمم بشأن بلورة (المفهوم القانونى الدولى الحديث) فى ساحة العلاقات الدولية.
(2/3) إن عدم التقيد الصارم بهذه الحدود المفاهيميَّة والمصطلحية قد يتسبب فى الكثير من سوء التفاهم ، حيث تمسى الدلالات الحقيقية (لحقوق الانسان) شديدة الالتباس بالفعل ، من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية ، فى الكثير من أنماط استخداماتها الدارجة فى الصحافة وأجهزة الاعلام والخطابات السياسية المختلفة ، بل حتى فى لغة التخاطب اليومى. فالاستخدام المطلق على هذا النحو قد يوحى بأحد أمور ثلاثة مغرقة فى الخطأ:
أ/ فربما يعنى ، من جهة ، إهداراً تاماً لحقيقة نشأة هذه الحقوق ، بالفعل ، وفق (المفهوم القانونى الدولى الحديث) ، ضمن السياق المفاهيمى الخاص بالتطور التاريخى الملموس للفكر الحقوقى والسياسى فى أوربا والغرب بوجه عام ، وتحديداً منذ شيوع فلسفة (الحقوق الطبيعية) فى كثير من المذاهب ، بدلالة الحقوق (السرمدية) النابعة من الطبيعة البشرية ذاتها ، كمقابل (لحق الدولة). ويرجع استخدام هذا المفهوم إلى العصور الأوربية القديمة لدى السوفسطائيين وأفلاطون وأرسطو وغيرهم ، على أنه اتسَمَ بالكثير من التباين بين النظريات المختلفة. فمثلاً، وعلى حين صوَّر لاهوتيو العصر الوسيط (توما الاكوينى وغيره) التفاوت الطوائفى والتراتبية الاقطاعية كأمور (طبيعية) لا تتناقض مع التشريعات الالهية ، فإن أيديولوجيى البرجوازية الصاعدة ، كاسبينوزا وهوبز ومونتسكيه وروسو وغيرهم ، اعتبروا الحرية والمساواة أمام القانون والملكية وما إليها (حقوقاً طبيعية) لا تنتزع ، ووصموا النظم الاقطاعية لامتيازات النبالة والاستبداد الملكى بأنها مناقضة لطبيعة الانسان. ثم ما لبث الفكر البرجوازى الذى انتقل فى مرحلة لاحقة إلى مواقع السلطة أن انقلب على يد بنتام وكونت وغيرهما ليصبَّ جام نقده على فلسفة (الحقوق الطبيعية) التى لم يعد يحتاجها أصلاً. لكن الأيديولوجيات البرجوازية عادت مجدَّداً ، على أيام الحرب الباردة ، لاستخدام مذهب (الحقوق الطبيعية) للهجوم على الأنظمة الاشتراكية القائمة على النموذج الستالينى ، والتى كانت ، قبل انهيارها فجر تسعينات القرن المنصرم ، بل وكأحد العوامل الرئيسة لهذا الانهيار ، تعانى الفشل بالفعل فى تحقيق أى إنجاز داخلىٍّ ملهِم على هذا الصعيد ، رغم الدور التاريخى غير المنكور الذى لعبته ، على مستوى العلاقات الدولية والقانون الدولى الحديث ، فى تطوير (حقوق الانسان) ، وإكسابها طابعها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى العميق. فإلى النظام الاشتراكى العالمى يعود الفضل ، تاريخياً ، فى إدراج المفاهيم الخاصة بهذه المنظومة من الحقوق ، مما نتج عنه صدور (العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) فى 16/12/1996م ، والذى يعتبر ، مقروءاً مع (العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية) الصادر فى نفس التاريخ بالبروتوكول الاختيارى الملحق به ، بمثابة التطوير المنطقى (للاعلان العالمى لحقوق الانسان) الصادر فى 10/12/1948م. ومعلوم أن هذه الوثائق الثلاث تشكل فى مجموعها ما يصطلح عليه (بالشرعة الدولية لحقوق الانسان) ، دون أن يعنى ذلك أنها المصدر الوحيد لهذه الحقوق ، حيث أن هناك الآن ما يربو على 600 وثيقة تتضمن صياغات مخصوصة لحقوق متنوعة (محمد السيد سعيد ، 1997م).
ب/ أما من الجهة الأخرى فقد ينطوى مثل هذا الاستخدام لمفهوم (حقوق الانسان) على نوع من المغالاة فى نسبته للغرب لدرجة إسقاط المشترك الأعظم لجهته فى الخبرة الإنسانية الأشمل ، من حيث الإسهام الفعلى لمختلف الثقافات فى إثراء (المفهوم الثقافى التاريخى العام) لهذه الحقوق. هذا المشترك الأعظم هو الذى يجعل المفهوم قابلاً للاندياح فى نسيج كل ثقافة إنسانية ، بصرف النظر عن موقعها فى سلم التطور. وغنى عن الاشارة هنا أن الاتجاهات الحديثة فى معالجة نظرية (الثقافة) نفسها تنحو للابتعاد عن الأحكام المطلقة فيما يتعلق بتقدم أو تخلف أيَّة ثقافة ، أو المساحة الجغرافية أو السكانية التى تغطيها. فالتميُّز والاسهام فى رفد الثقافة العالمية لا يحتملان الإخضاع لمعايير القلة والكثرة والنسب المئوية. وقد اثبتت العديد من الدراسات فى حقل انثروبولوجيا وسوسيولوجيا الثقافة أنه ما من جماعة بشرية ، قلت أو كثرت ، إلا وتختزن فى بنيتها الثقافية الأساسية ، بصورة أو بأخرى ، قدراً من منظومة القيم التى تعلى ، على نحو ما ، من شأن العدل والحرية والكرامة والمساواة .. الخ. وما من شك فى أن أيَّة دراسة متقدمة للثقافات السودانيَّة ، مثلاً ، سوف تكشف ، يقيناً ، عن اشتمالها ، يصورة أو بأخرى ، على عناصر أساسيَّة من هذه المنظومة الأخلاقيَّة. وهى ذات المنظومة التى تشكل موئل ومناط (حقوق الإنسان) ، وتحتقب سائر المعانى والقيم الأخرى التى يشملها المفهوم بالصورة التى أنتهى إليها فى علم اجتماع العلاقات الدولية الحديثة ، واستقر بها فى معايير علم القانون الدولى المعاصر. وإذا وُجدَت ، كما يحدث فى غير النادر من الأحيان ، عناصر مصادمة لهذه القيم فى بعض هذه الأبنية الثقافية ، فإنها لا توجد فى حالة سكونية ، وإنما فى حالة صراع مع تأثيرات النزعة الإنسانية الفطرية التى ظلت ملازمة لتطور الاجتماع البشرى منذ المجتمعات البدائية ، والتى برهنت اتجاهات التطور التاريخى العام أن لواء النصر يبقى معقوداً بها فى نهاية المطاف. فهذه القيم الفطرية تمثل فى حقيقتها "الجوهر الذى دارت حوله فكرة حقوق الإنسان" (أحمد عبد الله ، 1996م). كما وأن هذه الحقوق فى جوهرها "ليست سوى الطبعة العصرية لمطالب بعضها قديم قِـدَم الإنسانية نفسها" (منصف المرزوقى ، 1996م). وعموماً لم يعد ثمة شك حول "أن فى دعوى الأصل (الغربى) الخالص لمفاهيم حقوق الانسان جهلاً فاضحاً بالتاريخ ، وسلباً لفائض القيمة الثقافى والحضارى والفكرى الذى ساهمت به كل الثقافات والحضارات الانسانية فى تيار الثقافة التى تسمى (غربية) الآن" (نصر ح. أبوزيد ، 2000م).
ج/ وأما من الجهة الثالثة ، وحتى حين يُستخدَم المصطلح ، بدلالة (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فغالباً ما يتمُّ شحنه جزافاً بأوسع المعانى التى قد تشمل (أىَّ) نصوص لتنظيم حقوق الأفراد ، مما قد يدرج هنا ، مثلاً ، النصوص الشكليَّة حول الحريات والحقوق فى المنظومات الدستورية للنخب الطبقية السائدة اقتصادياً وسياسياً ، والتى ربما تهدف أصلاً للالتفاف على (حقوق الانسان) فى (المصطلح القانونى الدولى الحديث) عن طريق تقييدها بشتى صنوف الحِيَل التشريعية ، أو مما قد يدرج ، بشكل أوضح ، القواعد المشمولة بالمنظومات القانونية والأخلاقية للطبقات التى سادت اقتصادياً وسياسياً فى حضارات العالم القديم ، كالرومانية والاغريقية ، باعتبارها تتضمَّن أيضاً (حقوق الانسان). مثل هذا الاستخدام قد يثير مشكلة تتعلق ، من جهة ، بطبيعة القوانين نفسها التى تنتفى عنها (الانسانية) فى الكثير من جوانبها ، كقوانين حمورابى التى يضرب بها المثل فى الظلم والتعسف ، دون إسقاط للمقتضى التاريخى، كما تتعلق ، من الجهة الأخرى ، بالتعريف الضيق لكلمة (إنسان). (فالانسان) كامل الأهلية ، مثلاً ، فى الحضارة التى سادت لدى قدماء الاغريق ، يعنى فقط الفرد الاغريقى الذكر الحر ، وما عدا ذلك يُعتبر (لا شخص non-person) ، ويقع بالتالى خارج حماية القانون (الباقر العفيف ، 2000م).
