(1)
هذا كتاب عن خليل فرح بدري كاشف خيري، وضعه جعفر محمد علي بدري كاشف خيري، ويتملكني، الآن، خجل فارع، كلما تذكرت أنني، لمَّا طلب منِّي جعفر، عن طريق صديقي د. محمد جلال أحمد هاشم، أن أقدِّم لكتابه هذا، وما كنت قرأت له شيئاً من قبل، ارتسم في خاطري ظنٌّ سئٌ، وبعض الظنِّ، بالحقِّ، إثمٌ، كأوَّل انطباع تبادر إلى ذهني، بأنَّني إزاء ابن أخ يستسهل الكتابة عن عمِّه، فتقاعست! حدث ذلك رغم سابق معرفة اتَّفقت لي، على نحو ما، بشاعريَّة، بل، وعموماً، بتأدُّب بعض الشَّخصيَّات في هذه الأسرة التي تمتُّ لي بصلة قرابة محسيَّة من جهة والدتي التي نزحت عشيرتها من جزيرة أردوان، واقتفوا أثر المهدي، عليه السَّلام، إلى حيث اتَّخذ معسكره بالقطينة، ومن ثمَّ جاءوا، في جيشه، إلى فتيح، وحاصروا الخرطوم، وخاضوا معه فجوة بحر ابيض، وبقيَّة القصَّة معروفة تُروى.

كان ضمن من اتفقت لي معرفة ما بشاعريَّتهم، وتأدُّبهم، في أسرة جعفر، الشَّاعر الغنائي محمَّد علي عثمان بدري كاشف، صاحب "مرضان باكي فاقد"، والذي نظم بالفصحى وبالعامِّيَّة، والشَّاعر الشَّيخ حسن عثمان بدري كاشف، صاحب "مكتبة الثَّقافة"، الكائنة على مقربة من بيتنا في حفرة كلودو، ومنسِّق "شعراء الكتيبة"، وخازن "درج السَّفاسف" الشَّهير (!) دَعْ إسهامات بعض الشَّخصيَّات في حركة التَّثقيف ونشر الحداثة والوعي، بالمعنى الواسع، والدَّلالة العريضة، كالسَّيِّدة حاجَّة كاشف حسن بدري، الكاتبة والرَّائدة على صعيد العمل النِّسائي، وإبنها أكرم، ووالده علي التُّوم، والشَّهابين اللذين أضاءا سماوات كرة القدم في خمسينات القرن المنصرم، الشَّقيقين قرعم وسِرِّي، لاعبي نادي المرِّيخ وقتها، وغيرهم.

على أنَّني ما أن شرعت في تصفُّح مخطوطة جعفر، من باب محض العلم بالشئ أوَّل الأمر، حتَّى ألفيتني، رغم ما بدأتُ به من سوء الظن، أكاد لا أنفكُّ عن مدار شمسها السَّابحة في بحر ذي لَجَب من المعرفة الحقيقيَّة بفن الخليل، وخلفيَّاته الثَّقافيَّة، ودنياواته الإبداعيَّة، وذلك، يقيناً، هو أهمُّ ما يهمُّ القرَّاء، بوجه خاص، لا سيَّما وأن شغفَ أكثرِهم بالخليل لا تحدُّه حدود، وهو الذي قال عنه النَّاقد الأمين علي مدني، في ما نقل المؤلِّف من كتابه "أعراس ومآتم"، يحدِّث قُمريَّة مغرِّدة:
"أيَّتها القُمريَّة، دعي عنكِ الهديل في السَّحر، وتعالي معي
لتسمعي صوتاً تَحْقِـرين من أجله صـوتك، وتسـجدين لكـلِّ
نغـمـة سـجدةً طـويـلة".
كما قال عرفات محمَّد عبد الله عن صوته أوان الغناء، وهو يؤبِّنه:
"يُخرج نغمـاً لا يشبهه صـوت المزمـار، ولا أنين القـيثار،
ولا هـديـل الحـمام، أقـول وأجـزم أنـه .. كان .. لا يُعـرف
بالقياس إلى غيره، بل يَعرفه من دقَّ حسُّه، وصقُل ذوقه،
ولا تجد له مثيلاً".

