على حين لا تكاد المظاهرات تكفُّ عن الاحتشاد عبر شوارع الجَّزائر العاصمة، منذ انفجارها في الثَّاني والعشرين من فبراير المنصرم، احتجاجاً على ترشُّح الرَّئيس بوتفليقة لولاية خامسة، يواصل الأخير غيابه الجَّسدي الدراماتيكي عن المشهد، تماماً، في هذا الظرف السِّياسي الدَّقيق، طريح فراش المرض بالمستشفى الجَّامعي السُّويسري الذي ما لبث أن نقل إليه، بعد يومين فقط من ذلك الانفجار، فاقداً القدرة على الحركة، يحيط به أربعة أطباء جزائريِّين يحاولون، بمراقبة حركة شفتيه، التقاط ما يريد قوله، حيث يتردَّد، بحسب التَّقارير الطبيَّة الرَّسميَّة، أنه فقد القدرة، أيضاً، على النطق، وأن حالته، عموماً، «دقيقة وتشكِّل تهديداً على حياته»! وكان مِمَّا نقل عنه هؤلاء الأطباء، مؤخَّراً، رسالته التي نشرتها وكالة الأنباء الرَّسميَّة، بمناسبة عيد المرأة العالمي في الثَّامن من مارس، يخاطب بها المحتجِّين الذين شملوا حتَّى العاملين بالإذاعة الحكوميَّة، بل وحتَّى «نادي القضاة ـ تحت التَّأسيس»، والذي تفوق عضويَّته الألف قاضٍ هدَّدوا بمقاطعة الإشراف على العمليَّة الإنتخابيَّة، يحذِّرهم من «الفتنة» و«الفوضى»، ومن «اختراق» مسيراتهم من «جهات داخلية أو أجنبية». 

في الأثناء، وبينما كانت المعارضة تطالب الجَّيش بـ «حماية مصالح الشَّعب»، أذاع «حزب جبهة التَّحرير الوطنيَّة» الحاكم تعهُّدات «تقرأ: إغواءات» باسم حملة بوتفليقة للولاية الخامسة، وعلى رأس ذلك تنظيم «منبر وطني جامع»، وإجراء «انتخابات رئاسيَّة مبكِّرة»، وإعداد «دستور جديد» يُستفتى عليه الشَّعب، ومراجعة «قانون الانتخابات» بغرض إخضاعها لآليَّة جديدة، ووضع سياسات عاجلة لضمان «التوزيع العادل للثَّروة»، وما إلى ذلك.
المفارقة تطلُّ، هنا، برأسين. فمن جهة ينبغي، أصلاً، ألا يرتهن تنفيذ هذه الإجراءات لفوز بوتفليقة بولاية خامسة! ومن جهة أخرى فإن الحزب الحاكـم نفسه تضـرب صـفوفه حركة استقالات جماعيَّة، وانسلاخات وانسحابات كثيفة، يسبِّبها أصحابها من كـوادره، ومنسـوبيه البرلمانيِّين، بـ «اختطاف الحزب من جانب قيادة غير شرعيَّة»!
بعبارة أخرى فإن اللافت، ضمن مرئيَّات هذا المشـهد، أن الاحتجاجات التي ما انفـكَّت دوائرهـا تنداح على مدار السَّـاعة، شــاملة تنظيمـات نقابيّة، ومهـنيَّة، ومدنيَّة، وحـزبيَّة، وزَّوايا صوفـيَّة، لم تستهدف نقمتها، مـع ذلك، بوتفليقـة نفسـه، بل القـيادة المتحلقـة فـي محـيط مركـزه، والتي يسـميها بعض المحتجَّـين بـ «العصـابة»، حيث عــبَّروا، صـراحـة، عن أنهـم ليسـوا ضـدَّ شخص بوتفليقة، وإنَّما ضدَّ «أولئك الذين يختبئون خلف ظروف مرضه، ويختطفون الحكم باسمه»! وربَّمـا كانت وراء هـذا الإعـذار الجَّماهـيري غير المفصـح عنه لبوتفليقة ذاكـرة شعبيَّة شبيهة بتلك التي سـبق، في زيمبابوي، أن حفظـت لموغابي جميل تاريخـه الوطـني، ونعـني الذَّاكـرة التي توقِّر التَّاريخ الكفاحي المشرق ضدَّ الاستعمار، والمجاهدات لترسيخ الاستقرار، والعمل على إرساء دعائم السِّلم الاجتماعي في عقابيل «عشريَّة التِّسعينات السَّوداء»، والأداء المتميِّز في كلِّ ما أوكل إليه على الصَّعيد الدِّبلوماسي، والتعفُّف الذي ظلَّ يبديه، فوق كلِّ ذلك، إزاء المناصب التي كانت تعرض عليه.
