ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذات فجر باكر، أثناء بحثي فى بعض مراجع علم النَّفس لأغراض مهنيَّة بحتة، سطعت في خاطري، فجأة، ذكرى حكاية غاية في الغرابة وقعت لي، قبل سنوات طوال، مع صـديقي الرَّاحل خالد حسين أحمد عثمان (الكـد)، عليه رحمـة الله ورضـوانه، ولست، بعد، متيقِّناً مِمَّا إن كان من الممكن تفسيرها بـ (الاستبصار Clairvoyance)، أو (التَّخاطر Telepathy)، أو ما إلى ذلك مِمَّا يدخل فى باب (الادراك ما وراء الحِسِّي Parapsychology)، أحد أكثر أبواب علم النفس تعقيداً. وعلى أيَّة حال إليكم الحكاية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
كان ذلك على أيَّام دكتاتوريَّة النِّميري، في آخريات نوفمبر 1977م. وقتها كنَّا، خالد وأنا، نقضي، مع آخرين كثر من مختلف التَّيَّارات السِّياسيَّة، فترة اعتقال روتيني طويل، بسجن كوبر. وقد حدث في زيارة راتبة، تزامنت مع عيد ميلاد طفلته (عزَّة) التي هي الآن طبيبة مرموقة ببريطانيا، أن حملت إلينا زوجته، آنذاك، فاطمة، وشقيقته ملكة، تورتة كبيرة، شهيَّة، باهرة الألوان؛ فاعتبرنا ذلك اليوم مفترجاً بامتياز، إذ أن هبوط (طبق طائر)، بمثل ذلك البهاء، على عزلتنا الجَّـديبة تلك، كان، بحقٍّ وحقيقة، حدثاً استثنائيَّاً يستحقُّ أن يؤرَّخ به تحت عنوان (يوم التُّورتة)! فسارعنا، بتلك المناسبة، لتنظيم احتفال ضخم، في المساء، كبَّد (كميوننا) الفقير، أصلاً، رهقاً من السُّكَّر والشَّاي ولبن البودرة! وتبارى المعتقلون، ضمن برنامج ذلك الاحتفال، في رواية ذكريات طفولتهم. وعلى ما وَسَمَ معظم تلك الرِّوايات من مغالاة ومبالغة، إلا أن الجَّميع راحوا يُبدون، على غير العادة، كثيراً من رحابة الصَّدر وطيب الخاطر في تلقِّيها! كيف لا والجَّوُّ يعمر بحبور نادر، وسعادة فيَّاضة، والقهقهات تشقُّ عنان السَّماء، تنضح بطعم التُّورتة البهيجة، ونكهة الكاكاو والكريمة الدَّسمة، فمن ذا الذي يجرؤ على إفساد مثل ذلك الجَّوِّ بمغالطة أيَّة رواية، حتَّى لو زعـم أحد غمار المعتقلين أنه كان (مدلَّلاً) في طفولته، وأن أهله كانوا يُحيون عيد ميلاده سنويَّاً!
الشَّاهد أننا لهطنا، بسعادة فائقة، كمِّيَّات مهولة من تلك الكعكة اللذيذة التي أعادت لنا بعض إنسانيَّتنا، وأنشـدنا ما شـاء الله لنا من أناشيد السِّجن التَّقليديَّة، وبعثنا بتحايانا، من فوق الأسوار العالية، إلى كلِّ الشُّرفاء خارجهـا، ولم ننس، بالطبع، أن نبعث بتحايا خاصة إلى طفلتنا العزيزة (عزَّة).
شبع القوم حتَّى أتخموا، ولمَّا كانت قد تبقَّت قطعة صغيرة من تلك التُّورتة، فقد تآمرنا، خالد وأنا، على مقلب نكيـد به لبقيَّة الزملاء، بأن نغافلهم، ونضعها، بتكتَّم شديد، في إناء معدني نخفيه في إحدى الزَّنازين، ريثما نسـتأثر بالتهامها وحدنا مع شاي الصَّباح، قبل أن يستيقظوا، ويعلموا بالأمر، فنتفكَّه عليهم، ونستثير غيظهـم .. وقـد كان! عـلى أن إرادة الله التي لا غالب لها ما لبثت أن اقتصَّت لأولئك المساكين الذين غدرنا بهم، فما هي إلا ساعة، أو بعض ساعة، حتَّى اتَّضح أن سخونة الجَّو قد فعلت فعلها في غنيمتنا، خصوصاً في البيض الدَّاخل ضمن مكوِّناتها، وبالنَّتيجة أُصيب كلانا بتسمُّم حاد. وبين القئ العنيف والإسهال اليمزِّق الأحشاء كنَّا على وشك أن نلفظ أنفاسنا الأخيرة، ما يكاد الواحد منَّا يغادر الحمَّام حتَّى يبقى مرابطاً أمام بابه المغلق، منتظراً، على أحرِّ من الجَّمر، خروج الآخر!
