(3)
ظـلَّ التَّنـازع بين (دين) الله المطلق وبين (تديُّن) البشر النِّسبي قائماً داخل الجَّماعة المسلمة، من جهة، وبينها وبين مساكنيها، من جهة أخرى، أغلب تاريخ السُّودان الحديث منذ الاستقلال.
غير أن أكثر ما يفاقم من هذا التَّنازع طرح العلاقة بين (الدِّين) و(الدَّولة) بصورة تربكها التباسات المصطلح والصِّياغة، بأكثر مِمَّا تضيئها جهارات الدعوى والمطلب، مِمَّا يلزمنا بتفكيك وإعادة تركيب هذه الأمور على النحو الآتى:
(1) تأسَّس نظام (الإنقاذ) على انقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م العسكري المدعوم من (جماعة التُّرابي)، ليقرن بين (الفاشيَّة العسكريَّة) و(الفاشيَّة الدِّينيَّة)، بكلِّ ما بينهما من شبه، فالأولى تحتكر (الوطنيَّة)، ومن ثمَّ فمعارضوها (خونة للوطن)، والأخرى تحتكر (الدِّين)، ومن ثمَّ فمعارضوها (كفرة بالله)!
هكذا، إذن، نشأ نظام (الإنقاذ) في خلفيَّة مطالبة (الإسلام السِّياسي)، تحت قيادة التُّرابي، بـ (تديُّن الدَّولة)، أو (توبتها) إلى (الدِّين). لكنه أغفل أن:
أ/ (الدَّولة) يلزمها، كما قد رأينا، اجتماع عناصرها الثلاثة معاً: (الشَّعب) و(الإقليم) و(السُّلطة)؛
ب/ (التديُّن) أمر يخصُّ البشر، فوجود (الإقليم) و(السُّلطة) وحدهما لا يمكِّن (الدَّولة) من الصَّلاة أو الصَّوم أو الحجِّ، دَعْ أن نقصان عنصر (الشَّعب) يجعل مفهوم (الدَّولة) نفسه منعدماً؛
ج/ وجود عنصر (الشَّعب) وحده، وإن وفَّر الجَّانب (البشري)، إلا أنه، في غياب عنصري (الإقليم) و(السُّلطة)، لا يكفي للدَّلالة على مفهوم (الدَّولة)؛
د/ توفُّر أيٍّ من العنصرين الآخرين: (الإقليم) أو (السُّلطة)، في غياب عنصر (الشَّعب)، لا يكفي، بدوره، للدَّلالة على هذا المفهوم؛
(2) وإذن، فلا مناص من أن تكون (الدَّولة) مؤسسة (مدنيَّة) لا (دين) لها، ترعى جميع مواطنيها دون تمييز. بغير ذلك لا يعني (تَّديُّنها) سوى أحد اثنين، فإمَّا (الشَّعب) أو (القائمين) بأمر (السُّلطة)، لكنهما، على توفُّر الجانب (البشري) فيهما، لا يحيطان بمفهوم (الدَّولة)، حتَّى في معنى (الوُسع) الذي ذهب إليه غرامشي:
أ/ فأما لجهة تديُّن (الشَّعب)، فلا شكَّ في مكانة (الأديان)، السَّماويَّة والأرواحيَّة، منذ ما قبل (الانقاذ) بقرون طوال، ضمن مكوِّنات (التَّعدُّد والتَّنوُّع الهُويويِّين) في هذه البلاد. وللإسلام والجَّماعة المسلمة موقعهما المتميِّز فى هذا الإطار، مِمَّا لم يكن يحتاج إلى انقلاب عسكرى لتأكيده!
