ورقةٌ مستعادةٌ من روزنامةٍ قديمة

شاسعٌ هو الفرق بين "لفظ" يفيد معنى "لغويَّاً"، و"مصطلح" يخدم دلالة "مجازيَّة". ولئن كان كلُّ "مصطلح" هو تاريخه، حسبما استقرَّت الخصوصيَّة المفاهيميَّة لاستخدامه، فقد تتدخَّل أشراط فكريَّة معيَّنة لتفرض مراجعة ما إن كان هذا الاستخدام يفي، ما يزال، بـ "الدَّلالة" المطلوبة، أم لا. 

خذ عندك، مثلاً، مصطلح "المثقَّفون"، أو "الانتلجينسيا"، مِن اللاتينيَّة intellegentia، بمعنى "علماء" أو "مفكرون"، وهم الفئة الاجتماعيَّة التي مهَّد لظهورها، بحسب التَّلخيصات الماركسيَّة، تقسيم العمل، وانفصال الذِّهني عن الجَّسدي. لقد سلخ غرامشي، في مقالته "تنشئة وإعداد المثقَّفين وصقلهم"، جُلَّ سنوات السِّجن يتقصَّي حدود المصطلح، وما إن كان ممكناً إيجاد "معيار" موحَّد لهذه الفئة، إلى أن وُفِّق إلى صكِّ مصطلح "المثقَّف العضوي"، والذي ما يزال يستخدم، أحياناً، وللأسف، بصورة رثَّة (!) لكنه لاحظ أن البحث يجري، عادة، عن هذا "المعيار" في نشاط المثقَّفين فقط، بمعزل عن مجمل "العلاقات الاجتماعيَّة" التي تنعكس على هذا النَّشاط، مِمَّا يمثِّل قصوراً منهجيَّاً شائعاً. فـ "الكفاءة الثََّقافيَّة" التي قد يكتسبها، مثلاً، الرَّأسمالي الصِّناعي، خلال نشاطه الاجتماعي، ليست هي التي تقرِّر وضعه الطبقي، بل "العلاقات الاجتماعيَّة" هي التي يتحدَّد من خلالها مركزه في الصِّناعة، والأمر نفسه يصدق على العامل والمزارع .. الخ.
النشاط الذِّهني، إذن، و"الثَّقافة" خصوصاً، هي حقل النَّشاط المائز لعمل "المثقَّفين". لكن ثمَّة استدراكين مهمَّين على هذا الفهم؛ فهو، من جهة أولى، لا يجعل منهم مالكين للحقيقة المطلقة، ومن ثمَّ نستطيع أن نعقل رفض ميشيل فوكو للمغالاة في تقدير السُّلطة الثقافيَّة الجَّامعة المانعة، حين يذكِّر بأن حقبة سارتر، مثلاً، قد انقضت، وانقضى معها توقُّع أن يبصرِّك عمل ثقافي ما، في آن واحد، بماهية الحياة والموت، وبما إذا كان الله موجوداً أم لا، وبالدَّلالة الفلسفيَّة للحريَّة، وبأسرار الغريزة الجنسية، وبما ينبغي أن تكون عليه المواقف الفكريَّة، والخيارات السِّياسيَّة، والعلاقات مع الآخرين .. الخ! أمَّا من جهة أخرى فحقل النَّشاط المائز لـ "المثقَّفين" هذا لا يجعل منهم "طبقة اجتماعيَّة"، بل يظلون "فئة" تتوزَّع انتماءاتها بين مختلف الطبقات، بحسب تحيُّزاتها الفكريَّة الاجتماعيَّة. مع ذلك لا يندر وقوع تقارب فكري بين شرائح "مثقَّفين" يُفترض تعارض انحيازاتهم. فإذا اتَّسم مشهد حراك هذه الفئة بالمراوحة بين حدَّي التَّماهي والتَّباين، فليس من العسير ملاحظة الشُّقة الآخذة في الاتِّساع بين مفهومي "المثقَّفين" و"الخبراء"، حتَّى ليمكن الحكم بأن هذه الفئة لم تعد منقسمة إلى شرائح متعدِّدة، بل إلى هاتين الشَّريحتين فحسب!
أفضل كوَّة للنَّفاذ إلى هذه الإشكاليَّة التي قد تبدو، للوهلة الأولى، أشبه ما تكون بعصيدة الصَّمغ اللبيكة، هي نموذج "الاستشراق". لكننا نحتاج إلى تدقيق رؤيتنا المعرفيَّة، أوَّلاً وقبل كلِّ شئ، للعلاقة بين "الثَّقافة ـ العلم ـ التَّقانة"، حسبما تتبدَّى في اجتهادات المفكرين العرب بالذَّات، فهم أهل "وجعة"، وأقدامهم العالمثالثيَّة على الجَّمر!
