كمال الجزولي

يا "لَلْخِتْيَارِ" فِى البَرْزَخِ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتْ!
جَلْسَةُ سَمَرٍ مَعَ "العَدُوِّ الاسْرَائِيلِىِّ" فِى "الصَالوُنِ الفِلِسطِينى"!
بقلم/ كمال الجزولى

(صفحة من مفكرة شخصيَّة قديمة تحمل تاريخ العاشر من سبتمبر عام 1987م. أعادنى إليها مرأى عرفات يخرج للشمس ، لأول مرة ، شاحباً ، منهكاً ، من عرينه الذى ظلَّ رابضاً فيه زهاء الثلاث سنوات ، وهو يرسل ، برغم الألم الممض ، قبلاته المرحة من على سلم الطائرة إلى شعبه الذى يبصره بالكاد من خلف هالة كثيفة من الدمع الهتون .. ودعوات ملايين القلوب والحناجر تشق عنان السماء له بالشفاء).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ "هل وصل محمود درويش أو أحمد عبد الرحمن" ؟
كان ذلك أول سؤال وجهته للاخوة ممثلى منظمة التحرير الفلسطينيَّة لدى استقبالهم لى برفقة اثنين من موظفى الأمم المتحدة بمطار جنيف ، والتى كنت قد وصلتها فى تلك الساعة المتأخرة من الليل ، على طائرة الخطوط السويسريَّة الفاخرة ، للمشاركة باسم اتحاد الكتاب السودانيين فى مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمنظمات غير الحكوميَّة NGOs حول القضيَّة الفلسطينيَّة ، بقصر الأمم ـ Palais des Nations ، خلال الفترة من 7 الى 9 سبتمبر 1987م.
كان يهمنى جداً أن التقى على هامش المؤتمر بأحد الرجلين لنحسم ، وفق اتفاق سابق ، أمر بعض المسائل المعلقة بيننا وبين الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، تطويراً لبروتوكول تفاهم مشترك كنا وقعناه معهم ، الشاعر الياس فتح الرحمن وشخصى ، بمقرِّهم فى قرطاج مطلع تلك السنة. وكان لحدب أبى عمار الشخصى ، وثقته غير المحدودة فى النفوذ المدنى لاتحادنا ، على أيام الديموقراطيَّة الثالثة ، القدح المعلى فى بلورة تلك المسائل ، وعلى رأسها مشروع (جامعة القدس بالخرطوم). وعند استقباله لنا فى الجزائر ، بمناسبة تلبيتنا الدعوة للمشاركة ، بصفة المراقب ، فى المؤتمر التوحيدى للاتحاد الفلسطينى المنشق ، حتى ذلك الوقت ، إلى ما كان يُعرف ، وقتها ، (بمجموعة صنعاء/درويش) و(مجموعة دمشق/علوش) ، وكنا أسهمنا مع آخرين فى جهود استعادة اللحمة ولمِّ الشمل ، كان لا بُدَّ أن تطربنا كثيراً إشارة القائد الاستثنائىُّ الفذ إلى أنه لمس ذلك النفوذ المدنىَّ بنفسه ، لا فى التقارير التى كانت تصله فحسب ، بل ومن خلال زياراته المختلفة للسودان بعد انتفاضة أبريل 1985م. وتذكرت ، بالفعل ، كيف كانوا يوقظوننا ، أيامها ، منتصف الليل ، ليخطرونا بأن (الختيار) وصل الخرطوم فجأة ، وأنه يسأل عنا بإلحاح ، وكان ذلك يسعدنا بصفة خاصة.
واستطراداً ، فإن من دلائل ثقته تلك أنه طلب منا ، فى لقاء الجزائر ، أن نحث منظمات المجتمع المدنى فى السودان لاحتضان مؤتمر للعمال العرب كانت المنظمة تحتاجه بإلحاح لدعم (انتفاضة الحجارة) التى كانت قد دشنت انطلاقتها الماجدة ، أوان ذاك ، للتو ، وكانت بعض (الجهات) تعمل على عرقلة انعقاده! واستطراداً أكثر ، فقد تساءلت بينى وبين نفسى ، حين سمعت منه ، مباشرة ولأول مرة ، أثناء ذلك اللقاء ، وصفه (لأطفال الحجارة) بأنهم (جنرالات) الثورة الفلسطينيَّة الجُدد: ترى كم تبلغ نسبة الشهداء من (الجنرالات) العرب (الكبار) الموشحين بالأوسمة والنياشين ، مقارنة بالشهداء من أولئك (الجنرالات الصغار)!  
ـ "درويش لم يحضر ، ولكن أحمد موجود بفندق الانتركونتننتال مقر إقامة الوفود" .. أفادنى عنصر المنظمة النشط وهو يضع حقيبتى فى صندوق السيارة.
فى الصباح كانت ردهات الفندق الفخيمة وأبهاء قصر الأمم الباذخة تغصُّ بعشرات الوجوه الفلسطينيَّة ، ولا غرو ، فأولئك هم أصحاب (العرس) ، ابتداءً من (الختيار) نفسه الذى تقرر عقد المؤتمر خصيصاً بالمقر الأوربى للأمم المتحدة لكى يتمكن من مخاطبته ، وإلى جانبه محمود عباس (أبومازن) وشفيق الحوت وأصدقاؤنا فى الاتحاد: أحمد عبد الرحمن ومحمود خزامى وكمال بلاطة وبسَّام أبو شريف وعبد الرحمن مرعى أبو فارس وحسن الكاشف وريموندة الطويل وكثيرون غيرهم.
لم أستغرب أن يحضر من (داخل الداخل) الشاعر توفيق زياد ، عمدة الناصرة ، وقتها ، وعضو الكنيست الاسرائيلى ، فقد زجَرَتْ ذلك (الاستغرابَ) قامته التاريخيَّة المديدة كأحد مؤسِّسى شعر المقاومة الفلسطينيَّة الذى لعب دور المحفز الأكبر لوجداننا ، نحن جيل التعاطى العاطفى مع القضيَّة ، بقدر ما استغربت لغياب درويش ، سيِّد الشعر العربى المعاصر بلا منازع ، وعضو اللجنة التنفيذيَّة لمنظمة التحـرير ، ورئيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، والذى كان يقيم ، أوان ذاك ، على مرمى حجر .. فى باريس ، علماً بأن الحدود السويسريَّة مع فرنسا تقع داخل مطار جنيف مباشرة! ترى ما الذى حال دون حضوره؟!
كان هنالك أيضاً ، كما كنت أتوقع ، العشرات من قيادات منظمات المجتمع المدنى العربيَّة ، وجلهم من الكتاب والسياسيين والمهنيين البارزين ، من خالد محى الدين والشرقاوى واليوسفى وأبو عيسى وحمروش وعونى فاخر إلى أديب الجادر وخيرات عبد الهادى وميَّادة عباس ومنى مكرم عبيد وغيرهم. وكان طبيعياً كذلك أن أرى أهل المنظمة الدوليَّة ومستشاريها المعنيين بالشأن الفلسطينى مباشرة: دييغو كوردوفاز ممثل الأمين العام فى المؤتمر ، وماسامبا سارى أستاذ العلوم السياسيَّة بجامعة نورث ايسترن ، وابراهيم أبو لغـد ، وجوزيف فرنر ريد ، ونسيم ميرزا وغيرهم. بل ولم تثر دهشتى حتى رؤية العضو الديمقراطى المعروف بالكونغرس الأمريكى نك جو رحال ، أو غوردون بيلنى رئيس لجنة العلاقات المشتركة والدفاع فى البرلمان الاسترالى ، أو هيث نيلسون مكارى السناتور فى البرلمان الكندى ، أو فينوغرادوف وزير خارجية روسيا السوفيتية آنذاك ، أو محمد شاقى أغوانى رئيس جامعة جواهر لال نهرو بنيو دلهى ، أو جيمس غراف أستاذ الفلسفة بجامعة تورنتو ، أو ديفيد واتكينز مدير مجلس التفاهم العربى ـ البريطانى ، أو الكثيرين غيرهم من الفرنجة والأفارقة والآسيويين من شتى الملل والنحل.
نعم ، لم يثر استغرابى رؤية أىٍّ من أولئك ، ولا وجودهم بذلك الكمِّ الهائل ، كما لم تثر دهشتى دقة التنظيم والاشراف الذى باشرته منظمة التحرير بنفسها ، بأكثر مما فعلت الأمم المتحدة ، فقد أتيح لى أن أقف ، من قبل ، على مثل هذه القدرات الرفيعة لأجهزة المنظمة الفلسطينيَّة بما يفوق قدرات كثير من الدول العربيَّة ، فى أكثر من مؤتمر وأكثر من مناسبة!
وحدها رؤية ما تنشأنا عقيدياً ، وترعرعنا عاطفياً ، وتشكلنا وجدانياً ـ نحن جيل حركة التحرُّر العربيَّة بكلِّ دوىِّ خـُطبها وجلجلة أشعارها وصداح أناشيدها ـ على تسميته (بالعدوِّ الاسرائيلى) ، وسط كل ذلك الحشد ، وبترحيب من منظمة التحرير ، هى التى أربكتنى ، وزلزلت كيانى ، وهزتنى من الأعماق! فقد كان هنالك أيضاً ماتيتياهو بيليد عضو الكنيست وأستاذ الأدب العربى الحديث بجامعة تل أبيب ، والدكتور عمنون زيخرونى المدير التنفيذى للمجلس الاسرائيلى (للسلم) الاسرائيلى ـ الفلسطينى ، وأوزى بيرنشاتين عضو المكتب السياسى لراكاح ، والذى ما أن انتهى الخِتيار من خطابه فى الجلسة الافتتاحية حتى انطلق يجمع توقيعات الاشادة به والتأييد له من عشرات الأعضاء فى الوفد الاسرائيلى الضخم الذى يضم ممثلى ما يسمى بحركة النساء الديمقراطيات فى اسرائيل ، والجبهة الديمقراطيَّة للسلام والمساواة فى اسرائيل ، وحركة تضامن الطلاب اليهود والعرب (كامباس) وغيرهم. حتى مدرخائى زانونو ، الذى كانت محاكمته تجرى وقتها سراً أمام محكمة عسكرية اسرائيليَّة ، وجد سبيلاً لتوزيع بيان باسمه فى المؤتمر ، يطالب بمحاكمة علنيَّة يستطيع من خلالها أن يوصل دفاعه للعالم (ملحوظة: تذكرون بالطبع زانونو الذى أطلق سراحه مؤخراً بعد أن انتهت مدة سجنه). وهو عالم الذرة الاسرائيلى الذى أقدم ، من موقع عمله فى المفاعل النووى (للدولة العبريَّة) ، على كشف المعلومات الكاملة عن برنامجها السِّرِّى لتطوير الصواريخ حاملة الرؤوس النوويَّة بعيدة المدى ، وفضح نواياها (العدوانيَّة) لإدخال الصراع فى المنطقة بأسرها فى العصر النووى ، مما أثار هلعها وأقام قيامتها عليه!
ولكن هذا (التواصل الحميم) بلغ ذروته عندما دُعينا ، ذات استراحة بين الجلسات ، إلى (مؤانسة) غير رسمية فى ضيافة (الختيار) بجناحه الذى يشغل طابقاً بأكمله بين طابقين مكتظين بحرَّاسه ومساعديه. ولكثرة العدد وضيق المكان ، أو ربما لأن المضيف أراد ذلك ، وجدنا أنفسنا متكدِّسين ، متلاحمين ، متزاحمين مع (العدوِّ الاسرائيلىِّ) وجهاً لوجه ، وكتفاً لكتف ، وساعداً لساعد ، داخل الصالون الصغير الملحق بالجناح ، وتحت الاضواء المتلاصفة لكاميرات الصحافة والتلفزة العالميَّة! حانت منى التفاتة فوجدت مجلسى ، مصادفة ، إلى جانب الشرقاوى ، ولم أكن تعرفت عليه شخصياً ، من قبل ، سوى للحظات ، حين قدمنى اليه أبو عيسى فدعانى لتناول القهوة وتبسَّط معى. لذلك جرؤت على أن أهمس فى أذنه بتلقائيَّة متخابثة: "أستاذ .. أوَليس فى وجودنا هنا خيانة للأمة العربيَّة"؟ أفلت ضحكة مباغتة وغمغم دون أن يلتفت نحوى: "ما تبقاش بربرى متخلف .. حنخون مين يا عمِّ واحنا ضيوفهم"؟! ثم ما لبث أن ربت على يدى بعفويَّة أبويَّة وهو يقول بإلفة حانية: "دلوقتى هنشوف من سُكات"!
وقعدنا ساكتين ، نتفرج على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت! مشهد فريد يستحيل نسيانه! الاسرائيليون يتقدمون الى حيث (الختيار) رابض كالليث فى كرسيِّه الوثير فى صدر المجلس، قترته تاج على رأسه ، وغدارته رمز فى خاصرته ، حُرَّاسه الشخصيون يتحلقون حوله بأعين صقريَّة ، و(الأعداء) يقفون بين يديه بنصف انحناءة ، يتقدَّم الواحد منهم ليقبل جبينه قبل أن يخاطبه برهبة وتبجيل وإجلال! وإن أنسى فلن أنسى ، ما حييت ، منظر ذلك النقابى العمالى الاسرائيلى القصير النحيل ، وأظنه من (السفارديم) ، ينحنى مبهوراً تماماً ، ليعتذر بصوت متهدِّج وأدب جم عن عدم إجادته للغة الانجليزيَّة ، لغة (المؤانسة) ، فإذا بالمرحوم توفيق زياد ينهض ليترجم من وإلى العبريَّة. قال الرجل (للختيار) بإيماءات أرسطوطاليسيَّة مؤثرة: "ليس العرب وحدهم هم الذين ينتظرونك يا أبا عمار ، بل ينتظرك معهم كلُّ فقراء إسرائيل وكادحيها"! حانت منى التفاتة إلى (الختيار) ، فألفيته مصبوباً فى بزته الحربيَّة كنصب جليل من المرمر النادر أنجزه مثال إغريقى قديم ، وألفيت عينيه تشعَّان بذلك الوميض الغامض أو الغموض الوامض ، وألفيت ثغره الطفولىَّ يفترُّ ، وسط أكمة شاربه ولحيته ، عن ابتسامته المعهودة التى تمزج بين الرضا والثقة والزهو والفخار.
تذكرت حينها كيف كانت قد انغرزت فى شراييننا عميقاً ، كنصل خنجر ، أنشودة فيروز والرحابنة: "وستغسل يا نهر الأردن آثار القدم الهمجيَّة". وتذكرت الهمس الذى كان دائراً حول (حوار) يجرى هنا وهناك لإقامة الدولة الفلسطينيَّة فى الضفة والقطاع ، وتذكرت كيف أجابنى شاعر فلسطينى صديق من أبناء جيلنا ، صارخاً كما الملدوغ ، حين سألته فى مقهى الفندق عمَّا إذا كان سيذهب ليعيش فى الدولة الجديدة: "أخى كمال .. بيتنا فى الناصرة ، ومفتاحه ما يزال متوارثاً ومعلقاً حتى الآن على جدار شقتى فى دمشق ، إيش اللى يودينى القطاع"؟! ثم أردف بشتيمة فلسطينيَّة فكِهة! على أن عينيه برقتا ، مع ذلك ، بإعزاز حقيقى ، وراح يعبِّر عن ثقته العميقة (للختيار) ولدرويش ، حين تطرقنا بوجه مخصوص للتصريح الذى كان أطلقه الشاعر الكبير ، قبل ذلك بوقت قصير ، عبر الصحافة الفرنسيَّة ، قائلاً: "أنا على استعداد لمحاورة أىِّ مفكر أو كاتب اسرائيلىٍّ شريطة أن يعترف بحقوق الشعب الفلسطينى غير القابلة للتصرُّف"! (ملحوظة: قد تبدو تلك العبارة الآن عادية ومفهومة تماماً ، اتفق الناس أم اختلفوا حولها ، سوى أن المسافة كانت ، يومذاك ، ما تزال جدَّ شاسعة بين تابوهات الفكر السياسى العربى وبين واقع النضال الفلسطينى على الأرض ، وكان "الحـوار" و"الحـرام" ما يزالان ، بعد ، فكرتين متلازمتين فى الذهنيَّة العربيَّة العامَّة ، وكانت (أوسلو) ما تزال نطفة تتخلق بعيداً بعيداً .. فى رحم الغيب)!
عدت أتابع وقائع (المؤانسة). وللحظتين بدا أن القلق زايلنى ، حين سطع ، بغتة ، فى ذاكرتى أيضاً وصف درويش (للختيار) ، على أيام حصار بيروت الأسطورى ، أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن المنصرم ، بأنه "صاحب الحذاء الذى يطأ جبين الشمس ، والخطو الذى يتنقل باتساع الأفق"! فما لبثت أن انتقلت إلىَّ عدوى الرضا والثقة والزهو والفخار! للحظتين فقط .. ثم سرعان ما عاودنى القلق: "مَن هؤلاء الفقراء والكادحون؟! ومَن هؤلاء الكتاب والمفكرون؟! هل واحد منهم على استعداد للتنازل ، طوعاً ، عن نصيبه فى (تركة الاغتصاب) ، والعودة ، طوعاً ، من حيث أتى ، إلى أىِّ (غيتو) فى هذا العالم الفسيح؟! أليسوا أجمعهم احتياطياً استراتيجياً (لجيش الخلاص)؟! أتراهم ، حين يلتحم (الجـمعان) ، يقولون: لا ، سنحارب إلى جانب عرفات .. المخلص الذى ننتظر"؟!
الأسئلة البسيطة فى المناخ المعقد تورث الرهق! وقد أرهقتنى ، بالفعل ، ودارت بذهنى دوراناً عنيفاً أورثنى الإعياء والنعاس ، فغفوت هنيهة ، أو هكذا بدا لى ، حتى نبهتنى حركة الأقدام والهمهمات وصوت الشرقاوى الشارق بالضحك يهمس فى أذنى: "خلاص إصحى بقى يا بربرى .. المولد خلص"!






وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينْ!
بقلم/ كمال الجزولى

(1)
(1/1) لم نكن نرجم بالغيب حين كتبنا خلال الأسبوع الأخير من مايو المنصرم متشككين فى صدقيَّة البيان الصادر عن هيئة علماء السودان بعنوان (مبادرة هيئة العلماء لتحقيق السلام وتثبيت الشريعة بالسودان) ، والمنشـور على الصفحات الأولى لصحف الخرطـوم بتاريخ 17/5/04 ، وبخاصة الجزئيَّة التى يوحى فيها بأنه نتاج مشاورات أجرتها الهيئة ، قبل إصداره ، مع عدد من الاتجاهات والكيانات الاسلاميَّة فى البلاد ، من بينها (كيان الانصار) ، مِمَّا أفضى إلى رأى (موحَّد) حول المسألة الرئيسة التى يطرحها ، وهى:
أ/ أنه لا مجال للتراجع عن تطبيق الشريعة فى الولايات الشمالية ، حيث لا خيار لأى مسلم سوى الاحتكام إليها ، وإذا حكم الحاكم بغيرها كان كافراً أو فاسقاً أو ظالماً ، فى إيماءة واضحة إلى الآيات الكريمات الثلاث (44 ، 45 ، 47) من سورة المائدة: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون" ،
ب/ وأن الخرطوم هى عاصمة الدولة الاسلاميَّة ، وهى أرض الاسلام والمسلمين ، وأن مجرد الحديث عن علمانيتها قول مرفوض تسقط ولاية من يقول به ،
ج/ وأن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة لا يقول به جاهل ، ناهيك عن عالم ، وهو مرفوض شرعاً بل وفى القوانين الوضعيَّة ،
د/ وأن الهيئة نظرت فى التطبيق الشخصى للحدود على غير المسلمين فرفضته ، لكنها تركت للقاضى أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم ،
هـ/ وأن الهيئة حملت ، من ثمَّ ، هذا الرأى (الموحَّد) إلى وفدى مفاوضات السلام فى نيفاشا  (كمبادرة) يسَّرت حلحلة الخلاف حول تطبيق الشريعة فى العاصمة القوميَّة ، حيث اقتنعت الحركة ، فتنازلت عن مطالبها بشأن علمانيَّة الدولة ، وعلمانيَّة العاصمة ، وثنائيَّة القانون ، وطلبت فقط ضمانات على حفظ حقوق الأقليَّات غير المسلمة.
(1/2) ولما كان مبلغ علمنا أن رأى كيان الأنصار مستقر على (التطبيق الشخصى) ، وأنهم طرحوا رأيهم هذا فى الاجتماع الذى تمت دعوتهم إليه بمنزل د. محمد عثمان صالح ، الأمين العام لهيئة العلماء ، بغرض التداول فى أمر تطبيق الشريعة على غير المسلمين (من محادثتين هاتفيَّتين صباح 22/5/04 ، مع الشيخ عبد المحمود أبو الأمين العام لهيئة شئون الانصار ، ومع د. محمود مصطفى المكى ، عضو الأمانة العامة للكيان وأستاذ القانون الدولى بجامعة أم درمان الاسلاميَّة) ، فقد بدا لنا مستغرباً أن يزعم البيان موافقتهم على أنه ".. لا يمكن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة" ، دع موافقتهم على وصف خيار (التطبيق الشخصى) بأنه ".. لا يقول به جاهل ناهيك عن عالم"!
(1/3) وإلى ذلك فقد انتقدنا تصوير هيئة العلماء استدعاء الأستاذ على عثمان لها إلى نيفاشا ، بناءً على طلب د. قرنق ، فى إيماءة علاقات عامة واضحة ، بعد أن شاهد شيخ الهديَّة فى التلفزيون (الصحافة 17/5/04) ، بأنه كان (مبادرة) من جانبها! وانتقدنا ، كذلك ، ما أقدمت عليه هيئة العلماء من تحوير خطير لرأى الامام الشافعى القائم فى ترك (الخيار) للحاكم فى أن يطبق الشريعة على غير المسلمين ، إن هم طلبوا ذلك ، أو لا يطبقها ، حيث قامت بنقله من مستوى عمل المشرِّع إلى مستوى عمل (القاضى الفرد) ، تاركة لكل (قاض!) على حدة "أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم"! كما انتقدنا أخيراً تخليط هيئة العلماء الواضح بين مفاهيم (الدولة) و(الاقليم) و(العاصمة) فى إعلانه ألا تراجُع عن الشريعة فى (الشمال!) ، حيث لا خيار لأى (مسلم) سوى الاحتكام إليها ، وإذا (حكم الحاكم!) بغيرها كان (كافراً أو فاسقاً أو ظالماً) ، وأن (الخرطوم) هى (عاصمة الدولة الاسلاميَّة!) وهى (أرض الاسلام والمسلمين!) ، وأن مجرد الحديث عن (علمانيتها) قول مرفوض (تسقط!) ولاية من يقول به ، كما وأن الكلام عن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة لا يمكن أن يصدر عن جاهل ناهيك عن عالم! وأوضحنا أن (السودان) كله ، وليس (الشمال) وحده ، هو (الدولة) الموحَّدة بحدود عام 1956م ، وأن (الجنوب) مجرَّد (إقليم) فى هذه (الدولة) وليس (دولة أخرى مستقلة) ، ومن ثمَّ فإن الفتاوى التى تطلقها هيئة العلماء إنما تنطبق ، أول ما تنطبق ، على بروتوكول مشاكوس (20/7/04) الذى نصَّ على تطبيق الشريعة فى الشمال والقانون الوضعى فى الجنوب ، فأجاز بذلك تطبيق (قانونين) فى (منطقة جغرافيَّة واحدة) هى السودان ، والحكم (بغير الشريعة) فى جزء من (الدولة الاسلاميَّة) التى هى السودان ، وأن ذلك كله تمَّ تحت سمع وبصر (هيئة علماء السودان) ، وبموافقتها!
(2)
(2/1) نعم ، لم نكن نرجم بالغيب ، أو نغامر بالتعويل على محض مصادر شفاهيَّة. فها هو مجلس الحل والعقد لهيئة شئون الأنصار قد أصدر بياناً مستقيماً وضافياً بتاريخ 6/6/04 ، نشر بصحيفة الأيام بتاريخ 7/6/04 ، تبرَّأ فيه من أطروحة العلماء ، ووصف إيحاءهم بأن كيان الانصار كان طرفاً فى بيانهم بأنه "يحتمل التدليس" ، و"يجانب الحق" ، و"يناقض أطروحات الكيان المعروفة"! ومضت البيان موضحاً أن مندوبين عن هيئة شئون الأنصار لبوا دعوة العلماء للتفاكر حول القوانين الجنائيَّة التى يتم تطبيقها فى العاصمة القوميَّة فى إطار سودان موحَّد ، حيث ناقش الاجتماع ورقة قدمها أحد الباحثين (لعله مولانا محمد ابراهيم محمد ، قاضى المحكمة العليا وعضو هيئة العلماء ـ الكاتب) إستعرض فيها خمسة آراء فقهيَّة. وانطلاقاً من (نظريَّة المقاصد) فى الفقه الاسلامى مال النقاش إلى رأى الامام الشافعى الذى سمَّته الورقة (مذهب الخيار) المستند إلى قوله تعالى: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً" (42 ؛ المائدة). وبما أن موقف الأنصار الثابت قائم على مبدأ (شخصيَّة القوانين) ، بمعنى أن تطبيق الحدود قاصر على المسلمين ، لكون غيرهم ليسوا مخاطبين بأحكام الاسلام الحديَّة خاصة ، فقد تطابقت الورقة التى قدَّمها وفدهم إلى الاجتماع مع رأى الامام الشافعى أو (مذهب الخيار) الذى يعنى "خيار الحاكم فى سن القوانين لتطبق على أسس شرعيَّة ، لا خيار القاضى فى الترجيح حسب ما جاء فى بيان العلماء" ، وقد انفض الاجتماع على هذا الرأى.
(2/2) وأشار بيان هيئة الأنصار إلى ما جاء فى بيان هيئة العلماء من رفض (للتطبيق الشخصى) على غير المسلمين مع ترك الأمر (للقاضى) كى يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعيَّة ، بالاضافة إلى أنه لا يمكن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة. وعلقت هيئة الأنصار على هاتين الفقرتين بقولها:
أ/ إذا كانت هيئة العلماء تقصد أنها حاورت الجماعات والكيانات ، ثم استخلصت هذه الخلاصات فهو حقها ، بشرط أن تبيِّن طرق الترجيح التى اتخذتها بين الآراء المتباينة ، فاللقاء الذى شارك فيه أعضاء هيئة شئون الأنصار لم يتم التوصل فيه إلا إلى الاتفاق على مذهب الامام الشافعى فى عدم تطبيق الحدود على غير المسلمين. أما إظهار رأيها الخاص كأنه مجمع عليه ، والهجوم على أىِّ اجتهاد مخالف ، فهو أمر غير مقبول. لا بد أن تكون منابر الحوار شوريَّة فى آليات اتخاذ القرار ، وواضحة فى تبيان تلك الآليات ، وبعيدة عن صياغات القرارات التى تحتمل التدليس على الآخرين!
ب/ رفض التطبيق الشخصى للحدود على غير المسلمين لا يستند إلى مرجعيَّة إسلاميَّة مطلقة، بل هو اجتهاد تحكمه (مصلحة) الجماعة الاسلاميََّّّّة فى سياق الظروف المحيطة. أما ترك الأمر للقاضى كى يطبق حدَّاً من الحدود على غير المسلم أو لا يطبقه ، فإن مثل هذا الرأى يؤدى إلى فوضى فى النظام القضائى. فينبغى أن يحتكم القضاة إلى نص تشريعى واحد يلتزمون به جميعاً ، لكونهم يتفاوتون فى مذاهبهم وأيديولوجياتهم واتجاهاتهم.
ج/ وأما القول بعدم إمكانيَّة تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة فهو قول يجانبه الصواب ويكذبه الواقع. ففى النظم القانونيَّة العالميَّة ، بما فى ذلك عهد (الانقاذ) ، يتم تطبيق عدد من القوانين داخل إقليم الدولة الواحدة. وأبلغ مثال قوانين الأحوال الشخصيَّة التى تطبق على المسلمين والأخرى التى تطبق على غير المسلمين. بل إننا نجد قوانين أجنبيَّة تطبق داخل حدود الدولة بجانب قانونها الوطنى. وحتى القانون الجنائى الذى يطبق إقليمياً ، فإن وضع السودان وتجربته الفريدة قد فرضا إلزاميَّته ، وهو مبدأ قانونىٌّ حديث ، غربىُّ المرجعيَّة.
(2/3) ولئن أبدت هيئة الانصار استعدادها الدائم للحوار وللمشاركة فى تكوين آليات توحيد أهل القبلة حول مواقف جماعيَّة تسهم فى التصدى لقضايا المسلمين داخل وخارج البلاد ، فقد حرصت أيضاً على التنبيه إلى أنه قد يستحيل الاجماع فى كثير من الأمور الفقهيَّة التى هى فى طبيعتها خلافيَّة وفى طبع الناس الاختلاف حولها.