ب/ وأما لجهة تديُّن (القائمين) بأمر (السُّلطة)، فإن المطلب ينطرح كإشكاليَّة من وجوه متعدِّدة، أهمُّها ثلاثة:
فمن الوجه الأول: يبرُز أن الإسلام (شريعة) مثلما هو (عقيدة)، لكونه يشتمل على أحكام تحتاج إلى (قائمين بأمر) إنفاذها، دون أن يكونوا هم أنفسهم (الدَّولة)، فقد يتولون مهام المرجِعيَّات الرُّوحية أو الفقهيَّة أو القضائيَّة، سواء في البلدان الإسلاميَّة أو التي يشكِّل المسلمون فيها أقليَّة؛ وهي مهام تقصر عن الاحاطة بكلِّ وظائف (الدَّولة)؛ وقد يتولون أمور (السُّلطة السِّياسيَّة)، لكن بحكم (الضَّرورة) لا (النَّص). ومع ذلك فثمَّة ملاحظتان يجدر اعتبارهما:
الملاحظة الأولى: أنه ما من مسوِّغ نقلىٍّ ولا عقلىٍّ لادِّعاء هذه المرجِعيَّات أنها، في أدائهـا بأيٍّ مـن الحـالين، تنزل النَّاس على (حكم الله)، لا على (اجتهادها البشري). وقد رُوى عن الرسـول (ص) أنـه كان إذا أمَّـر أميـراً علـى جـيـش أو ســريَّـة أوصـاه: "إذا حاصـرت أهـل الحصـن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهـم على حكـم الله، ولكـن أنزلهـم علـى حكـمك، فإنـك لا تـدري أتصـيـب حكـم الله فيهم أم لا" ـ رواه مسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حنبل.
الملاحظة الثَّانية: أن هذه المرجِعيَّات ملزمة، فى كلِّ الأحوال، باستصحاب (المصلحة العامَّة)، ودفع (المضرَّة)، علاوة على مراعاة أن من الخطأ، حسب الصَّادق المهدي، "قياس ضرورة التزام القيم الرُّوحيَّة والخُلُقيَّة الدِّيني بالتزام مماثل .. في المعاملات الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة، (لأنَّ الأولى ثابتة) .. أمَّا الثَّانية (فمتحرِّكة) مع ظروف الزَّمان والمكان .. (و) إخضاع .. (المتحرِّكة) لأحكام (الثَّابتة) يحقق المضرَّة"(11).
أمَّا من الوجه الثَّاني: فيبرُز أن (القائمين بالأمر) مقيَّدون بأشراط (بشريَّتهم)، فلا عصمة لهم أو قداسة. ولأنه ليست ثمَّة نصوص تفصيليَّة، قطعيَّة الورود والدَّلالة، تسند ما يثيرون من (إلزاميَّة) بإقامة (الدَّولة)، أو تعيين (شكلها)، أو (طريقة) نصبها، أو حدود (صلاحيَّاتها)، فإن ما يسبغون من (دين) على تصرُّفهـم في الأمر كتنزيل لـ (إرادة الله) المطلقة، لا لـ (رأيهم) الخاضع لمستوى (أفهامهم) ليس سوى إنفاذ لـ (تديُّنهم) هم النَّاشئ من (اجتهادهم) الخاص في (التَّأويل) و(التَّفسير)، أو المستند إلى (اجتهادات) فقهاء آخرين مِمَّا تتماهى فيه نصوص (الدِّين) المنزهة من الغرض، مع تصاريف (السِّياسة) المتماهية مع (مصالح) خاصَّة بالغة الضِّيق. لقد أثبتت الخبرة أن هؤلاء قد اتخذوا من هذه الاجتهادات "قميص حديد، فقدَّسوها ويبَّسوا بها الحياة"، على حدِّ تعبير الصَّادق المهدي(12).
