كمال الجزولي

الاثنين
لو أن عرَّافة غجريَّة شديدة لضيدة كانت قرأت فنجال صديقي الراحل المهندس عابدين محيسي، على أيام شبابه الغضِّ في أواخر الستينات التي شهدت بواكير تعارفنا بين الخرطوم ومدني وكييف، فتنبَّأت له بأنه سوف يأتي عليه حين من الدهر يصبح فيه (مهندساً مقاتلاً) في سبيل قضيَّة، أيَّة قضيَّة، وأنه سيصطفُّ، لأجلها، في طوابير اللواء أبي خالد، يحمل السلاح ويرفع (التمام)، لكان استقبل نبوءتها تلك بواحدة من ابتساماته كثيرة العذوبة، على ما فيها من سخرية غامضة تلوح، في المحيا الدقيق الرقيق، ولا تكاد تستبين! 
كان ذلك سيكون كذلك، لا لوداعة شخصيَّة عابدين ونفورها من العنف فحسب، بل لأن غالب أبناء جيلنا، وعابدين فيهم، تنشَّأوا، أصلاً، على ميل لمصفوفة الحياة (الملكيَّة) لم يثنهم عنها كون مصطلح (ملكي)، في ما حدَّثني الحبيب الراحل الآخر خالد الكد، كان، ولعله ما يزال، أقذع ذمٍّ يمكن أن يوجهه (تعلمجي) لطالب (مستجد) بالكليَّة الحربيَّة! كانت تستهويهم، حالَ يقظتهم وحالَ منامهم، مخايل (القدلة)، بعد نيل الشهادة الجامعيَّة، في أبهاء الخدمة المدنيَّة وأروقتها، و(التدِرْدِق) في سلالم (الإسكيلات) ذوات الشَّنَّة والرَّنَّة من (كيو) إلى (دي إس)، وإنْ كانت الدرجات العُلى لمَّا تزل، بعد، محض طيوف نائية! وفي الليالي الزرق، أيام كانت للأفنديَّة ليالٍ زرق، والطبقة الوسطى هي الطبقة الوسطى، كانت (القعدات) تنعقد على أحلام البعثات الخارجيَّة، الواعدة بـ (القروبس)، حتى إذا عاد المُنْعَمُ عليهم بتلك الحظوة، انفتحت أمامهم، على مصاريعها، بوَّابات المناصب القياديَّة بمكاتبها الوثيرة وسجَّادها الفاخر، ودنياوات المنازل الحكوميَّة بحدائقها الغناء وقرميدها البرتقالي، وعوالم السيارات (الميري) بموائها الذي لا يدانيه سوى مواء الهرر المدللة، تقلُّ الزوجات المنعَّمات والأطفال المحظوظين بين الأسواق والمدارس وبيوت الأقارب والأصدقاء!
كثيرون انتموا إلى الأحزاب، يساراً أو يميناً، استجابة لما وجدوا في أنفسهم من قناعات سياسيَّة. لكنَّ كثيرين من هؤلاء الكثيرين فعلوا ذلك بأجندات خفيَّة .. إمَّا طمعاً في ذهب المعز، أو استكمالاً لوجاهة مجتمعيَّة، أو سعياً، فحسب، وراء التقية! عابدين لم ينتم لهؤلاء ولا لأولئك، بل جعل مبلغ همِّه أن يجوِّد علمه بـ (العمارة) يجسِّده أشكالاً بديعة، وكفاه بذلك خدمة لبلده! لكنَّ أرض السودان ما لبثت أن زلزلت، ذات صباح أغبر، زلزالها، وأخرجت، من مخابئ الغفلة، أثقالها، فدفعت بعابدين دفعاً، لا للانخراط في العمل السياسي (الملكي) فحسب، بل و(المسلح) أيضاً؛ فتأمَّل بعض المآلات الدراماتيكيَّة التي يمكن أن يفضي إليها الشعور بـ (القمع) حين يبلغ أقصى احتمالاته وحشيَّة، ولا يعود ثمَّة مناص من مجابهته!
بُعيد إبرام اتفاقيَّة السلام الشامل، وإصدار الدستور الانتقالي لسنة 2005م، انتقلت حركة أبي خالد إلى النشاط (الملكي)، أملاً في تحوُّل ديموقراطي منشود. فأصبح عابدين عضواً في قيادة (التحالف السوداني)، وممثلاً له في هيئة الأحزاب. وظلَّ، "برَغم الدَّاءِ والأعداءِ"، يعمل كالمروحة "مِنْ دَغَش الصُّبْح إلى انحِباس الضوءِ في المَساء"، لا يرتاح قط، حتى لفظ آخر أنفاسه واقفاً على قدميه، ليل السبت 24/1/2009م، ولم تكن قد انقضت غير سويعات مذ ودَّعناه بقاعة الصداقة بالخرطوم، وما درينا أنه الوداع الأخير، عقب مشاركته، ممثلاً لحزبه، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعي. 
