في الرَّابع من أغسطس الجَّاري وقف الرَّئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يلقي خطاباً من على منصَّة الاحتفال بيوم الجَّيش، أمام عرض عسكري خاص، وسط العاصمة كراكاس، حين حلقت فوق المكان طائرتان بدون طيَّار، محمَّلتان بشحنتين ناسفتين زنة كلٍّ منهما كيلوغراماً، قبل أن تنفجر إحداهما، ولكن بشئ من الانحراف عن هدفها المحدَّد، حيث لم يصب الرَّئيس، وإن أصيب سبعة من حرَّاسه. هكذا قالت مصادر الإعلام الحكوميَّة، متَّهمة المعارضة داخليَّاً، وكولومبيا إقليميَّاً، وأمريكا عالميَّاً، بينما لم تُتح مشاهدة تينك الطائرتين عبر البثِّ التِّلفزيوني الذي ما لبث أن انقطع فور أن بدأ انفراط طوابير الجُّند المصطفين في الاستعراض، في ذات اللحظة التي رفع فيها مادورو، ومن معـه على المنصَّة، أعينهم نحـو الطائرتين قُبيل وقـوع الانفجار مباشـرة!

مادورو، سائق الحافلة السَّابق، ذو الخمس والخمسين سنة من العمر، وصاحب التَّاريخ الطويل في النِّضال النِّقابي، بدأ وزيراً للخارجيَّة في حكومة هوغو شافيز. ثمَّ، عند وفاة الأخير، في مارس 2013م، تولى الرِّئاسة مكانه، ريثما أجريت انتخابات رئاسيَّة فاز بها في أبريل من نفس العام. ثمَّ أولاه الشَّعب ثقته، مجدَّداً، في انتخابات مايو 2018م، ففاز بدورة رئاسيَّة أخرى لمدَّة 6 سنوات. ولعلَّ هذا ما يفسِّر اندلاع المظاهرات في شوارع المدن الفنزويليَّة، بآلاف المشاركين، فور وقوع الحادثة، مطالبين بملاحقة ومعاقبة مرتكبيها.

الشَّاهد أنه، وعلى كثرة ما شهد الصِّراع في بلدان العالم الثَّالث من عنف إرهابي لم يندر أن استُهدفت خلاله رموز سياسيَّة بالاغتيال، إلا أن هذه تعتبر المرَّة الثَّانية التي يفضي فيها اليأس بمعارضة عالمثالثيَّة إلى تجريب التَّخلص، بالتَّصفية الجَّسديَّة، من رأس النِّظام الذي تعارضه، في آخر مكان يمكن أن يصلح لذلك .. المنصَّة التي ينتصب فوقها وسط جنوده المدجَّجين بكلِّ صنوف الأسلحة، في لحظة من أكثر لحظات الضَّبط توتُّراً باليقظة، وفي درجة من أقصى درجات الاستعداد احتشاداً بالانتباه! ففي المرَّة الأولى انطلقت المقذوفات، أرضَ ـ أرض، إلى صدر الرَّئيس الأسـبق أنور السَّـادات على منصَّة القاهـرة عام 1981م؛ وفي هـذه المرَّة استهدفت المقذوفات، جوَّ ـ أرض، جسد الرَّئيس نيكولاس مادورو على منصَّة كراكاس، مع الفارق، بطبيعة الحال، بين المستهدَفَين، والمستهدِفَين، والمنصَّتين!

الحادثتان، وإن اختلفتا في التفاصيل، إلا أنهما تشتركان في الإرهاب. حادثة السَّادات أشبعت بحثاً، وتحقيقاً، ومحاكمة لمرتكبيها الإسلامويين، وعلى رأسهم خالد الاسلامبولي، فما من جديد يمكن إضافته بشأنها. أما حادثة مادورو، فرغم أن التَّحقيق بشأنها ما يزال في بدايته، إلا أن معطيات دوافعها المتوفِّرة تشير، بعيداً عن يوميَّة التَّحري، وقريباً من التَّحليل السِّياسي، إلى عاملين رئيسين مرتدفين على ظهري بعضهما البعض، وهما طبيعة النظام نفسه، من جهة، وطبيعة خصوماته السِّياسيَّة من جهة أخرى. فمادورو لم يعقب شافيز ككلِّ رئيس جديد يأتي في عقابيل سلفه ديموقراطيَّاً فحسب، وإنَّما ورث مجمل نظامه الذي أسَّسه بعد فوزه في انتخابات العام 1998م، والقائم، بوجه عام، على نهج الدِّيموقراطيَّة الاجتماعيَّة، كأيديولوجيا تحدُّ من غلواء الرَّأسماليَّة بتعديلات تضمن تطوُّرها باتِّجاه التَّأسيس لدولة الرَّفاه العام، على خط مستقيم من قيم الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، وفي إطار مشدود من مبادئ العدالة الاجتماعيَّة، وإن كانت لا تستهدف اجتثاث الرَّأسماليَّة من جذورها، كما في الثَّورة الاشتراكيَّة، الأمر الذي يجد التَّعبير الأكمل عنه، حالياً، في نموذج البناء الاقتصادي والاجتماعي للبلدان الاسكندنافيَّة.