وأمَّا من الوجه الثَّالث: فيبرُز أن غياب النُّصوص التَّفصيليَّة بشأن (السُّلطة السِّياسيَّة) يجعل من (دولة الرَّاشدين)، ومن منهجها في استصحاب (المصالح العامَّة المرسلة)، ودفع (المضرَّة) بالأخص، المرجعيَّة الأساسيَّة، والنموذج المعياري الأعلى لصورة (الدَّولة المثال) في تاريخ المسلمين، بالمعنى الحضاري، لا العقدي، رغم أن (دولة الرَّاشدين) لم تدُم، على مدى 15 قرناً، سوى 31 عاما (29 للخلفاء الرَّاشدين الأربعة، وعامين وخمسة أشهر لعمر بن عبد العزيز)، أخذاً في الاعتبار باستحالة تكرار (دولة الرَّسول "ص")، من جهة، والتي كان شرط تحقُّقها الأساسي وجوده بنفسه على رأسها، ثمَّ انقلاب (الخلافة ما بعد الرَّاشدة) إلى (ملك عضود)، من جهة أخرى، مِمَّا ينفي عنها قيمة (المثال/القدوة)؛ واستطراداً، فمع أن دولتي الأمويين والعباسيين كانتا الأطول عمراً، وقد شهدتا ازدهاراً كبيراً للحضارة العربيَّة، إلا أن الإسلام لم يشكِّل، قط، مرجعيَّتهما الأخلاقيَّة. فالكعبة، مثلاً، ضُربت مرَّتين، في الصِّراع على السُّلطة، خلال العهد الأموي، وقتلى الأمويين، في المذابح التي نصبها لهم العبَّاسيون، قد نُبشت قبورهم، ومثِّل بجثثهم. أما الخلافة العثمانيَّة فقد تكفي وقائع عُشرة السُّودانيين، مسلمين وغير مسلمين، مع فظاعات حكمهم، الأمر الذي جيَّش أغلبيَّتهم السَّاحقة في الثَّورة عليهم خلف الإمام المهدي، كما قد يكفي ذمُّ المؤرِّخ المصري ابن اياس لعسكرهم، في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور)، واصفاً إيَّاهم بالقذارة، وضعف الدِّين، وقلة الأدب، وعدم الحشمة، والتَّصرُّف كالبهائم، والمجاهرة بشرب الخمر في الأسواق، وترك الصَّوم والصَّلاة، بما في ذلك حتَّى صلاة الجمعة.
هذه الحقائق، والكثير غيرها، تمثِّل، بالنِّسبة لفكر وتطبيقات غالب حركات (الإسلام السِّياسي)، في السُّودان والمنطقة، وعورة أخرى تتبدَّى في النَّتيجة الخطيرة التي تمثِّل (كعب آخيل) هذه الحركات، والتى يرتِّبها التُّرابي على هذا الواقع التَّاريخي بقوله: "نبدأ اليوم من (واقع مثقل بالعجز والابتلاء) .. من دول للمسلمين (حظها قليل من المقاصد الإيمانيَّة) ، ومن (المواقـف العمـليَّة السِّـياسيَّة) الإسـلاميَّة"، ولذلـك ".. لا بُـدَّ اليـوم مـن أن (ننسـب) الحديـث عن (النِّظـام السِّـياسي الإسلامي) إلى (الواقع) حتَّى يكون (هادياً) في حركة حياة المسلمين .."(13).
وإذن فإن هذا (العجز) الذي يسِمُ، اليوم، حياة المسلمين، والنَّاتج، حسب التُّرابي، عن (قلة الإيمان)، هو الخلفيَّة التى (ينبغي)، وفق أحد أهمِّ استنتاجاته، أن تتشكَّل عليها المواقف (العمليَّة) للنِّظام السِّياسي (الإسلامي) المراد تأسيسه، بحيث تنتسب هذه السِّياسة (العمليَّة) إلى هذا (الواقع العاجز)، لا إلى (المثال الأعلى) المستلهم من دولة الرَّاشدين. وبما أننا سبق أن سقنا الحُجَّة على أن (الدَّولة)، من حيث هي مؤسَّسة للعنف المشروع، لا تصلي ولا تصوم ولا تحجُّ، مِمَّا يجعل من مطلب (وصل الدِّين بالدَّولة)، في هذه الحالة، مطلباً لوصل (الدِّين) بـ (عمل الأشخاص القائمين) بأمر هذه المؤسَّسة، فإننا لا نحتاج، بالطبع، إلى كثير تأمُّل كي نستطيع أن نتصوَّر مضمون (الهداية) التى يمكن أن يحملها هذا النَّوع من (عمل الأشخاص المتباعـدين) عـن المـثال اﻷعلى، (المتشـاكليـن) مـع الواقـع المـزري!