(2/4) على هذا ، ورفعاً للالتباس عن مفهوم (حقوق الانسان) ، فينبغى ضبطه بحسب السياق الذى يرد فيه. فيقتصر فى لغة الفكر الحقوقى والسياسى المعاصر على دلالة (المفهوم القانونى الدولى الحديث) لهذه الحقوق وفق النصوص والمعايير المشمولة بالمواثيق الدولية الصادرة فى إطار عمل الأمم المتحدة ، وبالأساس (الاعلان العالمى لحقوق الانسان لسنة 1948م ، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966م مع البروتوكول الاختيارى الملحق به ، والحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لسنة 1966م ، وقد دخلا حيِّز التنفيذ اعتباراً من العام 1976م) ، بالاضافة لعدد وافر من الوثائق المخصوصة بحقوق محددة ومتنوعة ، (كالميثاق الدولى للقضاء على جميع صـور التفرقـة العنصرية لسنة 1965م) ، و(الميثاق الأفريقى لحقوق الانسان والشعوب لسنة 1981م) ، وقد دخل حيِّز التنفيذ أواخر عام 1986م .. الخ. ومع ذلك ، ولأن وحدة النزعة أو الفطرة الانسانية تفترض اندياح القبول بهذا المفهوم (لحقوق الانسان) لدى جميع الأمم ، على تعدُّدها ، وتدامج معاييره فى نسيج كل الثقافات ، على تنوُّعها ، دون إغفال لحقيقة أن هذا القبول لا يقع ضربة لازب فى ظروف الانقسام الطبقى ، وإنما يدور حوله ، وبفعل هذا الانقسام نفسه ، صراع اجتماعى شديد الضراوة ، كما يتبدى فى الموقف من حقوق المرأة ومن حقوق الأقليات الاثنيَّة على سبيل المثال ، فينبغى ضبط مصطلح (حقوق الانسان) فى هذا السياق بدلالة (المفهوم الثقافى التاريخى العام).
(2/5) فى ضوء هذا النظر يصبح سائغاً فهم ما توصل إليه د. علوان (1989م) من أنه لا بد للعرب والمسلمين من تأصيل هذه )الحقوق( فى التراث الاسلامى والثقافة القومية للأمَّة. فحقوق الانسان ".. شرعة مقترحة من رجال ونساء من بلدان وأديان وألوان مختلفة فى لحظة تاريخية معينة .. ولحسن الحظ ليست لها صفة القداسة ، ولذا فهى بالضرورة فى حالة تطور، و .. مشروع غير منجز" (هيثم مناع ـ ضمن نصر ح. أبو زيد ، 2000م). على أنه يتوجب الحذر جيداً من عدم الانحراف بالقضية إلى مجابهة دينية ، فالأمر لا يعدو كونه سعياً مشروعاً ومطلوباً بإلحاح ".. للبحث عن سبل ووسائل استثمار كل العناصر الثقافية والفكرية التى تساعد على تقبل قيم حقوق الانسان على مستوى الوعى والتطبيق" (نصر ح. أبو زيد ، 2000م).
(2/6) إن أىُّ فهم بخلاف ذلك من شأنه أن يفضى إما إلى (الغربنة) ، من جهة ، فى معنى الانسحاق التام تحت أوهام (المركزوية الغربية) ، وإما إلى (الشوفينية) أو (العنصرية) ، من جهة أخرى ، بدلالة التعصُّب المقيت للذات القومية أو الدينية أو الثقافية ، وإما إلى (الاستقالة) من حركة العصر ، من جهة ثالثة ، والانزواء فى كهوف التاريخ. ولا فرق فى هذا بين مَن يُغلب دلالات (المفهوم القانونى الدولى الحديث) لتتوارى خلفها دلالات (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فينسب (حقوق الانسان) ، من ثمَّ ، إلى محطات رئيسة فى تطور الفكر الغربى وحده ، كوثيقة (الماجناكارتا) الإنجليزية لسنة 1215م ، وفلسفة روسو ولوك ، ومبادىء الثورة الفرنسية لسنة 1789م ، والدستور الأمريكى فى القرن الثامن عشر ، وفكر كارل ماركس فى القرن التاسـع عشر ، وإعلان الحريات الأربع للرئيس روزفلت سنة 1941م ، وبين من يفعل العكس تماماً فيحصر نسب المفهوم فى أبى العلاء المعرى أو محى الدين بن عربى أو صعصعة بن ناجى بن عقل أو غيرهم من قدامى المفكرين والفقهاء العرب المسلمين دون غيرهم (المرزوقى ، 1996م). ونضيف ، بالأحرى ، من يسعى لإنكار نسب (حقوق الانسان) فى (المفهوم الثقافى التاريخى العام) بثقافة شعبه ، أو نفيها عن بنيته الفكرية أو الدينية (راجع: كمال الجزولى ، 2003م).
                                             (نواصل)


فِى طَوْرِ النَّقَاهَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

(1)
(1/1) بصرف النظر عمَّا يمكن أن يشكل قناعة مفكر مرموق فى قامة السيد فهمى هويدى حول مصلحة إسرائيل فى توقيع بروتوكولات السلام بين الحكومة والحركة ، كما ذهب إلى ذلك فى بعض مقالاته مؤخراً (الأهرام 3/6/04 ـ الخليج 10/6/04) ، أو ما إذا كان يتفق معنا أو لا يتفق فى أن للحقيقة دائماً أكثر من وجه ، فما من وهم ينتابنا ، مع ذلك ، فى أن بعض وجوه حقيقتنا يتصل بأن (البترول) وهاجس (محاربة الارهاب) هما اللذان وضعانا فى عين عاصفة السياسة الأمريكية نفسها ، دع الاسرائيليَّة ، والتى شقت ، فى التطبيق العملى ، طريقاً معبَّدة بصورة مدهشة وسط كل ما كان يلوح من تصلب فى كتلة النخبة الاسلامويَّة الحاكمة!
(1/2) ونحسب أن مثل هذا التقرير لم يعد يحتاج الآن إلى ضرب متميِّز من التحليل المعقد أو الذكاء الخاص. فبسبب الواقع (النفطىِّ) الجديد لبلادنا أكد السيد بوش الابن ، فور توليه رئاسة الولايات المتحدة ، اهتمام واشنطن بعملية السلام في السودان. ولهذا السبب بالذات ، وفي ضوء قرار الكونجرس بإنشاء لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في أفريقيا التى تصنف ضمن أغنى المناطق باحتياطيات النفط ، علاوة على ارتباطات سالفة للنظام فى السودان مع بن لادن ورهطه ، تكفل (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) ، منذ فبراير 2001م ، بإعلان خطة الانتقال إلى (التدخل الايجابى) بديلاً عن السياسة القديمة التى اعتمدت على أيام كلنتون ، مقترحاً الدفع بالمسألة السودانيَّة إلى أوضاع (الدولة الواحدة) ذات (النظامين)! وفى السياق نفسه جرى ، فى سبتمبر من نفس العام ، تعيين القس جون دانفورث كمبعوث خاص للسلام فى السودان. وإلى ذلك كان واضحاً تماماً ، ومن الوهلة الأولى ، أن على رأس مشمولات تلك الخطة دفع الحكومة والحركة وحدهما إلى طاولة المفاوضات ، مع إقصاء كل القوى السياسيَّة والمدنيَّة الأخرى عنها!
(1/3) هكذا لم يصعب ، مثلاً ، على محلل سياسى كالسيد برنابى ماسون ، مراسل البى بى سى الدبلوماسى ، أن يلمح تحت عنوان: (لماذا تريد أمريكا سلام السودان) البصمة الأمريكيَّة على (بروتوكول قسمة الثروة) المبرم بين الحكومة والحركة فى 7/1/04 ، والمقصود (النفط) بطبيعة الحال. فلأن "أمريكا تدرج نفط أفريقيا كله ضمن مصالحها الوطنيَّة الاستراتيجيَّة" ، فإنها ما انفكَّت تضع عينها على نفط السودان. وحيث أن "معظم هذه الثروة تقع حالياً فى الجنوب ، فإن استثمارها الأمثل من جانب الشركات الغربيَّة يستلزم ، بشكل مباشر ، وضع نهاية للحرب وإقامة حكومة مستقرة". وقد استخدمت إدارة بوش ، لأغراض الضغط على الحكومة فى هذا الاتجاه ، "محفزات مفتاحيَّة تمثلت فى الوعد بإلغاء عقوباتها المقررة على السودان ، علاوة على رفع اسمه من لائحتها الخاصة بالدول الراعية للارهاب" (بى بى سى ، 21/4/04). أما السيد تونى بلير فقد بعث من جانبه برسالة خطيَّة إلى رئيس الجمهوريَّة يعد فيها "بإلغاء ديون بريطانيا على السودان بعد توقيع اتفاق السلام" (أ ش أ ، 28/1/04).
