أوراق الرَّاحل أمين مكي مدني، والتي شرَّفتني اللجنة القوميَّة لتخليد ذكراه بتحريرها، والتَّقديم لها، وإعدادها للنشر، تفيض بالكثير من العِبَر والدُّروس التي نحتاجها راهناً ومستقبلاً، والتي يضاعف من قيمتها كون صاحبها هو أحد صنَّاع أحداثها، لا سيَّما على صعيد انتفاضة السَّادس من أبريل عام 1985م.

واحدة من أهمِّ الصَّفحات ضمن هذه الأوراق أن ممثلي التَّجمُّعين النِّقابي والحزبي لم يهتدوا إلى التَّوافق على ميثاق، ولو ناقص، لتلك الانتفاضة، إلا فجر ذلك اليوم نفسه، ومن فوق خلافات لا حصر لها، وملاسنات كادت تعصف بأوَّل اجتماع للجَّانبين نجح الميسِّرون، بقيادة أمين، في عقده، بشقِّ الأنفس، آنذاك، دَعْ أنهم فشلوا، طوال فترة ما قبل الانتصار الجَّماهيري المؤزَّر، في التَّوافق على مسائل مهمَّة، كاجتذاب الحركة الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، بقيادة جون قرنق، للانضمام إلى قوام التَّجمُّع، فضلاً عن التَّوافق، باكراً، على آليَّة وثيقة للانتقال، وعلى تكوين مجلس وزراء انتقالي مقتدر، وعلى إلغاء قوانين سبتمبر، وعلى اجتراح قوانين بديلة عنها، وعلى ترتيب إجراءات عدليَّة انتقاليَّة فعَّالة، وما إلى ذلك من تفاصيل ذات أهميَّة استثنائيَّة شغل عنها كلا التَّجمُّعين بالاستغراق في المناكفات، الأمر الذي شكَّل، ربَّما، أكبر الثَّغرات، وأخطر نقاط الضَّعف في سجل تلك الانتفاضة الباسلة، وغرس بصمته، عميقاً، في سفر سيرتها، ومسيرتها، وما انتهت إليه من إجهاض تام بانقلاب الثَّلاثين من يونيو عام 1989م.

ولعلَّ أبرز ما خلف ذلك العامل السَّالب من آثار هو الإحساس الذي ما انفكَّ يلازم حكومة الجِّزولي دفع الله الانتقاليَّة بعدم كفاية فترة العام الانتقالي المتَّفق عليها للنُّهوض بما أوكل إليها من واجبات، ومن ثمَّ تركيز حرصها كله، أكثر شئ، على إنهاء تلك الفترة في موعدها المحدَّد. قد يبدو ذلك الحرص، للوهلة الأولى، وفي حدِّ ذاته، أمراً طيِّباً ومطلوباً، بحيث يُحسب لصالح تلك الحكومة، لا عليها. لكنه، في حقيقته، كان، في ذات الوقت، وبوجه عام، خصماً على أدائها في ما يتَّصل بالمهام الملقاة على عاتقها.

صحيح أن ذلك الأداء لم يكن خلواً، بالمرَّة، من أيِّ إنجاز. فقد تمكَّنت الحكومة من إزالة بعض ظواهر المعاناة الموروثة من نظام مايو المدحور، بما في ذلك آثار كارثة الجَّفاف والتَّصحُّر، كما تمكَّنت من التَّحضير لموسم زراعي جيِّد، لجهة المدخلات وما إليها. مع ذلك ظلَّ هاجس قِصَر الفترة الانتقاليَّة يطارد تلك الحكومة، طوال أشهرها الإثنتي عشر، وهو القِصَر الذي تسبَّبت فيه عوامل عدَّة، من بينها أوهام القوى السِّياسيَّة التَّقليديَّة بشأن «أطماع!» اليسار والقوى الحديثة، والخوف العام الذي نتج، لاحقاً، عن خطأ الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان في تقديرها لحدث الانتفاضة نفسه بأنه محض إعادة إنتاج لنظام مايو المدحور «MAY TWO»، وما ترتَّب على ذلك التَّقدير الخاطئ من مسارعة قادة الجَّيش للانفراد بتكوين «المجلس العسكري الانتقالي»، كرأس للدَّولة، بحُجَّة عدم توقُّف الحرب في الجَّنوب! ومن ثمَّ طغى على أداء الحكومة هاجس عدم كفاية عام واحد لتصريف مهامِّها بما يرضي طموحات قوى الانتفاضة، ومن ورائها جماهيرها التي كانت تنتظر مردوداً عاجلاً ومستحقَّاً لنضالاتها وتضحياتها، اقتصاديَّاً وسياسيَّاً، بتحقيق السَّلام، والعدالة الاجتماعيَّة، وتصفية آثار مايو، رموزاً، وقوانين، ومؤسَّساتٍ، وصولاً إلى تدشين «الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة» بانتخابات حرَّة، نزيهة، وشفَّافة. هكذا اتَّسم أداء الحكومة الانتقاليَّة بـ «المحافظة»، لا «الثَّوريَّة»، حيث تركَّز همُّهـا، بالأسـاس، على بلوغ نهاية عام الانتقال في «هدوء وسـلام»!