(2)
أنعشت المخطوطة ذاكرتي بعبق مناخات كنا عشناها، الحبيب الرَّاحل، والأديب النَّاقد عبد الهادي صدِّيق دار صِليح وشخصي، خلال النِّصف الأوَّل من سبعينات القرن المنصرم، ومنها ما عشناه بين الخرطوم والجيلي، مع عمَّينا العزيزين حدباي احمد عبد المطلب وأحمد الطريفي الزِّبير باشا، ضمن مشروع باكر لتحقيق ديوان الخليل بتكليف لكلينا من ابنه المرحوم فرح، بعد أن سلمنا إيَّاه في هيئة مخطوطة أكثرها بخط يد الخليل نفسه. ورغم أن عملنا في ذلك المشروع فتح أعيننا على أوسع فضاءات فنان الشَّعب الكبير، إلا أننا سرعان ما اضطررنا لقطعه بسبب نقل عبد الهادي إلى سفارة السُّودان ببيروت، ثمَّ اعتقالي، بُعَيْدَ ذلك، لمدَّة تطاولت. ولمَّا صعُب التكهُّن بميقات زوال تلك الظروف زارني فرح بالسِّجن مستبطئاً التَّحقيق، فاعتذرت له، ووجَّهت مكتبي بتسليمه أوراق المشروع، حيث حوَّلها إلى الرَّاحل المقيم علي المك الذي تولى إنجازها على أفضل ما يكون، بينما صاغ عبد الهادي، من مادَّة القصائد التي كان استنسخها من تلك الأوراق، وحملها معه إلى بيروت، كتابه العذب "نقوشٌ على قبرِ الخليل"، أما أنا فقد اكتفيت ببضع مقالات، فضلاً عمَّا بثثته، عبر أثير راديو أم درمان، أوان ذاك، في برنامج كنت أقدمه بعنوان "مشاوير"، قبل أن يأمر جهاز الأمن بإيقافه، وقد تطرَّقت فيه لبعض المباحث حول حركة 1924م، من خلال فن الخليل وسيرته، خصوصاً حقيقة استلهامه للمقدِّمة الموسيقيَّة لأنشودة "عزَّة"، ليس من "نشيد المارسيليز"، كما يجري الاعتقاد خطأ، أحياناً، ولا حتَّى من "مارش ود الشَّريفي"، بل من أهزوجة "الكركدي ما بقوم غلة" الفوراويَّة، والتي استلهم من لحنها صول الفرقة الموسيقيَّة في جيش علي دينار ميلوديَّة المارش المذكور نفسه، يوم هزيمة إبراهيم قرض في معركة منواشي، وغير ذلك مِمَّا تضاربت بشأنه الأقوال.
لقد اتَّخذ المبدع الكبير خليل فرح من "وطن الجَّمال"، وتاريخه، وسيرته، وترميزاته، حبيباً سكن إليه، وتماهى معه، وذاب فيه، وبقي ذاكراً له، مولهاً به، مدنفاً من عشقه "في كلِّ أحواله، وأفعاله، وأقواله"، حتَّى لقد نثرت البراعم بوح القرنفل من حنجرته، وفرد الحمام أجنحة الطلاقة على كلماته، ومدَّ الدَّليب تعاريش ظلاله الوارفات إلى ألحانه، فنشع في الشَّرايين زهر الكَلام، وفي الأوردة نعناع النَّغم، وفي فضاء الرُّوح ريحان الإيقاع. هكذا غنَّى الخليل، وغنَّى، وغنَّى، حتَّى آخر شريان ينبض في قلبه، وحتى آخر نفَس يتردَّد في صدره، وحتَّى لم يبقَ فيه شئ لا يغنِّي، فمضي يبذل لهذا الوطـن الحـبيب أرقَّ اعتذارات الغناء السُّوداني، بل أرقَّ اعتذارات الغناء العربي طرَّاً:
"فِيَّ شِنْ أبقيتْ للطَّوارِقْ
غِيرْ قِليباً فِي همُومو غارِقْ
ولِساناً بَرَدُو الكَلامْ"!