(1/4) أخيراً ، فى 26/5/04 تمَّ التوقيع على ستة بروتوكولات يفترض أنها ، على علاتها ، تستوفى كلَّ أجندة التسوية. سوى أن (مجموعة الأزمات الدولية) عادت فى ديسمبر 2003م لتعترف ، قبل خمسة أشهر من اكتمال المفاوضات ، بأن كلَّ ذلك (اللت والعجن) لن يفضى ، فى نهاية المطاف ، سوى إلى (سلام ناقص incomplete peace) ، مثلما عاد مركز الدراسات الأمريكى نفسه لوضع تقرير آخر فى يناير 2004م ، بعد أقل من ثلاث سنوات ، عن (المخاطر) التى سوف تحتوش الاتفاقية فى مرحلة التطبيق ، مِمَّا سوف يستوجب إرسال (قوات دولية لحفظ السلام)!
(1/5) ذات القصة القديمة وإن اختلفت التفاصيل! ذات السيناريو المكرور الذى جرى إخراجه عملياً فى بلدان أخرى! حلقات من اجراءات مصالح أجنبيَّة تمسك برقاب بعضها البعض ، وتقود واحدتها إلى الأخرى ، ولا يهمُّ بعد ذلك إن تآكلت المصالح الوطنيَّة ، أو تمَّ قضمها .. قطعة قطعة! لذلك فقد سارعت القوى السياسيَّة كافة لإعلان رفضها التام لهذا السيناريو ، ولكافة أشكال التدخل الأمريكي الفظ فى الشأن السودانى (المصدر ، 20/2/04) ، إلا أنه ليس ثمة ما يشى حتى الآن ، للأسف ، بأن شيئاً من ذلك لن يقع فى المستقبل المنظور ، بل بين غمضة عين وانتباهتها!
(1/6) ولعل مِمَّا يكتسى دلالة ذات أهميَّة خاصة فى هذا الاطار أن د. غازي صلاح الدين ، مستشار رئيس الجمهوريَّة السابق للسلام قبل تنحيته ، وأحد المطلعين على أدق شئون السلطة بحكم وجوده إلى وقت قريب ضمن دائرتها الأضيق ، ذهب إلى القطع بأن "واشنطن ترى أن اتفاق السلام سوف يكون عرضة لتناقضات كثيرة فى تفسيره وتأويله!" ، ولذلك تريد ، والغرب معها ، "حمايته وإيجاد ضماناته!" ، غير أنها "لا ترى ضرورة لوجود الامم المتحدة في السودان ، تماما كما هو الحال في العراق!" ، مبيناً أن "أمريكا تسعى إلى توزيع الأدوار بين الدول التى ساهمت في عملية السلام فقط دون غيرها!" ، محذراً فى النهاية من أن ذلك "سيضع البلاد تحت درجة من الوصاية!" (ضمن مداخلته فى ندوة "السلام بين الشراكة والمشاركة" ، قاعة الشارقة 6 ـ 7 مارس 2004م). وإذن فالخطر الخارجىُّ ماثل ، وقد لا تحتاج البلاد ، أصلاً ، لمن يحذرها منه .. يداها فى الجمر ، وقدماها على شفا جرف هار!

(2)
(2/1) على أن هذا الخطر الخارجى ليس وحده الذى يتهدَّد كياننا الوطنى بالانهيار الشامل ، إذ هنالك مهدِّدات داخلية ربما أكثر خطراً وأعظم أثراً ، وعلى رأسها مضمون الاتفاقيَّة نفسها. فهى ، بكل المعايير ، وحتى بافتراض قبول طابعها الثنائى على مضض ، غير مؤهَّلة لأن ترسى أساساً صالحاً لأىِّ تقارب بين الجنوب وبين بقيَّة أجزاء القطر ، بخاصة الشمال النيلى. وإن المرء ليلمح فى كل ما كتب وقيل عنها حتى الآن قدراً كبيراً من الحساسيَّة والحرج الوطنيين بإزاء أكبر إنجاز فيها وهو إيقاف الحرب ، علاوة ، بالطبع ، على النصوص المتعلقة عموماً بالحكومة العريضة واللجان القومية والديموقراطيَّة والانتخابات وما إلى ذلك. لكن ، ولئن كان أقصى (كابوس) تفتقت عنه عبقريَّة (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) هو (سودان واحد بنظامين) ، فإن هذه الاتفاقية قد خلصت عملياً إلى (سودانين) جاهزين تماماً للانفصال: بحكومتين ، وبرلمانين ، وجيشين ، وعملتين ، ولغتين ، وقانونين ، ونظامين مصرفيَّين ، ونظامين قضائيَّين .. الخ ، ولم يتبق سوى ترسيم حدود دوليَّة جديدة! فكيف يُنتظر من أوضاع كهذه أن تفضى بعد ست سنوات إلى (وحدة جاذبة)! إنها حالة تتأرجح بين (الكنفدراليَّة) وبين (الوحدة) بشعرة معاوية ، بل تفوق (الكنفدراليَّة) جفاءً وتباعداً. (فالكنفدراليَّة) تضمن على الأقل منظومة من الوشائج وأواصر القربى ، سواء فى النظام الاقتصادى والاجتماعى وفلسفة الحكم .. الخ ، أم فى ما يُصطلح عليه (بالجيش التعاهدى). ولذلك فهى غالباً ما تتحوَّل إلى (فدراليَّة) ، كما وقع فى سويسرا من القرن السادس عشر وحتى العام 1848م ، وأمريكا خلال النصف الثانى من القرن الثامن عشر وحتى العام 1787م ، وألمانيا من العام 1815م إلى العام 1871م ، الأمر الذى تعزز بدستورى 1919م و1949م. وهى ذات الوضعيَّة التى يرى بعض الكتاب أن مجلس التعاون الخليجى والاتحاد الأوربى يقتربان منها بخطى حثيثة (ميرغنى النصرى ؛ مبادئ القانون الدستورى والتجربة الديموقراطيَّة فى السودان ، ط 1 ، الخرطوم 1998م ، ص 91 ـ 92).
أما هذه الاتفاقيَّة فتعطى (وحدة) باليمين ثم تستدير لتسلبها بالشمال! ولعل ذلك بالتحديد هو ما رمى إليه السيد الصادق المهدى حين انتقدها ، برغم حماسته لها ، قائلاً: "أعتبر الاتفاقات التي تم التوقيع عليها حتى الآن تحمل تناقضات ، ففى بعضها تنص على إعطاء الوحدة أولوية ، ولكن بعض تفاصيلها تؤدي صراحة إلى الانفصال!" (ورقة فى ندوة "السلام بين الشراكة والمشاركة" ، قاعة الشارقة 6 ـ 7 مارس 2004م). هذا علاوة على العديد من المطاعن التى وجدها آخرون فيها من زوايا مختلفة ، حيث أنها مثلاً ".. لا تترك حيزا واسعا للشفافية والضبط والمتابعة. وقد حرص الطرفان على أن تكون .. آلية لاقتسام السلطة بينهما أكثر منها آلية لحل النزاعات وحسم المشكلات ، كما توقعتها أغلبية السودانيين" (بونا ملوال ، الشرق الاوسط ، 10/6/04). ولئن كان السيد الصادق قد أجمل وصفها "بالهشاشـة الفظـيعة" (الصحافـة ، 9/6/04) ، فقد وصفها (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) أيضاً بأنها "هشَّـة" fragile ، وذلك ضمن البيان الصحفى المرفق بتقريره الصادر فى يناير 2004م.
(2/2) المهدِّد الداخلى الآخر يتمثل فى العلاقة بين طرفى الاتفاقيَّة:
أ/ فعلى الرغم من أن تاريخ الحرب الأهليَّة فى الجنوب يعود إلى العام 1955م ، إلا أن فترتها الأخيرة منذ العام 1983م ، وعلى مدى عشرين عاماً مستمرة ، تعد أطول الفترات امتداداً فى الزمن. ولأن نظام الانقاذ ظل يخوضها خلال السنوات 1989م ـ 2002م ، ضمن تلك السنوات العشرين ، فهو يعتبر النظام الوحيد الذى خاضها لأطول مدة بلا انقطاع حتى بداية مفاوضات السلام فى مشاكوس. وهى تحديداً المدة التى شهدت تطوُّراً غير مسبوق فى قدرات الطرفين من جميع النواحى. وبالتالى فإن حجم (العدائيَّات) بينهما كبير ، والذاكرة السالبة يانعة ما تزال ، رغم أن المأمول أن تذوى وتضمحل ، فلا يتبقى منها سوى العبر الماجدة والدروس البليغة ، وبالذات على مستوى القيادات السياسيَّة والعسكريَّة.
