تطرَّقنا، في الحلقتين الماضيتين، لعناصر (الدَّولة) الثَّلاثة: الشَّعب والإقليم والسُّلطة، ولاتِّفاق بعض المفكِّرين الإسلامويين مع القول بخدمة (الدَّولة) لإنفاذ الأقليَّة امتيازها على الأغلبيَّة. وعرضنا للمعياريَّة القيميَّة في قـول عمـر: "ولاَّنا الله على الأمَّة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم". وأوردنا تفنيد محاولة (الخوارج الجُّدد)، عبثاً، تأويل مصطلح (الحُكم) ليطابق دلالـة (السُّـلطة السِّـياسيَّة). وعرضنا لتناقض (الإسلام السِّياسي) بين رغبته في تجاوز (دولة الحزب الواحد)، وبين انجذابه للنَّموذج الستالينىِّ، كما عرضنا لمطالبة (حركة التُّرابي) بـ (تديُّن الدَّولة). لكن، بما أن (التديُّن) يخصُّ البشر، وأن (الإقليم) و(السُّلطة) لا يتعبَّدان، دَعْ أن نقصان عنصر (الشَّعب) يجعل مفهوم (الدَّولة) نفسه منعدماً، وأن وجود عنصر (الشَّعب) وحده لا يكفي للدَّلالة على مفهوم (الدَّولة)، فلا مناص، إذن، من أن تكون (الدَّولة) مؤسَّسة (مدنيَّة) لا (دين) لها، لترعى مواطنيها بسويَّة، وإلا فإن (تَّديُّنها) لن يعني سوى (الشَّعب) أو (القائمين) بأمر (السُّلطة)، لكنهما لا يحيطان، وحدهما، بمفهوم (الدَّولة). وأشرنا إلى أن (تديُّن الشَّعب) محسوم بمكانة (الدِّين) منذ قرون، وأن (أحكام الشَّريعة) لا تقتضي أن يكون (منفذوها) هم أنفسهم (الدَّولة)، وأن (القائمين بالأمر) مقيَّدون بأشراط (بشريَّتهم)، بلا عصمة أو قداسة. وقلنا رغم أن دولة الرَّاشدين هي (الدَّولة المثال) في تاريخ المسلمين الحضاري، لاستحالة تكرار دولة الرَّسول، ولانقلاب الخلافة ما بعد الرَّاشدة إلى ملك عضود، لكن التُّرابي الذي يعتبر (الواقع) مثقلاً بـ (العجز وقلة الإيمان)، ينسـب (الدَّولة) إلـى هذا (الواقـع)، لا إلى (مثال أعلى)! ويزكِّي (حركته) لقيادة هذه (الدَّولة)، طامعاً لتذويب المجتمع فيها، فتصبح (الحركة) هي المجتمع المحكوم بـ (الدِّين)، أي بـ (الدَّولة الدِّينيَّة)! وعرضنا، في السياق، لتناقض المواقف من التَّعدُّديَّة والحريَّة والدِّيموقراطيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما كان أغنى د. الترابي عن ذلك التَّناقض لو لم تتعاور أداءه موجبات (التَّمكين) و(الكسب) السُّلطاني، في وسط غير مُواتٍ، تعدُّداً وتنوُّعاً، فلربَّما كان أسهم بجهد مغاير في رفد حركته بعوامل النَّصاعة والتَّفتُّح، فهو القائل في ساعة، ولا بُدَّ، من ساعات الصَّفاء الفقهوفكري النادرة، مستخدماً (قانون نفي النَّفي) الدياليكتيكي: ".. إن بين العرف الاجتماعي والتَّجديد الدِّيني شيئاً من الجَّدليَّة التَّاريخيَّة؛ يأتي التَّجديد بتقويض بعض الأعراف القديمة تدرُّجاً، إمَّا لأنَّها صيغت من قيم ليست من (الدِّين) أصلاً بسبب (الغفلة)، أو لأنَّها صور (لعلاقات) كانت تعبِّر .. عن (التديُّن) في (ظروف) سالفة، ولم تعُد كذلك .. ثمَّ (يحيي) التَّجديد القيم الدِّينيَّة (الأصيلة)، ويوحي (برؤى) جديدة .. في (السِّياق الجَّديد)، فـ (يقترح) سنناً سلوكيَّة جديدة .. تنشر روح (الدِّين)، حيث تمضى بها تقاليد سارية، وذلك حتَّى تدور الدَّورة"(23).
