رغم أن الكثيرين، للأسف، يعتبرون ممارسة السِّياسة مجالاً خصباً للكذب، وهم غالباً ما يقصدون الدِّيماغوغيَّة، فإن المـرء ليحار، كيف شـاءت له الحـيرة، إزاء ساسة ومؤرِّخين يكذبون كما يشربون الماء! عفواً .. هذا لا يعني أن هذه الشَّريحة من السَّاسة والمؤرِّخين هي وحدها التي تكذب، إنَّما يعني، فقط، أن كذبها هو الأخطر، في المستوى (الأخلاقي) بطبيعة الحال، لا سيَّما وأن مفهومنا للكذب يقترن، من حيث هو، بتسبيب الأذى للآخرين، والإضرار بهم، على مذهب إِمانويل كانط الذي يُعرِّف (الكذب) بأنه نقيض (الصِّدق)، وأن الالتزام بهذا الأخير في كلِّ الحالات، وكيفما كانت الظروف، ومهما كان الثَّمن، هو، على إطلاقه، واجب قطعي، توقيفي، غير مشروط، لا زمانيَّاً، ولا مكانيَّاً، إلى حدِّ إقصاء كلِّ اعتبار تاريخي، وكلِّ تبرير آخر مِمَّا يلجأ البعض لتلفيقه، أحياناً، في باب طمأنة الضَّمير زوراً وبهتاناً، فيطلقون عليه (الكذب النَّافع)، وفق جاك دريدا. 

لكن، لئن كان هذا الجَّانب (الأخلاقيُّ) بدهيَّاً، فإن اللافت أكثر هو افتقار كذب السِّياسي والمؤرِّخ لإتقان (التِّقنية)، أغلب الأحيان، ربَّما لاشتغالهما على الوقائع والآراء في نطاق بالغ الوُسع! فالسِّياسي والمؤرِّخ، كي يتسنى لأيٍّ منهما أن يكذب، ينبغي أن يمتلك، أصلاً، ذاكرة في قوَّة خزانة فولاذيَّة لا تسمح بتسريب ولو خيط رفيع من الضَّوء، وإلا فإنه سيلفى نفسه متورِّطاً في شِراكِ تناقض مفضوح بين ما يقول اليوم، وما قد يكون قال بالأمس! وللعرب في هذا مأثورات متداولة، كقولهـم: "إنْ كنت كذوباً فكـن ذكـوراً"، وهذا، بالضَّـبط، ما نعنيه بالجَّانب (التِّقني)!
ومع أن العنصر الغالب في (الكذب) هو (الواقعة)، بمعنى أن الشَّخص يُعتبر قد (كذب) إذا روى (واقعة غير حقيقيَّة)، أو ساق، عن (واقعة واحدة)، (روايتين متناقضتين)، فإن ذلك ليس هو، دائماً، الأمر الحاسم في التَّعريف الدَّقيق لـ (الكذب)، إذ يندرج في عداده، أيضاً، وخصوصاً بالنِّسبة للسِّياسي والمؤرِّخ، الإدلاء بـ (رأيين متناقضين) حول نفس المسألة، فيروح الواحد منهما يتقافز، كما الجُّنْدَب، من (الرَّأي)، مرَّةً، إلى نقيضه، بعد حين، دون أن يطرف له جفن، ودون أن يكون لديه من المبرِّرات سوى النَّسيان، وهذا أهونها، أو الانتهازيَّة التي لا تأبه لعقول الآخرين، وهذا أغلظها!
جالت بذهني هذه الخواطر في مناسبتين مختلفتين بفارق زمني متقارب:
ففي أولاهما شاهدت شريحتَي فيديو تتضمَّنان (رأيَين) متناقضَين لقيادي (إخوانجي إسلاموي) سوداني، وشمولي بالضَّرورة، كان قد انشقَّ، في فترة سابقة، عن نظام الحكم، فجرى إقصاؤه منه، يخاطـب، في إحدى الشَّريحتين، جـمعاً من الشَّباب والطلاب، يحرِّضهم ضدَّ النِّظام، ويدعوهم، وهو يرغي ويزبد، للانتفاض عليه، وإسقاطه، باعتبار ذلك من صميم مقتضيات (الإيمان!)، لأن النِّظام، في رأيه، ميئوس من إصلاحه، رغم أنه، هو ذاته، كان أحد أكبر المشاركين في تأسيسه! لكنه، في شريحة الفيديو الأخرى، ما لبث أن انقلب يشيد بنفس النِّظام، وبنهجه السِّياسي الذي يبدو كما لو أنه (انصلح)، فجأةً، بعد أن صدر قرار رئاسي أعاد الرَّجل إلى موقعه في دست الحكم!