ب/ ينتج من هذا ، فى المحصلة النهائيَّة ، أن طرفى الاتفاقيَّة هما ، فى نفس الوقت ، الطرفان الأكثر منعة من الناحية الحربيَّة ، ذاتياً وموضوعياً. فلكلٍّ قواته المشحونة شحناً بتوجيه معنوىٍّ معلوم للقاصى والدانى. وبالتالى فإن انفرادهما بالثقل الأكبر فى تطبيق الاتفاقيَّة ، مع الأخذ فى الاعتبار بالطبيعة التناحريَّة لعلاقاتهما إلى وقت قريب ، يعتبر ، بكل المقاييس ، مخاطرة بإحدى أندر الفرص النوعيَّة التى لاحت ، على علاتها ، لأول مرة فى أفق السلام والوحدة والديموقراطيَّة والتنمية. ذلك أن حالة مثل هذه العلاقة أشبه ما تكون بحالة المريض الذى برئ لتوِّه من مرض عضال ، ولكن ما زال يتعيَّن عليه أن يجتاز طور نقاهة قد يطول. فأىُّ انتكاسة فى هذا الطور تعتبر من الخطورة بمكان. وما من جهة بين الوسطاء الأجانب  بقادرة على أن تضمن عدم حدوث مثل هذه الانتكاسة التى قد تترتب على أوهى سوء تفاهم فى أدنى مستويات الانتماء أو الولاء بالنسبة لأى من الطرفين.
فهل ترانا نغالى فى التشاؤم كما قد يتبادر للأذهان؟! أليست نظرة عجلى إلى الواقع السياسىِّ من حولنا بكفيلة لإثبات سداد محاذيرنا؟! أم نحن بحاجة لسَوْق الأمثلة والتذكير ، علَّ الذكرى تنفع المؤمنين؟!
              (نواصل)
















فِى طَوْرِ النَّقَاهَةْ (2)
كمال الجزولى

(1)
(1/1) قلنا فى الحلقة الماضية أن (البترول) وهاجس (الارهاب أفريقيا ضمن أغنى احتياطيات النفط العالمى ، والارتباطات السالفة للنظام السودانى مع بن لادن) وضعا بلادنا فى عين عاصفة التدخلات الاجنبيَّة ، الأمريكية تحديداً. فبسبب تصنيف ورهطه ، سارع بوش الابن، فور توليه الرئاسة ، للاعلان عن اهتمام واشنطن (بعملية السلام)! وأنشأ الكونغرس لجنة استشارية للسياسة الأمريكية فى أفريقيا ، كما تولى (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) فى فبراير 2001م رسم خطة الانتقال إلى سياسة (التدخل الايجابى) فى السودان ، مقترحاً قيام (دولة واحدة بنظامين). وفى سبتمبر من نفس العام جرى تعيين دانفورث مبعوثاً خاصاً للسلام ، فتلاحقت الخطى للدفع بالحكومة والحركة وحدهما إلى طاولة المفاوضات مع إقصاء (الآخرين) عنها! لكن لم يفت على المراقبين ملاحظة أن الهدف الفعلى يتمثل فى خلق بيئة (صالحة!) للاستثمار (الأمثل!) لنفط البلاد من جانب الشركات الغربيَّة ، مِمَّا يستلزم إنهاء الحرب ، وإقامة حكومة (مستقرة!) ، وتقديم جملة (محفزات مفتاحيَّة) لهذا الغرض ، كالوعد بإلغاء العقوبات الأمريكية المقرَّرة على السودان ، ورفع اسمه من لائحة الدول الراعية للارهاب ، وإعفاء ديونه لبريطانيا بعد توقيع اتفاق السلام.
(1/2) وقلنا أيضاً إنه برغم إبرام الحكومة والحركة بروتوكولات السلام وفق هذه الخطة ، إلا أن (مجموعة الأزمات الدولية) كانت قد استبقت ذلك باعترافها الجهير فى ديسمبر 2003م بأن السلام المتوقع سيكون ناقصاً ـ incomplete peace (!) مثلما انقلب مركز الدراسات الأمريكى للحديث منذ يناير 2004م عن (مخاطر) تنفيذ الاتفاق ، مِمَّا يستوجب (قوات دولية لحفظ السلام)! وشبَّهنا ذلك بسيناريوهات طبقت فى بلدان أخرى ، مع عدم وجود ما يطمئن على الوطنيَّة لرفضها أنها لن تطبَّق أيضاً فى بلادنا رغم مسارعة القوى.
(1/3) وقلنا إن الخطر الخارجى ليس وحده هو ما يتهدَّدنا ، فثمة مهدِّدات داخلية على رأسها الاتفاقيَّة نفسها التى تجعل البلاد تتأرجح على التخوم ما بين (الكنفدراليَّة) و(الانفصال) ، أو (الوحدة بشعرة معاوية)! وقلنا إن فى خبرة (الكنفدراليََّة) الناجحة من أواصر النظم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وفلسفة الحكم وعقيدة (الجيش التعاهدى) وخلافه ، ما يمهِّد لتحوُّلها مستقبلاً إلى (فدراليَّة) ، كما وقع مثلاً فى سويسرا وأمريكا وألمانيا ، أو ما يتوقع الخبراء الدستوريون وقوعه بالنسبة لتجربة مجلس التعاون الخليجى والاتحاد الأوربى. أما هذه الاتفاقيَّة فتعطى (الوحدة) باليمين لتسلبها بالشمال ، علاوة على أنها تركز ، بالأساس ، على محض اقتسام السلطة بين طرفيها!
(1/4) ولمحنا فى علاقات هذين الطرفين المهدِّد الداخلىُّ الآخر. فبالنظر إلى طبيعتها التناحريَّة من حيث (العدائيَّات) المتضخمة إلى عهد قريب ، والذاكرة المشحونة ما تزال بالتوجيه المعنوى السالب على جانبى الخنادق ، فإن انفرادهما بتفسير نصوص الاتفاقيَّة ، وتأويلها تحت إشراف القوى الأجنبيَّة بأجنداتها الخاصة ، لهوَ ، بكل المقاييس ، مخاطرة بإمكانيَّة تطوير إحدى أندر الفرص التى لاحت ، على علاتها ، فى أفق السلام والوحدة والديموقراطيَّة والتنمية. وشبَّهنا حالة هذه العلاقة بحالة المريض الذى برئ لتوِّه من مرض عضال ، لكن ما زال يتعيَّن عليه اجتياز طور نقاهة قد يطول. فأىُّ انتكاسة تشكل خطورة ، وما من جهة بين الوسطاء الأجانب بقادرة على أن تضمن لنا عدم حدوث مثل هذه الانتكاسة ، سواء من أعلى أم أدنى مكامن الانتماء والولاء للطرفين! وفى ما يلى نواصل:
 
(2)
(2/1) ومع أن أعجل نظرة إلى الواقع السياسىِّ من حولنا تكفى لإثبات سداد ما سقنا من محاذير ، فلا بأس من أن نورد بعض النماذج كى (يرتعد) قليلاً قلب من لا يزال يركن (لاطمئنان) زائف:
أ/ فقبل ثلاثة أيام فقط من توقيع بروتوكولات السلام فى نيفاشا مساء 26/5/04 ، وهى البروتوكولات التى وصفها نائب رئيس الجمهوريَّة فى تنويره لمجلس الوزراء بأن الطرفين قد تجاوزا بها مرحلة انعدام الثقة بينهما (الرأى العام ، 30/5/04) ، كان إدوارد لينو ، المسئول الأول عن استخبارات الحركة ، يصرِّح للصحفيين بأن "النظام يقوم الآن بتدريب بعض أبناء الجنوب فى أجهزة الأمن والجيش لاستيعابهم وتسريبهم إلى الجيش الشعبى .. وهناك أكثر من 150 تاجراً شمالياً كانوا يعملون فى الجنوب وفقدوا أموالهم خلال الحرب ، الآن هناك تنظيم من قبل الحكومة لتمويلهم ليعودوا إلى الجنوب مرة أخرى ، ولذلك فإن النظام يريد المضى والاستمرار بذات الاساليب القديمة وليس بأساليب الصراحة والشفافية والوضوح والتفاهم .. وإذا ما استمرت هذه الحيل فسوف تؤدى إلى تفتيت البلاد وتمزيقها بصورة أوسع لن تتوقف بانفصال الجنوب بل ستمتد أبعد من ذلك!" (الشرق الأوسط ، 23/5/04).
ب/ وما كاد حبر التوقيع يجف حتى صدر فى 30/5/04 منشور (حزب التحرير ـ ولاية السودان!) ، الناشط  تحت سمع وبصر السلطة ، بل وبتشجيع منها ، ليحرِّض (المسلمين) ضد الاتفاق ، لكونه مفارق ، برأى المنشور ، لمنهج البيعة للخليفة ، حسب "أحاديث الطاعة و .. وحدة الخلافة" التى "تدلُّ على أن الخليفةَ إنما يأخذ السلطةَ بهذه البيعة .. لذلك فإن ما تمَّ في نيفاشا من تقسيم سلطة تنفيذ الأحكام بين الحكومة والمتمردين وبعضِ القوى السياسية هو إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق ، وهو غير ملزم شرعاً"!