ومِمَّا يعضِّد من ترجيح ذلك النَّظر لدى التُّرابي، عودته المستفيضة، لاحقاً، إلى أطروحته القديمة تلك ضمن مؤلَّفه الوافى عن خبرة حركته، حيث أكَّد أنها، فى مرحلة من تاريخها، قد انتقلت بدعوتها وفكرها من مجرد الوقوف عند (المطلقات) و(المجرَّدات) و(العموميَّات)، لتتطوَّر باتجاه (الواقعيَّة)، وأن "الفقه لديها بدأ، من بعد (التَّنطُّع النَّظري) و(التَّحكُّم القطعي) و(العموم) .. يتَّجه نحو (المرونة)، ويتصوَّب نحو الأوضاع الرَّاهنة .. و(يتكيَّف) حسب وجوه (تطوُّراتها)، ووقائع (تقلباتها) .. وإذ لم يعُد كله خطاب دعوة وجدل يورث (الإقناع)، أو وعظ يجيِّش عاطفة الإيمان، اكتسب صفة .. خطاب البيان الذى يشرح (ليَهدي) العمل، وليمهِّد لتطبيق الأحكام .. ومن صور المنحى (الواقعي) في (فكر) الحركة أنها آثرت (التَّفكُّر) على (التَّفيقه) .. تؤصِّل تحرُّكها بالفكر وتصوِّب تفكُّرها نحو الواقع"(14).
وبالنَّظر إلى تلك النَّتيجة، فإن سياق هذا المجتزأ المطوَّل يشى بمسألتين متعارضتين تماماً: (الواقعيَّة)، من جهة، كإحدى المطلوبات السَّديدة في الفكر والعمل، و(الواقع)، من جهة أخرى، كبديل يهدر (المثال) فى نسق الفكر والعمـل. فإلى أيهما قصد الكاتب؟!
الإجابة على هذا السُّؤال، علاوة على ما سبق إيراده من أن النِّظام السِّياسي (المبتعد) عن (المثال الأعلى) الإسلامي، و(المنتسب) إلى (واقع العجز)، هو ذلك (الهادي) لحركة حياة المسلمين التي (ابتليت) بـ (قلة الإيمان)، إنَّما تهشُّ، أيضاً، وبإلحاح، من فوق تمجيد د. الترابى لتصرُّف الحركة في (الواقع)، و(تكيُّفها) بحسب وجوه (التَّطوُّرات) ووقائع (التقلبات)، بحيث يكتسى خطابها طابع البيان الذى (يَهدى) العمل، ويمهِّد لتطبيق (الأحكام)، متخفِّفاً من قيود أيِّ (مثال أعلى) للدَّولة الإسلاميَّة، وملتمساً التَّطوُّر باتِّجاه (واقعيَّة) تؤْثِر (التَّفكُّر) على (التَّفيقه) الذي لا يعدو كونه، على حدِّ تعبيره، محض (مطلقات)، و(مجرَّدات)، و(عموميَّات)، و(تنطُّع نظري)، و(تحكُّم قطعي)!
