(1)

لعدَّة عوامل اقتصاديَّة سياسيَّة، واجتماعيَّة ثقافيَّة، ظلَّ المزاج المستعرب المسلم، على الشَّريط النِّيلي السُّوداني من الوسط إلى الشَّمال، ينحو، تاريخيَّاً، لاعتبار الصَّرامة والجَّفاف دليلاً على الجِّدِّيَّة والحزم الخليقين بالرِّجال، واعتبار المرح والطلاقة خفَّة قمينة بالنِّساء والعبيد، ويتبدَّى ذلك، بوجه مخصوص، في مناهج التَّربية العمليَّة في البيت والمدرسة.
لم يقع استثناء النِّساء، بالذَّات، من ضوابط هذا المزاج العابس ترفقاً بهنَّ، وإنَّما كمحض شكلٍ ملتوٍ في التَّعبير عن دونيَّتهنَّ، وتعزيز الاستعلاء الذُّكوري عليهنَّ. لذلك وسَّع مجتمع المستعربين المسلمين من تسامحه مع (أغاني البنات)، ومع رقصهنَّ، فاتسع في كليهما هامش التَّجرُّؤ على الممنوع، شكلاً ومضموناً، من الزَّار إلى الدَّلوكةْ! بل واتَّسع هامش السَّماح لـ (الغنَّايات) و(الرَّقَّاصات) بدخول منازل (الأحرار)، كما يُطلق عليها، والاحتفاء فيها بهنَّ، خصوصاً في مواسم إعداد العروسات الجُّدد، حيث يتولَّين تعليمهنَّ فنون الرَّقص! لكنَّ نفس هذا المجتمع المتجهِّم بالطبيعة، المتسامح للضَّرورة، ما انفكَّ يكرِّس هذا الصِّنف من الغناء، على مدى زهاء القرن حتَّى الآن، معياراً لما يُصطلح عليه بـ (الهبوط)، كـنايـة عـن الخـروج عــلى (رصـانـة) الغـناء والموسيقـى فـي شـرعـة مؤسَّـسته (الرَّسـميَّة)! ولا تسَـلْ، يـا رعـاك الله، مثلاً، عن القيامة التي قامت يوم غنَّى إبراهيم عوض (حبيبي جنَّني)، بوسامته الصَّدَّاحة، وأناقته الفوَّاحة، وشبابه العبِق، وأدائه الطلِق، دَعْ سنَّه الذَّهبيَّة، وشعره المصفَّف المشقوق من جانب، بصـرف النَّظـر عن عودة نفـس المجتمـع للتَّعايش، لاحـقاً، مع ثورة ذلك (الفنَّان الذَّرِّي)، كما أطلق عليه وقتهـا، وحداثته (الفنِّيَّة) المتمـرِّدة تلك، مظهـراً ومخـبراً!
خلاصة الأمر أن ذلك المجتمع لم يكن ليتقبَّل، بأخي وأخيك، شيئاً من ذلك الغناء، وهو الذي لم يترك لرجال الرِّيف غير (سيطان البُطان) تدمي الظهور، وغير تنفيس رجال المدينة عن مكنونات الصُّدور، في (القعدات) السِّرِّيَّة، بين عزلة (الرَّديف) الموغل في كلِّ صنوف المعايبٍ، تارة، وبين عزلة (الزُّقاقات) المعرَّفة بـ (الألف واللام)، على حدِّ قول علي المك، تارة أخرى! ولك، إن شئت، أن تلتمس ملمحاً من صورة ذلك المعمار الاجتماعيِّ العجيب ضمن ملاذات سيف الدين (الخلفيَّة)، مثلاً، في (عرس الزين) للطيِّب صالح!