أمَّا بوجه لاتيني مخصوص فقد ظلَّ هذا النِّظام يرفع، طوال العقدين الماضيين، راية التَّضامن السِّياسي والتَّكامل الاقتصادي لبلدان القارَّة ضدَّ المخططات الإمبرياليَّة، ودعاوى الليبراليين الجُّدد، حتَّى لقد اعتُبرت الشَّافيزيَّة التي ورث مادورو نظامها هذا تجديداً حقيقياً للرُّوح البوليفاريَّة (نسبة إلى سيمون بوليفار، قائد حركة التَّحرُّر اللاتينيَّة من الاحتلال الأسباني، 1783م – 1830م)، مثلما اعتُبرت امتداداً طبيعيَّاً للكاسترويَّة، فاستحقَّت، عن جدارة، عداء الحـلف غير المقدَّس الذي نشأ، في مواجهتها، بين اليمين الدَّاخلي، وأنظمة العمالة الإقليميَّة، والمركز الإمبريالي العالمي الرَّاغب في السَّيطرة على احتياطات فنزويلا من النَّفط التي تُعتبر الأكبر في العالم.

وكانت محاولة لقلب النِّظام قد سبق أن جرت في أواخر يونيو من العام الماضي، حيث اختطف ضابط بالشُّرطة إحدى طائراتها، وأذاع بياناً، وأطلق عدَّة قذائف باتِّجاه وسط كراكاس، حيث القصر الرِّئاسي، والمحكمة العليا، ووزارة الدَّاخليَّة، ومبان حكوميَّة أخرى؛ لكن المحاولة فشلت.

وفي سياق محاولة الاغتيال الأخيرة جاء اتِّهام الرَّئيس مادورو للرئيس الكولومبي السَّابق خوان مانويل سانتوس بأنه هو من عهدت إليه واشنطن بتنفيذ المخطط، فأصدر، بدوره، أمر التَّنفيذ هذا إلى بعض معارضيه، وعلى رأسهم المعارضَين اللاجئَين، حالياً، إلى كولومبيا، خوليو بورخيس، رئيس البرلمان السَّابق، ولويزا أورتيغا، النائبة العامَّة السَّابقة، فضلاً عن رافايل راميريز، المدير السَّابق لشركة النَّفط الوطنيَّة، والذي فرَّ إلى أسبانيا. ورغم أن بورخيس سخر من الاتِّهام، مدَّعياً أنه مجرَّد حُجَّة يراد استخدامها لملاحقة وقمع المعارضين، إلا أن المحكمة العليا في كراكاس سمحت للحكومة الفنزويليَّة بطلب تسليمه، والآخرين جميعاً، على خلفيَّة اتِّهامهم بالإرهاب، وتمويل الإرهاب، والتَّآمر بهدف ارتكاب جريمة!

من جهة أخرى عبَّر مادورو عن استعداده لقبول طلب واشنطن المشاركة في التَّحقيق حول الحادثة، شريطة أن توافق، من جانبها، على تسليم بعض المتَّهمين الشُّركاء في التآمر، والذين أشارت التَّحقيقات التي جرت حتَّى الآن إلى وجودهم بفلاديلفيا!

مهما يكن من أمر فثمَّة ملاحظتان لا بُدَّ من إيرادهما قبل أن نضع النُّقطة في نهاية السَّطر:
أولاهما: أن النِّظام الدِّيموقراطي الاجتماعي الفنزويلي ظلَّ وفيَّاً للوعود الانتخابيَّة التي قطعها كلٌّ من شافيز ومادورو على نفسه، فبقي منحازاً للفقراء، والمعدمين، والمستضعفين الذين يشكِّلون أغلبيَّة المواطنين في بلد يعوم في بحر من النَّفط، مثلما ظلَّ يمثِّل تحدِّياً للإمبرياليَّة، ولسياسات الاستتباع، وللمخططات الأميركية في القارَّة، وحرباً لا هوادة فيها على المرض، والجَّهل، والأميَّة، وسوء التغذية، وغيـرها من أمراض التَّخلف الاجتماعي، الأمر الذي أعاد لأجواء أمريكا اللاتينيَّة مزاج المدِّ اليساري، وروح التَّعاطف مع المستضعفين، مِمَّا لا يستبعد معه تعرُّض هذا النِّظام للمؤامرات الدَّاخليَّة والخارجيَّة.

وثانيتهما: أنه، لئن كان خلف "إرهاب منصَّة القاهرة" معارضون إسلامويُّون لسياسة السَّادات، فقد كانت ثمَّة دوائر خارجيَّة خلف "إرهاب منصَّة كراكاس"، كأمريكا وكولومبيا، حسب الاتِّهامات التي ساقها مادورو. وإذن، بصرف النَّظر عمَّا ستكشف عنه التَّحقيقات الجَّارية، وحسبما أثبتت الخبرات المتراكمة، فإن الإرهاب ظاهرة عالميَّة، وأنه لا دين له، ولا جنسية واحدة، ولا طائفة محدَّدة. وقد تتنوَّع دوافعه من أقصى العوامل الشَّخصيَّة، النَّفسيَّة والإعلاميَّة، مثلاً، إلى أقصى العوامل المجتمعيَّة، الاقتصاديَّة، والسِّياسيَّة، والتَّاريخيَّة، والإثنيَّة. كما قد تتباين بيئات الإرهاب نفسها، من أوَّل القهر، والقمع، والاستبداد، إلى آخر التآمر على الأنظمة الوطنيَّة، ودعم أعداء الشعوب، ومناصرة الحكومات الفاسدة. ومن ثمَّ فإن نوعيَّة الإرهابيِّين قد تتفاوت ما بين أفراد، وعصابات، وحكومات، وأحزاب سياسيَّة. لذا فمحاربته تعني، بالضَّرورة، وضع ذلك كله في الاعتبار.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.