(3)
(3/1) يثير هذا الاختلاف بين هيئة شئون الانصار وهيئة علماء السودان حول هذه القضية جملة مسائل قديمة متجدِّدة ، نبرز منها هنا ثلاثاً:
أ/ مسألة (المصلحة) التى عُنى بها بيان الأنصار بينما غابت من بيان العلماء. فهى ، بالحق ، من أهم وجوه النظر الفقهى لدى الصحابة الأجلاء والخلفاء الراشدين. ومن أسطع نماذجها مراكمات عمر (رض) الاجتهادية فى أعقد المعالجات أثراً ، وأكثرها خطراً ، وهو الذى قال فيه النبى (ص) عن ابن عمر: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". فمن ذلك ، مثلاً ، عدم توزيعه الأرض المفتوحة على المقاتلة ، والابقاء عليها فى أيدى أصحابها مع فرض خراجها عليهم ، برغم وضوح الآية الكريمة: "واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .." إلى آخر الآية (41 ؛ الأنفال). لقد غلب الفاروق وجه (المصلحة) فى (مقصد النص) ، توخياً للعدل تجاه الذرية والأرامل ، وتجاه الأجيال القادمة من المسلمين ، علاوة على احتياج الثغور لما تسَدُّ به ، ففرض الخراج (أنظر: كتاب الخراج لأبى يوسف ، ص 14). ومن ذلك أيضاً إلغاؤه سهم (المؤلفة قلوبهم) المنصوص عليه ضمن الآية الكريمة (60 ؛ التوبة) ، وفتواه بعدم جواز قطع يد السارق فى عام الرمادة ، وغير ذلك كثير. ولئن رأى البعض فى هذا المنهج التماساً لوجه آخر فى (فهم) النص و(تأويله) ، بأكثر من كونه (تعطيلاً) له (د. محمد عابد الجابرى ؛ الدين والدولة وتطبيق الشريعة ، ط 1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1996م ، ص 45) ، فإن ما ينبغى أن يكون مناط الاقتداء هو المنهج نفسه ، لا عنوانه.   
ب/ مسألة (التعدُّد) المشروع حتى فى مجال الفتوى التى لا تعدو كونها اجتهاداً بشريَّاً ، والتى شدَّد عليها بيان الأنصار فى خاتمته ، بينما لم يُعرها بيان العلماء أدنى اهتمام ، كونه ، فى غمرة انشغاله بمظاهرة السلطة أسقط من حسابه كلَّ نظر مغاير قد يكون له فى الخير أو (المصلحة) محتمل. ويكتسى (التعدُّد) مشروعيَّته من اختلاف الفهوم والآراء ، مما قد يفضى إلى التدافع الذى هو بعض سنن الله فى خلقه ، أى القوانين الثابتة التى يسير عليها نظام الكون "ولن تجد لسنة الله تبديلا" (62 ؛ الأحزاب) ، "ولو شاء ربك لَجعل الناس أمة واحدة ولا يزالُون مختلفين" (118 ؛ هود). ويقول ابن كثير فى التفسير: "أى ولا يزال الخلف بين الناس فى أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم". ومع ذلك فإن هيئة العلماء ما تنفكُّ تشهر سيف الفظاظة والقول الغليظ فى وجه كلِّ من يرى ما لا ترى: "فتطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة لا يقول به جاهل ، ناهيك عن عالم"! وهى وحدها التى تملك حق تقرير أن هذا "مرفوض شرعاً" وأن ذاك "مقبول ديناً"! وإن المرء ليأسى حين يذكر أن مثل هذه القطعيَّات الصنميَّة لم يتورَّع الخوارج عن إثارتها ، قبل خمسة عشر قرناً ، فى وجه الكرار نفسه كرَّم الله وجهه ، وهو ، من قبل ومن بعد ، باب مدينة العلم بحديث الرسول (ص)!
ج/ مسألة (المواطنة) ، أكثر مفاهيم حركتنا الفكريَّة والسياسيَّة خطورة ، والتى يحتفى بها بيان الأنصار ، بينما يزرى بها بيان العلماء. لقد احتفت (بالمواطنة) حتى دولة الرسول (ص) ، فما أن استقر به وبالمهاجرين المقام فى المدينة ، بحسب إبن هشام ، من ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة ، وفرغ من بناء مسجده ومساكنه ، واستجمع له إسلام هذا الحى من الأنصار ، حتى عَمَد إلى التبشير بأسس تلك الحياة الجديدة ، القائمة فى هداية (المعاملات) القرآنية ، وأولها (الإنفاق) ، وتوقى (شح) النفس ، و(إيثار) الآخر عليها ولو كان بها (خصاصة) ، وما إلى ذلك من القيم والمعانى التى أسست للمضمون الاجتماعى لدولة المدينة. وليس صدفة أن وقف يحذر الناس فى أول خطبة له هناك: ".. أيها الناس. فقدموا لأنفسكم. تعلمُنَّ والله ليُصْعَقنَّ أحدكم ، ثم ليُدَعَنَّ غنمة ليس لها راع ، ثم ليقولنَّ له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك ، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ .. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيِّبة .." (تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون ، المجمع العلمى العربى الاسلامى ببيروت ، ص 138 ـ 139). فجعل قيمة (الكلمة الطيِّبة) فى عُلوِّ قيمة (الانفاق). ثم ما لبث أن أصدر (الصحيفة) ، أو دستور المدينة ، محدِّداً إطار الدولة الوليدة بما يصلح ، سياسياً ، (لعقد التنوع) الدينى والثقافى والقبلى شديد الخصوصية والتفرُّد فى مجتمع يثرب الجـديد. فميّز ، بادئ ذى بدء ، بين أمتين: (أمة الدين) الأصغر و(أمة السياسة) الأكبر ، ثم جعل (الصحيفة) وثيقة (دستورية) فريدة لتوحيد (أمة السياسة) ، بما فيها من مؤمنين وغيرهم ، على أساس (المواطـنة) وليس (الدين). فجـرى ، بموجـب تلك الوثيقة العبقرية ، تعريف ".. المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم ، وجاهد معهم ، (بأنهم) أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم الأولى ، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة .. وبنو الحارث .. وبنو جشم .. وبنو النجار .. الخ". ثم انتقلت الوثيقة إلى تعريف (أمة السياسة) بنصها على ".. أن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم .. وأن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف ، وأن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف ، وأن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف .. وأن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ، وأنه لم يأثم إمرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم .. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة .. وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب .." (النص الكامل ضمن المصدر ، ص 140 ـ 143). فليس صحيحاً ، إذن ، الاعتقاد بأن (الصحيفة) كانت (دستوراً دينياً) لـ (المؤمنين) من المهاجرين والأنصار ، بل الصحيح أنها كانت (دستوراً سياسياً) قصد منه النبى الكريم أن ".. ينظم شئون الحرب والسلم والمال فى حياتها .. وتحدثت مواده عن تنظيم العلاقات بين (الأمم) ، الجماعات .. التى غدت مكونة لـ (أمة) واحدة بالمعنى السياسى .." (د. محمد عمارة ، الاسلام والسلطة الدينية ، ص 109).   
(4)
من غير المتوقع ، للأسف ، أن تنفطم هيئات وجماعات ولجان (علماء السودان) ، فى المستقبل المنظور على الأقل ، من هذا النمط من الأداء الفقهوفكرى. فقد ظلت تشكل دائماً بعض أهم روافع حركة الاسلام السياسى السلطوى فى السودان ، ولذا فسوف تظل تعبِّر لوقت طويل عن حلم هذه (الحركة) الذى لا يهدأ بمشروعها الثيوقراطىِّ القائم فى بنية (الاقصاء والاحلال) العدميَّة ، ورفض التحاكم لأيَّة مرجعية سوى منطق (التمكين السلطانىِّ) المتجه نحو اختزال الوطن بأسره فى صورة (الحركة) ، حتى لو اضطر لقصقصة (أطرافه) كلها حتى يجئ على مقاسها!

لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (2)
بقلم/ كمال الجزولى

 (1)
(1/1) نوَّهنا ، فى الحلقة الأولى ، بالمكانة الخاص التى تفردها مواثيق حقوق الانسان الدولية لضرورة نشر الوعى بهذه الحقوق ، باعتباره الضمانة الأكبر لحراستها ، بالاضافة للاهتمام المتعاظم الذى توليه أوسع الدوائر المجتمعيَّة المدنيَّة ، فى العالم وفى السودان ، لقضايا تعليم هذه الحقوق وتجويد مناهجها. ونفذنا ، من ثمَّ ، إلى الأهمية الاستثنائية لإدماج هذا الحقل المعرفى الحديث فى الدراسات الجامعية لما توفره من برامج أكاديمية متقدمة ، وما تتيحه من بيئة بحثية مطلوبة لتطويرها.
(1/2) ونظرنا ضمن هذا الاطار ، فى خبرة الجامعات الأوربية التى أدرجت تدريس حقوق الانسان كمادة منفصلة ضمن كليات القانون والعلوم السياسية. وأشرنا إلى أن الاهتمام الحقيقى بهذه القضية فى العالم العربى نبع من داخل المجتمع المدنى ، وبالأخص من خلال الجهود التى ظل يبذلها اتحاد المحامين العرب بالتضامن مع المنظمة العربية لحقوق الانسان وكليات الحقوق فى عدد من الجامعات فى الكويت ومصر وغيرها.
(1/3) أما فى السودان ، وتحديداً فى أعرق جامعاته ـ جامعة الخرطوم ، والتى نتخذها نموذجاً معيارياً لأغراض هذا المبحث ، فقد أشرنا إلى الغياب التاريخى لمادة (حقوق الانسان) عن برامج كلياتها المختلفة ، بما فى ذلك كلية القانون ، علاوة على ما ظلَّ يشهده سِجلها ، كما وسِجل كل مؤسَّسات التعليم العالى الأخرى ، من إنتهاك صارخ لحقوق الطلاب ، حتى وقت قريب ، فى إقامة اتحادهم ، ولحقوق الأساتذة والعاملين ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابية ، مِمَّا يتناقض ومناهج (الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه) الحديثة. وقلنا إن العمل ظل جارياً فى كلية القانون على تدريس (حقوق الانسان) ، لا كمادة منفصلة ، وإنما ضمن قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والقانون الدستورى والقانون الدولى. وأشرنا ، بوجه خاص ، إلى فرصتين لاحتا لتدريس هذه المادة باستقلال ، ولكنهما أهدرتا تباعاً: الأولى مطلع سبعينات القرن المنصرم ، عندما أوشكت الجامعة على استيعاب (نظام الساعات المعتمدة) فى برامجها لولا اصطدامها بالنقص فى هيئة التدريس بسبب الهجرة المستمرة. والثانية مع بداية ثمانينات ذلك القرن ، عندما يسَّر قبول دفعة صغيرة من القضاة المبعوثين للتحضير لدرجة الماجستير لأول مرة عام 83/84 إدراج مادة (حقوق الانسان والحريات الأساسية) ، مع التركيز على تجميع ما يتعلق بها من قوانين وممارسات وسوابق سودانية ، بغرض تأسيس (مركز) يشكل حلقة وصل فى هذا المجال بين الكلية والكليات الأخرى ، وبين الجامعة والمجتمع. إلا أن الإدارة رأت أن يكون المشروع جزءاً من (مركز دراسات السلام) الذى كانت قد سعت لإقامته آنذاك ، غير أنه لم ينجح.
(1/4) مع ذلك ، وبما أنه لا مناص من التطور ، فقد دَعَوْنا للتأمُّل فى جدوى إدراج برامج خاصة (بحقوق الانسان) ضمن المرحلة الجامعية ، ومسوِّغات الربط فى هذه البرامج بين حقل المعرفة القانونية وحقول المعارف الاجتماعية والانسانية الأخرى. ولأن هذه المسألة تحتاج ، فى رأينا ، إلى جهد جمعىٍّ يعمل على تجميع عناصرها من مختلف التخصصات والمدارس ، فقد نوَّهنا إلى أننا سنحاول تقـديم مساهمة متواضعة ، وبمنهج يقوم على إضاءة بعض المداخل ، فحسب ، صوب ما نعتقد أنه يشكل فضاءها الفكرى ، وفى ما يلى نواصل:


(2)
(2/1) للتحقق من طبيعة العلاقة التى تصِل بين هذه الحقول المعرفية نحتاج ، بادئ ذى بدء ، إلى تحديد صارم ودقيق لنسق المفاهيم والمصطلحات المستخدمة. فالحديث عن (حقوق) الانسان هو ، بوجه من الوجوه ، حديث عن (القانون) ، وإن كان لا يقتصر عليه وحده كما سيرد الحديث. ولمقاربة هذه (الحقوق) فى سياق نشأة وتطوُّر قواعد (القانون الدولى العام) ، لا بُدَّ لنا من فهم (القانون) أولاً فى نشأته وتطوُّره الداخليَّين ، باعتبار أنه يمثل ، كمؤسَّسة طبقية المضمون فى عناصرها الجوهرية ، جماع القواعد التى تقرِّرها الدولة لضبط العلاقات الاجتماعيَّة وفق أعمِّ القيم التى تعكس مصالح الطبقة السائدة اقتصادياً ، وبالتالى سياسياً. "فقاعدة القانون إنما تصدر عن الارادة الشارعة للمسيطر على الجماعة فى صورة أمر .. مقترن بما يضمن إحترامه من جزاء ، غايته الحقيقية حماية مصالح الفئة المسيطرة" (سامى عبد الحميد ، 1984م). وينتمى القانون ، من هذه الزاوية ، إلى البناء الفوقى superstructure الذى تشكل معطياته الأساسية مستوى الوعى الاجتماعى السائد. بهذه الكيفية ، وأخذاً فى الاعتبار بالبطء النسبى الذى يَسِمُ حركة التغيير فى هذا البناء ، فإن القانون يتمظهر ، شكلاً ، كقوة خارجية محايدة ، على حين أن (الدولة) التى هى توأم (القانون) ، من حيث هى الأداة التنظيميَّة الشاملة لسلطة الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصادياً ، والتعبير الأكمل عن إرادتها السياسيَّة ، تستخدِم ، لضمان إنفاذه ، ترسانة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه ، إلى الحد الذى يمكن معه القول بأن "كل نظام قانونى يعكس مبادئ النظام الاجتماعى الذى يروم تنظيمه" (فريدمان ، 1964م). وربما كان من الميسور ، ضمن هذا الاطار الفكرى ، ملاحظة الفارق بين طلاقة التوقير التى تحظى بها ، فى المجتمعات البدائية أو شبه البدائية ، قواعد السلوك العام المرعية بالتراضى ، ومكانة الشيوخ المسلم لهم عن طيب خاطر بمراقبة ذلك ، وبين الكلفة العالية (لفرض) هذا (الرضاء) من جانب جهاز الدولة فى المجتمعات الحديثة نسبياً.
(2/2) بهذه الدلالة يمثل القانون مؤسَّسة اجتماعية ، أى شكلاً تاريخياً تفرض الطبقة السائدة بموجبه رؤيتها لحقوق وواجبات الأفراد والجماعات فى شتى مجالات العمل وروابط العائلة وعلاقات الملكية وما إلى ذلك ، وفق قواعد معيّنة تتحدَّد بأسلوب الانتاج فى المجتمع ، وطابع العلاقات بين مختلف طبقاته وفئاته وشرائحه. ولذلك فهو مفهوم ملتبس ، يعبِّر بشكل قامع ، من جهة ، عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء من المجتمع ، بينما يزعم ، من الجهة الأخرى ، قدرته على الإحاطة بكل قيم ومثل هذا المجتمع. لذلك ، وعلى حين يجرى تصوير القانون كأداة خارجية محايدة ، تعبر عن الجميع ، وتنتصب فوق الجميع ، وتحوز على قبول الجميع ، لتحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعيين ، فإنه ، فى حقيقة الأمر ، يشكل ساحة صراع اقتصادى سياسى واجتماعى تاريخى (للمزيد حول هذه الفقرة والفقرة (3) أدناه راجع: كمال الجزولى ، 2000م).

(3)
(3/1) ولأن (العدالة) تأتى على رأس المعايير التى تنضبط بها معادلة (الحق والواجب) فى الذهنية والوجدان العامَّيْن ، بحيث تضمن السلطة قدراً معقولاً من القبول بتلك القواعد الحقوقية فى علاقات الناس فيما بينهم ، من جهة ، وفيما بينهم وبينها من الجهة الأخرى ، وهى علاقات اقتصادية سياسية فى المقام الأول ، فمن اللازم إذن التمييز بين مفهومى (القانون) و(العدالة) من زاوية عمل السلطة ومشرِّعيها ، لا من زاوية عمل القاضى المستقل بالطبع. ذلك أنه إذا كان القانون أداة ضبط سلطانية ، وأن نصوصه تتنزل على الأغلبية ، كما أشرنا ، دونما اعتبار لإرادتها ، توهُّماً من عند السلطة بأن (العدالة) سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، فإن (العدالة) ، فى حقيقتها ، نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، و".. شعور كامن فى النفس يكشف عنه العقل السليم ، ويوحى به الضمير المستنير" (كمال عبد العزيز ، بدون تاريخ). وعند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا خاطب وليم تمبل كبير أساقفة كنتربرى قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة" (لورد ديننج ، 1982م). وإذن ، فالنزوع إلى العدل وكراهة الظلم أمران متجذران فى عمق الفطرة الإنسانية ، وقد جرى التعويل عليهما دائماً ، عبر كل مراحل تطور المجتمعات البشرية ، لمواجهة القمع السلطانى الذى هو طبيعة متأصلة فى القانون ، والتخفيف من غلوائه فى كثير من الحالات ، بل وكسره فى غير القليل منها.
(3/2) ومن ثمَّ ، فإن أكثر التيارات سلطوية فى العصر الحديث أصبحت تعى ، ولو من باب الحرص على استقرار سلطتها نفسها ، ضرورة ألا تصطدم القاعدة القانونية بشكل مباشر وصارخ ، فى أىٍّ من سياقيها التشريعى أو القضائى ، بروح المجتمع ، أو بتطلعات المحكومين فيه إلى الحياة الأفضل ، أو بنضالات الأقسام المتقدمة منهم لخلق الوجود المغاير ، وأن تنفتح ، بقدر أو بآخر ، لاستيعاب تصوراتهم الفطرية عن الخير والشر ، الصواب والخطأ ، الجمال والقبح ، الرذيلة والفضيلة .. الخ.

(4)
(4/1) ولئن كان علم القانون معنياً ، عموماً ، بدراسة مصادر وميكانيزمات عمل القواعد القانونيَّة ومعاييرها المتغيَّرة ، من خلال فروعه التقليدية التى يشكل كل منها ، بدوره ، علماً قائماً بذاته ، كالقانون الجنائى والمدنى والادارى والدستورى والدولى وقوانين الاجراءات والاثبات .. الخ ، فإن أغلب هذه الفروع أضحت تتشقق هى نفسها ، مع التطور الاقتصادى والسياسى والعلمى والتقنى الهائل فى كل مستويات البنى الوطنية والاجتماعية والدولية وغيرها ، إلى مباحث مستقلة يتجه كل منها لتأسيس علم أدق ، من جهة ، وأوثق ، من الجهة الأخرى ، بمنظومة الدراسات والبحوث العلمية فى حقول الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والدين والأخلاق والفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية التى تشتغل على خلفيَّة تلك المصالح والإرادات المصاغة فى صورة هذه القواعد القانونيَّة.
(4/2) ولمَّا كان ذلك كذلك ، فإن مِمَّا يمحق ، يقيناً ، أية فائدة مأمولة من وراء أى درس فى القانون الخطة الكاسدة التى تنتزعه من مجاله الطبيعى ، كعلم إنسانى يتكامل مع سائر هذه العلوم الانسانية بأكثر من وشيجة معرفية وفلسفية ومنهجية ، لتحيله إلى محض برنامج دراسى معزول فى قشور فنياته TECHNICALITIES ، من شاكلة التصنيف الكرونولوجى البحت لبروز القاعدة القانونية ، دون اعتبار لأهمية السبر التاريخى لخلفية هذا البروز من الجوانب الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية ، وكذلك توصيف بنية المادة ، وعناصرها ، والنطاق الجغرافى لانطباقها ، ومدى تأثير نفوذها على أى تشريع آخر ، وما إذا كانت أحكامها وجوبية أم جوازية ، وما إذا كان القانون نفسه ، الواردة ضمنه ، عاماً أم خاصاً ، وما إلى ذلك.
(4/3) وإذن ، لئن كان من غير الممكن ، من جهة ، تصوُّر (القانون) بدون (المجتمع) و(الدولة) ، والعكس صحيح ، فمن غير الممكن ، من الجهة الأخرى ، تصوُّر معرفة (القانون) بمعزل عن أىِّ قدر من معرفة (العلوم الاجتماعية والانسانية) الأخرى التى يشكل (المجتمع) و(الدولة) محورها ، والعكس صحيح أيضاً.