ج/ ثم ما لبثت (جماعة أنصار السنة المحمديَّة) الموالية أيضاً للسلطة أن أصدرت بياناً حربىَّ اللهجة تتهم فيه تنظيم (الاتحاد الوطنى الأفريقى) وهو تنظيم طلابي موال للحركة الشعبية "بالاعتداء على ثلاث طالبات بجامعة النيلين والقيام بخلع حجابهن بعد أن ضربوا أحد الاخوة بصورة وحشية تصور حقد هؤلاء وبغضهم للإسلام وتعاليمه فى حادثة لم يشهدها السودان من قبل بل لا تجد لها شبها في التاريخ إلا الحادثة التي أجلى بسببها رسول الله إخوانهم اليهود من مدينته بعد ان قام أحدهم بخلع نقاب امرأة مسلمة" ، و "لقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر" ، و"إن شكل الاعتداء والصورة التي أخرج بها من خلع حجاب المؤمنات وضربهن لا يترك لنا إلا رداً واحداً تعجز الكلمات عن بيانه بل الدم الدم والهدم الهدم!" .. الخ (البيان الاماراتيَّة ، 8/6/04). وأبدى ممثل الحركة بالخرطوم استغرابه لصدور هذا البيان بعد أن أوضحوا (لأنصار السنة) ، كما قال ، أن الذين ارتكبوا الحادث لا يمتون لهم بصلة ، "ورغم هذا قدمنا لهم الاعتذار عما حدث مناشدين إياهم التحقيق والتحرى عمن ارتكب الحادث!" (المصدر).
د/ ولم يكن غبار هذا الحادث قد انجلى بعد عندما وجَّه د. قطبى المهدى ، مستشار رئيس الجمهورية للشئون السياسية ، نقداً حاداً لاتفاقات السلام و"للتنازلات" التي قدمتها حكومته ،  كما شنَّ هجوماً شخصياً عنيفاً على د. قرنق متهماً إياه بأنه "يسعى لطمس الهوية العربية والاسلامية بدعم أجنبي" (البيان الاماراتيَّة ، 8/6/04). ودعا ، فى الندوة التى نظمتها مجموعة حزب الأمة جناح مبارك الفاضل بمنتدى الامام الهادى المهدى ، إلى "وعى شعبى بعملية السلام حتى لا يصبح السودان أندلساً جديدة!" (الحياة ، 10/6/04).
هـ/ أعاد د. قطبى بهذا إلى الأذهان موقفه السابق المشابه قبيل توقيع الاتفاق ، عندما أعلن د. قرنق عن استعداده للتوسُّط بين الحكومة ومقاتلى دارفور ، فتصدى له د. قطبى معتبراً "متمردي دارفور جزءاً من الحركة الشعبية جنَّدهم باغان أموم في أسمرا وأدوا قسم الولاء لها, واعترفوا بذلك أمام الرئيس التشادي إدريس دبي في سبتمبر الماضى" (الحياة ، 28/4/04).  
و/ ثم سرعان ما جاءت تصريحات د. أمين حسن عمر ، عضو وفد الحكومة المفاوض ومسؤول الاذاعة والتلفزيون ، حول تشكيل الحكومة الانتقاليَّة ، لتصب المزيد من الزيت على نار التوتر فى علاقات الطرفين ، وذلك بقوله إن الحركة ستحظى بوزارات سيادية ليس من بينها الدفاع والطاقة والداخلية ، لأنه لم تتوفر لدى الحكومة ، بعدُ ، ثقة كافية فى الحركة (الشرق الأوسط 9/6/04).
ز/ عقب ياسر عرمان ، الناطق باسم الحركة ، على التصريحين بأن طالب الحكومة والمؤتمر الوطني بتصويبهما ، واصفاً تصريح د. قطبى "بالسلبى" ، ومنذراً بأنه إذا أصبح "ديدناً" للخطاب الرسمى "فلكل حادثة حديث"! كما وصف تصريح أمين بأنه "ينم عن غرض مريب" و"يعبر عن جهل بما تضمنه الاتفاق والأوراق التى لم يجف مدادها!" (سودانايل ، 13/6/04). أما د. قرنق فقد أطلق من جانبه أحد أعنف تصريحاته ، محذراً الحكومة من "التلاعب فى تنفيذ اتفاق السلام" , وقائلاً بلغة الدينكا أمام جمع من أنصاره فى منطقة أبيى: "إذا كانت منازلكم من زجاج فلا ترشقونا بالحجارة!" (الحياة ، 18/6/04).
ح/ وجاء الإنذار الذى أطلقه د. قرنق بأن "سكان الجنوب سيصوِّتون للانفصال اذا لم تستخدم الحكومة المركزية عائدات النفط لتحسين ظروفهم المعيشية!" (رويترز ، 11/6/04) ، بمثابة سطل من الماء البارد يدلقه فى ليلة شتائيَّة حتى على أكثر الناس حماسة له وإحساناً للظن به فى (الشمال!) مِمَّا يتعيَّن معه على أخلص مستشاريه لقضيَّة (الوحدة) إعادة النظر فى مثل هذه الافصاحات ، تحسُّباً لما قد تؤول إليه صورة المناضل الوطنى الديموقراطى الوحدوى فى أعين فقراء هذا (الشمال!) ومهمَّشيه من مختلف التكوينات الاثنيَّة غير الجنوبيَّة ، حين يرونه بعد أن اقتطع للجنوب وحده نسبة 50% من عائداته البتروليَّة وغير البتروليَّة يستدير ليهدِّد (أيَّة حكومة مركزيَّة) بالانفصال فى ما لو لم تنفق النصف الآخر على الجنوب أيضاً .. وحده! أترى سوف يُسعِدُ الرجلَ ، حقاً ، أن تتماهى صورته مع أىِّ شئ يقترب من صورة (شايلوك) فى مسرحيَّة شكسبير الخالدة (تاجر البندقيَّة)؟! ثم ألا يتناقض إنذاره هذا مع قوله السديد الآخر: "إن السلام كى يكون ذا معنى يجب أن يشمل كل أنحاء البلاد"؟! حسناً .. فكيف يكون ذلك؟! وما المطلوب إذن؟!   
ط/ ثم جاءت مشكلة (عملة الجنوب) ، حين قررت الحركة مؤخراً إصدار "جنيه السودان الجديد" (فرانس برس ، 13/6/04) ، لتكشف ، ليس فقط عن معايب الصياغات التعاهديَّة بما يفتحها على جميع الاحتمالات ، بل وعن عمق الهُـوَّة التى تفصل أصلاً بين الطـرفين! فالفقرة (14/9) من (بروتوكول قسمة الثروة) تلزم البنك المركزى بإصدار "عملة جديدة بأسرع ما يمكن" ، خلال الفترة ما قبل الانتقاليَّة ، على أن "تكون العملات المتداولة في جنوب السودان معترفا بها إلى حين إصدار العملة الجديدة بناء على مصادقة الطرفين". وهكذا يحق للحكومة أن تتمسَّك بالفهم الذى ينصرف لتفسير (التداول) بمعيار تاريخ إبرام البروتوكول ، مثلما يحق للحركة أن تتمسَّك بالفهم الذى ينصرف لتفسيره بمعيار أيَّة عملة (قائمة) أو (يجرى إصدارها) إلى حين مصادقة الطرفين على عملة جديدة يصدرها البنك المركزى فى أىِّ وقت خلال الفترة ما قبل الانتقاليَّة! لذلك ، وبالغاً ما بلغ الشدُّ والجذبُ والتعانف بين الطرفين ما بين اعتبار هذه العملة من جانب الحركة "مؤشراً لحريَّة الجنوب!" (المصدر نفسه) ، أو اعتبارها من جانب الحكومة "خرقاً للاتفاق" (الصحافة ، 16/6/04) ، فإنه مردود عليه بأن المشكلة لا تكمن فى الصياغة المعيبة للنص فحسب ، بل وفى غياب أىِّ أساس صالح لبناء تفاهم مشترك بينهما أو دعم ثقة متبادلة ، مِمَّا يمكن التعويل عليه فى تجاوز هذه العقبات ومثيلاتها مستقبلاً!
(2/2) بإزاء كلِّ ما تقدم وغيره مِمَّا وقع فعلياً ، وما يزال يقع أمام أعيننا يومياً ، وما تشير كلُّ الدلائل إلى أن وقوعه سوف يتواصل فى المستقبل المنظور ، لا يعود ثمة شك فى أن الجهة الوحيدة التى يمكن أن تحول دون أن تؤدى تناقضات الطرفين ، وحُمَّى علاقاتهما المعلولة ، إلى هدم المعبد على رءوس الجميع ، هى الجماهير المنظمة فى ، أو المتاح لها التواصل الحر مع ، الاحزاب والكيانات السياسيَّة والنقابيَّة والمدنيَّة الأخرى الفاعلة فى مفاصل المجتمع الأساسيَّة.