في نهاية المطاف، وبعد احتجاجات قويَّة من المعتقلين، ومطاولات من إدارة السِّجن تسلُّ الرُّوح، وتثاقل في الإجراءات ليومين كاملين انقلب، خلالهما، سواد عيوننا بياضاً، تأكدت الإدارة من أن حالتنا فوق طاقة عيادتهم الصَّغيرة، فلم يعُد ثمَّة مناص من الإسراع بنا إلى المستشفى العسكري بأم درمان، حيث احتُجزنا، وأجريت لنا عمليَّة غسيل معدة، وأُعطينا كمِّيَّات من المحاليل الوريديَّة، تعويضاً عمَّا فقدنا من سوائل، حتَّى تجاوزنا مرحلة الخطر، فوُضعنا في غرفتين متباعدتين يقف على باب كلٍّ منهما حرَّاس أشدَّاء مدجَّجين ببنادق الكلاشنكوف! لكننا، في ما عدا ساعات القراءة والنَّوم، كنَّا، تقريباً، نقضي الوقت كله معاً.
أمضينا، على ذلك الحال، قرابة شهرين تحسَّنت فيهما صحَّتنا كثيراً، وكنَّا، في النَّهارات، نتبادل الكتب والصُّحف، أمَّا في المساءات فقد كان يلذُّ لنا أن نجترَّ الحكايات والذِّكريات التي كان معين خالد منها، في العادة، لا ينضب، بأسـلوبه الذي يغلب عليـه الحـماس والتَّشـويق، وسـط ضحكاته المجلجلات المُعديات!

(2)
وذات ظهيرة من نهاية نوفمبر 1977م زارنا، كلاً في غرفته، صديقى الآخر، وشقيق خالد، المرحوم الأديب طه الكد، ليودِّعنا، قائلاً إنه يعتزم السَّفر في اليوم التَّالي إلى نواحي سنَّار، حيث يحتمل أن يغيب حوالي أسبوع، فى مأموريَّة تفتيشيَّة ضمن مهامِّ عمله ببنك السُّودان. لكن، لم يكد يمضي على تلك الزِّيارة سوى يومين حتَّى لاحظت، أوَّل مساء اليوم الثَّاني، تغيُّراً مفاجئاً على خالد. خَبَتْ، فجأة، شهيَّته للطعام، وفقد حماسه للحكي، وانطفأت ضحكاته المجلجلات، وأصبح كثير الصَّمت والسُّهوم، فضلاً عمَّا رواه لي حرَّاسه من أنه ظلَّ يعاني، طوال نهار ذلك اليوم، من غثيان، وانقباض، ودوار رأس، وعرق يتفصَّد من كل جسمه! إستفسرته، فلاذ بالصَّمت، وإنْ لم يستطع مداراة تردُّده وارتباكه! تفاقم قلقي، فسألته إن كان طه أسرَّ إليه، في زيارته تلك، بأمر مزعج، فهزَّ رأسه بالنفي.
ـ "وإذن .. فيم المشكلة"؟!
ولأننى كنت متيقناً، بحكم عُشرة أسريَّة وثيقة، من عمق المحبَّة بين الشَّقيقين، فقد تعجبت لردِّه بصوت متهدِّج، وعينين واجفتين:
ـ "المشكلة طه نفسه"!
سألته، وأنا أضغط على الحروف متوجِّساً:
ـ "إن شاء الله خير"؟!
إلتوى وجهه الصَّبوح بالألم لبرهةً، ثمَّ سرعان ما انصرف عنى يحدِّق في الشَّجر المندغم مع الظلمة الحالكة عبر النَّافذة. غير أنَّه ما لبث، حين تطاول صمتنا شيئاً، وصار له صليل محرج، أن فجَّر قنبلته، وهو يطرقع أصابع كفَّيه، ويتحاشاني بنظراته، محاولاً إخفاء ارتباك مفضوح:
ـ "طه .. مات"!
للوهلة الأولى لم أستطع، أو ربما لم أُرد، أن استوعب عبارته جيِّداً! حسبته قال "مريض" أو شيئاً من هذا القبيل، فمضيت أستفسره:
ـ "وأنت .. من أين لك وحدك بهذا الكلام، وطه مسافر، ونحن متلازمان هنا على مدار السَّاعة"؟!
