ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاء في الأنباء، مؤخَّراً، أن ثمَّة اتِّجاهاً لتعديل "قانون النظام العام لولاية الخرطوم لسنة 1996م". وحتَّى لا يجـيء هذا التَّعديل شكليَّاً، أو يتنكَّب المسائل الرَّئيسة إلى الهامشيَّة، فإننا سنفرد بعض المقالات هنا من باب المساهمة في تحديد المواد التي ينبغي إلغاؤها أو تعديلها. ونبدأ بإبراز ما نلمس فيه وجهاً من وجوه العداء السَّافر مع فنِّ الغناء والموسيقى. فمنذ صدور هذا القانون وأصداء الشَّكوى إزاء ظلاماته تكاد لا تنقطع، أو حتى تخفت، لحظة، سواء من المتخصِّصين في القانون والسِّياسة، أو من غير المتخصِّصين فيهما مِن أهل المغنِّيين والموسيقيين مِمَّن ظلوا يكتوون، مباشرة، بنيرانه، رجالاً ونساءً. وتنصبُّ هذه الشَّكوى على المصادمة الفاجعة لهذا القانون، بوجه عام، مع جملة التَّصوُّرات الشَّعبيَّة للخير والشَّر، والصَّواب والخطأ، والجَّمال والقبح، والفضيلة والرَّذيلة، مِمَّا يرتِّب لنتائج كارثيَّة على صعيد التَّكوين النَّفسي الاجتماعي، خصوصاً في مستوى الأخلاق والمُثُل العليا، في حين تكاد لا تجد مَن يدافع عنه غير أهل السُّلطة من الرَّسميين، والقادة، والمحاسيب، والقوى الاجتماعيَّة الدَّاعمة للنِّظام، خصوصاً في الصَّحافة والإعلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
وقد يلزمنا، بادئ ذي بدء، افتراع مدخل نظريٍّ عام لهذه القضيَّة، فحواه أن كلَّ "قانون" يتمظهر، للوهلة الأولى، كقوَّة خارجيَّة تقف فوق الجَّميع، وعلى مسافة واحدة من الجَّميع؛ بينما هو، في حقيقته، مجرَّد أداة طبقيَّة تستخدمها الأقليَّة، مدعومة بأجهزة القمع الماديَّة الأخرى، لحمل الأغلبيَّة على سلوكيَّات محدَّدة، خصوصاً في ما يتَّصل بممارسة النَّشاط الاجتماعي، بما في ذلك الفن، وبالأخص الغناء والموسيقى، إبداعاً وتلقِّياً.
غير أنه يتوجَّب علينا التَّفريق، هنا، بين "القانون" و"العدالة"، إذ كثيراً ما يقع الخلط بينهما. فالأخيرة تتميَّز بأنَّها ليست مجموعة "نصوص" يصوغها خبراء سلطانيون يتوهَّمون أن الحياة كلها سوف تدور حيثمـا دارت هـذه "النصـوص"، فيتحـقَّق الحـقُّ بقانون، وينزهـق الباطـل بقانون، ويجيء الخير بقانون، ويتجلى الجَّمال بقانون، وينقشع القبح بقانون، وتسود الفضيلة بقانون، وتتراجع الرذيلة بقانون .. الخ! "العدالة"، على العكس من ذلك، شعور باطني عميق، وواعز نابع من صميم "الفطرة السَّليمة"، يوجِّه الضَّمائر إلى مَواطن "القيم الخيِّرة" وينفِّرها من نقائضها.