ولئن كان د. الترابى قد صمت، في النصِّ أعلاه، عن بيان المعياريَّة التى يمكن، بالإحالة إليها، التَّفريق بين ما هو (دين) وما هو (غفلة)، الأمر الذي يحيط بشئ من الغموض، إن لم يكن التَّناقض، تصوُّره للمدى الذي يمكن أن يؤثِّر فيه (المثال) على (الواقع)، فإن سداداً كثيراً، مع ذلك، يصيب ما لجأ إليه، هنا، من نظر في حراك السِّياقات التَّاريخيَّة، كخلفية للتحوُّلات التي تطرأ على أنساق (التَّديُّن) المتحرِّك، باعتبار أن تبدُّل هذه السِّياقات ما هو، بداهة، سوى تعبير آخر عن تطوُّر العلاقات والعمليَّات الاقتصاديَّة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة التي تجري فى المكان والزَّمان المحدَّدين، بما ينتج مستويات متفاوتة من المعرفـة والوعـي.
مهما يكن من شئ ، فإن الإقرار باستحالة تكرار (المثال)، على خلفيَّة الوعي بأثر حراك السِّياقات التَّاريخيَّة، لا يصحُّ، في ذات الوقت، أن يُتَّخذ تكأة لإدارة الظهر، بالكليَّة، لذلك (المثال). بهذا الاحتجاج الصارم يجابه عبد الوهاب الأفندى أطروحة الترابي، ويستفيض معْزياً إيَّاها إلى (المعضلة الخلدونيَّة)، أو إشكاليَّة عالم الاجتماع الإسلامي عبد الرحمن بن خلدون (ت 808 هـ ـ 1406م)، بتناوله لقضيَّة التَّمايز بين (الواقع) و(المثال) في الحياة السِّياسيَّة الإسلاميَّة، متبنياً "إخضاع المثال للواقع، والحقِّ للقوَّة .. حين أعلن أن نموذج الخلافة الرَّاشدة نموذج وقتي لا يصلح لعالمنا الذي يحكمه النقص والفساد"(24). ويتخذ الكاتب، الذي يعتبر من أميز مفكري حركة الاسلام السِّياسى المعاصرة في السُّودان، موقفاً نقديَّاً من هذه الأطروحة (الخلدونيَّة)، التي تبنَّتها الأطروحة (التُّرابيَّة)، معنىً ومبنىً، حيث يصفها الأفندي بأنها ".. لا تختلف كثيراً عن أطروحات ماكيافيلي وهوبز التي مثَّلت أساس ولبَّ الفكر السِّياسى الحديث، وهي، في نفس الوقـت، نقيض النَّظرة الإسلاميَّة الحقَّة التي تسعى لإخضاع الواقع للمثال، وليس العكس"(25). وواضح، بالطبع، أن الأفندى يرمى، عموماً، لإدارة (الواقع الاجتماعي) بشروط المبادئ العامة لـ (المثال الإسلامي)، وليس على طريقة (سرير بروكست) فى الأسطورة!
ويستفيض الأفندي في تناوله النَّاقد للتَّنصُّل عن (المثال الإسلامي) بمبرِّرات (الواقع المتخثِّر)، فيعرض لملامح هذا الاتِّجاه في (مقدِّمة ابن خلدون)، ويضاهيه بـ (الميكيافيليَّة)، نسـبة إلى المفكـِّر الإيطالى نيكولو ميكيافيللى (1496م ـ 1527م) الذي أكَّد في كتابه (الأمير) على علوِّ المكانة التي يشغلها المنطق الخاص بالممارسة السِّياسيَّة، وقانونها الباطني، فوق أىِّ اعتبارات أخلاقـيَّة أو غيرها مِمَّا ينتسب إلى (المثال)، وإلى ذلك (الهوبزيَّة)، نسبة إلى المفكـر البريطاني توماس هوبز (1588م ـ 1679م)، الذي شدَّد، من جانبه أيضاً، في كتابه (اللوثايان Leviathan) على أن الأمن والنِّظام يفترضان، عمليَّاً، وجود قوَّة قاهرة يسلم لها الجَّميع بسلطان مطلق لا يتقيَّد بغير مرجِعيَّته الذَّاتيَّة ومنطقه الخاص(26).