رحم الله أخانا الحبيب عابدين، وجزاه عن الاحسان إحساناً، وعن الإساءة عفواً وغفراناً، وأدخله في زمرة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الثلاثاء
 يمكنك مغالطة أيِّ شخص في ما يتبنَّى من أفكار، لكن يصعب أن تغالطه في ما يروي من أخبار، خصوصاً إذا كان شاهد عيان لا مصلحة له في الكذب!
قبل أيام ذكر سائقو شاحنات تجاريَّة بين السودان وأفريقيا الوسطى أنهم شاهدوا، بأمهات أعينهم، مقاتلي جيش الرَّب يمارسون أعمال قتل ونهب طالتهم هم أنفسهم بجنوب دارفور، وأنهم تعرَّفوا عليهم من حروف الاختصار الشهير (LRA) على بزَّاتهم العسكريَّة المميَّزة. واعتبرت هذه الإفادة تعضيداً لتقرير جون هولمز، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانيَّة، قبل أقلِّ من شهر، بأن جيش الرَّب يقوم بنشر الإرهاب في شمال يوغندا وجنوب دارفور والكنغو وأفريقيا الوسطى. ضف إلى ذلك (البيِّنة الظرفيَّة) المتمثلة في قيام قوَّات يوغنديَّة كنغوليَّة جنوب سودانيَّة مشتركة بمهاجمة مواقع هذا الجيش المتوحِّش بشمال شرق الكنغو، مؤخَّراً، مِمَّا ألجأ، ولا بُدَّ، بعض عناصره للفرار إلى مناطق جديدة عبر الحدود (أجراس الحريَّة، 9/2/09).
مع ذلك سارع أكثر من مسئول سوداني لنفي الواقعة بأكثر من حُجَّة. فقد أكَّد مدير مكتب الناطق باسم الجيش أن "الحدود مراقبة جيِّداً، ولم يُرصد تحرك كهذا" (المصدر نفسه)؛ وشكَّك معتمد محليَّة رهيد البردي التي تتبع لها بلدة (أم دافوق) في أن ما شاهده السائقون إما "موجات لجوء من أفريقيا الوسطى" (المصدر نفسه)، أو "جماعات تمرُّد من بلدان مجاورة" (الأحداث، 12/2/09)؛ ثمَّ أضاف حُجَّة ثالثة بأن ثمَّة قرية أخرى باسم (أم دافوق) أيضاً على الجانب المقابل من أفريقيا الوسطى (المصدر نفسه). ومن جانبهم أورد عسكريون حُجَّة تحليليَّة مفادها أن "الإقليم الفقير لن يكون هدفاً لجيش الرَّب الباحث عن التمويل" (أجراس الحريَّة، 9/2/09)،
هذه الحُجَج، في رأينا، ضعيفة. فطول حدودنا وتعذر مراقبتها أمر معلوم، والشهود حدَّدوا عناصر جيش الرَّب بعلاماتهم المميَّزة، ومن غير المتصوَّر أن يصعب على سائقي شاحنات تجارة الحدود التفريق بين (أم دافوق) السودانيَّة والأخرى الأفريقيَّة، كما وأن دخول هذه العناصر الأراضي السودانيَّة دافعه الفرار من هجوم القوَّات المشتركة، وليس البحث عن تمويل.
مهما يكن من أمر، فقد أحسن مدير شرطة ولاية جنوب دارفور، مقرِّر لجنتها الأمنيَّة، صنعاً بأن اكتفى بالقول بأن السلطات "ليست لديها معلومات .. وبرغم ذلك وضعت المعلومات الواردة في أجهزة الإعلام موضع التحقيق والتحليل الأمني" (الأحداث، 12/2/09)، فدارفور فيها ما يكفيها .. وزيادة!  
الأربعاء
سواء كان مستشار رئيس الجمهوريَّة، رئيس كتلة نوَّاب المؤتمر الوطني، د. غازي صلاح الدين، قد بنى، مؤخراً، ترحيبه بالدعوة إلى (حكومة قوميَّة) على قول مباشر ورد ضمن خطاب السكرتير السياسي للحزب الشيوعي، محمد ابراهيم نقد، أمام الجلسة الافتتاحيَّة للمؤتمر العام الخامس للحزب، أو أنه استشفه، فحسب، من مضمون ذلك الخطاب؛ وبصرف النظر عمَّا إن كانت تصريحات غازي تعبِّر عن خيار حزبي مفكَّر فيه جيِّداً، أم أنها محض (بالون اختبار) تكفل بإطلاقه؛ فإن شيئاً من ذلك كله لا يقلل من دلالات ذلك الترحيب، بالنظر لمواقف سابقة للحزب الحاكم تعتبر مثل هذه الدعوة مجرَّد (وهم) لن يتحقق حتى لو لحس المعارضون أكواعهم!