(5)
(5/1) وقد أدى اضطلاع الدولة بوظائف خارجية ، فى مرحلة محددة من تطوُّر المجتمعات الانسانية ، إلى ظهور وتطور (العلاقات الدولية) ، الأمر الذى أفضى ، بدوره ، إلى ظهور وتطور (القانون الدولى) منذ القرن السابع عشر ، بخاصة ، وحتى العصر الحالى ، كفرع مستقل فى علم القانون ، وكجملة من قواعد السلوك التاريخية المتغيِّرة ، والمنظِمة للعلاقات الاقتصادية السياسية بين الدول ذات السيادة SOVEREIGNTY  ، والتى اعتبرت ، على يد الفقيه جروتياس وغيره من مؤسِّسى القانون الدولى الكلاسيكى ، بمثابة الأشخاص الرئيسة فى حقل العلاقات الدولية والقانون الدولى ، كما اعتبرت الاتفاقيات والمعاهدات بينها ، ثنائية كانت أم جماعية ، بمثابة المصدر الرئيس (للقاعدة الدولية).
(5/2) وإذا كان القانون الداخلى يستند فى إنفاذ قواعده إلى تدابير الجزاء ، كما سلفت الاشـارة ،  فإن القانون الدولى يستند بالمقابل ، كنظام وضعى ، إلى وسيلة إخضاع قـد تبدو ، للوهلة الأولى ، كما لو كانت مُشرعة فوق جميع الدول ، غير أنها ، فى حقيقتها ، نتاج الرغبة الذاتية فى عدم التخلف عن المشاركة فى الأشكال الجماعية لصون تلك القواعد بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ، كاتفاقيات التعاون المشترك ومعاهدات عدم الاعتداء .. الخ (ف. ليسوفسكى ، 1970م). ومع ذلك فلا يصحُّ إطلاق القول بتخلف الجزاء فى حقل القانون الدولى الذى يعرف هذا التدبير أيضاً ".. كعنصر جوهرى من عناصر القواعد الوضعية المكوِّنة له" (سامى عبد الحميد ، 1984م) ، بل إن النظام القانونى الوضعى لا يقوم ، أصلاً ، "إلا إذا كانت هناك جزاءات مادية تضمن احترام نصوصه" (سرحان ، ضمن المصدر).
(5/3) وفى عصر تكوُّن القانون الدولى كانت العلاقات الدولية محصورة فى مجموعة صغيرة من الدول (أوربا وأمريكا) ، بينما كانت بقية العالم موزعة بين دول معزولة عن مجرى هذه العلاقات ، كاليابان ، وبين بلدان ترزح تحت التبعية للسيادة الأوربية. ولم تكن حتى تلك المجموعة الصغيرة ، والتى قامت على علاقاتها أسس القانون الدولى المعاصر ، لتهتم بالشؤون الداخلية لبعضها البعض ، بحكم طبيعة أنظمتها وأيديولوجياتها (ملوك ودوقات وحكام جمهوريات مدن .. الخ). ولذلك فقد اقتصرت قواعد القانون الدولى القديم على العلاقات الدبلوماسية لجهة حَلحَلة مسائل السيادة على الأقاليم ، وتنظيم الحروب ، والاعتراف بالحكومات ، والحصانات الدبلوماسية ، والأوضاع القانونية لعرض البحار ، وما إلى ذلك (فريدمان ، 1964م).
(5/4) أما حقوق الأفراد فقلما كانت ترد ضمن اهتمامات القانون الدولى التقليدى ، كحماية رعايا الدول فى أراضى الدول الأخرى مثلاً (المصدر نفسه). وحتى الحرب العالمية الأولى لم يكن المجتمع الدولى قد أقرَّ سوى عدد محدود من الاتفاقيات التى تلامس حقوق الانسان ، كتحريم الرق والقرصنة ، بالاضافة إلى بعض القواعد التى تنبغى مراعاتها أثناء الحروب بموجب إتفاقيات لاهاى لسنة 1899م و1907م. وأخيراً أقرَّ الفقه الدولى التقليدى مشروعية التدخل من أجل الانسانية ، وإن كان ذلك قد اعتبر فى مصلحة الدول الكبرى وعلى حساب الدول الصغرى (علوان ، 1989م).

(6)
(6/1) لكن ، وعلى الرغم من أن علم القانون الدولى ما زال يشتغل ، بصورة رئيسة ، على نظام العلاقات الدولية ، إلا أن التغيرات الهائلة فى بنية هذه العلاقات منذ جروتياس حتى العصر الحاضر ، تطلبت إعادة فحص أسسها السياسية والاجتماعية ضمن التطور الذى جرى على صعيد بنية العلاقات الوطنية (الداخلية) أولاً ، وبشكل ملحوظ منذ القرن الثامن عشر ، قبل أن يمتد إلى بنية العلاقات الدولية لاحقاً ، ليترك أثره الواضح على بنية القانون الدولى الحديث أيضاً ، وبالضرورة.
(6/2) ومن أهم النتائج المترتبة على تلك المراجعات ما توصل إليه فقهاء وكتاب القانون الدولى (فريدمان ، 1964م مثلاً) ، حول تصاعد الصراع الوطنى والاجتماعى ، والانقسام الأيديولوجى ، والأحداث الثورية العظمى خلال القرنين الماضيين ، منذ الثورة الأمريكية ، وبخاصة إعلان الاستقلال عن انجلترا لسنة 1776م ، والتعديلات العشرة الأوائل على الدستور الفيدرالى لسنة 1791م ، والثورة البرجوازية الفرنسية وما نتج عنها من إعلان حقوق الانسان والمواطن لسنة 1789م ، وتطويره لاحقاً فى الدستور الفرنسى لسنة 1848م ، بالاضافة إلى مرسومى (الأرض) و(السلام) اللذين تمخضت عنهما ثورة أكتوبر 1917م الاشتراكية فى روسيا. لقد أثر ذلك كله على تطور الأنظمة السياسية ، وجرت تحوَّلات ديموقراطية عميقة ، وظهرت دول إشتراكية سرعان ما ارتقت إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى ، وصعدت حركات التحرر الوطنى التى أفضت إلى انهيار النظام الاستعمارى القديم ، وحصول الشعوب المستعمرة على استقلالها السياسى ، وتنامى مطالبتها بحقها فى المشاركة بثروات العالم وموارده الطبيعية ، وظهور المزيد من الدول الجديدة ذات السيادة فى مجرى العلاقات الدولية الذى لم يعد حكراً على الملوك والشرائح الارستوقراطية العليا ، بل أخذ يرتبط بالعمليات الدستورية والسياسية الداخلية ، وأصبح توجيه الشؤون الخارجية خاضعاً للرأى العام والمناقشات الواسعة فى الصحف ووسائل الاعلام المختلفة.
(6/3) وتبعاً لذلك لم يعد الامتياز الحكومى مطلقاً حتى فى مسائل الشؤون الخارجية والدفاع ، بل مقيداً بدساتير مكتوبة تصدرها السلطة التشريعية لممثلى الشعب المنتخبين فى البرلمان ، فأصبحت علاقة القانون (الدولى) بالقوانين (الداخلية) فى كل دولة عصرية مسألة سياسية وقانونية عامة فى المقام الأول. ومن ثمَّ أصبحت العلاقات الدولية موضوعاً مشاعاً للفلسفات السياسية الرئيسة المتصارعة حول محدِّدات السلطات الحكومية وحقوق الشعوب والأفراد فى التعبير والتنظيم والتعليم والثقافة والصحة والمشاركة ، عموماً ، فى إدارة المصالح العامة ، بما فى ذلك الاقتصاد والملكية وحرية النشاط المستقل للحركات النقابية العمالية وغيرها ، واحترام سائر الحقوق المدنية والسياسية.
(6/4) وقد شكل ذلك كله معبراً أفضى لانفتاح العلاقات الدولية على قضايا الاقتصاد والاجتماع والثقافة ، مثلما تعمَّق الاهتمام بالتعاون الدولى من أجل درء الحرب والتعايش السلمى وبرامج التنمية الدولية وما إلى ذلك. وكان طبيعياً أن يتلازم مع هذه التطورات ازدياد الاحتياج إلى تعميق مفاهيم التنظيم الدولى المعبِّر عنها ، مما انعكس فى المشوار الذى قطعه المجتمع الدولى من ميثاق عصبة الأمم لسنة 1920م فى عقابيل الحرب العالمية الأولى ، إلى ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945م مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، علاوة على المنظمات الاقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقى لاحقاً) وغيرها.
(6/5) ولأننا لسنا هنا بصدد البحث التفصيلى المتمكث فى هذه التطورات ، فسنكتفى بالاشارة إلى أحد أهم الآثار المترتبة عليها ، وهو التنامى المضطرد فى الاهتمام بمسائل لم تكن فى العادة محل نظر القانون الدولى القديم ، مثل قضايا السلم ، وتقرير المصير ، ورفاهية الشعوب ، ومحاربة الفقر ، وحماية البيئة ، والتنمية المستدامة ، وحقوق الأفراد ، ليس فى أزمنة السلم فقط ، بل وفى ظروف الحرب أيضاً ، أو ما يعرف (بالقانون الدولى الانسانى) وما إلى ذلك. فالقانون الدولى التقليدى لم يكن يتدخل فى كيفية معاملة الدولة لرعاياها ، معتبراً ذلك ضمن اختصاصها الداخلى. وفى إثر هذا التطور درجت الدول على تضمين دساتيرها لائحة بالحريات والحقوق bill of rights. لكن ، ولأن الخبرة التاريخية أثبتت أن ذلك وحده لا يضمن تمتع الانسان فعلياً بهذه الحريات والحقوق ، فقد كان لا بد من وضع ضمانات إضافية ذات طابع دولى هذه المرة (علوان ، 1989م).
(6/6) ذلك هو السياق الذى نشأ وتطوَّر فيه المفهوم المعاصر (لحقوق الانسان) ، وفق الصياغة الجماعية الدولية للقواعد القانونيَّة والمعايير وأنظمة الجزاءات التى استقرت بها هذه الحقوق كباب فى علم القانون الدولى الحديث ما بين عهدى (عصبة الأمم) و(الأمم المتحدة) ، ثم انطلاقتها الكبرى فى أجواء ما بعد الحرب الثانية ، بطابعها الديموقراطى العام الذى هيَّأ لتصفية النظام الاستعمارى القديم ، وبروز المعسكر الاشتراكى ، وتمكين المستعمرات السابقة من نيل استقلالها السياسى ، وإنشاء (الأمم المتحدة) تحت رايات التحرر الوطنى والسلام العالمى ، الأمر الذى أمكن معه إصدار جملة من الوثائق القانونية الدولية الجديدة ، وعلى رأسها (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) فى 10/12/1948م.
                                                             (نواصل)

لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (2)
بقلم/ كمال الجزولى

 (1)
(1/1) نوَّهنا ، فى الحلقة الأولى ، بالمكانة الخاص التى تفردها مواثيق حقوق الانسان الدولية لضرورة نشر الوعى بهذه الحقوق ، باعتباره الضمانة الأكبر لحراستها ، بالاضافة للاهتمام المتعاظم الذى توليه أوسع الدوائر المجتمعيَّة المدنيَّة ، فى العالم وفى السودان ، لقضايا تعليم هذه الحقوق وتجويد مناهجها. ونفذنا ، من ثمَّ ، إلى الأهمية الاستثنائية لإدماج هذا الحقل المعرفى الحديث فى الدراسات الجامعية لما توفره من برامج أكاديمية متقدمة ، وما تتيحه من بيئة بحثية مطلوبة لتطويرها.
(1/2) ونظرنا ضمن هذا الاطار ، فى خبرة الجامعات الأوربية التى أدرجت تدريس حقوق الانسان كمادة منفصلة ضمن كليات القانون والعلوم السياسية. وأشرنا إلى أن الاهتمام الحقيقى بهذه القضية نبع من داخل المجتمع المدنى العربى ، وبالأخص من خلال الجهود التى ظل يبذلها اتحاد المحامين العرب بالتضامن مع المنظمة العربية لحقوق الانسان وكليات الحقوق فى عدد من الجامعات فى الكويت ومصر وغيرها.
(1/3) أما فى السودان ، وتحديداً فى أعرق جامعاته ـ جامعة الخرطوم ، والتى نتخذها نموذجاً معيارياً لأغراض هذا المبحث ، فقد أشرنا إلى الغياب التاريخى لمادة (حقوق الانسان) عن برامج كلياتها المختلفة ، بما فى ذلك كلية القانون ، علاوة على ما ظلَّ يشهده سِجلها من إنتهاك صارخ ، حتى وقت قريب ، لحقوق طلابها فى إقامة اتحادهم ، ولحقوق أساتذتها ومستخدميها ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابية ، مِمَّا يتناقض ومناهج (الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه) الحديثة. وقلنا إن العمل ظل جارياً فى كلية القانون على تدريس (حقوق الانسان) ، لا كمادة منفصلة ، وإنما ضمن قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والقانون الدستورى والقانون الدولى.
(1/4) وأشرنا ، بوجه خاص ، إلى فرصتين لاحتا لتدريس هذه المادة باستقلال ، ولكنهما أهدرتا تباعاً: الأولى مطلع سبعينات القرن المنصرم ، عندما أوشكت الجامعة على استيعاب (نظام الساعات المعتمدة) فى برامجها لولا اصطدامها بالنقص فى هيئة التدريس بسبب الهجرة المستمرة. والثانية مع بداية ثمانينات ذلك القرن ، عندما يسَّر قبول دفعة صغيرة من القضاة المبعوثين للتحضير لدرجة الماجستير لأول مرة عام 83/84 إلى إدراج مادة (حقوق الانسان والحريات الأساسية) ، مع التركيز على تجميع ما يتعلق بها من قوانين وممارسات وسوابق سودانية ، بغرض تأسيس (مركز) يشكل حلقة وصل فى هذا المجال بين الكلية والكليات الأخرى ، وبين الجامعة والمجتمع. إلا أن الإدارة رأت أن يكون المشروع جزءاً من (مركز دراسات السلام) الذى كانت قد سعت لإقامته آنذاك ، لكنه لم ينجح.
(1/4) مع ذلك ، وبما أنه لا مناص من التطور ، فقد دَعَوْنا للتأمُّل فى جدوى إدراج برامج خاصة (بحقوق الانسان) ضمن المرحلة الجامعية ، ومسوِّغات الربط فى هذه البرامج بين حقل المعرفة القانونية وحقول المعارف الاجتماعية والانسانية الأخرى. ولأن هذه المسألة تحتاج ، فى رأينا ، إلى جهد جمعىٍّ يعمل على تجميع عناصرها من مختلف التخصصات والمدارس ، فقد نوَّهنا إلى أننا سنحاول تقـديم مساهمة متواضعة ، وبمنهج يقوم على إضاءة بعض المداخل ، فحسب ، صوب ما نعتقد أنه يشكل فضاءها الفكرى ، وفى ما يلى نواصل:

(2)
(2/1) للتحقق من طبيعة العلاقة التى تصِل بين هذه الحقول المعرفية نحتاج ، بادئ ذى بدء ، إلى تحديد صارم ودقيق لنسق المفاهيم والمصطلحات المستخدمة. فالحديث عن (حقوق) الانسان هو ، بوجه من الوجوه ، حديث عن (القانون) ، وإن كان لا يقتصر عليه وحده كما سنرى لاحقاً. والقانون ، كمؤسَّسة طبقية المضمون فى عناصرها الجوهرية ، هو جماع القواعد التى تقرِّرها الدولة لضبط العلاقات الاجتماعيَّة وفق أعمِّ القيم التى تعكس مصالح الطبقة السائدة اقتصادياً ، وبالتالى سياسياً. "فقاعدة القانون إنما تصدر عن الارادة الشارعة للمسيطر على الجماعة فى صورة أمر .. مقترن بما يضمن إحترامه من جزاء ، غايته الحقيقية حماية مصالح الفئة المسيطرة" (سامى عبد الحميد ، 1984م). وينتمى القانون إلى البناء الفوقى superstructure الذى تشكل معطياته الأساسية مستوى الوعى الاجتماعى السائد. بهذه الكيفية ، وأخذاً فى الاعتبار بالبطء النسبى الذى يَسِمُ حركة التغيير فى هذا البناء، فإن القانون يتمظهر ، شكلاً ، كقوة خارجية محايدة ، على حين أن الدولة التى هى توأم القانون من حيث هى الأداة التنظيميَّة الشاملة لسلطة الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصادياً ، والتعبير الأكمل عن إرادتها السياسيَّة ، تستخدِم ، لضمان إنفاذه ، ترسانة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه ، إلى الحد الذى يمكن معه القول بأن "كل نظام قانونى يعكس مبادئ النظام الاجتماعى الذى يروم تنظيمه" (و. فريدمان ، 1964م).
(2/2) وربما كان من الميسور ، ضمن هذا الاطار الفكرى ، ملاحظة الفارق بين طلاقة التوقير التى تحظى بها ، فى المجتمعات البدائية أو شبه البدائية ، قواعد السلوك العام المرعية بالتراضى ، ومكانة الشيوخ المسلم لهم عن طيب خاطر بمراقبة ذلك ، وبين الكلفة العالية (لفرض) هذا (الرضاء) من جانب جهاز الدولة فى المجتمعات الحديثة نسبياً.
(2/3) بهذه الدلالة يمثل القانون مؤسَّسة اجتماعية ، أى شكلاً تاريخياً تفرض الطبقة السائدة بموجبه رؤيتها (لحقوق) الأفراد والجماعات فى شتى مجالات العمل وروابط العائلة وعلاقات الملكية وما إلى ذلك ، وفق قواعد معيّنة تتحدَّد بأسلوب الانتاج فى المجتمع ، وطابع العلاقات بين مختلف طبقاته وفئاته وشرائحه.
(2/4) القانون ، إذن ، مفهوم ملتبس ، يعبِّر بشكل قامع عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء من المجتمع ، بينما يزعم قدرته على الإحاطة بكل قيم ومثل هذا المجتمع. لذلك ، وعلى حين يجرى تصوير القانون كأداة خارجية محايدة ، تعبر عن الجميع ، وتنتصب فوق الجميع ، وتحوز على قبول الجميع ، لتحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعيين ، فإنه ، فى حقيقة الأمر ، يشكل ساحة صراع اقتصادى سياسى واجتماعى تاريخى.

(3)
(3/1) ولأن (العدالة) تأتى على رأس المعايير التى تنضبط بها معادلة (الحق والواجب) فى الذهنية والوجدان العامَّيْن ، بحيث تضمن السلطة قدراً معقولاً من القبول بتلك القواعد الحقوقية فى علاقات الناس فيما بينهم ، من جهة ، وفيما بينهم وبينها من الجهة الأخرى ، وهى علاقات اقتصادية سياسية فى المقام الأول ، فمن اللازم إذن التمييز بين مفهومى (القانون) و(العدالة) من زاوية عمل السلطة ومشرِّعيها ، لا من زاوية عمل القاضى المستقل بالطبع. ذلك أنه إذا كان القانون أداة ضبط سلطانية ، وأن نصوصه تتنزل على الأغلبية ، كما أشرنا ، دونما اعتبار لإرادتها ، توهُّماً من عند السلطة بأن (العدالة) سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، فإن (العدالة) ، فى حقيقتها ، نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، و".. شعور كامن فى النفس يكشف عنه العقل السليم ، ويوحى به الضمير المستنير" (كمال عبد العزيز ، بدون تاريخ). وعند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا خاطب وليم تمبل كبير أساقفة كنتربرى قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة" (لورد ديننج ، 1982م). وإذن ، فالنزوع إلى العدل وكراهة الظلم أمران متجذران فى عمق الفطرة الإنسانية ، وقد جرى التعويل عليهما دائماً ، عبر كل مراحل تطور المجتمعات البشرية ، لمواجهة القمع السلطانى الذى هو طبيعة متأصلة فى القانون ، والتخفيف من غلوائه فى كثير من الحالات ، بل وكسره فى غير القليل منها.
(3/2) ومن ثمَّ ، فإن أكثر التيارات سلطوية فى العصر الحديث أصبحت تعى ، ولو من باب الحرص على استقرار سلطتها نفسها ، ضرورة ألا تصطدم القاعدة القانونية بشكل مباشر وصارخ ، فى أىٍّ من سياقيها التشريعى أو القضائى ، بروح المجتمع ، أو بتطلعات المحكومين فيه إلى الحياة الأفضل ، أو بنضالات الأقسام المتقدمة منهم لخلق الوجود المغاير ، وأن تنفتح ، بقدر أو بآخر ، لاستيعاب تصوراتهم الفطرية عن الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والجمال والقبح ، والرذيلة والفضيلة .. الخ.

(4)
(4/1) ولئن كان علم القانون معنياً ، عموماً ، بدراسة مصادر وميكانيزمات عمل القواعد القانونيَّة ومعاييرها المتغيَّرة ، من خلال فروعه التقليدية التى يشكل كل منها ، بدوره ، علماً قائماً بذاته ، كالقانون الجنائى والمدنى والادارى والدستورى والدولى وقوانين الاجراءات والاثبات .. الخ ، فإن أغلب هذه الفروع أضحت تتشقق هى نفسها ، مع التطور الاقتصادى والسياسى والعلمى والتقنى الهائل فى كل مستويات البنى الوطنية والاجتماعية والدولية وغيرها ، إلى مباحث مستقلة يتجه كل منها لتأسيس علم أدق ، من جهة ، وأوثق ، من الجهة الأخرى ، بمنظومة الدراسات والبحوث العلمية فى حقول الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والدين والأخلاق والفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية التى تشتغل على خلفيَّة تلك المصالح والإرادات المصاغة فى صورة هذه القواعد القانونيَّة.
(4/2) ولمَّا كان ذلك كذلك ، فإن مِمَّا يمحق ، يقيناً ، أية فائدة مأمولة من وراء أى درس فى القانون الخطة الكاسدة التى تنتزعه من مجاله الطبيعى ، كعلم إنسانى يتكامل مع سائر هذه العلوم الانسانية بأكثر من وشيجة معرفية وفلسفية ومنهجية ، لتحيله إلى محض برنامج دراسى معزول فى قشور فنياته TECHNICALITIES ، من شاكلة التصنيف الكرونولوجى البحت لبروز القاعدة القانونية ، دون اعتبار لأهمية السبر التاريخى لخلفية هذا البروز من الجوانب الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية ، وكذلك توصيف بنية المادة ، وعناصرها ، والنطاق الجغرافى لانطباقها ، ومدى تأثير نفوذها على أى تشريع آخر ، وما إذا كانت أحكامها وجوبية أم جوازية ، وما إذا كان القانون نفسه ، الواردة ضمنه ، عاماً أم خاصاً ، وما إلى ذلك.
(4/3) وإذن ، لئن كان من غير الممكن ، من جهة ، تصوُّر (القانون) بدون (المجتمع) و(الدولة) ، والعكس صحيح ، فمن غير الممكن ، من الجهة الأخرى ، تصوُّر معرفة (القانون) بمعزل عن أىِّ قدر من معرفة (العلوم الاجتماعية والانسانية) الأخرى التى يشكل (المجتمع) و(الدولة) محورها ، والعكس صحيح أيضاً.

(5)
(5/1) وقد أدى اضطلاع الدولة بوظائف خارجية ، فى مرحلة محددة من تطوُّر المجتمعات الانسانية ، إلى ظهور وتطور (العلاقات الدولية) ، الأمر الذى أفضى ، بدوره ، إلى ظهور وتطور (القانون الدولى) منذ القرن السابع عشر ، بخاصة ، وحتى العصر الحالى ، كفرع مستقل فى علم القانون ، وكجملة من قواعد السلوك التاريخية المتغيِّرة ، والمنظِمة للعلاقات الاقتصادية السياسية بين الدول ذات السيادة SOVEREIGNTY  ، والتى اعتبرت ، على يد الفقيه جروتياس وغيره من مؤسِّسى القانون الدولى الكلاسيكى ، بمثابة الأشخاص الرئيسة فى حقل العلاقات الدولية والقانون الدولى ، كما اعتبرت الاتفاقيات والمعاهدات بينها ، ثنائية كانت أم جماعية ، بمثابة المصدر الرئيس (للقاعدة الدولية).
(5/2) وإذا كان القانون الداخلى يستند فى إنفاذ قواعده إلى تدابير الجزاء ، كما سلفت الاشـارة ،  فإن القانون الدولى يستند بالمقابل ، كنظام وضعى ، إلى وسيلة إخضاع قـد تبدو ، للوهلة الأولى ، كما لو كانت مُشرعة فوق جميع الدول ، غير أنها ، فى حقيقتها ، نتاج الرغبة الذاتية فى عدم التخلف عن المشاركة فى الأشكال الجماعية لصون تلك القواعد بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ، كاتفاقيات التعاون المشترك ومعاهدات عدم الاعتداء .. الخ (ف. ليسوفسكى ، 1970م). ومع ذلك فلا يصحُّ إطلاق القول بتخلف الجزاء فى حقل القانون الدولى الذى يعرف هذا التدبير أيضاً ".. كعنصر جوهرى من عناصر القواعد الوضعية المكوِّنة له" (سامى عبد الحميد ، 1984م) ، بل إن النظام القانونى الوضعى لا يقوم ، أصلاً ، "إلا إذا كانت هناك جزاءات مادية تضمن احترام نصوصه" (سرحان ـ ضمن المصدر).
(5/3) وفى عصر تكوُّن القانون الدولى كانت العلاقات الدولية محصورة فى مجموعة صغيرة من الدول (أوربا وأمريكا) ، بينما كانت بقية العالم موزعة بين دول معزولة عن مجرى هذه العلاقات ، كاليابان ، وبين بلدان ترزح تحت التبعية للسيادة الأوربية. ولم تكن حتى تلك المجموعة الصغيرة ، والتى قامت على علاقاتها أسس القانون الدولى المعاصر ، لتهتم بالشؤون الداخلية لبعضها البعض ، بحكم طبيعة أنظمتها وأيديولوجياتها (ملوك ودوقات وحكام جمهوريات مدن .. الخ). ولذلك فقد اقتصرت قواعد القانون الدولى القديم على العلاقات الدبلوماسية لجهة حَلحَلة مسائل السيادة على الأقاليم ، وتنظيم الحروب ، والاعتراف بالحكومات ، والحصانات الدبلوماسية ، والأوضاع القانونية لعرض البحار ، وما إلى ذلك (فريدمان ، 1964م).
(5/4) أما حقوق الأفراد فقلما كانت ترد ضمن اهتمامات القانون الدولى التقليدى ، كحماية رعايا الدول فى أراضى الدول الأخرى مثلاً (المصدر نفسه). وحتى الحرب العالمية الأولى لم يكن المجتمع الدولى قد أقرَّ سوى عدد محدود من الاتفاقيات التى تلامس حقوق الانسان ، كتحريم الرق والقرصنة ، بالاضافة إلى بعض القواعد التى تنبغى مراعاتها أثناء الحروب بموجب إتفاقيات لاهاى لسنة 1899م و1907م. وأخيراً أقرَّ الفقه الدولى التقليدى مشروعية التدخل من أجل الانسانية ، وإن كان ذلك قد اعتبر فى مصلحة الدول الكبرى وعلى حساب الدول الصغرى (علوان ، 1989م).