وبصرف النَّظر عن اتِّفاقنا أو اختلافنا مع ما ذهب إليه الكاتب على الصَّعيد التَّفصيلي، فإن ما يهمُّنا هنا هو نقده لمقابلة (المثال) بـ (الواقع) مقابلة تهدره، نهائيَّاً، فتسقطه من حسابات الممارسة السِّياسيَّة، وإن كان لا يفوتنا، مع ذلك، توجيه نقد موضوعي للكاتب على شموله لـ (الماركسيَّة)، ولو عرضاً، ضمن النَّظريَّات التي تُخضِع (المثال) لـ (الواقع)، كـ (الميكيافيلليَّة) و(الهوبزيَّة)، رغم أن لـ (الماركسيَّة)، اتَّفقت معها أو اختلفت، قوانين ومقولات محدَّدة تتناول قضايا (الواقـع) في ضوء (المثال)، لا العكس.
مهما يكن من أمر فقد رأينا، في أطروحة التُّرابي، كيف تكتمل رخصة التَّحلل من (المثال) باسم (المثال) نفسه، وينفسح المضمار لينسرب منه (إسلام مؤجَّل) لحساب (واقعيَّة) تتأسَّس على مبرِّرات العجز، وانحطاط الواقع، وبؤس الإيمان، وليس على تحدِّيات التَّطوُّر، ومقتضياته، ومستجدَّاته المطروحة في أفق الفكر الإسلامي الذي يفقد كلَّ خصائصه إذا ما انبتَّ عن (مثاله) الأعلى، لينتهى به الأمر إلى دعوة جهيرة لنظام (دولة دينيَّة) غريبة عنه، وعن مبادئه، ومُثله، ومنظومة قيمه، ومقاصده الكليَّة؛ دعوة تستبدل تحقير الانسان بتكريمه، ومصادرة العقل بتوقيره، وتحلُّ الظلم محلَّ العدل، والاستلاب محلَّ الجَّدل، والقهر محلَّ الحريَّة، والقمع محلَّ الحوار.
لقد شاع الاستبداد السِّياسي، تحت غطاء (السُّلطة الدِّينيَّة) أو (الحكم بالحقِّ الالهي)، في أغلب تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة بعد نهاية الخلافة الرَّاشدة، حسب الصَّادق المهدي، حيث ".. تربَّع على مقاعد الحكم خلفاء لا تسندهم سوى شرعيَّة السَّيف، و(صار) من مقتضيات حكم القوَّة أن تتَّسع الهوَّة بين الحاكم والمحكوم، وأن يُخضِع الحُكَّام شعوبهم، وأن يلتمسوا الحماية من بأس الشُّعوب باتخاذ حرَّاس مأجورين مجنَّدين .. وصارت ولاية الأمر في جانب القوَّة وحدها، وانتشر الاستبداد .. ملجماً الفكر واللسان"(27)، وإذا كانت حلقات المأساة ما تنفكُّ تتَّصل إلى يوم النَّاس هذا، يفاقم منها واقع الجُّمود الذي حاق بالفكر الإسلامي لما يربو على الألف عام، فإن شيئاً من ذلك لا يصحُّ أن ينهض مبرِّراً للابتعاد عن (المثال)، أو تكرار النَّماذج السَّيِّئة.
إن أحوج ما تحتاجه الجَّماعة المسلمة في بلادنا، لتسهم في أيُّ مشروع للنَّهضة، هو التَّخلُّص، تماماً، من ذهنيَّة (الدَّولة الدِّينيَّة) التى تخلص منها غالب البشريَّة بمحض (الفطرة السَّليمة)، بينما لا نزال نرزح تحت سنابك استلابها، رغم أننا لا نكفُّ عن التَّباهي، صباح مساء، بأن لدينا ما هو أرفع من محض (الفطرة السَّليمة): الرِّسالة الخاتمة التى يُعتبر من أهمِّ تعاليمها قوله (ص): "ما أمرتُكم بشِئ من دينِكُم فخُذوه، أمَّا ما كان من أمر دُنياكُم فأنتم أدرى به" ـ رواه مسلم وابن ماجة وابن حنبل؛ وهو الحديث الشَّريف الذي يكاد د. التُّرابي يتحاشاه، بتعمُّد محيِّر، في كلِّ إسهاماته الفكريَّة تقريباً!