تمحورت تصريحات غازي حول "إمكانيَّة توسيع الشراكة السياسيَّة في حكومة الوحدة الوطنيَّة لتشمل أحزاباً غير مشاركة فيها" (الأحداث، 26/1/09). وبعد أسبوعين من ذلك عاد مستشار الرئيس ليرحِّب بما أسماه دعوة الحزب الشيوعي لتكوين (حكومة قوميَّة)، واصفاً إياها بـ "الشيء المقبول"، كونها تسهم في "تغذية وتقوية الحكومة" (السوداني، 10/2/09)، وإن كان قد حرص، في المناسبتين، على تأكيد أن الحزب الشيوعي ليس صاحب المبادأة بطرح هذه الدعوة، بل "ساهم، فقط، في تأييدها"، الأمر الذي لا بأس فيه بطبيعة الحال!  
غير أننا وددنا لو أن ترحيب غازي استصحب كامل سياق المشروع الذي طرحه نقد في خطابه، حيث ساق تسع قضايا مصيريَّة يواجهها المؤتمر، في الظرف الراهن، على رأسها اثنتان:
الأولى: بقاء الوطن موحَّداً وديموقراطياً، بالنظر إلى كون شعبنا في الجنوب سيواجه، بعد أقلِّ من عامين، معركة الاستفتاء على تقرير المصير ما بين الوحدة والانفصال. وقد أعلن الحزب أنه يتحمَّل مسئوليَّة تجميع أوسع جبهة من القوى الديموقراطيَّة في الشمال والجنوب للمحافظة على الوحدة، والتطوُّر المتوازن في المناطق المختلفة، خصوصاً الجنوب، لضمان تنفيذ اتفاقيَّة السلام الشامل، باعتبارها قضيَّة كلِّ السودان، لا الحركة الشعبيَّة وحدها.
الثانية: وضع حدٍّ لنزيف الدَّم في دارفور، والاستجابة لمطالب أهلها العادلة، والمتمثلة في عودة اللاجئين والنازحين إلى قراهم الأصليَّة، فضلاً عن تطبيق شكل وطني ملائم للعدالة في الإقليم، حيث لا يرى الحزب أنسب من شكل (العدالة الانتقاليَّة)، استهداءً بخبرات أكثر من أربعين بلداً، أقربها إلينا جنوب أفريقيا والمغرب، ولا شكَّ في أن لدينا من خبرة شعوبنا السودانيَّة وحكمتها الكثير لنرفدها به. ويعني ذلك، بالأساس، الاستجابة لتطلع أهل دارفور لإقليمهم الخاص الموحَّد في إطار مشروع لإعادة تقسيم السُّودان إدارياً إلى تسعة أقاليم، يكون لكلٍّ منها الحق في إنشاء أيِّ عدد من الولايات، حسبما ترى مناسباً، بالإضافة لأشكال الحكم المحلي كقاعدة لا غنى عنها في ممارسة الديموقراطيَّة؛ وإلى ذلك إبراء جراح ضحايا النزاع المسلح في الإقليم، وتمثيل أهله تمثيلاً عادلاً في رئاسة الجمهوريَّة، مِمَّا يعني الحكومة الاتحاديَّة، أيضاً، ضربة لازب؛ وحصولهم على ما يستحقون من نصيب في الثروة القوميَّة، ومن مناصب في جهاز الدولة بشقيه المدني والعسكري، وما إلى ذلك.
لقد اعتبر الخطاب أن تلك هي خارطة الطريق العقلانيَّة الوحيدة للخروج من مأزقنا الوطني الراهن في دارفور. غير أن المنهج الذي انبنت عليه خطة نقد، إنما يخاطب، في الواقع، مجمل مشكلاتنا الوطنيَّة، وإن بصورة غير مباشرة. فهو يعْمَد، إذا أخذ بحقه، لاستعادة أخطر قضايانا إلى دفء الحاضنة الوطنيَّة، عبر انتزاعها، بسلاسة، من تيهها الخارجي، وردِّها إلى فضائها الداخلي، علماً بأنها غير قابلة، بطبيعتها، للتبعيض أو التجزئة، وأن أهمُّ ما يحتاجه تطبيقها، كحزمة واحدة، هو توفر ما يكفي من (الإرادة السياسيَّة) لدى السلطة التي سيناط بها ذلك. فلئن حقَّ لغازي أن يستشف، من بين ثناياها، فكرة (الحكومة القوميَّة)، فحبَّذا لو أن ترحيبه الجسور لم يقتصر على هذه (الحكومة القوميَّة) كفكرة منفصلة، بل شمل، ابتداءً، أهمَّ المهام الشاخصة في أفقها، وأبرزها تطبيق الشكل الوطني المطلوب من (العدالة الانتقاليَّة)، والذي يقتضي، أوَّل ما يقتضي، تكوين (هيئة وطنيَّة) مستقلة إدارياً ومالياً لتشرف على إنجاز مشروع لـ (الحقيقة والإنصاف والمصالحة)، بهذا الترتيب، وعلى التوالي. 