بالنَّتيجة تراجع الدَّور المفترض للحكومة التي كان الارتباك قد أصاب، أصلاً، تكوينها، فجاءت ضعيفة، مهزوزة، منكفئة على تناقضاتها الدَّاخليَّة، بل وغير ملتزمة حتَّى بالولاء للتَّجمُّع الذي كوَّنها وشكَّلها، والذي كان قد ضربه، هو الآخر، الضَّعف، قبلاً، فعجز، من جانبه، عن اجتراح منهج قيادي يؤسِّس للعلاقة بينه وبين الحكومة، من جهة، وبينه وبين الشَّارع، من جهة أخرى، وبينه وبين المجلس العسكري من جهة ثالثة، فاختطف هذا الأخير زمام المبادرة، وهو المكوَّن من قادة الجَّيش المسؤولين، حتى لحظة سقوط النِّظام، عن حمايته، والمخترَق من أعداء الانتفاضة رأسيَّاً وأفقيَّاً. وربَّما كان أبلغ تعبير عن الازدواجيَّة التي وسمت ولاءات أولئك القادة أنه، وعلى حين كانت أجهزة الرَّاديو والتلفزيون تبثُّ، صباح السَّادس من أبريل، بيان المشير سوار الدهب، القائد العام، ولاحقاً رئيس المجلس العسكري، معلناً انحياز الجَّيش للشَّعب، وإنهاء النِّظام المايوي، كانت الصُّحف الصَّادرة في نفس ذلك الصَّباح تحمل تصريحات نفس الرَّجل المؤيِّدة للنِّظام، والحاملة للتَّهديد والوعيد بضرب الجَّماهير الثَّائرة!

كذلك كان من نتائج ضعف التَّجمُّع وحكومته أن الحركة الشَّعبيَّة اتَّخذت، بفعل تقديراتها الخاطئة المشار إليها، موقف العداء تجاه ما كان يُفترض أن تكون جزءاً أصيلاً منه، فتراجعت آمال السَّلام، وبقيت الحرب ضمن هموم الفترة الانتقاليَّة، وما بعدها، مثلما بقيت أكبر وأخطر آثار مايو شاخصة وفاعلة، وعلى رأسها قوانين سبتمبر. ثمَّ جاء، في السِّياق، قانون الانتخابات الذي عجز عن التَّعبير عن تطلعات جماهير الانتفاضة. ومن ذلك عدم تضمينه ضرورة تمثيل «القوى الحديثة» برلمانيَّاً، بسبب الضُّغوط التي مارستها الأحزاب التَّقليديَّة، زاعمة أن مفهوم «القوى الحديثة» غير معروف وغير محدَّد (!) رغم كون هذه القوى ذاتها هي التي فجَّرت الانتفاضة نفسها! كذلك وقع، وسط حالة العجز السَّائدة تلك، انسحاب الحزب الاتِّحادي الدِّيموقراطي من التَّجمُّع، ضغثاً على إبالة، تتويجاً لانعدام الثِّقة بينه وبين حزب الأمَّة من جانب، وبين كليهما وبين بقية مكوِّنات التَّجمُّع من جانب آخر، خاصة التَّجمُّع النِّقابي. ضف إلى ذلك انسحاب حزب الأمَّة، لاحقاً، من التَّجمُّع، وإنْ بالتَّدريج، عقب انتخابات 1986م.

هكذا، وبدلاً من أن تعزِّز الفترة الانتقاليَّة تحالف التَّجمُّع الوطني الدِّيموقراطي بين فصيليه السِّياسي والنِّقابي، لتكريس قيم الانتفاضة وتطوير منجزاتها، أسهمت، على العكس من ذلك، وبحكم الهشاشة البنيويَّة التي شابت سياساتها ومؤسَّساتها، في تفكيك وإضعاف مقدرات ذلك التَّحالف كافة، مِمَّا فتح الأبواب على مصاريعها لتضييع دماء الشُّهداء والجَّرحى، وتبديد كلِّ ما بُذل من تضحيات هباءً، وإهدار مكاسب الشَّعب الثَّوريَّة، عبر سنوات مايو الطوال، سُدى.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.