والمدهش أن د. التُّرابي يرتِّب على استحالات (المثال) فى (واقع) المسلمين المزري، اليوم، والمثقل، حسب رأيه، بـ (العجز) و(قلة الإيمان)، موقفين متعارضين تماماً: فعلى حين يحضُّ حركته حضَّاً على نسبة (نظامها السِّياسي) إلى هذا (الواقع)، وليس إلى ذلك (المثال)، فإنَّما يستمسك، في ذات الوقت، استمساكاً شديداً بما يسمِّيه (الطبيعة الدِّينيَّة) لهذا النِّظام السِّياسي (الإسلامي)، رغم كون (الطبيعة الدِّينيَّة) أدنى لأن تتجلى كـ (مثال) بالأساس، فترتبك، من ثمَّ، أطروحته ارتباكاً شديداً من وجهين:
فمن الوجه الأول: لا يعود مفهوماً كيف يتَّخذ (طابعاً دينيَّاً) النِّظام السِّياسي الذي يتأسَّس، منذ البداية، على رخصة (التَّحلل) من (المثال) الأعلى، القائم في نموذج (دولة الصَّحابة)، والمستند إلى نمط (تديُّن) قادتها الاستثنائيين، لينتسب، من ثمَّ، إلى (الواقع) المزري، المثقل بـ (العجز)، والموصوم بـ (قلة الإيمان)! بل لا يعود مفهوماً كيف يمكن أن يصبح مثل هذا النظام (هادياً) للمسلمين في حركة حياتهم ".. من حيث يقومون اليوم، مهما انحط واقعهم عن الإسلام، ليسلكوا الطريق، بإذن الله، إلى كمالات الإسلام"(28)، فتأمَّل!
أما من الوجه الآخر: فإنه بمستطاع أعجل نظر أن يلمح، بيسر، أن د. التُّرابي، ومن باب المزيد من الإرباك والإرتباك، إنَّما يسعى حثيثاً للمطابقة بين مطلوبات (النِّظام السِّياسي) ومطلوبات (الإيمان)، من حيث وجوب (التَّوحيد)، لديه، فى كليهما، بقوله: إن الاسلام ".. دين توحيد يجعل الحياة كلها، محياها، ومماتها، ونسكها، وشعائرها، وقوانينها، وأسس بيعها وشرائها، وسياستها .. وأخلاقها، وأسس معاملاتها، معاشاً وسياسة، كلها عبادة لله سبحانه وتعالى .. ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلي النَّاس عبرها (فيُشركون) بعض (إشراك) أو كلَّ (إشراك) .. في مجال (السِّياسة) كما .. فى كلِّ مجالات الحياة .. في العِلم وفي الاقتصاد" .. الخ(29).