 الخميس
ثمَّة نوعان من الخيارات الخاطئة غير العادلة، مِمَّا قد يدفع إليها ظرف معيَّن هو نفسه خاطئ وغير عادل!
أحد هذين الخيارين يمكن تدارك آثاره لاحقاً، طال الزَّمن أم قصُر، وبالغاً ما بلغ من الفداحة، أما الآخر فمُدمِّر تماماً .. مرَّة وللأبد!
ولعلَّ هذا هو جوهر ما رمى إلى قوله الشاعر والمسرحي الملحمي الشيوعي الألماني برتولد بريشت في مسرحيَّته (دائرة الطباشير القوقازيَّة) التي استلهمها من أحجية صينيَّة قديمة، ربَّما نسبتها بعض المصادر إلى ثقافات أخرى، حيث تنازعت امرأتان أمومة طفل حديث الولادة، كلٌّ تدعيه لنفسها. ولمَّا طال نزاعهما، وحار قومهما في سبل فضِّه، قرَّروا عرضه على حكيم عجوز.
قال الحكيم: "بسيطة"! وعَمَدَ، من فوره، إلى رسم دائرة بالطباشير على الأرض وضع الوليد في وسطها بعد أن ربطه بحبلين حول كتفيه وإبطيه، ثم مدَّ طرفي الحبلين إلى جهتين متقابلتين خارج الدائرة، ثمَّ أوقف كلَّ امرأة في جهة، والناس في زحام حول المشهد، طالباً أن تتباريا في شدِّ الحبلين، كلٌّ إلى جهتها، ومن تنجح في جذب الوليد إليها تفوز به!
ما أن فرغ الحكيم من شرح شروط مباراته العجيبة حتى سارعت إحدى المرأتين إلى قبول هذا الرهان وهي تثفل في باطن كفيها، الواحد بعد الآخر، ثم تفركهما مبتسمة في حماس ظاهر! غير أن الأخرى التي ظلت تتابع الشرح بعينين واجفتين، ما لبثت أن أطلقت، فجأة، صرخة ملتاعة، وهي تقول بجزع يائس:
ـ "لا يا سيدي الحكيم .. أرجوك .. أوقف هذا .. لقد تنازلت لها عنه .. دعها تأخذه"!
لحظتها تنفس الحكيم الصعداء، وابتسم، ناهضاً بهدوء إلى هذه الأخرى، يمسك بذراعها في حنان، ويقول:
ـ "الآن، فقط، أستطيع أن أقرِّر، باطمئنان، أن هذه هي أمُّه الحقيقيَّة"!
الجمعة
يناير 1975م. كنا مجموعة معتقلين سياسيين، مدنيين وعسكريين، ومن شتى الاتجاهات، تصادف وجودنا بالقسم الشرقي من سجن كوبر، لنقضي مدداً متفاوتة نعلم متى بدأت خلال العام الفائت، لكننا، كالعادة، لا نعلم متى تنتهي!
كنا، إن لم تخنِّي الذاكرة، قرابة الخمسين، نزيد ولا ننقص، وفينا الشهيدان محمد نور سعد وعباس برشم، كما وفينا عبد العزيز الرفاعي وحافظ مدثر وصديق نمر ومصطفى أبو زيد والصادق بلة، عليهم رحمة الله أجمعين، بالإضافة إلى الأمير نقد الله، ردَّ الله غربته وعافاه، وكمال عبد الوهاب وحسن الجزولي ومحمد سليمان وعمر الشهيد ومحمد بخيت والسر النجيب ومنصور الجميعابي والفاضل حمد وعبد المنعم الطاهر وسيِّد هارون وعبد الفتاح الرفاعي وآخرون كثر.