(2)
المشترَك بين ذلك النَّوع من الغناء الذي تنتسب إليه (أغنية البنات) وبين (أغنية الجَّاز) يكاد لا يخفى، من حيث الإطار النَّفسي، والميلوديَّة الطليقة، والإيقاع السَّافر، والأداء الجَّـريء، والمفارقة الصَّريحة لمضمون الأغنية التقليديَّة، ومنطق التَّركيب البنائي لكلماتها؛ ولهذا كله آصرة قويَّة مع الموشَّحات العربيَّة القديمـة. وفي (المرشد لفهـم أشـعار العـرب وصـناعتها) ذمَّ عبد الله الطيِّب تلك الموشَّحات، ليس لإكثارها، فحسب، من الزُّخرُف والتَّكلف، بل ولتأثيرها السَّالب، أيضاً، على الموشَّحات الحديثة التى شبَّهها بأغاني (الجَّاز)، وضرب مثلاً لذلك من السَّحرتي:
"أشيرُ إليكَ بطرفِ ردائِي/ تعالَ ورائِي تعالَ ورائِي/ حديقة مورو إليها سأمضِي/ فهيَّا اصطحِبنى لتقطفَ مِنِي/ أزاهيرَ حُسنِي وطلعَ روائِي"!
وقال إن طريقة التَّقفية في هذه القطعة، ونغمة الوزن، وتفاهة الكلمات، كلَّ ذلك "جازىُّ كأسمج ما تكون الجَّازيَّات"! وقارَنه بقول الجَّازيِّ الأوربيِّ:
“You and I/ On the five forty five/ We shall not be disturbed/ This compartment is reserved”!
ولقد خطر لي أن بالإمكان ترجمة ذلك، بتصرُّف، إلى عربيَّة سودانيَّة دارجة مِمَّا يُنسج مثل هذا الغناء، في العادة، على نوله، وذلك كالآتي:
"القمَرَةْ قمَرَتنا/ والريدةْ لمَّتنا/ إنتَ وأنا/ فوقْ خمسةْ .. خمسةْ وأربعينْ/ مين يزعجنا مينْ/ والقمَرَةْ قمَرَتنا/ إنتَ وأنا"!
وهو سنخ كلام مرسل يذكِّر بما كان أنشأ الفنَّان عبد الكريم الكابلي، أواخر خمسينات القرن المنصرم، من غناء أطلق عليه الشَّباب، وقتها، مصطلح (الغناء الدَّكاكينيٍّ)، وغايته دعابة سمر إخوانيَّة خفيفة، من شاكلة:
"تلفونْ خمسينْ ستةْ وخمسينْ/ الردَّ مينْ/ قالْ ليَّا إنتَ إسمكْ مينْ/ قتْ ليهو أنا زولْ أمينْ"!
وضرب عبد الله الطيِّب مثلاً آخر لِما أطلق عليه مصطلح (التَّسميط العصري) بقول المُغنِّي:
"خمرُ شبابٍ رطيبْ/ معصورة من قلوبْ/ فى القبلتين وآهٍ/ من طعمِها أسكِرينِى"!
وضاهى هذا الكلام بما قال إن صديقه محمد الحسن أبوبكر كان قد رواه له عمَّن أسكره صوت فتاة سودانيَّة تلقي كلمة من مذياع أم درمان، فأنشد:
"بالمكرفونْ/ كانْ حاجةْ بونْ/ نغمْ مؤنَّثْ بارتجالْ"!
مهما يكـن من أمر عبد الله الطيِّب، وبصرف النَّظر عن دمغه لكلِّ ذلك بأنه محض (تسطح جنسي)، فقد أغفل التَّاريخ الاجتماعي لسطوة (الذِّهنيَّة الذُّكوريَّة) التى أصدرت، من فوق الحائط الفاصل بين (الحوشَين)، حكمها الأخلاقي على (أغاني البنات) بـ (الهبوط)، لا سيَّما (أغاني بنات المركز) في الوسط والشَّمال النِّيلي، دع (أغاني بنات الهامش)، مِمَّا أحالته هذه الذِّهنيَّة، لاحقاً، إلى اختصاص شرطة (النِّظام العامِّ) و(أمن المجتمع)!

(3)
أمَّا إذا نحَّينا المعايير الأخلاقيَّة جانباً، وتساءلنا عن طاقة هذه الأغاني على التعبير عن مستوى الوعي الاجتماعي السَّائد في مختلف الفترات التاريخيَّة، فيمكننا تناولها، مثلاً، من منظور الظروف الاجتماعيَّة التي أحاطت بصعود وهبوط مؤسسة (الأفندي)، كصورة مقطعيَّة لانهيار الطبقة الوسطى بأسرها، والكيفيَّة التى تمَّ بها التعبير عن ذلك فى هذا النمط من الغناء.