وبما أن "قانون النِّظام العام" مطروحٌ على خلفيّة شعارات إسلاميَّة، وأن الغلبة التأثيريَّة في بلادنا للإسلام والجَّماعة المسلمة وثقافتها، بفعل عدَّة عوامل اقتصاديَّة سياسيَّة، واجتماعيَّة تاريخيَّة، فيلزم التَّشديد على أن القيم الثَّقافيَّة الضَّابطة للسُّلوكيات الشَّعبيَّة العامَّة، والمطلوب التعبير عنها، دستوريَّاً وقانونيَّاً، ينبغي ألا تستند إلى "شرعيَّة القوَّة" القائمة في محض التَّقديرات السُّلطويَّة الذَّاتيَّة، بل إلى "قوَّة الشَّرعيَّة" التي تتشكَّل، بجامع تلك "الفطرة السَّليمة"، أساساً، في الذِّهن والوجدان المسلمَين وغير المسلمَين، إضافة إلى "النَّص" بالنِّسبة للذِّهنيَّة والوجدان المسلمّين، الأمر الذي يمثِّل البوصلة الصَّائبة، سواء من زاوية النظر الإسلاميَّة المحدَّدة، أو من زاوية النظر الإنسانيَّة عموماً، على صعيد الحكمة من "خلق الإنسان"، أو "استخلافه" في الأرض، أو "تكريم ابن آدم" وجعله في مرتبةٍ أعلى حتَّى من مرتبة الملائكة، أو تزويده بـ "الفطرة السَّليمة" و"العقل" الذي هو مناط التكليف؛ فضلاً عن تحريم "الظلم"، وإباحة "الحريَّة" في المفاضلة والاختيار حتَّى بين "الإيمان" و"الكفر"، وما إلى ذلك.
وهكذا فالقانون إنَّما يكتسب شرعيَّته من احترام الناس له، واستشعارهم الذَّاتي لواجب الالتزام به، كونهم يرون، بمحض "الفطرة السَّليمة"، إن كانوا غير مسلمين، بالإضافة إلى "النَّص" إن كانوا مسلمين، أن في هذا الالتزام تعبيراً، بالحدّ المعقول، عن ثقافة تمثِّل جماع أعمَّ القيم والمثل الأخلاقيَّة لأوسع قطاعات الجَّماهير الشَّعبيَّة.
كذلك من المهم، ونحن نحتجُّ بقيم "ثقافة الطبقات الشَّعبيَّة" الواسعة هذه، أن نحدِّد، ابتداءً، مفهومها المضاد لـ "ثقافة الطبقات المتسيِّدة"، بالمعنى الضَّيِّق، في الكلِّ التَّاريخي المعيَّن، والمُركَّب من أشكال الوعي الاجتماعي النَّاتجة عن النَّشاط الخلاق لأوسع الطبقات الشَّعبيَّة، والمُعبَّر عنها في الفلسفة، والعلم، والحقوق، والآداب، والفنون، والمثيولوجيا، كما وفي القيم الدِّينيَّة، والأخلاقيَّة المائزة للأبنية الذِّهنيَّة والعاطفيَّة الجَّماهيريَّة حول مفاهيم الحياة والموت، والتَّصوُّرات الأكثر رسوخاً لدى أيِّ شعب، والتي تتمظهر من خلال أسلوبه في الانتاج، وسبله لكسب العيش، ونهجه في تغيير الوسط الطبيعي، وطرائقه في المأكل، والملبس، والزِّينة، والعمارة، والعلاقات بين رجاله ونسائه، وكباره وصغاره، ومناهجه المتَّبعة في التَّربية والتَّعليم، وطقوسه المرعيَّة في احتفالات الزَّواج، والميلاد، ومراسم دفن الموتى، وإقامة المآتم، وما إلى ذلك، مِمَّا ينعكس، بالضَّرورة، في شتَّى الأنماط المعلاة من إبداعاته الغنائيَّة والموسيقيَّة.

(2)
ننفذ من هذا المدخل النَّظري العام إلى المواد المتعلقة، على وجه الخصوص، بثقافة الغناء والموسيقى في "قانون النِّظام العام لسنة 1996م"، على النَّحو الآتي:

المادة/5: تحظـر إقامـة أيِّ "حـفـل غنائـي خـاص" إلا بتـصـديـق مـن السُّلطـات. وتعـرِّف المادة/4/و "الحفل الغـنائي الخاص" بحـيث تندرج تحته أصغر احـتفاليَّة أسـريَّة داخـل المـنزل، مع استخـدام أضعف "مكبـِّر صـوت". وترهـن المادة/5 مثل هذا الحفل لتـصـديـق السُّلطـات، حيث من المعلوم أن سلطة "منح" هذا التصديق تعني، بمفهوم المخالفة، سلطة "منعه"! لذا، ومع تسليمنا التام بكون خصوصيّة المنزل لا تبيح إزعاج الجيران، مِمَّا قد يبرِّر تدخُّل السُّلطة العامّة، إلا أنه ينبغي تسييج هذا التدخُّل بأشراط واضحة حتى لا يصـبح مدعـاة وأداة لاستلاب هذه الخصوصيَّة. إن أعجل نظرة لعناصـر المادتين/5 ، 4/و كافية للكشف عن أن تصديق السُّلطات لازم لدى إقامة أيِّ حفل أسري، كبُر أم صغُر! أما الإشارة لمكبِّر الصَّوت فمحض ذريعة لتوسيع تغوُّل السُّلطة على الخصوصيَّة، بأكثر من حماية الجيران، إضافة إلى التَّضييق على الفنون، استناداً إلى الملاحظات الآتية:
أولاً: لم يُعْنَ المشرِّع بتحديد قوَّة مكبِّر الصَّوت المحظور، مِمَّا يوسِّع من نطاق الحظر ليشمل حتَّى أصغر أجهزة الاستماع المنزليَّة، قياساً، مثلاً، لقواعد المرور التي تحدِّد السُّرعة المعتمدة للسَّير في الجِّسور، والطرقات الدَّاخليَّة، وطرقات المرور السَّريع، وغيرها!