إنتخبنا رئاسة للقسم تخاطب إدارة السجن باسمنا، وأنشأنا لجاناً ثقافيَّة ورياضيَّة وتموينيَّة وخلافه. كان لكلٍّ منا برش وبطانيَّتان، نضعهم نهاراً في الزنازين، ونخرجهم ليلاً إلى الحوش. وكان في القسم زهاء العشرين زنزانة وحمَّامان وأربع جرار ماء، ولكلِّ علبة معدنيَّة أو برطمانيَّة زجاجيَّة لشرب شاي الصباح .. الأحمر، يجتهد في أنسنته مسئول (كميوننا ـ خزيننا الجماعي) المرحوم صديق نمر، بما كان يجمع ويجفف، عقب كلٍّ من الوجبتين اليوميَّتين البائستين، من متبقي كِسرات الخبز يجعلها مثلثات متساوية، ويحفظها في جوالات بلاستيكيَّة نظيفة، إلى جانب ما تأتي به زيارات الأهل من سكَّر وزيت وما إلى ذلك مِمَّا قد يُسمح بإدخاله بعد تفتيش دقيق! ولمَّا لم تكن ثمَّة إنارة في القسم من أيِّ نوع، فقد كنا نعوِّل على ضوء النهار في الاطلاع على المتاح من الكتب، وفي الألعاب الرياضيَّة، وأكثرها (جماهيريَّة!) كرة الشراب التي اصطنعناها مِمَّا كان بلي من ثيابنا؛ وفي المساءات كنا نصمِّم برامج ثقافيَّة وترفيهيَّة تتلاءم والظلام الدامس!
وبينما نحن على تلك الحال، وفي ذلك المكان القفر الذي يكاد يخلو تماماً من كلِّ معينات الاحتفال، اقتربت الذكرى السنويَّة لتحرير الخرطوم في السادس والعشرين من ذلك الشهر؛ فاستشعرنا، أجمعين، ذات جمعيَّة عموميَّة مِمَّا كنا نعقد مرَّة كلَّ أسبوع، رغبة عارمة في إحيائها .. بأيَّة وسيلة، وبأيِّ أسلوب، فلكأنَّ في الاحتفال بتحريرها من ربقة القهر الغردونيِّ قبل تسعين سنة تحريرٌ لنا نحن أنفسنا من قيود الأَسْر النميريِّ وقتها!
هكذا اشتعلت اللجنة الثقافيَّة التي أوكل إليها الأمر حماسة. فوضعنا برنامجاً ينقسم فيه الحفل إلى جزئين: الأول محاضرة حول خطة الإمام المهدي عليه السلام لحصار واجتياح المدينة عسكرياً يقدِّمها محمد نور سعد؛ والآخر مسرحيَّة وثائقيَّة عن أحوال المدينة تحت الحصار توليت تأليفها وإخراجها ما بين ليلة وضحاها، على طريقة (تعلم الزيانة فوق رءوس اليتامى)! كان شيئاً أشبه بالمستحيل، لولا غلبة عنصر الشباب العاشق للإبداع وسط مجموعتنا تلك.
يوم الاحتفال عكفنا، منذ صباح الرحمن، على تصميم مجسَّم للمدينة وأطرافها، بمقياس رسم يتناسب ومساحة حوش القسم، مستعينين في ذلك بتوجيهات محمد نور سعد، وبما توفر لدينا من مراجع تاريخيَّة. حفرنا النيلين بتعرُّجاتهما، ودلقنا فيهما (ظهرة) الغسيل الزرقاء المذابة حتى عقدنا ملتقاهما عند المقرن، ثمَّ أسلناهما نيلاً واحداً يجري من الجنوب إلى الشمال؛ ثمَّ حفرنا الخندق الذي توهَّم غردون أنه سيحمي المدينة، ثمَّ اصطنعنا من وريقات النيم خضرة تحفُّ الشطئان؛ ومن الحجر الأبيض سراية غردون على شاطئ النيل الأزرق الجنوبي؛ ومن لباب الرغيف ومِزق الملابس القديمة زوارق إسناد طابور الصحراء الزاحف للنجدة، بقيادة وولسلي، من الشمال، واستحكامات غردون بخيامها ومدافعها وبطارياتها الموزَّعة على مناطق مختلفات في العاصمة، وكذا محاور قوَّات الإمام المختبئة حول المدينة من جميع الجهات؛ كما نصبنا، من قصدير علب السجاير، بوَّابات الاستحكامات الثلاث: بوَّابة بُري في مكان جسر النيل الأزرق الحالي، وبوَّابة المسلميَّة مكان كبري المسلميَّة الحالي، وبوَّابة الكلاكلة مكان كبري الحريَّة الحالي؛ وإلى ذلك اصطنعنا من الطين المضروب بقوالب علب الكبريت بيوت الخرطوم ومبانيها الحكوميَّة، ومن قطع البروش وكِسَر الأغصان الجافة أكواخ أم درمان من فتيح إلى كرري، وشققنا الدروب، وأعلينا الجبال والتلال، وهبطنا بالسفوح والأودية والخيران، حتى استقامت أمامنا خرطوم أخريات القرن التاسع عشر كأبدع ما يكون!