لقد إقترنت نشأة شريحة (الأفنديَّة) تلك، كجزء من فئة الإنتليجينسيا في السُّودان، بنشأة التَّعليم المتروبولي (الحديث)، وفي مناخات الانكسار المُدوِّي لأوَّل دولة وطنيَّة موحَّدة فى بلادنا، عشيَّة ومطالع القرن العشرين. لكن (الحداثة) التي أنشأت (كليَّة غردون) عام 1902م، بهدف تخريج من تحتاجهم الإدارة البريطانيَّة في أدنى سلم وظائفها، سُيِّجت بخطة تحول دون إحاطة الطلاب بأيَّة معارف قد تشكِّل لديهم مصدر إلهام بالأفكار الثَّوريَّة التَّحرُّريَّة، بالذَّات، تفادياً، من زاوية نظر اللورد كرومر المندوب السَّامي البريطاني بالقاهرة، والسير جيمس كري مدير مصلحة المعارف، آنذاك، لتكرار خبرة المستعمرات الأخرى الأليمة، حيث ارتبط، مثلاً، نقل ثمار المعارف الغربيَّة الرفيعة إلى الهند بظهور الحركات الثَّورية التَّحرُّريَّة فيها!
هكذا صار تعليم (الكليَّة)، حسب عبد المجيد عابدين، كشكوليَّاً، يأخذ مادَّة العلم من سطحها، ولا يعني بتكوين الشَّخصيَّة المتصرِّفة، أو بالجوانب الحيَّة في البيئة والمجتمع، ويهدف إلى التَّوظيف لا التَّثقيف. ولذا كانت (الكليَّة)، حسب محمد المكي إبراهيم، تحشو رؤوس طلابها بالمعلومات لتقذف بهم، في أقصر فترة ممكنة، إلى وظائف ضئيلة الشَّأن، محروسة بجهاز من الإرهاب والوصوليَّة والسِّعايات!
إقترن ميلاد هذه الشَّريحة، أيضاً، بالاستثارة العاصفة لغبن شريحة (المشايخ) عليها، وتلك مكيدة دبَّرتها الإدارة البريطانيَّة في إطار استراتيجيَّة (فرِّق تسُد) التقليديَّة. فقد نشأت شريحة (المشايخ) مع نشأة التَّعليم الدِّيني المغاير لسلفه المهدوي، وبالأخص في معهد أم درمان العلمي، عام 1912م، في ارتباط مباشر مع (تشهِّيات) خدمة الحكومة، والمرتَّب الثَّابت، دون إغفال المصلحة الاستعماريَّة في زرع الشِّقاق بين (الغردونيين) و(المعهديين)، من حيث تدليل (أولئك) ببيئة (الكليَّة)، ومبانيها، وحدائقها، وداخلياتها، ومأكلها، ومشربها، وتوسيع فرص التَّوظيف أمام خريجيها، مقابل التَّقتير على (هؤلاء) وتضييق فرصهم، فضلاً عن تكريس الثُّنائيَّة في المؤسَّسة الدِّينيَّة ذاتها بدعم الإسلام (الرَّسمى) في مواجهة الإسلام (الشَّعبي)! بالنتيجة اقترنت قيمة التَّعليم لدى الشَّريحتين بميزة (الميري)، فاشتبكتا حول هذه القيمة البائسة في (داحس الغردونيين وغبراء المعهديين)، بتعبير عبد الله علي إبراهيم، حين تشكلت نظرة اجتماعيَّة تعتبر تعليم (الكليَّة) وحده هو مرتقى التَّوظيف المأمول، وأضحى التِّلميذ لا يكاد يدخل المدرسة، بحسب المحجوب وحليم في (موت دنيا)، إلا ويبدأ ذووه في تخيُّله يوزِّع الدَّراهم على الأهل والأقربين، يَمنة ويَسرة، بينما حقيقة العلم الذي يتلقَّاه لا يؤهِّله سوى لوظيفة حكوميَّة مغرقة في التفاهة!