ثانياً: لم يُعْنَ المشرِّع بإشراك الجيران أنفسهم في شأن تقديرات حمايتهم المزعومة من الإزعاج، بل عمد لوضع هذه التَّقديرات، ابتداءً، في يد السُّلطة العامَّة، وتفويض التَّقرير، أساساً، بوقوع الإزعاج من عدمه إلى شرطة النِّظام العام، ولا شكَّ في ما يمثِّله ذلك من ترخُّص مستقبح، واستهانة غليظة بقيمة الجِّوار في الثقافات السُّودانيَّة على تنوُّعها.
ثالثاً: عمد المشرِّع إلى وضع هذا النَّص برغم كفاية المادّة/77 من القانون الجَّنائي لسنة 1991م، والتي تجرم إزعاج من يقيمون في الجِّوار، بحيث يكون تقديرهم عند فتح الدعوى هو، بالأساس، محل الاعتبار.
ربما تكفي هذه الملاحظات الثلاث للكشف، بجلاء، عن أن الهدف الحقيقي من وراء النصّ ليس "حماية الجيران" من "الإزعاج"، كما يوعز بذلك المشرِّع، بل، كما قلنا، التضييق على الغناء والموسيقى، إضافة إلى وضع أدقِّ تفاصيل حياة المواطنين الخاصَّة تحت "اليد الثَّقيلة" للسُّلطة، وتوسيع حقِّها في ضبط سلوكهم على مقاس "تصوُّرها" هي لجدوى الإبقاء على "إحساسهم" العام والدائم بهذه "اليد الثَّقيلة" في كلِّ لحظة، حتى داخل أسرهم، وفي نطاق مساكنهم، وعلائقهم بجيرانهم.
وهكذا يعتدي المشرِّع، بحجر واحد، على جملة قيم ثقافيَّة تتعلق بحريَّة الإبداع الغنائي والموسيقي، وحريَّة تلقِّيه، دَع حريَّات المواطنين العامَّة، وحقوق الأسر، وحركة المنازل، وخصوصيَّة الجِّوار، وذلك لتحقيق أهداف أبعد ما تكون عن صالح المواطن كما يدَّعي القانون!

المادَّة/6: تحظر، بدورها، إقامة أي حفل غنائي "عام" إلا بتصديق، أيضاً، من السُّلطات، وإخطار شرطة النِّظام العام. ولا يخفى، بالطبع، القدر من العنت الذي يسبِّبه هذا النَّص، هذه المرَّة، للمؤسَّسات المعنيَّة بأمر هذا النَّوع من النَّشاط، كالأندية والمراكز الثقافيَّة، وإعاقة فعاليَّاتها المتَّصلة بالغناء والموسيقى، حتَّى لو اتَّخذت الطابع البحثي أو التَّثقيفي، أي ما يمثَّل جزءاً لا يتجزَّأ من نشاطها اليومي!