محمد عابد الجابري، مثلاً، عُني، في كتابه "المسألة الثَّقافيَّة"، وتحديداً في مبحثه حول "الاختراق الثَّقافي"، برفع التباسين معرفيَّين: أولهما يتعلق بمنزلة "العلم والتَّقانة" كعنصر في "الثَّقافة" المنتسبة، بطبيعتها، إلى مجموعة مميَّزة، بجغرافيا محدَّدة، وتاريخ مختلف، ومع ذلك لا يعيب استيرادُها مبدأَ استقلاليَّتها، إلا عندما يصدِّرها مالكها بغرض "الاختراق" لتحقيق "الهيمنة". أمَّا الالتباس الثَّاني فيتعلق بالفارق بين نوعين من "الاختراق"، أحدهما تعرَّضت له الشُّعوب العالمثَّالثيَّة بالأمس، والآخر تتعرَّض له اليوم. النَّوع الأحدث هو المحمول على وسائط المنجز "العلمي والتَّقني"، أما النَّوع الأقدم فهو الذي كان جزءاً من الظاهرة الكولونياليَّة الكلاسيكيَّة خلال القرون18 ـ 19 ـ 20، عندما توسَّل المستعمرون بالدِّراسات "الاستشراقيَّة"، ضمن توسُّلهم بشتَّى المعينات لتعبيد طريق العمليَّة الاسـتعماريَّة، كالبعثات التَّبشيريَّة، والرِّحلات الاستكشافيَّة، والإرساليَّات التَّعليميَّة، فضلاً عن البحوث الإثنوغرافيَّة.
إدوارد سعيد كان أكثر من كرَّس جهداً فكريَّاً لفحص ظاهرة "الاستشراق"، ضمن مؤلفه بذات العنوان، ولفضح خدمة "المستشرقين" لتلك الامبراطوريَّات، بتخصُّصهم في جغرافيا البلدان المستهدفة بـ "الهيمنة"، وتاريخ شعوبها، وسبر أغوار إثنوغرافياها "أنثروبولوجياها لاحقاً"، لجهة اللغات، والدِّيانات، والعادات، والموروثات، والتَّقاليد، والأمزجة، وكلِّ عوامل التَّأثير على ثقافاتها المادِّيَّة والرُّوحيَّة كافة، حتى صاروا "خبراء" في هذا المجال!
هكذا تقاصر دور "المستشرق" عن قامة "المثقَّف"، لينحبس في سمت "الخبير" الذي يبيع "معرفته" لحكومة بلده، أو لأيَّة حكومة أخرى .. سيَّان! وبعد تصفية النِّظام الاستعماري القديم، في عقابيل الحرب الثَّانية، بدا كما لو أن دور "المستشرق الامبراطوري" تراجع، بينما راحت طاقات "المثقَّفين" في بلداننا تتفجَّر، على أصعدة التَّحرُّر الوطني، والدِّيموقراطيَّة، والتَّنمية، وحقوق الإنسان، خلال الفترة من أربعينات إلى ثمانينات القرن المنصرم.
على أن ذلك المسار راح ينقلب، الآن، على عقبيه، لعوامل أهمها اثنان: أولهما تراجُع أحلام الدَّولة الوطنيَّة بعد الاستقلال، من التَّحرير إلى القمع، من الدِّيموقراطيَّة إلى الشُّموليَّة، من التَّنمية الشَّعبيَّة إلى مكرمات المستبدِّ العادل! ولم تجد الدَّولة الوليدة أمامها سوى النَّموذج الكولونيالي الذي لم تكن آثار أقدامه قد امَّحت تماماً، فراحت تستنسخه! أما ثانيهما فهو أن هذا التَّراجع فتح شهيَّة الامبرياليَّة لتستسهل استعادة "هيمنتها" على مقدرات الشُّعوب! وبانهيار المعسكر الاشتراكي، مغارب الثَّمانينات ومشارق التِّسعينات، استكملت هذه الشَّهيَّة أقصى انفتاحها "خَلا لكِ الجَّوُّ فبيضِي وافرخِي"! وبكارثة 11 سبتمبر حصلت على مبرِّراتها "القانونيَّة"، وربَّما "الأخلاقيَّة"، أو، بالأحرى، "اللاأخلاقيَّة"!
إقتفاء الدَّولة الوطنيَّة أثر النَّموذج الكولونيالي أفرز مشتغلين بالذِّهنيات يهجرون مواقع "المثقَّفين" إلى مواقع "الخبراء"، ليخصُّوا الحكَّام، لا الشُّعوب، بـ "خدماتهم"، فأدرجتهم الامبرياليَّة ضمن خططها لاستعادة "هيمنتها"! هذا "الاستشراق الجَّديد" تغذِّيه مناهج المؤسَّسات الأكاديميَّة والبحثيَّة الغربيَّة. ولاحظ إدوارد سعيد، في آخر مؤلفاته "الإنسانيَّات والنَّقد الدِّيموقراطي"، تأثير صدمة 11 سبتمبر على راهن النَّقد والعلوم الإنسانيَّة، فصار "الخبراء المحليُّون" يقتفون آثار "الخبراء/المستشرقين الغربيِّين"، وصار الاستعماريُّون الجُّدد يبادرون لإغوائنا بالتَّعويل على هؤلاء "الخبراء" كلما ألفونا نتلفت، يمنة ويسرة، كي نختار من نسلمه قيادنا!
"الثَّقافة" تحليق بأجنحة "الحريَّة"، بينما "الخبرة" خضوع لموجبات "الهيمنة"، فيلزم الحذر، وتجويد التَّفريق بين مصطلحي "المثقَّف" المستقل، و"الخبير" المريب، إحساناً للتَّدقيق!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.