(3)
شغل ذلك الوله المقدَّس فكر كلِّ من كتب عن الخليل والوطن، وملك علَيه عقله، واحتلَّ شغاف قلبه، واقتضاه فصولاً عميقة التَّأمُّل، مشرقة البلاغة، فكيف بجعفر لا تجئ كتابته عن الخليل وثيقة واثقة، عليمة معلمة، كأصدق ما يكون رنين نبرة صادقة، وكأصفى ما يكون سلاف أغنية عاشقة، وهو مَن لم يركن إلى معرفة يستمدُّها من محض صلة قربى تجمعه بهذا المبدع لجهة العشيرة والرَّحم والدَّم، بل مضى يستكشف، مستعذباً، كلَّ ما يجمعه به والجُّمهور من محبَّة لجهة الوطن والشَّعب والشِّعر.
لقد عرض، بالفعل، كثيرون، من قدامى ومحدثين، لسيرة الخليل، وشعره، وغنائه، ومصادر ثقافته، وإلهامه، وتناولوا ذلك وغيره، بالكتابة الورقيَّة والإليكترونيَّة، وبالحديث من خلال الرَّاديو والتِّلفزيون. لكن على تعدُّدهم، وعلى نهل جعفر منهم، واستخدامه الحثيث لهم ضمن مصادره ـ وهو ما لا يعيبه كونَه من نهج البحَّاثة المكبِّ على تدقيق عمله وتجويده ـ فإنك قلما تجد بينهم، وقد لا تجد البتَّة، من جمع بين دفَّتي مؤلَّف واحد مادَّة بمثل هذا الثَّراء والوسع التَّوثيقيَّين، التَّحليليَّين، المائزين لهذا الكتاب الذي كاد يتجاوز محض الدِّراسة الأدبيَّة، ليضحى باباً في التَّاريخ الاجتماعي للبلاد، أو، على الأقل، للخرطوم الكبرى Khartoum Greater. ففي تسعة عشر فصلاً، إضافة إلى تصدير وثبت هوامش، فضلاً عن تقديمي المتواضع هذا، تصدَّى المؤلف لما يمكن أن نسمِّيه قصَّة الخليل الكاملة، تطوافاً بسيرته الذَّاتيَّة، وبمولده وطفولته في صاي، وبأهله وعشيرته النُّوبيِّين، وبتعليمه ومخزونه الثَّقافي، وبالتحاقه بمهنة الصَّحافة، وبأثر الدُّوبيت في قصائده، والطبيعة والخيال في شعره، وبخلفيَّات وأصداء أشهر قصائده، وبمراوحته اللغويَّة بين النوبيَّة والعربيَّة، وبمزجه النوبيَّة بلهجة البطانة، والعربيَّة الفصحى بالعاميَّة الأقرب إلى لهجـة بني أسـد فـي الجَّـاهليَّة حسـب عبد الله الطيِّب، وإلى ذلك، كذلك، تطواف المؤلِّف بتاريخ العاصمة الوطنيَّة أم درمان، وبتأصيل اسمها، وبمراحل تطوُّرها، وبعُشرة الخليل معها، وبرمزيَّتها في إنشاده، وبعلاقته، بُعيد الحرب الأولى، بالحركة الثَّقافيَّة، وبالحركة الوطنيَّة، وبتنظيماتها السِّرِّيَّة، فضلاً عن أخوانيَّاته، وغزليَّاته، وخمريَّاته، ومرضه، ووفاته، وما نظم الشُّعراء في رثائه، وما أورد الكثيرون في مذكِّراتهم عنه، وما إلى ذلك.