ردَّ في إصرار متوتِّر، كازَّاً على أضراسه:
ـ "قلت لك طه مات .. مات في القطار"!
عزَّ عليَّ أن يتملكني إحساس بأن صديقي الحبيب أصيب بلوثة مفاجئة، أو أن طول الحبس بدأ يؤثِّر على أعصابه، وهو المعروف بالجَّلد، والبسالة، والصَّبر على المكاره. وربَّما لهذا السَّبب، بالذَّات، ألفيتني ألوك كلاماً لا أذكر منه سوى خلوِّه من أيِّ معنى محدَّد. لكنه سرعان ما قاطعني مستطرداً، وهو يعتدل، فجأةً، في جلسته، وصوته يراوح بين نبرتي الاعتذار والرَّغبة في الإفاضة:
ـ "شوف يا كمال .. سأقول لك شيئاً أرجو أن تصدِّقه، عندنا فى الأسرة حدس لا نتحدَّث عنه كثيراً، لكنَّنا لا نجد له تفسيراً، رغم أنَّه ما خاب ولا مرَّة"!
غيَّر جلسته، مرَّةً أخرى، بحيث اقترب منِّي أكثر، ومضى يسدِّد إلى عينيَّ نظراته الواجفة، قبل أن يستطرد قائلاً:
ـ "في الخمسينات كنَّا ما نزال، بعد، أطفالاً. وكان أبوى حسن، توأم أبوى حسين، منتدباً، في ما كنَّا نسمع، آنذاك، للعمل بنيجيريا. وذات يوم عاد أبوي حسين من الشُّغل باكراً، على غير عادته، ليستلقي بكامل ملابسه على كرسي قماش في برندة الدِّيوان ينضح عرقاً وقلقاً وتوتراً. هُرعت إليه أمى فطلب أن تأتي إليه بليمونة، كونه كان يحسُّ، كما قال، بغثيان، وانقباض، ودوار رأس! استفسرته، منزعجة، عمَّا يكون سبب كلِّ ذلك، فأخبرها، فوراً، ودون أدنى تردُّد، بأن توأمه مريض في غربته!
ـ "هاتفك"؟!
ـ "لا"!
ـ "أبرق"؟!
ـ "لا"!
ـ "أخطرتك السَّفارة"؟!
ـ "لا"!
ـ "أخبرك أهل الوزارة"؟!
ـ "لا"!
ـ "إذن قول باسـم الله .."!
لكن، قبل أن تكمل أمي عبارتها الأخيرة، كانت عربة حكوميَّة تقف أمام البيت، وينزل منها أبوى حسن، بل بالحريِّ ينزله زملاؤه، بادي الشُّحوب والاعياء، ومتوكِّئاً بالكاد على أكتاف بعضهم، بينما انهمك البعض الآخر في إنزال حقائبه من صندوق العربة في صمت مريب! أرقدوه على السَّرير، الرَّقدة التى لم يقم منها حتَّى فارق الحياة بعد حين، وهو يحاول طمأنتنا، رغم أن عينيه الواجفتين كانتا تنطقان بغير ما يقول مخاطباً أبوي حسين بصوت بيِّن الوهن:
ـ "تعَب بسيط .. لم أشأ أن أزعجكم بالخبر قبل وصولي"!