كان من الممكن، يقيناً، تلقِّي هذه (الأفكار) كتدابير (بشريَّة) تتعلق بسياسة (الدُّنيا)، ومناقشتها، من ثمَّ، وفق المعايير التى يخضع لها (الفكر البشري)، لو لم يؤْثِر أهلها، بقيادة التُّرابي، أن يردُّوها إلى ضرب من (التَّديُّن بالسِّياسة) أو (توبة الدَّولة إلى الدِّين)، على حدِّ شائع مسكوكاتهم الاصطلاحيَّة، مِمَّا يجري تصويره بنشاط على أنه هو وحده (صحيح الدِّين)، جاعلين ثنائيَّة (الإيمان والكفر)، لا (الصَّواب والخطأ)، هي معياريَّة تقدير هذه الأفكار البشريَّة. وعلة ذلك هي الذِّهنيَّة (الأحاديَّة) القائمة في أساس بنية (الإقصاء) و(الإحلال) الفكريَّة والسِّياسيَّة. فالترابي، مثلاً، يرى أن من وجوه الكسب الذي تهيَّأ لـ (الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة) خلال الفترة التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985م ليس، فقط، فرصة إعادة تنظيم صفوفها، وتوسيع عضويَّتها، ومنافسة الأحزاب في مناخات الدِّيموقراطيَّة المستعادة، وإنَّما الطمع في ".. استيعاب القدرات الشَّعبيَّة القبَليَّة والصُّوفيَّة، و .. إدراج المجتمع (كله) في الحركة، (حيث) أخذت الجَّماعة تتحوَّل، بطبيعتها، نحـو أن تكـون المجـتمع"(15)؛ أي أن تجعل من (تذويبه) بأسره، و(صهره) أجمعه في ذاتها، غاية سلطويَّة تتصوَّب نحوها بكليَّاتها، بعد أن تتجسَّـد في ما يطلق عليه (الجَّماعة الهادية)، والتي يكون انبثاثها ".. في المجتمع بما يحيله (كله) إلى مثالها"، حيث ينبغي أن (تسعى) لـ (التمكُّن) فى مجتمعها تدرُّجاً حتَّى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصفٍّ وصورة"، وبالنتيجة "تصبح (هي) المجتمع الجَّديد القائم بالدِّين"(16).
لن يكون، بالقطع، ثمَّة ما هو أكثر تجرُّؤاً على (الدِّين) من هذا الإحلال لطلاقات (التَّديُّن) محلَّ انضباطه! فبما أن الفكرة مطروحة فى سياق طلب (الجَّماعة الهادية) لـ (التَّمكين السِّياسي)، في مجتمع موصوف بأنه غارق، أصلاً، في (واقع مزرٍ)، فلعلَّ صراحة الدَّعوة لـ (إحالة) هذا المجتمع إلى (مرجعيَّة) الجَّماعة، طوعاً أو كرهاً، أجهرُ من أن تعتِّمها غلالة المناداة النَّاعمة بـ (استنفاد) هذه الجَّماعة لجدوى (تميُّزها) عنه؛ كما أن حُجَّة تأسيس المجتمع (القائم بالدِّين) لا تبرح، في هذه الحالة، التَّعبير الملتوي عن المطالبة بالمجتمع (المحكوم بالدَّولة الدِّينيَّة)، ولا يعنى كلاهما، فى النِّهاية، سوى دفع (الجَّماعة)، حثيثاً، لفرض نمط (الدَّولة الدِّينيَّة) القائمة على الاستبداد المطلق، ونموذجها الأسطع، قرآنيَّاً، (دولة الفراعنة) في العالم القديم، والتي لم يكن حاكمها يُر شعبه إلا ما كان يَرى، مشيعاً أنه لا يهديَهم إلا سبل الرَّشاد! من ثمَّ فإن نشر (التَّديُّن بالسِّياسة) ليس سوى غطاء لفرض (نمط التَّديُّن) الذي تتبنَّاه (النُّخبة الحاكمة) تجسيداً لإرادة طبقيَّة محدَّدة، أي تجسيداً لسلطة المصالح السِّياسيَّة لطبقة اجتماعيَّة سائدة اقتصاديَّاً، ومن ثمَّ اجتماعيَّاً. ويزكِّي التُّرابي هذه (النُّخبة = السُّلطة)، دون أدنى مواربة، باعتبارها "قد (توافر) لها .. رصيد (موثوق) من الفكر (المركَّز) الذي يؤمَن عليه من (الضَّلال)، وتوافرت فيها عناصر (عضويَّة قويَّة) .. يُعوَّل عليها .. أن (تحمل) الجَّماهير بقدوتها وقوَّتها إلى (مستوى أعلى)، و .. استوت لها (خبرة عميقة) .. تمكنها من (الإحاطة) بقطاعات (الشَّعب) دون انحلال في روابط (الجَّماعة) أو ارتباك في نسقهـا" .. الخ(17).