مهما يكن من شئ فإن اللافت الآخر هو اسـتمرار الاحتجاجات للشـهر الثَّاني، بمنهـج غاية في التَّحضُّر، لم يسجِّل ولا حادثة واحدة لفوضى أو تخريب من جهة المحتجين، أو قتيل أو جريح على أيدى قوات الأمن. وقد سيَّر المحامون، كأحد أطراف الاحتجاجات، موكباً سلم المجلس الدُّستوري مذكِّرة تطالبه بالبتِّ في المقتضيات القانونيَّة للتَّرشُّح، ومدى عدم انطباقها في حالة بوتفليقة، من حيث عدم تقديمه، مثلاً، أوراق ترشيحه بنفسه، وعدم تمكُّنه، في وضعه الحالي المعلوم، من تقديم شهادة بحالته الصحيَّة، فضلاً، بطبيعـة الحـال، عمَّـا ينطـوي عليـه ترشـيحه لولاية خامسـة من انتهاك للدُّسـتوريَّة، وتغييب للإرادة الشَّعبيَّة، وما إلى ذلك. وقـد توافقـت المعارضـة على أن إجـراء أيِّ انتخـابات في مـثل هـذه الظـروف يشكِّل خطـراً علـى البلاد، ومهـدِّداً لاستقرارهـا، خاصَّة وقد حـدَّّدت الجَّماهير مطالبهـا باسـتقالة بوتفليقة، وحـلِّ الحكومـة، والإعـلان عن مرحـلة انتقاليَّة تمهِّد لإقامة دولة القانون.
لكن، على العكس من وضوح وسلميَّة وتحضُّر هذه المطالب التي عبَّر عنها الملايين في الشَّوارع والميادين، فإن الحكومة سرعان ما راحت تفقد صبرها، وتنزلق صوب التَّعنُّت، والعنف، واستفزاز الشارع بالإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها، وتعطيل المواصـلات بين الأقاليم والعاصمة، وتبكير عطلة الجَّامعات، واعتقـال قرابة المائتي متظاهـر خلال يوم واحد.
أمَّا موقف القوَّات النِّظاميَّة، خصوصاً الجَّيش، فربَّمـا تكفي في الإشـارة إليـه تلميحات وزير الدِّفاع، رئيس الأركان، التي أكَّد من خلالها على وعيهم بـ «التَّعقيدات الأمنية .. وخبايا الأخطار التي تهدِّد استقرار البلاد»، وأنَّهـم، على حدِّ تعبيره، «لن يسمحوا بالعودة إلى سـفك الدِّماء»، إيماءً إلى مرحلة ما قبل بوتفليقة، أو، كما جاء في افتتاحيَّة مجلة الجَّيش، أن «السَّنوات الماضية أثبتت تماسك الشَّعب مع جيشه، وترابط مصيرهما»، وأن «على أفراد الجَّيش إثبات جدارتهم بالثِّقة الغالية التي منحها لهم الشَّعب».
والآن، لئن كان الكثيرون قد لاحظوا الرُّوح «الودِّي» الذي تعاملت به أجهزة الأمن الجَّزائريَّة مع المتظاهرين الذين قدَّموا، طوال الأسابيع الماضية، نموذجاً متحضِّراً في حريَّة التَّعبير لم يقدِّم مثله ولا ذوو «السُّترات الصُّفر» في باريس، قبل أن ينقلب الحال، الآن، إلى العنف والاعتقالات، فمن، إذن، يهِّدد استقرار الجَّزائر؟! وهل ثمَّة أمل، برغم ذلك، في عودة الرُّوح الذي بدأ به التَّعامل مع تلك التعبيرات المتحضِّرة؟!
***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.