(3)
ختم خالد تلك الحكاية بقوله "خُذ عندك .. هذه واحدة" ، ثم واصل:
ـ "أمسية تخرُّجنا في الكليَّة الحربيَّة أوائل الأسبوع الثاني من يناير 1964م. كانت الأرض تكاد لا تسعنا فرحاً بالدَّبورة الأولى، والميدان يغصُّ بالأهل والأضواء، والزَّغاريد تخالط إرزام فرق الموسيقى العسكريَّة التي تدوي إيقاعاتها دويَّاً يجاوز الآفاق، ويهزُّ النُّفوس هزَّاً. هنأنى أبوي حسين الذى حضر المراسم الأولى في بدلة دمور بيضاء جديدة، قبل أن يعانقني في حنان، وهو يغادر ليلحق، كما أخبرني، باحتفال صغير خاص أعدَّه له، بتلك المناسبة، أصدقاؤه من قدامى (الأبروفيين)، كخضر حمد وحماد أفندي توفيق، في منزل الأخير. وقفت للحظات أرنو إليه، بمشاعر غامضة، من وراء ظهره، وهو يبتعد، رويداً رويداً، باتِّجاه البَّوابة المفضية إلى الشَّارع الرَّئيس. لكن، ما كادت تمرُّ دقائق معدودات حتى دهَمني، بغتة، بلا مقدِّمات أو سبب معلوم، آخر إحساس قد يلائم ذلك اليوم، وذلك المكان، وتلك المناسبة .. غثيان، وانقباض، ودوار رأس، وعرق يتفصَّد من كل جسمي! وعلى حين كنت أتداعى، وزملائي يسندونني، ويبحثون عن القائد ليأذن بنقلي إلى المستشفى العسكري، كان المشهد الفاجع يتراءى، برمَّته، لناظريَّ غباشاً، أوَّل أمره، ثمَّ سرعان ما راح يتحدَّد وينجلي، حتَّى إذا بلغ كمال وضوحه، كانت بدلة الدَّمور البيضاء الأنيقة غارقة في الدَّم، وكان أبي مدهوساً، أمامي، تحت عجلات حافلة مسرعة! في الأثناء كنت أسمع همهمات زملائي، دون أن أتبيَّنها، كما لو كانت طالعة من غور بئر سحيق! لحظات، ثمَّ أفقت على ظهور القائد يمسك بكتفيَّ كلتيهما، يهزُّني، كمن يوقظني من سُباتٍ عميق، ويسألني:
ـ "ملازم خالد .. إنت كويس"؟!
ثمَّ يأمر لي بكوب ماء، وهو يأخذني من ذراعي في رفق، وسط دهشة زملائي، كون ذلك كان مخالفاً لطبائع علاقات الضُّباط الكبار بالضُّباط الأصاغر، ويدخل بي إلى مكتبه قائلاً إنه يريدني في أمر مهم! أحضروا لي كوب الماء. وفي اللحظة التي رُحت أزدرد منه جرعة، بدأ هو يخوض في مقدِّمة كان واضحاً أنها ستطول، عن الموت الحقِّ والحياة الباطلة، سوى أننى قاطعته، فجأة، حتَّى كدتُّ أشرق، مبهور الأنفاس، أتصبَّب عرقاً، وبصيغة تراوح بين السُّؤال والتَّقرير:
ـ "نعم .. نعم .. الوالد .. الشَّارع أمام الكليَّة .. حادث حركة"؟!
فما كان منه، وقد حسب الخبر بلغني، إلا أن نهض من فوره، خالعاً قبُّعته، وواضعاً إيَّاها تحت إبطه، ورافعاً كفَّيه المبسوطتين يتمتم بتأثُّر:
ـ "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، أحسن الله عزاءكم، وجعل البركة فيكم، الفاتحة"!

(4)
إنتقل خالد، بعدها، إلى الواقعة التَّالية في سلسلة الأمثلة التي طفق يسوقها لي كي يقنعني بأخذ ما يقول عن خبر طه على محمل الجَّد:
ـ "في أكتوبر 1965م، بعد زهاء العامين من تخرُّجي ووفاة الوالد، كنت مسؤولاً عن تدريب بعض الجُّنود المستجدِّين، وكنت أقيم بغرفة في المعسكر بجنوب الخرطوم. وذات مساء، وأنا في الحمَّام بعد نهاية يوم شاقٍّ، إعترتني نفس الحالة .. الغثيان، والانقباض، والدَّوار، والعرق الذي يتفصَّد من كلِّ الجِّسم، والمشهد الذي يتراءى، أوَّل الأمر، غباشاً، ثمَّ ما يلبث أن يستكمل تمام وضوحه .. أمي، هذه المرَّة، مسجَّاة على فراش الموت! إنطلقت من الحمَّام، كما القذيفة، لاهثاً، إلى حيث التلفون. ردَّت على شقيقتي الصُّغرى ملكة. سألتها بأنفاس مبهورة:
ـ "يا ملكة .. أمِّى كويسة"؟!
ردَّت بين الحيرة والدَّهشة:
ـ "كويسة .. تحمد الله"!
ـ "إذا جنبك خليها تكلمني"!
لحظات وانساب صوتها الحبيب عبر التلفون تبدي دهشتها من انزعاجي بلا سبب. وكانت محقة، فما كنت تركتها تشكو من شئ عندما ودَّعتها بعد عطلة نهاية الأسبوع الماضي! ولكي أداري حرجي قلبت الموضوع إلى تشهِّياتٍ لطعام رجوتها أن تعدَّه بنفسها غداً وترسله مع سائقي!