(2/3) من هنا تكتسب المطالبة بالاشراك الفعلى لهذه القوى مشروعيَّتها على مستوى كلِّ العمليَّات التى يفترض أن تجرى باتجاه تنفيذ الاتفاق فى مرحلة ما قبل الانتخابات على الأقل ، بل ولمعالجة مأزق السيولة التى تشوب بالأخص تحديد موعد هذه الانتخابات فى الاتفاقيَّة ، مِمَّا لا يعلمه حتى الآن سوى علام الغيوب! ففترة الثلاث سنوات المحدَّدة لإجرائها مرهونة باتفاق الطرفين على ذلك! وكم هو مثير للقلق تفسير القائد عبد العزيز الحلو (لغموض!) هذه الصياغة بأن "الزمن والضغوط لم يسعفا الطرفين يوم التوقيع!" (الصحافة ، 19/6/04) ، بقدر ما هو مثير للمخاوف أيضاً ارتباكه الملحوظ ، فى سياق نفس هذه الافادة ، ما بين تأكيده على "جديَّة الطرفين بشأن إجراء الانتخابات فى ميقاتها" ، من ناحية ، وبين تراجعه ، من الناحية الأخرى ، بقوله مستدركاً: "ولكن على القوى السياسية أيضاً أن تضغط حتى يتم قيام الانتخابات في زمانها المحدد" .. فتأمَّل!
(2/4) ولأن هذا الاتفاق لا يمكن تغييره الآن ، فالمطلوب هو إسباغ طابع قومىٍّ شامل عليه من خلال مشاركة جميع الأطرف فى التواضع على منهج محدَّد لتفسير وتأويل دلالات النصوص والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة فى البروتوكولات الستة ومراميها ، وفق أعمَّ ما عمَّمته خبرة الحركة الوطنيَّة وما يخدم أهداف السلام والوحدة والديموقراطيَّة والتنمية. ولأجل هذا الغرض لا بد أولاً من ترتيب الوسط الملائم للحراك السياسىِّ المعافى برفع حالة الطوارئ فوراً ، وإلغاء كل القوانين المقيِّدة للحريات العامة والحقوق الأساسيَّة ، وتأسيس منبرين عامَّين لا يُستثنى منهما أىُّ طرف: أحدهما لمعالجة أدواء (ثنائيَّة) الاتفاق (قوميَّاً) ، والآخر لمعالجة مشكلة دارفور .. وبأعجل ما تيسَّر ، فقد احتقنت البلاد بما يكفى من سياسات الاقصاء والتهميش ، والقمع المباشر والمستتر ، والانتهاك المادى والتشريعى ، وكلِّ صور الاستعلاء والزراية بالآخرين ، فما قبضت من ورائها غير الريح ، وما عادت عليها إلا وبالاً!
(إنتهى)     

شَريعَلْمَانيَّةُ الدَّوْلَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

وددت لو ان هيئة علماء السودان كانت أكثر دقة مِمَّا فعلت فى بيانها بعنوان (مبادرة هيئة العلماء لتحقيق السلام وتثبيت الشريعة بالسودان) ، والمنشور كإعلان مدفوع الأجر على الصفحات الأولى لصحف الخرطوم صباح 17/5/2004م.
مضمون البيان أن الهيئة تقدمت (بمبادرة) لحلحلة الخلاف حول وضع التشريع فى العاصمة القوميَّة بين وفدى مفاوضات السلام فى نيفيشيا. وأنها قامت قبل ذلك بمشاورات أفضت إلى (رأى موحَّد) بين الهيئة من جهة ، وبين أنصار السنة والاخوان المسلمين وكيان الانصار  وعدد من الافراد يمثلون اتجاهات اسلاميَّة عريضة من الجهة الأخرى.
وفحوى الرأى المدعى بتوحُّده "أنه لا مجال للتراجع عن تطبيق الشريعة فى الولايات الشمالية حيث لا خيار لأى مسلم سوى الاحتكام إلى الشريعة ، وإذا حكم الحاكم بغيرها كان كافراً أو فاسقاً أو ظالماً ، وأن الخرطوم هى عاصمة الدولة الاسلاميَّة وهى أرض الاسلام والمسلمين. وأن مجرد الحديث عن علمانيتها قول مرفوض تسقط ولاية من يقول به ، وأن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة .. لا يقول به جاهل ناهيك عن عالم وهو مرفوض شرعاً بل وفى القوانين الوضعيَّة .. ثم نظرت الهيئة فى التطبيق الشخصى للحدود على غير المسلمين ورفضت هذا الخيار ، لكنها تركت للقاضى أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم".
ويمضى البيان ليوحى بأن الهيئة (بادرت!) من تلقاء نفسها بالسفر ، بعد بلورة هذا الرأى ، للاجتماع بالوفدين لإبلاغهما به ، فلاقى استجابة كريمة منهما ، وكانت "الخلاصة فيما يتعلق بالشريعة أنها ثابتة فى العاصمة بكاملها وبالقانون الموجود حالياً" ، كما أعلن د. جون قرنق أنهم "تخلوا عن فكرة علمانيَّة الدولة وعلمانيَّة العاصمة وثنائيَّة القانون ، إلا أنه طلب ضمانات على حفظ حقوق الأقليَّات غير المسلمة ، وتجرى الآن المفاوضات حول هذه النقطة".
أول مظاهر عدم الدقة فى هذا البيان أنه يصوِّر ما جرى من استدعاء نائب رئيس الجمهورية لعدد من العلماء للحضور إلى نيفيشيا بناءً على طلب د. جون قرنق ، فى إيماءة علاقات عامة واضحة لكل ذى عينين ، بأنه (مبادرة) من هيئة العلماء أفضت إلى حل مشكلة الخلاف على التشريع فى العاصمة القوميَّة! ولكن الحقيقة البسيطة التى أزاح الستار عنها عضو الوفد الشيخ عمر يوسف حمزة ، فى حديثه إلى الكاتب الصحفى د. عبد اللطيف البونى ، هى أن د. قرنق شاهد شيخ الهدية يتحدث فى التلفزيون عن الشريعة فى العاصمة ، فطلب من الأستاذ علي عثمان أن يوصله به ، فقام الأستاذ على بتكبير الفكرة طالباً وفداً من العلماء لزيارة مكان التفاوض (الصحافة 17/5/04) ، فأين (المبادرة) هنا؟!
المظهر الآخر لعدم الدقة إيحاء البيان بموافقة (كلِّ) الكيانات الاسلامية التى جرت مشاورتها ، ومنها كيان الأنصار ، على الرأى الفقهى المشار إليه. ولما كان من المعلوم أن (كلَّ) هذه الكيانات موالية للنظام ، ما عدا كيان الأنصار ؛ ولما كنت قد علمت من الشيخ عبد المحمود أبو ، الأمين العام لهيئة شئون الانصار ، أن خيارهم هو (التطبيق الشخصى) للقوانين المستمدة من الشريعة الاسلاميَّة ، بصرف النظر عن أىِّ جدل يمكن أن يثيره هذا الرأى ، فقد بدا لى مستغرباً الزعم فى البيان بأنهم وافقوا على الرأى القائل بأنه ".. لا يمكن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة" ، دع أن يوافقوا على وصف موقفهم هذا بأنه ".. لا يقول به جاهل ناهيك عن عالم"!
وللوقوف على جليَّة الأمر أجريت محادثة هاتفيَّة صباح 22/5/04 مع د. محمود مصطفى المكى ، عضو الأمانة العامة للكيان وأستاذ القانون الدولى بجامعة أم درمان الاسلاميَّة ، الذى أوضح لى أنه وعضوين آخرين هما الأستاذ محمد المهدى والدكتور عبد الرحيم آدم كانوا ، قبل سفر الوفد إلى نيفيشيا ، قد لبوا باسم الأمانة العامة دعوة للاجتماع بمنزل د. محمد عثمان صالح ، الأمين العام لهيئة العلماء ، للتداول فى أمر (تطبيق الشريعة على غير المسلمين فى العاصمة القوميَّة). فى ذلك الاجتماع استعرض مولانا محمد ابراهيم محمد ، قاضى المحكمة العليا وعضو هيئة العلماء ، عدة خيارات فقهيَّة فى هذا الشأن ، من بينها رأى الشافعى القائل بأن للامام أن يطبق الشريعة على غير المسلمين ، إن هم طلبوا ذلك ، أو لا يطبقها. وقد استحسن الحضور هذا المذهب ، كما لخص د. عبد الرحيم آدم رأى كيان الأنصار القائم فى (التطبيق الشخصى) ، والذى ينسجم فى جوهره مع مذهب الشافعى من حيث إمكانيَّة عدم تطبيق الشريعة على غير المسلمين فى كل السودان ، لا فى العاصمة وحدها.
لكن ، ولئن كان رأى الشافعى قائماً فى مستوى التشريع الموكول لبعض سلطة (الدولة/الامامة) ، فإن أخطر ما فى الرأى الذى خلصت إليه هيئة العلماء أنه قائم فى مستوى عمل (القاضى الفرد) ، كونه يترك لكل (قاض!) على حدة "أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم"! وهكذا فإن للمحكومين ، مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، أن يحتشدوا رعباً حتى أسنانهم ، حين يتصورون قاضيين فى محكمتين متجاورتين يحاكمان متهمين بارتكاب نفس الفعل ، وفى نفس الظروف والملابسات ، وببينات متشابهة حدَّ التطابق ، فيترك المشرِّع لكل منهما أن يحدِّد وجه (المصلحة الشرعيَّة) حسبما (يروقه) من (أقوال الفقهاء)!