(6)
(6/1) لكن ، وعلى الرغم من أن علم القانون الدولى ما زال يشتغل ، بصورة رئيسة ، على نظام العلاقات الدولية ، إلا أن التغيرات الهائلة فى بنية هذه العلاقات منذ جروتياس حتى العصر الحاضر ، تطلبت إعادة فحص أسسها السياسية والاجتماعية ضمن التطور الذى جرى على صعيد بنية العلاقات الوطنية (الداخلية) أولاً ، وبشكل ملحوظ منذ القرن الثامن عشر ، قبل أن يمتد إلى بنية العلاقات الدولية لاحقاً ، ليترك أثره الواضح على بنية القانون الدولى الحديث أيضاً ، وبالضرورة.
(6/2) ومن أهم النتائج المترتبة على تلك المراجعات ما توصل إليه فقهاء وكتاب القانون الدولى (فريدمان ، 1964م مثلاً) ، حول تصاعد الصراع الوطنى والاجتماعى ، والانقسام الأيديولوجى ، والأحداث الثورية العظمى خلال القرنين الماضيين ، منذ الثورة الأمريكية ، وبخاصة إعلان الاستقلال عن انجلترا لسنة 1776م ، والتعديلات العشرة الأوائل على الدستور الفيدرالى لسنة 1791م ، والثورة البرجوازية الفرنسية وما نتج عنها من إعلان حقوق الانسان والمواطن لسنة 1789م ، وتطويره لاحقاً فى الدستور الفرنسى لسنة 1848م ، بالاضافة إلى مرسومى (الأرض) و(السلام) اللذين تمخضت عنهما ثورة أكتوبر 1917م الاشتراكية فى روسيا. لقد أثر ذلك كله على تطور الأنظمة السياسية ، وجرت تحوَّلات ديموقراطية عميقة ، وظهرت دول إشتراكية سرعان ما ارتقت إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى ، وصعدت حركات التحرر الوطنى التى أفضت إلى انهيار النظام الاستعمارى القديم ، وحصول الشعوب المستعمرة على استقلالها السياسى ، وتنامى مطالبتها بحقها فى المشاركة بثروات العالم وموارده الطبيعية ، وظهور المزيد من الدول الجديدة ذات السيادة فى مجرى العلاقات الدولية الذى لم يعد حكراً على الملوك والشرائح الارستوقراطية العليا ، بل أخذ يرتبط بالعمليات الدستورية والسياسية الداخلية ، وأصبح توجيه الشؤون الخارجية خاضعاً للرأى العام والمناقشات الواسعة فى الصحف ووسائل الاعلام المختلفة.
(6/3) وتبعاً لذلك لم يعد الامتياز الحكومى مطلقاً حتى فى مسائل الشؤون الخارجية والدفاع ، بل مقيداً بدساتير مكتوبة تصدرها السلطة التشريعية لممثلى الشعب المنتخبين فى البرلمان ، فأصبحت علاقة القانون (الدولى) بالقوانين (الداخلية) فى كل دولة عصرية مسألة سياسية وقانونية عامة فى المقام الأول. ومن ثمَّ أصبحت العلاقات الدولية موضوعاً مشاعاً للفلسفات السياسية الرئيسة المتصارعة حول محدِّدات السلطات الحكومية وحقوق الشعوب والأفراد فى التعبير والتنظيم والتعليم والثقافة والصحة والمشاركة ، عموماً ، فى إدارة المصالح العامة ، بما فى ذلك الاقتصاد والملكية وحرية النشاط المستقل للحركات النقابية العمالية وغيرها ، واحترام سائر الحقوق المدنية والسياسية.
(6/4) وقد شكل ذلك كله معبراً أفضى لانفتاح العلاقات الدولية على قضايا الاقتصاد والاجتماع والثقافة ، مثلما تعمَّق الاهتمام بالتعاون الدولى من أجل درء الحرب والتعايش السلمى وبرامج التنمية الدولية وما إلى ذلك. وكان طبيعياً أن يتلازم مع هذه التطورات ازدياد الاحتياج إلى تعميق مفاهيم التنظيم الدولى المعبِّر عنها ، مما انعكس فى المشوار الذى قطعه المجتمع الدولى من ميثاق عصبة الأمم لسنة 1920م فى عقابيل الحرب العالمية الأولى ، إلى ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945م مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، علاوة على المنظمات الاقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقى لاحقاً) وغيرها.
(6/5) ولأننا لسنا هنا بصدد البحث التفصيلى المتمكث فى هذه التطورات ، فسنكتفى بالاشارة إلى أحد أهم الآثار المترتبة عليها ، وهو التنامى المضطرد فى الاهتمام بمسائل لم تكن فى العادة محل نظر القانون الدولى القديم ، مثل قضايا السلم ، وتقرير المصير ، ورفاهية الشعوب ، ومحاربة الفقر ، وحماية البيئة ، والتنمية المستدامة ، وحقوق الأفراد ، ليس فى أزمنة السلم فقط ، بل وفى ظروف الحرب أيضاً ، أو ما يعرف (بالقانون الدولى الانسانى) وما إلى ذلك. فالقانون الدولى التقليدى لم يكن يتدخل فى كيفية معاملة الدولة لرعاياها ، معتبراً ذلك ضمن اختصاصها الداخلى. وفى إثر هذا التطور درجت الدول على تضمين دساتيرها لائحة بالحريات والحقوق bill of rights. لكن ، ولأن الخبرة التاريخية أثبتت أن ذلك وحده لا يضمن تمتع الانسان فعلياً بهذه الحريات والحقوق ، فقد كان لا بد من وضع ضمانات إضافية ذات طابع دولى هذه المرة (علوان ، 1989م).
(6/6) ذلك هو السياق الذى نشأ وتطوَّر فيه المفهوم المعاصر (لحقوق الانسان) ، وفق الصياغة الجماعية الدولية للقواعد والمعايير وأنظمة الجزاءات التى استقرت بها هذه الحقوق كباب فى علم القانون الدولى الحديث ما بين عهدى (عصبة الأمم) و(الأمم المتحدة) ، ثم انطلاقتها الكبرى تحت رايات التحرر الوطنى والسلام العالمى فى أجواء ما بعد الحرب الثانية بطابعها الديموقراطى العام ، مِمَّا هيَّأ لإصدار جملة من الوثائق القانونية الدولية الجديدة ، وعلى رأسها (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) فى 10/12/1948م.
                                                                    (نواصل)

لَقَد أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيَّا!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
دَارْفُوْرْ: جَدَلُ الوَاقِعِ والوَهْم
كمال الجزولى