بُعيد صلاة العصر جلسنا القرفصاء، في دائرة واسعة، نحدِّق في ما صنعت أيدينا من مشهدٍ يأخذ الألباب، ونرهف السمع، والدموع ملء المآقي، لمحمد نور سعد، واقفاً، في قميص بشكير أبيض، وبنطال عسكريٍّ خاكيٍّ، وحذاءٍ رياضيٍّ، وبيمناه مؤشِّر طويل اصطنعناه له من غصن غليظ، يشرح أدقَّ تفاصيل العبقريَّة في خطة الحصار والاجتياح العسكريَّة تلك، وطرف مؤشِّره يتنقل ما بين المواقع المختلفة، وسط صمت مطبق لا يُسمع فيه سوى إرزام أنفاسنا المبهورة، وقرار صوته العميق الهادئ.
مضى الرَّجل بنا إلى حيث عبر الإمام وخلفاؤه الثلاثة بحر ابيض، ونزلوا في (الشجرة) الحاليَّة، وشرح قرار الإمام الحاسم بالتحوُّل من استراتيجيَّة الحصار إلى الهجوم، كون استخباراته أكدت مغادرة قوَّات ولسلي المتمَّة باتجاه الخرطوم؛ وإلى ذلك عرض لتوجيهات الإمام بالمحافظة على حياة أربعة على رأسهم غردون؛ ثمَّ انتقل بنا إلى جيش أمير الأمراء ود النجومي الذي كان يرابط، حسب الخطة، بثلاثة آلاف مقاتل في الموقع الحالي لمقابر فاروق، وكذلك إلى جيش الأمير أبو قرجة المكوَّن من خمسة عشر ألف مقاتل، وروى كيف أن رعاة يحملون عناقريب وحزماً من القصب، قادوا، أمام هذين الجيشين، قطعان ثيران فجَّرت الألغام، فتمكنوا من بلوغ الخندق، ووضعوا عليه العناقريب والقصب لتسهيل عبور القوَّات؛ ثمَّ انتقل إلى محور الأمير ود نوباوي المختبئ في غابة الخرطوم بأربعين ألف مقاتل على مشارف الثغرة التي أحدثها انحسار النيل الأبيض، وشرح كيف أن أولئك الثوَّار تقدَّموا بصمت، عند رؤيتهم، في ذلك الفجر الباكر، لقذيفة خضراء من جيش ود النجومي، كناية متفقاً عليها عن ساعة الصفر، فعبروا الثغرة إلى داخل الخرطوم، حتى أصبحوا وراء جنود الحكومة الذين أصيبوا بحالة من الرعب والفزع الشديدين عندما انطلق، فجأة، هتاف الأربعين ألفاً بصوت واحد: "الله أكبر ولله الحمد"!
لم ننتبه، إلا بعد أن أرخى الظلام سدوله وتعذرت الرؤية، إلى أن ما مضى من المحاضرة التي كان مقدراً لها أن تستغرق ساعة واحدة ننتقل بعدها لعرض المسرحيَّة التوثيقيَّة، قد استغرق في الواقع أكثر من ثلاث ساعات، كان محمد نور خلالها يصف، من الذاكرة، أدقَّ تفاصيل التفاصيل، بل يكاد يحصي كلَّ قذيفة انطلقت من كلِّ مدفع، ومن كلِّ بندقيَّة، على جميع الجبهات! لكننا من شدة شغفنا بغزارة المعلومات، وسلاسة العرض، أصررنا على ضرورة المواصلة. فنهض محمد سليمان إلى بعض البطاطين ينزع فتلات من أطرافها يضفرها ويغمسها في ما توفر من برطمانيات زجاجيَّة سكب داخلها بعض الزيت، ثم أشعل أطراف الضفائر، وقام بتوزيع (مصابيح الجنِّ) تلك على أنحاء المجسَّم، فإذا بظلالنا تنعكس على الحوائط الصخريَّة الشاهقة، تتمايل مع تمايل الذؤابات، ليستكمل الرَّجل محاضرته في ذلك الجوِّ الدراماتيكيِّ العجيب!