مع ذلك، وبفضل حيويَّة الحركة الوطنيَّة، انخرط أغلب طلاب (الكليَّة) وخريجيها، الجُدد منهم بالأخص، في النِّضال الوطني ضدَّ الاستعمار. ثمَّ تطوَّرت (الكليَّة) نفسها فأصبحت جامعة مرموقة، وقام إلى جانبها فرع لـ (جامعة القاهرة)، وتحوَّل (المعهد الفنِّي) إلى جامعة أيضاً، وتزايدت أعداد القادمين من الجامعات الخارجيَّة، كما تضاعف عدد مؤسَّسات التَّعليم العامِّ. وطوال تلك المسيرة لم تكفَّ حركة الطلبة والأفنديَّة عن الإسهام النَّشط في النِّضال من أجل الدِّيموقراطيَّة، والحريَّات، والحقوق، وما إلى ذلك من القيم الشَّريفة.
لكنَّ (الاستثمار) الشَّخصى والأسري في (التَّعليم)، وليس (العلم) نفسه، واصل تكرُّسه كـ (عجل مقدَّس) في مستوى الوعي الاجتماعي السَّائد، حتَّى لقد انطلق (الأفنديَّة)، بدفع تلك الذِّهنيَّة العامَّة، يتباهون بـ (الشهادات)، وليس غالبها سوى (سنْدات) عبور سريع إلى كشف المرتَّبات، و(المظلة) الحكوميَّة الواقية من هجير الفقر، والبلاد تعاني، برغم الاستقلال، من آثار الحقبة الاستعماريَّة! ثم ما لبثت أن استعرت، بعد (السَّودنة)، (داحسٌ وغبراءُ) أخرى، مخلباً وناباً، بين صفوف شريحة (الأفنديَّة) ذاتها، حول التَّرقيات، والتَّنقلات، والعلاوات، وعربات الحكومة، وبيوت الميري، ورئاسات اللجان، دَعْ (مرض الطفولة الوزاري) ، بمصطلح محمد عبد الله الريَّح، مما تحفظ ذاكرة الأنظمة! ويروى ندامى بعض المتظرِّفين من انقلابيى 25 مايو 1969م كيف كان يتندَّر، في مجالس أنسه، بتهيُّبهم، صبيحة استيلائهم على السُّلطة، من العمل مع (الألقاب العلميَّة) الضخمة التى اختيرت لمجلس الوزراء، لكنهم لم يحتاجوا للانتظار طويلاً كي يمدُّوا أرجلهم، كأبي حنيفة، لمَّا اكتشفوا كم كان الأمر أبسط مِمَّا تصوَّروا!

(4)
وإذن ، فقد رتع (الأفنديَّة) في نعيم الميزات الاجتماعيَّة! لدنياهم رونق، ولحياتهم مذاق، ولمحافلهم سحر، والآخرون لا ينفكُّون يتطلعون إليهم من أدنى السلم الاجتماعي، بل ومن أعلاه، يتباهون بمصاهرتهم، ويتجمَّلون بالتقرُّب إليهم، ويؤثرونهم بصدور المجالس، ويتبارون فى تقليد أساليبهم في الملبس، والمأكل، والمشرب، وطرائق الكلام، والحركة، والسكون! الأمهات يُهَدْهِدْن أطفالهُنَّ بوعد حظوظهم: "بكرة تكبر وتبقى لي مامور"! و(أغاني البنات) في المدن، والأرياف البعيدة، تتغزَّل في مناقبهم:
"الأفندى التذكارو عندي"! و"المهندس جا ورسم البُنا"! و"أجيب فلان محامي"! و"الدكاترة ولادة الهنا"! و"مشيت الخارجيَّة أشوف سبب الأذيَّة"! و"مشيت الدَّاخليَّة للحارس الجِّنسيَّة"! و"جيب لي معاك عريس/ شرطاً يكون لبِّيس/ من هيئة التَّدريس"!
والناس فى أصقاع السودان الفقير يتيمَّنون بإسباغ صفاتهم على كلِّ بديع في حياتهم، فالشاي الجَّيِّد لا بُدَّ أن يكون هو (دم الدكاترة)! والثوب النِّسائي الأنيق إما (بت الباشا المدير)، أو (السفير)، أو (الكادر)، أو (قلم الدكاترة)، أو (ضلعهم)، أيضاً، ومن كل بُدٍ، والقائمة تطول!