رغم غرابة الفكرة للوهلة الأولى ، حين يجرى التعبير عنها من موقع المُعارض الذى يُفترض أن (تبهجه!) الفوضى تضرب بأطنابها فى جبهة الخصم ، إلا أننا ، وباعتبار أن خيار الحلِّ السياسى أصبح هو الراجح الوحيد بالنظر إلى حالة (توازن الضعف) السائدة فى مستوى الصراع (الاجتماعى) ، والاحتمالات المرعبة لانعكاساتها فى مستوى القضيَّة (الوطنيَّة) تحت الضغوط والمُهدِّدات الراهنة من جهة الظرف الدولى والاقليمى ما بعد اجتياح العراق ، ظللنا نحذر بإخلاص ، وفى أكثر من مناسبة ، من أن أخطر ما يمكن أن يعيق أيَّة تسوية سياسيَّة للمشكلة الناشبة فى السودان منذ اندلاع انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م هو صفُّ السلطة المتشاكس ، غير المنتظم ، والذى يعانى من انقسام الارادة والقرار واللسان!
والآن فإن أكثر ما يبعث على القلق أيضاً فى أزمة دارفور الراهنة ، مع استمرار خيار التسوية السياسيَّة قائماً ، هو هذا الارتباك فى صفِّ الحكومة واضطراب قرارها ، الأمر الذى من شأنه الاطاحة بأيَّة فرصة لمثل هذه التسوية .. من خانة الواقع الممكن إلى خانة الوهم المستحيل!
لقد أفاض المراقبون فى التعبير عن دهشتهم ، بالأمس القريب ، من إنكار الحكومة ، ابتداءً ، وجود مليشيا الجنجويد ، ثم تراجعها السريع إلى الاقرار بوجودها مع الشكوى من عدم القدرة على السيطرة عليها ، وذلك بفارق زمنى لا يتعدَّى الأيام المعدودات! كما أبدى محللون ومعلقون سياسيون وكتاب كثيرون ، داخل البلاد وخارجها ، حيرتهم من الأداء المتناقض لأطراف حكوميَّة نافذة بإزاء قرار مجلس الأمن رقم 1556 المستند إلى الفصل السابع من الميثاق ، والصادر فى الثلاثين من يوليو المنصرم ، بإمهال الحكومة مدة ثلاثين يوماً لتنفيذ ستة عشر مطلباً دوليَّاً تتضمَّن أحد عشر إجراءً ، على رأسها تنفيذ الاتفاق الأخير المبرم مع الأمين العام للأمم المتحدة ، وتعزيز نشر المراقبين الدوليين ، ونزع سلاح هذه المليشيا ، وحماية المواطنين من بطشها ، وتقديم قادتها للمحاكمة ، وبسط الأمن فى الاقليم وما إلى ذلك، كى تتفادى العقوبات المقرَّرة تحت المادة (141). فما أن صدر هذا القرار حتى انبرى الناطق الرسمى يعلن ، من جهته ، رفض الحكومة له ، بينما راح وزير الخارجيَّة وأركانه فى الأمم المتحدة وسفارة السودان بأيس أبابا يعلنون ، من الجهة الأخرى ، عن قبول الحكومة به ، وذلك فى مشهد هرجلة لا يليق!
فلئن سلمنا جدلاً بأن الحكومة (لم تكن!) جاهزة ، فى البداية ، للتعاطى مع تداعيات الأزمة وصدماتها وموجباتها ، رغم أن هذا التفسير مِمَّا يصعب هضمه ، فإنه من غير المعقول أو المقبول أن يظل مسلسل الارتباك والاضطراب هذا متواصلاً على حاله ، دَعْ أن يتفاقم بمثل هذه المتوالية المزرية!
خذ عندك مثلاً حملة الاستنفار لقوات (الدفاع الشعبى) التى دشنتها الحكومة بدارفور. لقد نفى وزير الداخليَّة الاتحادى أن يكون هدفها تجنيد مليشيا (الجنجويد) ، وذلك ضمن تصريحاته التى دافع من خلالها عن تجنيد قوات (الدفاع الشعبى) ، بما يعنى أنها قوات (شرعيَّة) ، وأن استنفارها عمل مشروع سوف تتمسك الحكومة به وتمضى فيه إلى نهاية الشوط ، قائلاً: "نحن جندنا المواطنين ونعلن فى وسائل الاعلام عن رغبتنا هذه ، وأىُّ مواطن يأتينا نقوم بتجنيده" (الأيام 7/8/04). لكن ، وعلى الرغم من هذا الاصرار الحازم الذى يشِى ، للوهلة الأولى ، بسياسة مُفكَّر فيها جيداً ، نقلت الأنباء فى اليوم التالى مباشرة خبر تراجع الحكومة الولائيَّة بدارفور ، فجأة ، عن تلك الحملة ، وإصدار توجيهاتها بجمع سلاح هذه القوات ووضعه فى المخازن ونزع الزى العسكرى من أفرادها ".. للتمكين من ضبط المنفلتين وتقديمهم للعدالة واستتباب الأمن!" كما جاء فى التفسير الرسمى لذلك التراجع (الأضواء ، 8/8/04). ولعل مِمَّا يلفت النظر ، ويدعو للاستغراب ، بوجه خاص ، ما ورد بذيل الخبر من تصريح منسوب لنائب الوالى هناك بأن "بعض الأفراد (رفضوا!) الانصياع للقرار وأن القوات المسلحة والادارة الأهليَّة (بصدد!) التحرُّك لإلزامهم بالأمر!" (المصدر نفسه).
وخذ عندك أيضاً الطرح الايجابى غير المسبوق الذى تقدم به النائب الأول لرئيس الجمهوريَّة أمام منتدى مجلس التعايش الدينى نهار الأربعاء 3/8/04 حول الحوار الوطنى باعتباره الوسيلة الوحيدة لعلاج أزمات البلاد ، واصفاً بروتوكولات السلام المبرمة بين الحكومة والحركة الشعبيَّة بضاحية نيفاشا الكينيَّة بأنها جهد بشرى قابل للتصويب والاستدراك والتجويد. هذا الطرح ، مقروءاً فى ضوء الخطوات الجارية باتجاه اللقاء الموسَّع المزمع عقده ، لأول مرة ، فى القاهرة بين الحكومة وبين المعارضة داخل التجمُّع وخارجه ، أنعش الآمال الوطنيَّة فى إمكانيَّة التوصُّل إلى حلٍّ سياسىٍّ شامل تستعاد بموجبه الديموقراطيَّة والعدل والمساواة وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء واحترام حقوق الانسان ، خاصة وقد وصفته المعارضة على لسان السيد فاروق أبو عيسى ، مساعد رئيس التجمُّع وأمين لجنته للاتصالات السياسيَّة ، بأنه "هو بالضبط ما يحتاجه السودان فى الوقت الحاضر والظروف الصعبة والمعقدة التى تستدعى إجماعاً يحقق وحدة تحمى الوطن" (الأيام ، 7/8/04).
لقد توقع الناس ، ومعهم ألف حق ، أن تعقب هذا الطرح الجديد وترحيب المعارضة به جملة إجراءات لتهيئة مناخات المشاركة بتوسيع الحريَّات العامَّة وكفالة الحقوق الأساسيَّة ، باعتبار ذلك على رأس الشروط اللازمة للبدء فى ترميم شروخات الجبهة الداخليَّة ، وما أكثرها. لكن ما كاد يتصرَّم من الأيام ما يُحسب على أصابع اليد الواحدة حتى تَلاحَقَ من الأحداث ما يناقض منطق تلك التوقعات ، طرداً على عكس ، ويشكل صدمة لكل تلك الآمال والتفاؤلات. فعلى سبيل المثال:
(1) أقدمت أجهزة الأمن ، فجأة مطلع هذا الأسبوع ، على اعتقال أعضاء لجنة تسيير (الهيئة الشعبيَّة لنداء الوطن ـ نداء دارفور: هذا أو الطوفان) ، وحظر اللقاء الجامع الذى كانوا قد أعدوا لانعقاده نهاية الأسبوع الماضى بمركز عبد المجيد إمام بالخرطوم بحرى ، بعد أن تحصلوا على التصديق الخاص بذلك من مكتب وزير الداخليَّة ، علماً بأن الهيئة عبارة عن تحالف عريض بين  أحزابٍ معارضةٍ ومنظماتٍ مدنيَّةٍ وشخصياتٍ مستقلةٍ ، ويهدف للمساهمة فى تجميع وتكثيف الجهود من أجل الخروج بحلول وطنيَّة للأزمة ، وتعبئة وتنسيق العمل الانسانى المحلى للنازحين ، والضغط على القوى كافة باتجاه الاسراع بالقضاء على الأسباب الجذريَّة للمشكلة سداً لذرائع التدخلات والهيمنة الأجنبيَّة (الأيام ، 8/8/04). ومِمَّا زاد الناس حيرة تزامن هذا الاجراء مع قرار آخر اتخذه من جانبه وزير العدل النائب العام مستخدماً سلطته بموجب المادة (58) من قانون الاجراءات الجنائيَّة لسنة 1991م بإيقاف محاكمة د. مضوى ابراهيم الذى تتهمه أجهزة الأمن بارتكاب جرائم سياسيَّة قد تصل عقوبتها ، حال ثبوتها ، إلى الاعدام! وقد فسَّر المدعى العام هذا القرار بأنه جاء "تمشياً مع سياسة الدولة الرامية للسلام ولمِّ الشمل واحتواء الخلافات" (الأضواء ، 8/8/04). فلئن كان هذا حقاً هو مبرِّر قرار النائب العام فى شأن د. مضوى ، وهو مبرِّر يجعل منه قراراً حكيماً بالفعل ، فما هو مبرِّر قرار أجهزة الأمن فى شأن (الهيئة الشعبيَّة لنداء دارفور)؟!
(2) أعلن الأمين العام لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم ، جرياً على نهج ثابت وبائر فى المسارعة لإدخال العصا فى عجلة أىِّ تقارب يلوح فى الأفق بين النظام والمعارضة ، عن شروط جديدة للوفاق الوطنى لم تكن مشمولة ابتداءً بطرح النائب الأول لرئيس الجمهوريَّة. من هذه الشروط إعتراف المعارضة بالحكومة وبقدرتها على قيادة عمليَّة الوفاق ، أو كما قال (الصحافة ، 9/8/04). بؤس المنطق فى هذا الكلام لا يحتاج إلى دليل. فمن جهة ، تصرَّم زمن طويل مذ أعلن التجمُّع المعارض وحزب الأمة عن اعتمادهما طريق الحلِّ السياسى الشامل الذى يعنى ، فى ما يعنى ، التفاوض مع الحكومة ، والذى يعنى بدوره ، أوَّل ما يعنى، درجة معقولة من الاعتراف بها ، ولو من باب (الأمر الواقع) على الأقل. فما الذى يريده الحزب الحاكم بالضبط؟! أن يستثمر حدب المعارضين على القضيَّة الوطنيَّة لابتزازهم ، تطلعاً لحلم قديم ما انفكَّ يراوده بتحقيق كسب حزبىٍّ ضيِّق هو رؤيتهم جاثين على رُكبهم عند قدميه يستجدونه ويستدرُّون عطفه؟! هل ، بربِّكم ، ينطوى مثل هذا النمط من التفكير على ذرَّة من الرشد ، فى مثل هذا الوقت بالذات ، وفى مجتمع تسوده ذهنيَّة رعويَّة مرشحة ، إذا تملكها الغضب ، للايغال فى العناد وركوب الرأس حتى لو انقلبت الدنيا؟! ثم ما هو المقصود من (قيادة الحكومة لعمليَّة الوفاق) طالما أن (الوفاق) يعنى ، لغة ومصطلحاً ، (إلتقاء الارادات) بينما (القيادة) توحى (بالهيمنة) و(التوجيه)؟! وهل كانت الحكومة قد (قادت) ، قبلاً ، (وفاقها) مع الحركة الشعبيَّة كى تصر على (قيادة) هذا (الوفاق) مع أحزاب المعارضة داخل وخارج التجمُّع؟! أم لا بد لها ، فى كلِّ مرَّة ، من (عصا وجزرة) أجنبيَّتين تدفعانها دفعاً إلى طاولة المفاوضات؟!
(3) أقدمت وزارة التجارة الخارجيَّة الآن ، وفى هذا الظرف الدقيق ، على فصل 79 من موظفيها بإلغاء وظائفهم ، علاوة على مزيد من كشوفات الفصل لعمال الوزارة مِمَّا يُنتظر الاعلان عنه لاحقاً (الأيام ، 8/8/04). لقد أعاد هذا الاجراء إلى الأذهان طيوف الفصل والتشريد التعسفىِّ الذى لم يتوقف أصلاً خلال السنوات الماضية ، والذى طال الآلاف من العاملين فى جهاز الدولة بدعوى (الصالح العام) ، بينما يعلم القاصى والدانى أن الهدف من ورائه هو تقريب أهل الولاء السياسى على حساب أهل الكفاءة المهنيَّة!
(4) ولم تعدَم البلاد ، فى هذا الظرف الدقيق أيضاً ، مَن يُحوِّر القرار الذى أصدره رئيس الجمهوريَّة العام الماضى برفع مرتبات أطباء الامتياز مِن 250 ألف جنيه إلى 500 ألف (أقل من مئتى دولار) ، ليخفضه مُجدَّداً إلى ما قبل الزيادة (!) إضافة لتعطيل المعالجات التى تمت مؤخراً بين الوزارتين والأطباء بشأن استحقاقاتهم الماليَّة ، مِمَّا دفع لجنة الأطباء لإنذار وزارتى الصحة والماليَّة بالدخول فى إضراب مفتوح فى ما لو لم تستجيبا لمطالبهم خلال أسبوع واحد (الصحافة ، 9/8/04). واستطراداً ، فإنه بنهاية مهلة الأطباء يكون قد تبقى من مهلة مجلس الأمن أسبوعان فقط! أفلا يحق لنا ، إذن ، أن نبدى حيرتنا بإزاء صدور مثل هذه القرارات من نظام تحتوشه الأزمة من كلِّ حدب وصوب؟!   
نقول ، ولا نملُّ التكرار: إذا اشتغلت مصيدة التدخلات الأجنبيَّة المنصوبة لبلادنا فإنها لن تتوقف عند حدود المعلن عنه من أهدافها! ولا أمل لشعبنا فى تفادى أضراسها إلا بإنجاز مطلوبات القضيَّتين (الاجتماعيَّة) و(الوطنيَّة) معاً ، فلن يُكتب لواحدتهما أن تتحقق بدون الأخرى ، بل وإنه لضرب من الوهم لا يليق أن يبنى النظام حساباته على إمكانيَّة ذلك! ولعل هذا هو درس العراق الأساسى ، بل هو ، فى الحقيقة ، درس (كررى) قبل أكثر من مائة عام، حيث كان (الغزو) قد تسرَّب ، رويداً رويداً ، من شقوق (الجبهة الداخليَّة) المفككة لدولة الخليفة ، قبل أن يستكمل (نصره) الزنيم صباح الثانى من سبتمبر عام 1898م! لقد ملأ سيدى (ود تور شين) يومذاك صماخ أذنيه بأصابعه العشرة عن سماع مطلوبات (القضيَّة الاجتماعيَّة)، وأوصد بذلك كلَّ سبيل أمام تماسك (الجبهة الداخليَّة) ، فلم يتبق له سوى أن يفرش فروته يستقبل رصاصة أجنبيَّة فى جبينه ، حين وقفت قبائل وقوى اجتماعيَّة بأكملها تستبشر بالغزو ، وأطلق شاعر الشعب (الحردلو) استغاثته المأساويَّة: "يا يابا النـُّقـُس .. يا الانجليز ألفونا"!
وها نحن قد أتى علينا الآن حين من الدهر أوصلنا فيه (توازن الضعف) بين كفتى الحكم والمعارضة إلى حالة يقترن فيها ، عند بوَّابة دارفور ، مآل (الوطن) بمآل (النظام) ، أردنا أم لم نرد! فأما الوطن فإن قواه الوطنيَّة الديموقراطيَّة مطالبة بالتعاطى مع جدل (وطنيَّتها) و(ديموقراطيَّتها) دون أدنى قدر من الحَوَل السياسى! وأما النظام ، إذا ما قدر له أن تتشكل داخله كتلة ذات أثر تنبذ الأوهام وتعقل الحقائق لتعينه على الافلات من مأزقه الراهن ولو بغريزة (حب البقاء) ، فإن عليه التخلى عن مناهجه القديمة فى التفكير والعمل ، والتى لطالما زيَّنت له تجاوز مقتضيات الواقع وحساباته الباردة ، وأوحت له ، بمعكوس دلالة المثل الانجليزى الشهير ، أن (فى مستطاعه أكل الكعكة والاحتفاظ بها فى وقت واحد) ، مِمَّا ظلَّ يوقعه يوماً بعد يوم فى خطل التصوُّر ، واضطراب الصفِّ ، وارتباك القرار!
وفى هذا الاتجاه فإن ألزم ما يلزم النظام هو أن يكفَّ ، وفوراً ، وبأكبر قدر من الاستجابة لأشراط الواقعيَّة السياسيَّة ، عن تصوُّر إمكانيَّة توحيد (الجبهة الداخليَّة) بمحض مواكب وهتافات (التعبئة العامَّة) ضد (التدخل الأجنبى)! فلو أمكن لخطة كهذى أن تنجح لكانت قد نجحت يوم لم يَعْدَم النظام فى بغداد من يهتف "بالروح بالدم نفديك يا صدام" حتى قبيل ساعات قلائل من توغل الدبابات الأمريكيَّة فى ساحة (التحرير) وإسقاط تمثال القائد المهيب! (فالتعبئة العامَّة) ليست (فرض كفاية) إذا قام به (بعض) منسوبى الحزب الحاكم سقط عن (الباقين)! وليست (إجراءً حكوميَّاً) يوكل لمقاولى الأنفار ومتعهِّدى البصَّات وشرطة المرور وخطاطى الشعارات البرَّاقة على ألواح الموسانايت وقطع الدَّمُّوريَّة والدَّبلان! (التعبئة العامَّة) حالة ذاتيَّة تشيع تلقائياً بمقتضى سياسة راشدة تتعاطى مع مفهوم (الوطن) ، لا باعتباره مجرَّد تركيبة من السهول والوديان والجبال والمسطحات المائيَّة ، ولا حتى كمخزون من النفط والذهب والنحاس والتربة الخصيبة السوداء ، بل كشبكة شديدة التعقيد والخصوصيَّة من علاقات الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتساكن الإثنى والدينى والثقافى ، إن صحَّت صحَّ الوطن فى وجدان أهله ، وإن اعتلت اعتلَّ ، علماً بأن (السنابك الأجنبيَّة) لن (تطأ) الوطن قبل أن (تسحق) الحكم، عاجلاً أم آجلاً .. وقد أسمعت لو ناديت حيَّا!