مهما يكن من شئ ، فإن الثابت أن زيارة وفد الهيئة إلى نيفيشيا جاءت لاحقة على تنازلات الحركة تباعاً بشأن التشريع فى العاصمة: تنازلت أولاً عن مطالبتها بعاصمة خالية من الشريعة ، ثم خفضت مطالبتها إلى عاصمة محكومة بقانونين ، ثم ارتضت تحكيم الشريعة فى العاصمة التابعة (للشمال) وفق بروتوكول مشاكوس المبرم فى 20/7/02 ، على أن توفر (ضمانات) لغير المسلمين فيها. وتقديرنا أن أىَّ (ضمانات) يمكن تصوُّرها لا بد أن تجئ فى إطار (تشريعى) ، مِمَّا سوف يعنى عملياً تطبيق قانونين فى العاصمة ، أو بعبارة أخرى: إعتماد التطبيق الشخصى!
على أن ما يشدُّ الانتباه بأقوى من مجرَّد إبرام هذا الاتفاق الثنائىَّ بين الطرفين هو انتفاء (التكأة) القديمة ، من الآن فصاعداً ، لدى تيار (عقلانيَّة البداهة) المتثائبة وسط انتلجينسيا الجماعة المستعربة المسلمة ، مِمَّن ظلوا يقاومون مشروع الدولة الدينيَّة ، لا من حيث مصادمته لروح الاسلام ومقاصده الجوهريَّة ، وإنما من زاوية المنافحة عن (حقوق غير المسلمين) ، فلكأن المشروع كان من الممكن أن يعتبر صائباً فى ما لو لم يكن ثمة (غير مسلمين) فى البلاد! والحق أن هذا المنهج الملتوى ظل يوفر دائماً الفرصة تلو الفرصة لدمغ أصحابه من جانب خصومهم باعتبارهم يتحرَّكون فقط فى خلفية (الأهواء الذاتية) ، كمحض (هوائيين) مَتهومين فى دينهم وأخلاقهم! فقد وصفهم د. الترابى ، مثلاً ، بأنهم ".. منافقون مارقون من بين صفوف المسلمين .. يتصنعون الغيرة على حقوق المواطنة .. وأنهم بحماية الأقلية غير المسلمة فى الجنوب يريدون أن يلقنوا تلك الأقلية لتعبر عن (أهوائهم) التى لا يستطيعون أن يفصحوا عنها" (من محاضرة له عن تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان ـ ضمن عبدالله على ابراهيم ، الثقافة والديموقراطية فى السودان ،  ط 1 ، دار الأمين ، القاهرة 1996م ، ص 25). ولعل الأنكى أن ذلك المنهج الكاسد لم يجتذب حتى تعاطف من ظل يزعم الدفاع عن حقوقهم ، فليس نادراً ما ارتفعت وسط (إنتلجينسيا غير المسلمين) تعبيرات متضجِّرة من أنهم ليسوا على استعداد لأن يخوضوا (لأولاد العرب المسلمين) معركتهم (بالوكالة!) ، بل وقد يرغبون فى رؤيتهم متمتعين أولاً بحقوقهم فى الاعتقاد والرأى وأنواع الشغف الأخرى قبل أن يصدِّقوا أطروحتهم هذه (المصدر).
لذلك ، ولأن (رُبَّ ضارة نافعة) بحق ، فمن شأن هذه الصفقة الثنائيَّة التى تطلق يد تيار الدولة الدينيَّة فى شمال السودان وحده أن توقظ تيار (عقلانية البداهة) وسط المستعربين المسلمين من غفوة الهشاشة الفكريَّة القديمة ليدرج فى مراقى الوعى بذاته ، وبمكوِّناته الثقافيَّة ، وبمرجعيَّته المتوطنة فى قلب تربة الاسلام ، والقائمة ، بالأساس ، فى الاعلاء من شأن العقل والكرامة والحرية والمساواة والشورى والعدالة الاجتماعية وتمييز ما هو (دين) عما هو (دنيا) جرياً على الحديث الشريف: (مَا أَمَرتُكُم بِشَئ مِن دِينِكُم فَخُذوه ، أمَّا مَا كانَ مِن أَمْرِ دُنياكُم فأَنْتُم أَدْرَى بِهِ) ـ رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل.
وهكذا ، فإن مشهد النزاع الرئيس مرشح ، من الآن فصاعداً ، لأن يتركَّز ، لا على وقائع العلاقات المأزومة بين (المسلمين) و(غير المسلمين) ، بل على صراع الفهوم والسياسات شديدة التعدُّد والتباين وسط الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها بشأن جليَّة موقف دينها وثقافتها من هذه القضايا بالأساس ، بصرف النظر عن حقوق غير المسلمين فى البلاد ، على ما هى عليه من خطر وأثر.
المظهر الثالث لعدم دقة البيان تخليطه الواضح بين مفاهيم (الدولة) و(الاقليم) و(العاصمة) فى إعلانه ألا تراجُع عن الشريعة فى (الشمال) ، حيث لا خيار لأى (مسلم) سوى الاحتكام إليها ، وإذا (حكم الحاكم!) بغيرها كان (كافراً أو فاسقاً أو ظالماً) ، وأن (الخرطوم) هى (عاصمة الدولة الاسلاميَّة!) وهى (أرض الاسلام والمسلمين!) ، وأن مجرد الحديث عن (علمانيتها) قول مرفوض (تسقط!) ولاية من يقول به ، كما وأن الكلام عن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة لا يمكن أن يصدر عن جاهل ناهيك عن عالم!    
حسناً! لنتجاوز سخونة العقل السجالى هذا كى ننفذ ، على الأقل ، إلى برودة المنطق الشكلى ، دع الشرعى ، وفق المواضعات نفسها التى تجترحها هيئة العلماء ، وذلك على النحو الآتى:
1/ (فالسودان) ما يزال ، وإلى حين إشعار آخر ، (دولة) موحَّدة بحدود عام 1956م.
2/ و(الجنوب) ما يزال ، إلى حين إشعار آخر ، مجرَّد (إقليم) فى هذه (الدولة) وليس (دولة أخرى مستقلة).
3/ فإذا كانت (الخرطوم) هى (عاصمة الدولة الاسلاميَّة) ، بمنطق البيان نفسه ، فإن (السودان) هو تلك (الدولة الاسلاميَّة).
4/ وإذا كانت (الدولة الاسلاميَّة) هى (أرض الاسلام والمسلمين) ، فالمقصود هنا إذن (دولة السودان) كلها ، بجميع (أقاليمها) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، لا (العاصمة) وحدها.
5/ وبالتالى ، إذا لم يكن ثمة خيار لأىِّ (مسلم) سوى الاحتكام إلى (الشريعة) ، فإن ذلك ينطبق على أىِّ (مسلم) فى أىِّ (إقليم) من هذه (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، وليس فى (الشمال) فحسب أو (العاصمة) فقط.
6/ وإذا كان على (الحاكم) أن (يحكم) فى (الدولة الاسلاميَّة) وجوباً (بالشريعة) ، وإلا كان (كافراً أو فاسقاً أو ظالماً) ، فإن هذا ينسحب على أىِّ (حاكم) لا يطبق (الشريعة) فى أىِّ (إقليم) من (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب).
7/ وإذا كان مجرَّد (الكلام) عن تطبيق (العلمانيَّة) فى عاصمة (الدولة الاسلاميَّة) يسقط (ولاية) من يقول به ، فإن (إقرار) هذه (العلمانيَّة) فعلياً وعملياً على (إقليم) بأكمله من (أقاليم) هذه (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، أوجب (لإسقاط) تلك (الولاية)!
8/ أما القول الغليظ بأن (الحديث) عن تطبيق (قانونين) فى (منطقة جغرافيَّة واحدة) لا يمكن أن يصدر عن (جاهل!) ناهيك عن (عالم!) ، فإنه أنشوطة منطقيَّة تلفها هيئة (العلماء!) بنفسها، للغرابة ، حول عنقها ، من حيث لا تدرى أو ، للدقة ، من حيث تسهو فيفلت منها ، دون إرادتها ، شيئاً من المسكوت عنه لديها! ذلك ، ببساطة ، أن الهيئة الموقرة قد غفلت عن حقيقة أن (المنطقة الجغرافيَّة الواحدة) ليست هى (الخرطوم) فحسب ، بل (السودان) كله الذى ارتضت الهيئة تطبيق (قانونين) فيه .. بسلاسة!
والآن ، ولكى يكون موقف هيئة العلماء متسقاً ، وحتى تنضبط البنية المنطقيَّة للذهنيَّة الرابضة خلف بيانها ، فإن أمامها أحد خيارين لا ثالث لهما: فإما أن تفتى (بتحريم) بروتوكول مشاكوس الاطارى لسنة 2002م ، كونه استثنى (الإقليم الجنوبى) بأكمله من (حكم الشريعة) ، فأضحى القانون المطبق فى (الدولة الاسلاميَّة) لا هو (الشريعة) ولا هو (العلمانيَّة) ، بل (الشريعلمانيَّة!) ، أو أن تقِرَّ بأن تلك كلها ترتيبات سياسيَّة تفرضها أوضاع دنيوية ، فترفع يدها عنها وتتركها لمنطق السياسة الدنيوية وموازناتها. ولعل فى ذلك شيئاً مِمَّا ذهب إليه الشيخ آدم أحمد يوسف ، إمام مسجد السيد عبد الرحمن بودنوباوى ، بقوله فى خطبة الجمعة 14/5/2004م إن هذه القضيَّة ، بهذه الصورة ، ليست قضيَّة دينيَّة يعالجها العلماء ، وإنما هى قضيَّة سياسيَّة تعالج فى هذا الاطار من خلال المفاوضات.