(4)
عبر هذه الفصول زاوج المؤلف بين وضعيَّات عدَّة، كوضعيَّة المؤرِّخ، واللغوي، والمحلل الاجتماعي، والناقد الصَّيرفي، وغيرها، ليطل منها على شخصيَّة الخليل، وحياته، وعمله، حيث شمل، مثلاً، قصائده الفصيحة والعامِّيَّة بشروحات وتفسيرات من داخل النُّصوص، معتمداً منهج التَّفكيك اللغوي، والتَّحليل الاجتماعي، والإضاءات المقارنة مع قصائد تنتمي إلى شتَّى أزمنة الشِّعر العربي الكلاسيكي، وتعود إلى مختلف الشُّعراء الذين تنتثر أسماؤهم وأبياتهم بين صفحات الكتاب، في سياق هذه المقارنات الذَّكيَّة: لبيد، الفرزدق، امرؤ القيس، بشَّار، حسَّان، الأعشى، أبو نوَّاس، البوصيري، ابن أبي ربيعة، ابن عربي، ابن الفارض، وغيرهم، وغيرهم.
نفس هذه الشُّروحات والتَّفسيرات المستندة في بعض وجوهها المنهجيَّة إلى النَّظر المقارن لم تقتصر، فحسب، على رؤية أشعار الخليل في مرآة أولئك الشُّعراء العرب الكلاسيكيِّين، وإنَّما، أيضاً، في مرآة شعراء سودانيِّين من أساتذته ومجايليه. فمن أساتذته ابن عمِّه وصديقه المار ذكره، والأكثر تأثيراً عليه، محمَّد علي عثمان بدري كاشف، بالإضافة إلى يوسف حسب الله "سلطان العاشقين"، وأبو عثمان جقود، وأحمد محمَّد صـالح المطبعـجي، وعبد الرحمـن خـالد أبــو الرُّوس، ومركز، وغيرهم. أمَّا من مجايليه فقد تواترت أسماء إبراهيم العبَّادي، و "أبو صلاح"، ومحمَّد ودَّ الرَّضي، وخالد آدم "ابن الخيَّاط"، والخليفة يوسف الحسن، وآخرين.
ويشير جعفر إلى أن شعر أكثر هؤلاء ضاع بسبب عدم اهتمامهم بتوثيقه، أو حتَّى مجرَّد حفظه بما يمكِّن من الرُّجوع إليه. ولم يصلنا معظم ما وصلنا منه إلا بسبب تلحينه والتَّغنِّي به. فقد لقيَت، مثلاً، قصائد محمَّد علي بدري هذا المصير، ما عدا "مرضان باكي فاقد" التي حفظت بفضل التَّلحين والغناء، بينما ضاعت حتَّى قصائده التي يقال إن الأمين برهان لحَّنها وتغنَّى بها. ولكي نفضَّ ما قد يلوح هنا من تناقض، نضيف أن أسطوانات برهان نفسه لم يتبقَّ منها في الخزانات الرَّسميَّة، بما فيها مكتبة الإذاعة، سوى ما يحسب على أصابع اليد الواحدة، حيث ضاع أكثرها في ظروف غامضة! والخليل نفسه لم ينجُ شعره من الضَّياع، في قول جعفر، إلا لأنه كان يلحِّنه بنفسه، ويغنِّيه، بصوته الآسر، كما تقدَّم، في مجالس الأصدقاء، ومحافلهم، فحفظوه ورووه عنه.

(5)
أمَّا بعد .. فإنَّني إذ أختم هذا التَّقديم المتواضع، فإنَّما أرجو منه، فقط، أن يكون فاتحة شهيَّة للقرَّاء كي يلجوا إلى صفحات هذا الكتاب الفاره الذي أعدَّه الأديب الأريب، بحق، جعفر محمَّد علي بدري، وبسطه كمائدة عامرة بأطايب الغذاء الرُّوحي، فلتتفضَّلوا .. بالهناء والشِّفاء.

كمال الجزولي
ضاحية شمبات الهجرة
رمضان ـ يونيو 2018م

***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.