لكن، ما من شئ في تلك المحادثة طمأنني، فعدت إلى غرفتي بنفس الحالة البغيضة! قلت أذهب إلى نادي الجُّنود علني، بمشاهدة التلفزيون، مثلاً، أبدِّد ذلك الاحساس الثقيل .. وهيهات! فلا المشي في الظلام، ولا مشاهدة التلفزيون، ولا ضجَّة النَّادي أجدت فتيلاً. فعُدتُّ اضطجع على سريري أتقلب في العرق والأرق والقلق، وإحساس مقيت يتملكني بالغثيان، والانقباض، ودوار الرَّأس، حتَّى أسلمني الارهاق، قبيل الفجر، إلى غفوة ما أظنها طالت حين أيقظتني حركة أقدام خفيفة في الغرفة. هببت واقفاً لأجد بعض أبناء العمومة والخؤولة والأنسباء في الجلابيب البيض والعمائم. سلموا، بارتباك، ثمَّ شرعوا يتمتمون بالمقدِّمة التي سوف تطول عن الموت الحقِّ والحياة الباطلة .. غير أننى قاطعتهم وقلبي في حلقي:
ـ "الوالدة"!
فما لبث الجميع أن بسطوا أكفَّهم، ورفعوا عقائرهم:
ـ "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .. البركة فيك يا خالد .. الفاتحة"!

(5)
إنسلخ المساء بأكمله وخالد يروى لى حكاياته الغريبة العجيبة تلك، والتي ما كان لأىٍّ منها أن تقنعني بأن طه الذي ودَّعناه أوَّل البارحة القريبة هذه، شديداً لضيداً، قد مات لمجرَّد أن نفس خالد قد هجست له بهذا، أو لأن لدى الأسرة تاريخاً مع مثل تلك الخبرات الأليمة! غير أنَّني، مع ذلك، اكتفيت بأن طيَّبت خاطره بكلمتين، ثمَّ ودَّعته، وتوجَّهت إلى غرفتي لآوي إلى فراشي، محاولاً أن أستقطر النُّعاس، لكن بلا طائل، حيث ظللت، حتى قبيل الفجر، أتقلب فى العرق والأرق والقلق، فلكأنَّ خالداً قد نقل إليَّ عدواه، بينما كلماته تطنُّ في أذنيَّ طنيناً، وأصداؤها تتردَّد، في عنف، بين جوانحي!
إستيقظت متأخراً وأنا أشعر بالارهاق من أوَّل الصَّباح. وجدتُّ الحُرَّاس قد تبدَّلوا كما في مثل ذلك الوقت من كلِّ يوم. أخذت حمَّاماً بارداً، وغيَّرت ملابسي، بنيَّة أن أتوجَّه، كما العادة، لشرب الشَّاي والقهوة مع خالد فى غرفته، متعزِّياً بأنني سأجده وقد زال عنه الكرب، حتماً، ونفض عن نفسه الهواجس والهموم، وعاد ضحوكاً، بشوشاً، وحكاءً لا يُمل. لكنَّني ما أن خرجت من الحمَّام حتى فوجئت بأن في انتظاري بالغرفة عدد كبير من آل الكد، أبناء عمومة وخؤولة وأنسباء، فى الجلابيب البيض والعمائم! سلموا وسلمت، في ارتياب وارتباك! غير أنَّهم ما أن شرعوا في المقدِّمة التي سوف تطول عن الموت الحقِّ، والحياة الباطلة، حتَّى ألفيتني أقاطعهم صارخاً، وقلبي في حلقي:
ـ "طه"!
صاحوا بصوت واحد وهم يبسطون أكفَّهم:
ـ "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .. البركة في الجَّميع .. الفاتحة"!
عدتُّ أصرخ ملتاعاً:
ـ "متى وأين وكيف"؟!
اختلطت أصواتهم، وتداخلت عباراتهم، ميَّزت منها:
ـ "مساء أمس. فى القطار. بالقرب من سنار. أزمة قلبيَّة حادة داهمته عند الظهر، لكنَّها لم تمهله ريثما يصلوا به إلى أقرب مستشفى. دفنَّاه قبل قليل. جهاز الأمن منح خالداً إذناً مؤقَّتاً لحضور المأتم تحت الحراسة، غير أن المساعي جارية لاستصدار قرار بإطلاق سراحه نهائيَّاً قبل رفع الفراش، وقد طلب أن نجئ لإبلاغك وتعزيتك، لكن .. أنت كيف عرفت"؟!
(إنتهت)
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.