نفس ذلك الجو هو الذي عرضنا، من خلاله، مسرحيَّتنا تحت إلحاح الجميع بعدم تأجيلها إلى الغد، خصوصاً مع تأكيد محمد سليمان بأن مصابيحه سوف تصمد لساعتين أخريين! هكذا، وبعد استراحة قصيرة لصلاة المغرب وشرب الماء، عاد (الرجال الغرباء) يصطفون لمشاهدة العرض الذي ظللنا نخفي بروفاته، خلال الأيام الماضية، من زنزانة لأخرى، محاولين صون عنصر الإدهاش .. شايف كيف؟! وقد حاولنا، جهد خيالنا وقراءاتنا السابقة، أن نستخدم، بسبب الظروف المحيطة، شكل (المسرح الفقير) و(هدم الحائط الرابع) و(المسرح الملحمي) الذي تلعب فيه مجاميع المنشدين دور الراوي والمعلق على الأحداث. وانصب جلُّ اهتمامنا، من حيث المضمون، على إبراز أثر الحصار الطويل في انعدام القوت داخل المدينة، وانتشار جيوش المتسوِّلين في أنحائها، وتساوي الأغنياء والفقراء في الفاقة والحرمان، وإبراز أن قيمة الحياة لا تقاس بما يتكدَّس في يد الفرد من أموال، فقد تملك قناطير مقنطرة من الذهب والفضَّة، لكنك لا تستطيع أن تحصل، مقابلها، على قطعة خبز واحدة!
ما زلنا، نحن رفقة ذلك (الجُّب)، نستعيد، كلما التقينا، منذ غادرناه، ذكرى بنائنا لذلك المجسَّم، وأحداث مسرحيَّتنا التي كشفت أن في داخل كلٍّ منا (فناناً) على نحو ما، تتكفل الأيام بإظهاره، مهما بالغ في إخفائه. وربَّما يستغرب الكثيرون إذا قلنا لهم أن صديقنا الحبيب الأمير نقد الله قد أدى في تلك المسرحيَّة عدة أدوار باهرة، من بينها دور الإمام الثائر عليه السلام! فما غادرت آذاننا، قط، غنَّة صوته الرخيم يلقي بتعاليمه الإنسانيَّة لجحافل أنصاره الأشاوس وهم يجتاحون شوارع المدينة بتهاليل نصرهم المؤزَّر: "أكرموا عزيز قوم ذلَّ"!     
أما في المستوى الشخصي، فقد أكدت لي تلك التجربة الفريدة، بمبدعيها (الصُّدَفيين) أولئك، قناعة قديمة راسخة لديَّ بأن (الفنَّ)، مهما بدا، للوهلة الأولى، محض ترف ورفاه، إلا أنه يبقى احتياجاً ملحَّاً للناس، أينما كانوا، وكيفما كانت ظروفهم، لأنه، ببساطة، ضرورة وجوديَّة للصمود والتماسك الإنسانيين، وللحضِّ على استمرار الحياة وتطويرها؛ وبعبارة واحدة، أداة لا غنى عنها لرفع المتلقي إلى مرتبة .. الثوري!
سِرٌّ واحد فقط لم يكن متاحاً، وقتها، لأيٍّ منا أن يفضَّ مغاليقه، مِمَّا اقتضانا عاماً ونصف العام بعد ذلك كي نقف على جليَّته، من خلال ملابسات قيادة صديقنا الشهيد محمد نور سعد، عليه رحمة الله ورضوانه، لعمليَّة اجتياح الخرطوم فجر الثاني من يوليو عام 1976م، وهو تعلقه الشديد، إلى ذلك الحدِّ، بسيرة العبقريَّة الفذة في خطة الإمام الثائر، عليه السلام، لحصار الخرطوم وتحريرها، صباح السادس والعشرين من يناير عام 1885م!
السبت
سمع الأحنف بن قيس مصعب بن الزبير يؤنِّب رجلاً في مجلسه، قائلاً:
ـ "الثقة بلغني عنك كذا .."!
فقال له:
ـ "أيُّها الأمير .. الثقة لا يُبلغ"!
الأحد
لم أستغرب، قط، أن تأمل (مبادرة الدوحة) في أن تفضي جولتها الأولى الحاليَّة إلى توقيع اتفاق إطاري بين الحكومة و(العدل والمساواة)، فالأمر، برمَّته، يتوقف على منطق ميزان قوَّة الضغط الذي يحدِّد مقدار إلحاح الحاجة لدى كلٍّ من الطرفين، ولدى دولة قطر نفسها، لإنجاز هذا الاتفاق، تحت الظرف الراهن. كما وأنني لم أستبعد، أيضاً، ولذات السبب، أن تكتفي المبادرة بوثيقة (بناء ثقة) تعرض لتوقيع الطرفين، مبدئياً، في هذه المرحلة.
سوى أنَّ التوقيع وحده، ولو على الصيغة النهائيَّة، في ما لو قدِّر لها أن تتمَّ لاحقاً، وبصرف النظر عن السقف المرتفع، تكتيكياً ولا بُدَّ، للمطالب التي دفعت بها (العدل والمساواة) إلى طاولة التفاوض منذ البداية، لن يكون كافياً، حسب تجاربنا السابقة، للحكم بنجاح المبادرة أو فشلها مستقبلاً. فثمَّة معايير أخرى لهذا الحكم ينبغي أخذها في الاعتبار، مِمَّا يمكن استقراؤه من جملة وقائع ومواقف تؤثر على المفاوضات، جرياً على حكمة المستعربين السودانيين القائلة بأن "الجواب من عنوانه"!