المادّة/1/7/أ: تستوجب إيقاف أيِّ حفلٍ، سواء كان خاصَّاً أو عامَّاً، في موعدٍ أقصاه الحادية عشر مساءً، وتقرأ مع نص المادة/19/ب التي تحظر، أيضاً، استخدام أي مكبِّر صوت بعد ذلك الوقت، بصرف النظر عن قوَّته. منهج الإطلاق الذي اعتمده المشرِّع، هنا، يُدرج تحت طائلة النصَّين، أيضاً، حتى المناسبات العائليَّة داخل المنازل، مهما صغرت، ومهما ضاق نطاقها! ولا تفسير لذلك بغير النُّزوع القمعي، كما قلنا، لضرب قيود غليظة على حركة الغناء والموسيقى في مستوى النَّشاط العام، من جهة، وفي مستوى حياة النَّاس الخاصَّة، من جهة أخرى، ووضع كليهما تحت القبضة الخانقة للسُّلطة!

المادّة/1/7/ب: تحظر، كشرط إضافي لقانونيَّة أيِّ حفل، خاص أو عام، رقص النِّساء مع الرِّجال، ورقص النِّساء أمام الرِّجال! هذا النص، فضلاً عمَّا يشتمل عليه من مفارقات صارخة، ينطوي على قدر كبير من العدوان على قيم اجتماعيَّة وإنسانيّة معتبرة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: باستخدامه المطلق للفظي "رجال" و"نساء" يصنف المشرِّع أطراف العلاقة الاحتفاليَّة، بما فيها العلاقة الاحتفاليَّة الأسريَّة، تصنيفاً "جنسيَّاً" بحتاً، فيهدر كلَّ قيمة لأيِّ تصنيف آخر، كثنائيَّة (الأم ـ الإبن)، (الأب ـ الإبنة)، (الأخ ـ الأخت)، (الزَّوج ـ الزَّوجة)، دع علاقات (الجِّيرة) في السَّكن، أو (الزَّمالة) في الدِّراسة أو العمل، أو حتى (الخطوبة)، مِمَّا لا تقرّه، قطعاً، ذهنيَّة التَّحريم التي أنتجت النَّص!
ثانياً: بحظره رقص النِّساء مع الرِّجال، والنِّساء أمام الرِّجال، يحظر النَّص، في الواقع، مشهد النِّساء، من حيث هُنَّ نساء، في أيِّ حفل يحضره رجال من حيث هم رجال، أو يسمح لهُنَّ بالحضور، لكن بشرط أن يجلسن ساكنات "يتفرَّجن" على رجال يراقصون رجالاً .. ويا له من شرط!
ثالثاً: وباعتبار:
أ/ أن النِّطاق الجُّغرافي لسريان هذا القانون هو العاصمة القوميَّة؛
ب/ وأن هذه العاصمة القوميَّة شهدت، أوان صدور هذا القانون خلال النصف الثَّاني من تسعينات القرن المنصرم، بل وما تزال تشهد، حركة نزوح كثيف إليها من الأقاليم المختلفة التي يعاني مواطنوها من الفقر، وتردِّي الظروف المعيشيَّة، حيث "أن 83% من سكَّان الرِّيف فقراء غذائيّاً، أي تقلُّ دخولهم عن خطّ الفقر الغذائي .. (و) يعيش 45% (منهم) في فقرٍ مدقع مما يتَّسق تماماً مع دعاوي التَّنمية غير المتوازنة، وتهميش الرِّيف، والتحيُّز لصالح الحضر"، على حد شهادة (التقرير الاستراتيجي) الرسـمي أوان ذاك؛
ج/ وأن المشرِّع ليس جاهلاً بالواقع الثقافي في تلك الأقاليم، حيث تشيع طقوس الاحتفاليَّات المختلطة، بما في ذلك الرقص المختلط؛
إذن، فإن الاستنتاج الوحيد الغالب من تلك الاعتبارات الثلاثة هو أن المشرِّع إنَّّما يفترض في العاصمة القوميَّة دولة أخرى يتأسَّس القانون المطبَّق فيها على ذات المنطق الذي يَفترِض خضوع زوار الدَّولة الأجنبيَّة لقانونها!

المادتان/1/7/د ، 2/7: تحظران أداء الأغاني (الهابطة!)، كشرطٍ آخر لـ (قانونيَّة) الاحتفاليَّات المشار إليها، كما تعطيان الشُّرطة حقَّ (إزالة المخالفة)، بناءً على سلطة مطلقة يمنحها المشرِّع للشُّرطة بشأن تقدير ما إن كان الغناء (هابطاً) أم لا!