والسُّؤال الذي لا بُدَّ يثور، الآن، وفوراً، هو: إذا كان (الشِّرك) بالله سبحانه وتعالى يعني، ببساطة، أن يُعبدَ معه غيره: "لقـد كَفَـر الذين قالوا إن الله هو المَسـيحُ ابنُ مريَم وقال المَسـيحُ يا بَنِي إسـرائيل اعبُدُوا اللهَ ربِّي وربَّكُـم إنَّه مَن يُشـرِكُ باللهِ فقـد حَـرَّم اللهُ عليه الجَّنَّة ومأواهُ النَّار وما للظالِمينَ مِن أنْصار" (72 ؛ المائدة)، أي مَن يجعل معه "في العبادة غيره" (تفسير الجَّلالين)، أو "يَعبُد معه غيره" (تفسير ابن كثير)، أو "يعتقدُ معه موجداً" (تفسير القرطبي)، فما هو المعنى الذي ذهب إليه د. التُّرابي بموضوعته عن (الشِّرك في السِّياسة)، أو (الشِّركِ السِّياسي)؟! الإجابة على هذا السؤال تستوجب العلم بأن (السِّياسة) ليست (أصلاً) من (أصول الإيمان) الثَّلاثة التي تستتبع التَّوحيد، وهي: الألوهيَّة ، والنُّبوَّة، واليومُ الآخر(30)، بل هي من (الفروع) التي تحتمل الاختلاف بمعايير (الصواب والخطأ)، لا كمثل الاختلاف في (الأصول) الذي يستتبع (الإيمان والكفر)، ".. واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة، وتعيُّنها، وشروطها، وما يتـعـلق بهـا، لا يوجب شئ منه التَّكفير"(31)، فهي ".. ليست من أصول الاعتقاد"(32)، و".. ليست من أصول الدِّيانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين"(33)، ".. فلا هي من أركان الإسلام، ولا من أركان الإيمان، ولا من أركان الإحسان"(34)، إنما ".. سلطة بشريَّة يقيمها النَّاس رعاية لمصالحهم العامَّة .. (و) شبهة الشِّيعة الإماميَّة .. كون الإمامة من أركان الدِّين .. وليست كذلك، إنَّما هي من المصالح العامَّة المفوَّضة إلى نظر الخلق"(35).
ولما كان من المستبعد الحصول على إجابة شافية تفضُّ مغاليق هذا التَّناقض، فإن المنطق الوحيد الذى يمكن أن ترسو على ساحله كلُّ هذه الأشرعة المملوءة برياح الاستفهام والتَّعجُّب هو احتياج (الحركة) المُلِحِّ لتأسيس (دولتها/نظامها السِّياسي) على النمط الثِّيوقراطي الاستبدادي الذي يعمد إلى نفي (الآخر) نفياً عدميَّاً، ثم لا يكون ملزماً بالتَّحاكم فى ذلك لأيَّة مرجِعيَّة أخرى سوى (سلطانه) الخاص، وقانونه الباطني، بحكم طبيعة مشروع (الحركة) نفسها، القائم في بنية (الاقصاء والاحلال) الفكريَّة، والمتَّجه، أجمعه، إلى نفي المجتمع كله، باختزاله في صورة هذه (الحركـة) التى ينبغـي أن يتوفَّر لها من عوامل (التَّمكين) ما يؤهِّلها لـ (الاحاطة) بقطاعات الشَّعب بأسرها، حتَّى ".. تصبح هي المجتمع الجَّديد القائـم بالدِّيـن"(36). وغير خافٍ، بالطبع، أن المقصود بـ (الدِّين) هنا هو، في واقع الأمر، نمط (التَّديُّن) الطليق، المتحرِّر من سلطة (المثال)، والذي تعتمده (الحركة) والقائمون بأمر (دولتها/ نظامها السِّياسي)، ليس لفرضه، فحسب، على (المجتمع الجَّديد)، بل لامتصاص (المجتمع) و(الدَّولة) بكاملهما، بمسلميهما وغير مسلميهما، وقولبتهما، وفق أطروحة د. التُّرابي، في صورة هذه (الحركة)، مِمَّا يضعها في حالة نزاع لا ينقضي مع هذا (المجتمع) وهذه (الدَّولة)، فتستنفرهما، بالضَّرورة، لمصادمتها، غلباها أو غلبتهما!
وربَّما أعانتنا كثيراً على استيعاب هذه الصُّورة، في ما يتَّصل بنموذج (نظام الإنقاذ) في السُّودان، شهادة العميد طيار (م) فيصل مدنى مختار، عضو مجلس قيادة ثورة (النظام) نفسه، وأحد الذين (مكَّنوا)، بقوَّة السِّلاح، لسلطة (الحـركة) في سنواتها الأولى، حيث يقول عن الفترة من 30 يونيو 1989م إلى مايو 1991م: "فى هذه الفترة برزت بشكل واضح هيمنة (التَّنظيم) على (مقاليد الأمور)، وكانت (الدَّولة)، ممثَّلة في مجلس قيادة الثَّورة، مهمَّشة تماماً .. وقد ذهبتُ للدكتور التُّرابي في بيته بالمنشيَّة، وقلت له: بهذه الازدواجيَّة سوف يأتي يوم إمَّا أن (تبلع) الدَّولة التَّنظيم، أو أن (يبلع) التَّنظيم الدَّولة، أو أن يقع بينهما أمرٌ لا يعلم منتهاه إلا الله"(37).