وللأسف، فإن (العنوان) الواضح لـ (جواب الدوحة)، حتى الآن، لا يبشِّر بالخير المأمول! وإلا فما الخير، من جهة، في (حشر) أصابع نزاع دارفور، أصلاً، في (جحر ضبِّ) الخلاف العربي ـ العربي المتفاقم على خلفيَّة ملابسات (قمَّة غزَّة) الأخيرة في (الدوحة)، رغم انطلاق المبادرة قبلها، وقد قاطعتها دول في ثقل مصر والسعوديَّة، مِمَّا يترجَّح معه ألا يجئ موقفهما العملي، مصر بالذات، داعماً للمبادرة؟!
وما الخير، من جهة أخرى، حتى لو سلمنا جدلاً بأن ذلك لا يمثل عائقاً كبيراً، في أن يَقصُر نفَسُ مُيسِّري (الدوحة) عن موالاة إقناع الحركات الأخرى بالانضمام إليها، مهما تعاظم إغواء التوفيق في قطف مشاركة كبرى الحركات، ليُقصِروا مبادرتهم على ثنائيَّة (الحكومة + العدل والمساواة)، رغم التحذيرات التي أنهكت حناجر المشفقين من أن تصبح، لا سمح الله، مجرَّد إعادة إنتاج لخيبات (أبوجا 2006م)؟!
وما الخير، من جهة ثالثة، في أن تجري هذه المفاوضات بمعزل عن حاضنتها الوطنيَّة الديموقراطيَّة، رغم ما تسوق الحكومة من مغالطة جهيرة بأنها إنما تؤسِّس موقفها التفاوضي على مقرَّرات (ملتقى أهل السودان 2008م)، إفتراضاً منها وحدها بأن تلك المقرَّرات هي، بحقٍّ وحقيق، محلَّ اتفاق كلِّ (أهل السودان)، مع أنَّ الداني والقاصي يعلم أن ذلك الملتقى انعقد بمقاطعة قوى مؤثرة في المعارضة، بل حتى بعض من شارك فيه من خارج الحكومة بدأ يتململ مطالباً بضرورة "مراجعة" تلك المقرَّرات، كما هو موقف (حزب الأمَّة) الآن؟!
وما الخير، من جهة رابعة، في أن تغامر (العدل والمساواة) التي لا يستطيع أحد أن ينكر كسبها الآخذ في الاتساع، مؤخَّراً، في الإقليم، بتأسيس استراتيجيَّتها التفاوضيَّة على تصوُّر أن (انفرادها) اليوم بالاتفاق مع الحكومة سيكرِّس (انفرادها) غداً بالنفوذ على الإقليم، مع أن درس (أبوجا) الأساسي يدلُّ على عكس ذلك، بالغاً ما بلغ ضعف الآخرين؟!
ثمَّ ما الخير، من جهة خامسة، في ألا يجد مني أركو، من جانبه، أيَّ تفسير يؤبَّه به لهذه (الثنائيَّة) سوى اتهاماته المنطلقة، فحسب، من قراءة بائسة لدوافعها، تارة بتصويرها كتمظهر، لا غير، لما أسماه (غرور) و(تهوُّر) خليل، وتارة أخرى كمجرَّد (سمكرة) متأخِّرة لوشائج (الإسلاميين) القديمة، وتارة ثالثة كمحض صفقة للحيلولة دون تنفيذ إعدام عبد العزيز عشر، الأخ غير الشقيق لزعيم (العدل والمساواة)؟!
وهكذا .. وهكذا.
هذه التحفظات وغيرها شكلت محاور نقاش مطوَّل بيني وبين السيِّدين خليل ابراهيم وأحمد حسين آدم، عبر مهاتفة كريمة بادرا بها من الدوحة، بعد ظهر اليوم الأحد، إحساناً منهما الظنَّ بما أكتب، كما قالا مشكورين، وذلك لشرح رؤية حركتهما لمسار المفاوضات، وتقديرها لآفاقها؛ وذاك باب في الاستنارة يستحقُّ الإشادة دون ريب. وأشهد أنهما كانا صبورين في تحمُّل استفهاماتي والإجابة عليها بالصراحة الواجبة. لكنني ما زلت مشفقاً من أن تضيع سانحة السلام هذه، أيضاً، مثلما ضاعت (أبوجا) من قبل .. والله يكضِّب الشينة!