كان ذلك كله سابقاً، بطبيعة الحال، على اشتغال ماكينة (التطهير) السِّياسي خلال حقبة مايو، والتي أعقبتها (هوجة الاغتراب) فى السَّبعينات والثَّمانينات، بوجه خاص، عشيَّة تآكل الطبقة الوسطى، وأفول نجم (الأفنديَّة)، وانهيار مملكتهم، وبوخ سلطتهم، وفتور سيرتهم، وخمول ألقابهم، وانتهاء المُنعَم عليه منهم بعقد عمل خارجي يتيح له الاندغام الكامل في لقب وحيد، هو (المغترب) الذى لا فضل فيه لطبيب على سبَّاك إلا بحجم (الشيلة) وعدد (الشنط) التى يهبط بها القادم من ذلك العالم الآخر فى مطار الخرطوم! فاستحالت منظومة القيم الاجتماعيَّة في (أغاني البنات) إلى:
"السَّافر جدَّة خلانى براي"! و"المغتربين إزيكم/ لعلكم طيبين فى حيَّكم"! و"يجيبو لى فرحان/ من جدَّة للسُّودان"! و"كلامو إسترليني/ ما سائل في الدولار"! فضلاً عن التمنِّى على الله، من قبل ومن بعد، بـ: "مغترِبْ أو ودْ غَرِبْ"! ولاتَ حين أهميَّة لما يصنع فى (جدَّة) مَن (يسافر) إليها، أو لما يفرِّق بين (ودْ غَرِب) صالح وآخر طالح!
ومع أوئل التِّسعينات، وبفعل نازلتين في آن، تفاقمت محنة (الأفنديَّة) لتقضي، نهائيَّاً، على ما كان قد تبقَّى من مجدهم الآفل! فقد بدأت في الدَّوران، كما لم تدُر من قبل، طاحونة (الفصل للصَّالح العام) على يد النِّظام الحالي. وتلازم مع ذلك أن بدأت تدول، من جانبها، دولة (المغترب) ذاتها، حين أخذت تجتاحها، منذ ما بعد حرب الخليج الثانية، بالذَّات، رياح (السَّعْوَدَة) و(العَمْننة) و(الظبْيَنة)، فانسدَّ كلُّ مفتوح، ولم يعُد متاحاً سوى اللجوء إلى بلاد طيرها أعجميٌّ، فشهدت منظومة القيم الاجتماعيَّة تلك انقلابها الجديد على أيدى الطفيليين، ولصوص المال العامِّ، وحراميَّة المشاريع الحكوميَّة، والمضاربين في كلِّ شئ .. كلِّ شئ، من العملات إلى الأقوات، ومن الضمائر إلى المصائر، حتى لقد قال المراجع العام، قبل سنين عددا، إن مائة وثلاثين جنيهاً تُنهب في كلِّ ثانية من الخزينة العامَّة، مِمَّا أفضى بـ (أغاني البنات) إلى:
"سجِّل لي عرباتك/ وسجِّل لي شركاتك/ ما إنت العسل ذاتك"! و"تجارة ليها أساس/ ما بيعرف الإفلاس"! و"شوفو كان رايق/ للـ (في ـ إكس ـ آر) سايق/ لفت الخلايق"! و"ليلى علوي وجواجة/ كتحتني بعجاجا/ زاد وجدي سوَّاقا"! و"بالضرا/ ان شـا الله راجل مرا"! و"بختي/ ان شا الله راجل اختي"!
ولمن شاء استفاضة أن يلتمسها لدى نصرة، أو قسمة، أو حوَّا بنزين، أو غيرهنَّ مِمَّن ينتشرن، بدلاليكهنَّ، على طول البلاد وعرضها، مثلما تنتشر حالات الملاريا، والسَّرطانات، وموت الفجاءة، والطلاق للغيبة، أو لخوف الفتنة، أو لعدم الإنفاق!

(5)
(أغاني البنات)، إذن، مصدر مهم للتَّاريخ الاجتماعي، فلا يصحُّ اختزالها في محض أحكام أخلاقيَّة عامَّة، فحسب، دون النَّظر إلى محمولاتها من انعكاسات مستوى الوعى الاجتماعى السَّائد بين كلِّ مرحلة وأخرى.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.