ولا ينفكُّ التُّرابي يتوسَّل بمنهج الاستدراكات (الواقعيَّة) على (المثال)، في سياق يعجُّ بالمفارقات الضَّاجَّة، والتَّناقضات الصَّارخة، ونختار من صور ذلك ثلاثاً:
الصُورة الأولى: أن (التَّعدُّديَّة)، برغم كونها من أهمِّ السُّنن التي استنَّها الخالق ليسير عليها نظام الكون، إلا أنها، لدى التُّرابي، قيمة مدَّخرة للممارسة داخل (الحركة) وحدها، وفي إطار (دولتها الدِّينيَّة) فحسب، رغم إقراره بأنه "إذا حدث وأغرى تراث الفتن بمذهب يرفض التَّعدُّد .. ويسعى لاستئصاله، (فإنه) يركب فتنة أكبر أو .. ينكر أصل ما فطر الله عليه البشر من تباين في الملة أو الجَّماعة أو الرَّأى"؛ غير أنه ما يلبث أن يعود ليحصر الأمر كله في (الحركة) وحدها، قائلاً: "لا ريب أن الجَّماعة .. بعد تجاربها قد عرفت التَّعدُّد وجوداً، كما عرفت التَّوحُّد وجوباً، لكنها لم تبلغ بعد أن .. تطوِّر تصوُّرات التَّعدُّد في سياق مجتمع إسـلامىٍّ متمكِّـن ذي سـلطان سياسـي متوحِّـد"(18)، علماً بأن هذا (المجتمع الإسلامي) هو نفسه المطلوب امتصاصه داخل (الجَّماعة)، وفق التُّرابي، بما يحيله كله إلى مثالها!
الصُورة الثَّانية: أن (الحريَّة) التي تقترن، وجوباً، بـ (التَّعدُّد)، لم تكن لديه سوى قضيَّة ظرفيَّة يراها من زاوية مصلحة (حركته) وحدها. فعلى أيام النِّميري الذي صادر حريَّات الشَّعب كله، أبرمت (الحركة) معه صفقة نالت وحدها، بموجبها، هامشاً معتبراً من (الحريَّة)، بمبرِّر غاية في البراغماتيَّة، بل الانتهازيَّة، إذ "توخَّت (الحركة) رخصة تلك (الحريَّة) لتبنى (قاعدتها) و(قوَّتها) .. لأنها لم تكن ترجو (الاصلاح الإسلامي) إلا بـ (تمكُّنها) في السُّودان"، لذا فإن ".. قدراً من (الحريَّة) لـ (الأعضاء) .. ضمان لـ (تديُّن) أوسع وأوقع أثراً، ولوحدة قوامها الوجدان والسُّلطان معاً"(19).
ونستدعي، هنا، للمضاهاة، موقف مفكر آخر من (الاسلام السِّياسي) في المنطقة، هو التونسي راشد الغنُّوشي، ورأيه في هذا النوع من (الحريَّة)، كشفاً للمفارقة والتَّناقض بين رؤيتي الزَّعيمين، إذ يقول الغنُّوشي: ".. النِّضال من أجل الحريَّة هو من جوهر النِّضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلاميَّة أن الحريَّة ليست قضيَّة جوهريَّة فذلك سقوط رهيب. والذي أخشاه أن تكون الحريَّة قضيَّة ظرفيَّة بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون الظرف غير مناسب لنا. وهنا يكون السُّقوط الرَّهيب. إننا نطالب بالحريَّة للإنسان أيَّاً كان"(20).
وهكذا نستطيع أن نرى، ولا بُدَّ، استحالة (التَّوفيق) بين هذين (الموقفين الإسلاميَّين) المتناقضين من (الحريَّة) الواحدة، حيث هي مطلب (لأعضاء الحركة) وحدهم، من وجه، ومطلب (للإنسان أيَّا كان) من وجه آخر!