***
 

زُغْبُ الحَوَاصِلْ!
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
فى حوار صحفىٍّ غير مسبوق مع أسرة د. حسن الترابى تحدث نجله عصام عن الأثر النفسى والاجتماعى لخبرتهم مع اعتقال والدهم قائلاً إنهم عانوا من هذه المسألة كثيراً ، ودفعوا ثمنها منذ صغرهم ، إلا أن قطاعات مختلفة من الناس والجيران ، بمن فيهم حتى الذين يختلفون سياسياً مع والدهم ، قد آزروهم وتعاطفوا معهم ، لدرجة أنهم كانوا يأتون إليهم أحياناً بالطعام من بيوتهم! وقال إنه يتمنى الآن لو أن والده "لم يشتغل بالسياسة أصلاً"!
وفى ذات الحوار وصفت زوجة الترابى السيِّدة وصال المهدى اعتقال رب الأسرة بأنه اعتقال للأسرة كلها ، وخاصة الأطفال ، إذ يكون تأثرهم النفسى أكثر من الكبار ، وروت كيف أن أحد أطفالها تأثر ، ذات اعتقال ، حتى أنه أصيب بحالة من فقدان القدرة على وضع قدمه على الأرض ، متمنية "لو ان الديموقراطيَّة استمرَّت .. ولم تأتِ الانقاذ!" (الأضواء ، 14/8/04).
إجتاحتنى ، فجأة ، وأنا أطالع هذا الحديث ، موجة من الأسى المتكاثف ، حين دَهَمَتنى طيوف القتلى والمُعذبين ووجوه المعتقلين السياسيين والنقابيين الذين لطالما غيَّبتهم سجون الترابى و(بيوت أشباحه) ، فتكدَّسوا بالمئات وراء أسوارها العالية ، وداخل زنازينها الخانقة ، يوم كان هو ، ردَّ الله غربته ، صاحب الدولة والصولة والصولجان ، وكان الحَوْلُ حَوْله ، والطوْلُ طوْله ، والأمر كله طوْعَ بنانه ، قبل أن يباغته حواريوه ، من حيث لم يحتسب ، بجفاء ظهر المجن ، لتنتهى به هذه الشكسبيريَّة السوداء إلى سجن أسود داخل سجن أسود يعيش فيه على الأسودَيْن .. فتأمَّل!
لقد انقضَّ الترابى ، بغتة ، بانقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، على خصومه جميعاً ليفصلهم ، بضربة سيف ، ولأزمنة متطاولة ، عن أسر ممتدَّة لا عائل لها سواهم ، وزغب حواصل لا حيلة لهم بدونهم ، ودنيا قد تقوم ولكنها لا تقعد ، يقيناً ، بغيرهم ، مِمَّا يندرج ، على نحو ما ، ضمن هموم علم الاجتماع ، وشواغل علم النفس ، ومباحث علم التربية. ولكن شيئاً من ذلك لم يكن ليندرج ، مثقال ذرة ، للأسف ، ضمن هموم الرجل المركوزة فى "التديُّن بالسياسة!" أو شواغله المحصورة فى "التمكين لحركته باختزال المجتمع كله إلى صورتها!" أو مباحثه المسدَّدة صوب "إخراج العالم بأسره من عبادة الشيطان إلى عبادة الرحمن!" أو كما قال!
كان ذلك قبل أن يفيق الرجل فى سجنه الأخير إلى لغة يفهمها الناس فيتفقون أو يختلفون معه سياسياً على بيِّنة من (كلام الدنيا) ، كقوله ، مثلاً ، عن مظالم دارفور: "إن عدد المدارس في محافظة الكاملين الصغيرة المجاورة للخرطوم أكثر من عدد المدارس في جميع ولايات دارفور الكبرى التى تفوق فرنسا مساحة!" (البيان ، 8/8/04). وهى لغة تجعلنا نخالف الابن الذى تمنى لو ان أباه لم يشتغل بالسياسة قط ، متمنِّين لو اشتغل بها ، ولكن .. فى الأرض ، وليس فى السماء!  
وإلى هذا فإن أيَّة بلاغة لتتقاصر عن الاحاطة بما أحسست به ، كأب ، من رعدة تسرى فى أوصالى بإزاء حديث الأم عن الصدمة النفسيَّة التى حدثت لأحد صغارها ذات مرَّة جرَّاء اعتقال الأب ، حتى أعجزته عن وضع قدمه على الأرض! هذا الحديث أثار لدىَّ كوامن خبرة شخصيَّة أليمة سوف تظل محفورة كالوشم فى قلبى ما حييت ، وأنتهز هذه الفرصة لأهديها للسيدة وصال.
فقد حدث أن عدت ذات مرَّة إلى البيت ، بعد أن أطلق سراحى من اعتقال إدارىٍّ تطاول لسنتين فى أحد سجون الترابى ، ليتحلق طفلاى حولى يتقافزان فرحاً ، وقد كبُرا شيئاً ، ويحجلان كقبُّرتين ضاجَّتين بشقشقة آية فى العذوبة ، وكانا قد حُرما طوال السنتين من زيارتى .. لأسباب أمنيَّة!
فجأة ، وفى غمرة تنافسهما على الاستئثار باهتمامى ، زلَّ لسان أكبرهما (أبَىْ) وهو يتسلقنى ويتشبث بعنقى مستخدماً كفيه الصغيرتين وصيحاته العالية لتحويل وجهى من شقيقته (أروى) إلى جهته وهو ينادينى بتلقائيَّة ووداعة: "عمو .. عمو"! ثم سرعان ما انتبه ، فران صمت زئبقىٌّ بيننا لبرهة قصيرة ، أفلت بعدها ضحكة مرتبكة وهو يضع سبابته بين أسنانه ويلثغ بخجل طفولى: "أعمل شنو ياخ .. الناس كلهم بقوا عمو"!
لحظتها أحسست بالصقيع يرسب فى أعماقى ، فهرعت إلى ركن قصىٍّ أخلو فيه إلى دمع هتون ، وغصَّة حنظليَّة ، وقلب يئزُّ كخليَّة نحل!   
لا أفاضل بين أبوَّة وأبوَّة ، ولا أستفظع غبناً على غبن ، ولكن ، إن كان ثمة أىُّ معنى (للسلام) ، فعلاً لا قولاً ، أو لاستشراف أىِّ أفق معقول للحوار المرتقب بين الحكومة والمعارضة ، أو للحل الوطنى الديموقراطى لقضيَّة دارفور بما يستبعِد الأجندة الأجنبيَّة ، فلا بُدَّ من إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، بمن فيهم الترابى نفسه ، ثم التواثق على نهج وطنىٍّ وآليَّة فعَّالة (للاعتراف) التفصيلىِّ المستقيم (بحقيقة) ما وقع من جرائم وتجاوزات خلال السنوات الخمس عشرة الماضية ، بما فيها سنوات سطوة الترابى نفسه ، كشرط لا غنى عنه (للمصالحة) على النموذج (الجنوبافريقىِّ) البديع ، والقائم على فكرة أخلاقيَّة بسيطة: أطلب من الجلاد أن يعترف قبل أن ترجو من الضحيَّة أن يعفو! و(العفو) فى الاسلام قيمة أخلاقيَّة تكتسى سُموَّها ورفعتها عندما تقترن (بالمقدرة) ، وغنىٌّ عن القول أن (مقدرة) الضحيَّة تبدأ فقط فى اللحظة التى يفرغ فيها الجلاد من (اعترافه)!
خطة كهذى كفيلة ليس فقط بأن تغسل من الأنفس المكدودة نزعة الانتقام السالبة ، بل وأن تقشع من فضائنا السياسىِّ كلَّ صنوف العنف مستقبلاً ، وبخاصة عنف الدولة المادىِّ والمعنوى ، بما فى ذلك مؤسَّسة (الاعتقال الادارى) و(القوانين الاستثنائيَّة) التى أثبتت التجربة العمليَّة على أقل تقدير أنها عاجزة ، فى غالب استخداماتها ، عن كسر الإرادة النضاليَّة لدى من يؤمنون بقضاياهم ويتمسكون بمبادئهم ، فهى محض طاحونة تجعجع ليل نهار دون أن تمنح السلطة (طحينها) المأمول! وأنها إلى ذلك ، ولهذا السبب بالذات ، غير جديرة إلا بمراكمة آخر ما نحتاجه: المزيد من الإحن والضغائن فى مداخل أيَّة (تسوية) تاريخيَّة مرغوب فيها! اللهم قد بلغت ، اللهم فاشهد!