إن النُّزوع لإحلال (طلاقات التَّديُّن) محلَّ (ثوابت الدِّين)، توسُّلاً لإنجاز (الاحاطة) بـ (المجتمع)، واستلابه في جسم وعقل (الحركة) و(سلطانها) المتخفِّف من قيود (المثال)، يُجلى، ولا بُدَّ، في نموذج نابض بالحياة، أطروحة الكواكبي حول احتياج (الاستبداد) لتدعيم (سلطانه) عن طريق مماهاته ومشاكلته، لا بمبادئ (الدِّين)، وقيمه الأصيلة، ومقاصده الكليَّة، وإنما، فقط، بقدرته الاستثنائيَّة على التَّأثير في نفوس البشر، حتَّى يتيسَّر استرهابهم لحساب هذا (الاستبداد)، بحيث ".. يعظمـون الجَّبابرة تعظيمَهـم لله"(38).
(الدَّولة الدِّينيَّة)، إذن، من هذه الزَّاوية، لا (الدَّولة الإسلاميَّة) من زاوية الهويَّة الحضاريَّة التَّاريخيَّة المرتكِزة على (المثال الأعلى) لدولة الصَّحابة، والفارق بينهما جلي، هي التي تشكِّل المطلب الرَّئيس ضمن شعار (التَّديُّن بالسِّياسة)، وفق غالب الصُّورة التي يجري طرحه بها، من حيث هو اختزال لـ (الدِّين) في محض (طاقته التأثيريَّة)، لا أكثر ولا أقل، احتطاباً لـ (الواقع) بما يتيح، ضمن (المقاصد السُّلطانيَّة)، فرض نمط خاصٍّ من (الدَّولة الدِّينيَّة) بلا أيِّ قيد أو شرط!

(تمَّت)

الهامش:
* من (عتود الدَّولة) ـ قدِّمت أمام ملتقى نيروبي في فبراير 2017م ـ إعادة نشر بمناسبة الذِّكرى الأولى لوفاة التُّرابي في 15 مارس 2016م.

المصادر:
(23) أقواس التَّشديد من عندنا ـ الترابي؛ الحركة الإسلامية .. (مصدر سابق)، ص 171 ـ 172.
(24) عبد الوهاب الأفندي؛ الإسلام والدَّولة الحديثة، دار الحكمة بلندن، ص 5.
(25) نفسه، ص 6.
(26) نفسه، ص 14 ـ 18 ـ 19.
(27) الصَّادق المهدي؛ أحاديث الغربة، ط1، دار القضايا، بيروت 1976م، ص 30 ، 31.
(28) خط التَّشديد من عندنا ـ التُّرابي؛ خواطر في الفقه السِّياسي .. (مصدر سابق)، ص 6.
(29) أقواس التَّشديد من عندنا ـ نفسه.
(30) محمد عمارة؛ الإسلام والسُّلطة الدِّينيَّة، ص 77.
(31) الإمام أبو حامد الغزالي؛ فيصل التَّفرقة بين الإسلام والزَّندقة، ص 15.
(32) الإمام الشَّهرستاني؛ نهاية الإقدام، ص 478.
(33) عضد الدِّين الأيجي والجُّرجاني؛ شرح المواقف، ج 3، ص 261.
(34) إبن تيمية؛ منهاج السُّنَّة، ج 1، ص 70.
(35) إبن خلدون؛ المقدِّمة، ص 168.
(36) التُّرابي؛ الحركة الاسلامية .. (مصدر سابق)، ص 125 ـ 126 ـ 130.
(37) أقواس التَّشديد من عندنا ـ من حوار ضياء الدِّين بلال معه لصحيفة "الرأى العام"، 1 يوليو 2000م.
(38) عبد الرحمن الكواكبي؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 36 و37.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.