الصُورة الثَّالثة: أن موقف التُّرابي من (الدِّيموقراطيَّة) يتراءى، للوهلة الأولى، كما لو كان أكثر تقدُّماً مِمَّا هو عليه لدى أغلب أئمَّة الاسلام السِّياسي. فهو، مثلاً، يرفض المفهوم التَّقليدي لـ (الإجماع) الذي سبق أن أكد عليه أبو الأعلى المودودي، الأكثر تأثيراً على سيِّد قطب، من حيث هو (إجماع الصَّحابة) أو (علماء الدِّين). لكن التُّرابي يؤكِّد فهمه المخالف لـ (الإجماع) باعتباره (الرأى العام) لـ (جمهور) المسلمين، ويرى، من ثمَّ، أن "الحكومـة فـي الدَّولـة الإسـلاميَّـة يجــب أن يتـمَّ اختيارهـا من قِبَل الشَّـعب"(21). غيـر أنه سـرعان ما ينكص على عقبيه، ليعرِّف (الشَّعب)، بذهنيَّة (الإقصاء والإحلال) الكامنة في أساس فكره الأحادي، بأنه يعني (أغلبيَّة المسلمين فقط)، وليحدِّد، كذلك، طبيعة وملامح (السُّلطة) في (الدَّولة الإسلاميَّة)، محكماً عليها قبضة (حركته) التي ينبغى ألا تكتفي، فحسب، بـ (التمكُّن) السُّلطوىِّ التقليدىِّ في (مجتمع) مثقل بواقع مغرق في (الانحطاط)، و(العجز) و(الابتلاء) و(الحظ القليل) من المقاصد (الإيمانيَّة)، بل عليها أن (تصهر) هذا المجتمع، صهراً، في (ذاتها)، و(تصبَّه)، صبَّاً، في قالبها، فـ (تبتلعه) بأسره، ابتلاعاً، حتَّى لا يعود ثمَّة (مجتمع) أو (دولة) خارج (الحركة)(22)، وكفى بذلك مفارقة لأبجديَّات (الدِّيموقراطيَّة) أو حتَّى (الشُّورى)!

(نواصل)

الهامش:
* من (عتود الدَّولة) ـ قدِّمت كورقـة أمام (ملتقى نيروبي حـول الدِّين والدَّولة، 23 ـ 25 فبراير 2017م) ـ
نعيد نشرها بمناسبة الذِّكرى الأولى لوفاة د. التُّرابي في 15 مارس 2016م.

المصادر:
(11) أقواس التَّشديد من عندنا ـ الصَّادق المهدي؛ نداءات العصر، ص 34 ـ 35.
(12) الصَّادق المهدي؛ خطبة عيد الأضحى 1421هـ، الجَّزيرة أبا، مارس 2001م، ص 20 ـ 21).
(13) أقواس التَّشديد من عندنا ـ التُّرابي؛ خواطر في الفقه السِّياسي لدولة إسلاميَّة معاصرة، ط1، عالم العلانية، الخرطوم 2000م، ص 5 ـ 6.
(14) أقواس التَّشديد من عندنا ـ التُّرابي؛ الحركة الإسلاميَّة .. (مصدر سابق)، ص 218 ـ 219 ـ 220.
(15) قوس التَّشديد من عندنا ـ نفسه، ص 35.
(16) أقواس التَّشديد من عندنا ـ نفسه، ص 130.
(17) أقواس التَّشديد من عندنا ـ نفسه، ص 125 و126.
(18) نفسه، ص 115 ـ 116.
(19) أقواس التشديد من عندنا ـ نفسه، ص ص 34 ، 78.
(20) خط التَّشديد من عندنا ـ راشد الغنوشي؛ محاور إسلاميَّة، ط 1989م، بيت المعرفة، ص 143.
(21) حسن التُّرابي؛ قضايا التَّجديد في الفكر الإسلامي، الخرطوم 1982م، وأيضاً: قضايا الحريَّة والوحدة، الخرطوم 1982م ـ ضمن عبد الوهاب الأفندى؛ الاسلام والدَّولة الحديثة، ص 101).
(22) نفسه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.