أمَّا في المناسبة الأخرى فقد رأيت مؤرِّخاً شموليَّ الهوى، بدوره، يقيِّم حدثاً تاريخيَّاً سلبيَّاً بأنه إيجابيٌّ، ولمَّا انتقد النَّاس تقييمه هذا انبرى يردُّ عليهم قائلاً: "لا، أنتم مخطئون، بل ولا تفهمـون، فرأيِّي أن ذلك الحـدث سلبيٌّ، لكـنه، فـي الواقـع، إيجابيٌّ"!
كذبُ هذين السِّياسي والمؤرِّخ لا يتَّصل، في ما هو واضح، برواية كلٍّ منهما واقعة معيَّنة بوجهين يدحضان بعضهما بعضاً، بل بإظهار الواحد منهما موقفين متعارضـين، أو رأيين متناقضـين تماماً، إزاء أمر واحد فحواه، بالنِّسبة للسِّياسي الإسلاموي، التَّقرير بشأن ما إنْ كان النِّظام يتَّسم بـ (الفساد) أم بـ (الصَّلاح)، وبالنِّسبة للمؤرِّخ الشُّمولي التَّقرير بشأن ما إن كان الحدث التَّاريخي المعيَّن (إيجابيَّاً) أم (سلبيَّاً)!
ومن المعلوم أن الشُّموليِّين، كقاعدة، وبحسب مراقبة مفكِّرين كُثر، لا يأبهون بـ (الحقيقة الموضوعيَّة)، الأمر الذي يمكن ملاحظته في خطاباتهم ودعاياتهم، حيث يرون أنه ليس ثمَّة مقياس واحد، أصلاً، أو أساس موضوعي ثابت، للحصول على هذه الحقيقة. ومن ثمَّ فإنَّهم يسعون، ليس، فقط، لتقديم روايات مغايرة عن حقيقة الماضي، بل حتَّى عن حقيقة الحاضر المُعاش نفسه، والمرئي بالعين المجرَّدة!
ولا تغيِّر من جوهر الكذب حتَّى محاولات التَّذاكي التي تدعو إلى السُّخرية، والتي قد تقع، أحياناً، عن طريق التَّلاعب بالوقائع والآراء، كما في الطريقة الملتوية، مثلاً، التي تتمُّ بها إعادة كتابة التَّاريخ، أو في التَّحوير المضحك في الشَّـكل الكلاسـيكي للتَّنظير السِّـياسي!
والكذب مدموغ أخلاقيَّاً، من الزَّاويتين الإسلاميَّة والوضعيَّة. فالحكم الإسلامي على الكذب معلوم، بالطبع، كما في الآية الكريمة: "إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِـنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ" [النَّحل:105]؛ وكما في الحديث الشَّـريف: "قيل: يا رسـول الله، المؤمن يكون جباناً؟ قال: نعم، قيل: يكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: يكون كذَّاباً؟ قال: لا" [رواه مالك في الموطأ]. كما وأنه لا جدال في أن الكذب مدموغ، أيضاً، من زاوية الأخلاق الوضعيَّة، حيث التَّوافق في الحكمين ناشئ، بطبيعة الحال، من التَّوافق بين (الدِّين القويم) وبين (الفطرة السَّليمة).
وتجدر الإشارة، هنا، وبمناسبة الفكر الوضعي، إلى أن الكذَّاب، في قول أرسطو، سواء كان على صعيد (اختلاق الوقائع) أو على صعيد (تبديل الرَّأي)، ليس هو، فقط، من يملك (القدرة) على الكذب، بل هو من (يميل) إلى الكذب!
لكن ما يلفت الانتباه، حقَّاً، كما سبق وذكرنا، هو عدم (إتقان) الكذَّاب، كهذا السِّياسي وذاك المؤرِّخ، ترتيب قوله (تقنيَّاً) إلى المدى الذي يضمن فيه لقوله (الثَّاني) أقوى تماسك داخلي، فضلاً عن أوثق اتِّساق مع قوله (الأوَّل)، خصوصاً على صعيد (كذب الرَّأي)! على أن الافتراض الذي لا يمكن قبوله لفض الحيرة، في هذه الحالة، هو أن هذين السِّياسي والمؤرِّخ مطمئنَّان لقدرة القولين معاً على إقناع الآخرين بحقيقتيهما، رغم تناقضهما البائن، انطلاقاً من اقتناعهما، هما نفسيهما، قبل كلِّ شئ، بتلك القدرة! اعتماد هذا الافتراض يعني، في المقام الأوَّل، الاعتقاد بإمكانيَّة (خداع الذَّات)، وهو ضرب من ممارسة الكذب بالغ الصُّعوبة، إن لم يكن مستحيلاً قولاً واحداً!
وإذن فأمر الكَّذب لا يتعلق، فحسب، بـ (الأخلاق)، على خطورتها، وإنَّما بالتَّدنِّي المريع، كذلك، في مستوى (تقنيَّة الكذب) نفسها، أو ما سبق أن سخر منه أوسكار وايلد، ضمن عنوانه (انحطاط الكذب)، بنعته بـ (الهبوط) المستمر في مستوى (إتقان) هذا (الفنِّ) في العصر الرَّاهن!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.