هكذا يختزل المشرِّع، اختزالاً مخلاً، مجمل تاريخ الجَّدل الفكري الذي راكم، من خلاله، ملايين المبدعين، والفلاسفة، والمفكِّرين، والنُّقاد، والباحثين، وما زالوا يراكمون معرفة أكثر وثوقاً بالإبداع، عموماً، والإبداع الغنائي والموسيقي، خصوصاً، كنشاط إنساني متميِّز، وهي المعرفة التي يُعتبر من أهم دروسها، حتى الآن، وجوب النأي بالعمليَّة الإبداعيَّة عن أيَّةِ محاكمة خارج القيم والمعايير المعتمدة في النقد والتذوُّق. إن أيَّة محاولة لتهميش هذه القيم والمعايير، أو إلغائها، كي تُستبدل بها قيم ومعايير تستمد مشروعيَّتها من نفوذ السُّلطة السِّياسيَّة وأجهزة القمع المكرَّسة في خدمتها، لهي، بكل المقاييس، محاولة لهدم الطاقة الإبداعيَّة ذاتها، لا لبنائها! فالمشرِّع، في هذه الحالة، ينصِّب من "البوليس" ناقداً أعظم لا معقب عليه، ولا رادَّ لأحكامه النافذة في التَّوِّ والحين، والتي تصدر، بالضَّرورة، عن تصوُّرات ذاتيَّة تزعم لنفسها كمال التسلح الخُلُقي، بينما تنفيه عن المبدع، شاطبة، بجرّة قلم، أيَّة جدوى لقيم ومعايير العلم والمعرفة الموضوعيَّة، والتي تمثِّل، في العادة، أنضج ثمار الجُّهود التي ما انفكَّ يبذلها حملة مشاعلها عبر كلِّ التَّاريخ الإنساني، دَعْ ما ينطوي عليه النَّص من تهديد لثراء تنوُّع المفاهيم، والأخيلة، والأمزجة الفنيَّة، وطرائق التَّعبير المختلفة، وأساليبها في شتَّى اللغات واللهجات السُّودانيَّة، إذ تمحق نوايا المشرِّع كلَّ هذه القيم بخطة غير خافية لإخضاعها إلى معياريَّة الأيديولوجيَّة الخاصَّة بالنُّخبة الإسلامويَّة الحاكمة باسم طبقتها السَّائدة، كما وتسحقها، نهائيَّاً، بتفريق دمها بين قبائل الجُّند المجيَّشين لتطبيق هـذا النَّص، بمخـتـلف معـياريَّاتهـم الثَّقافـيَّة، والشَّـخـصـانيَّـة السَّـايكـولوجـيَّة، مِمَّا يصـعـب حصـره!

(3)
وهكذا، إذا ما أضفنا العقوبات التي يجيز القانون لمحكمة النِّظام العام أن توقِّعها على مخالفي هذا القانون، والتي تشمل السِّجن، والجَّلد، والغرامة، ومصادرة الأجهزة، خصوصاً الآلات الموسيقيَّة ومكبرات الصُّوت "الساوند سيستم"، فإننا نستطيع أن نلاحظ، بمجرد نظرة عابرة، غلبة ملامح الظلم الاجتماعي والثَّقافي على هذا القانون، فضلاً عن تحيُّزه الواضح ضد الفن والفنَّانين، عموماً، وفنَّاني الغناء والموسيقى، خصوصاً، بالإضافةِ إلى تشكُّكه في جنس النِّساء، من جهة، وفقراء الهامش النَّازحين إلى العاصمة، من جهةٍ أخرى، الأمر الذي يشكِّل عدواناً صارخاً على قيم مرعيَّة في مختلف الثَّقافات السُّودانيَّة، من جهةٍ ثالثة، مِمَّا سنتناوله في مقالات لاحقة.
بالتالي، فإن هذه النُّصوص، في التَّقييم النِّهائي، غير متَّسقة مع تصوُّرات النَّاس النابعة من صميم عقولهم ووجدانهم عن الغناء والموسيقى، وما يحيط بهما من معايير السُّلوكيَّات الاحتفاليَّة، بل إنها نصوص متنافرة، تماماً، مع ثقافة هؤلاء الذين يُفترض أن تُطبَّق عليهم، فهي، إذن، وبكلِّ المقاييس، غير مؤهَّلة للقبول لديهم، فينبغي إلغاؤها نهائيَّاً.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.