ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
# هزَّني الفيلم حدَّ الإفزاع بأطروحته وافرة البساطة شديدة التعقيد: خمسون مليوناً يُؤدُّون صلواتهم سائلين الله ألا يمرضوا وثمانية عشر مليوناً مرشحون للموت!

# ضواري التَّأمينات يستخدمون جيوشاً من مستشارين قانونيين وأطبَّاء عملهم اختراع ما لا يخطر على قلب بشر من التَّأويلات الكفيلة بإخراج الزَّبون من دائرة الاستحقاق!

# مريضة من بعثة مايكل وجدت الكشف الطبِّي في كوبا بلا مقابل وسعر الدَّواء 5 سنتات بينما يتجاوز في أمريكا 120 دولاراً أي 2400 ضعفاً .. فأجهشت بالبكاء!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
قلت، قبل سنوات، إنني لم يحدث أن أمتعني، منذ دهور، مخرج سينمائي مثلما أمتعني مايكل مور بفيلمه الوثائقي حامل الإسم أعلاه. شريط آية في التَّماسك، عكف عليه هذا المخرج الأمريكي الذي وهبه الله بسطة في البدن، والفكر، والخيال، مع خبرة وثيقة، ودربة رفيعة، وحرفيَّة عالية، فجاء في قمَّة احتمالات الاتقان، من حيث جلاء الصُّورة، والصَّوت، وسلاسة المونتاج، واتِّساق الألوان، وأناقة الكادرات، ورشاقة حركة الكاميرا، وذكاء زوايا الالتقاط، وقوَّة تعبير المؤثِّرات المبهرة، ووسامة القطع الموسيقيَّة المختارة.
في غالب البادي من اسم الفيلم أنه منحوت إمَّا من اللعب على كلمة "sick"، بمعنى "مريض"، أو من اختصار لفظة "psycho" في معنى "مريض نفسياً"، أو لعله مستوحى من الاسم المتطابق مع ذات اللفظة، والذي كان أطلقه مخرج أفلام الرُّعب الأمريكي البارع ألفريد هيتشكوك على فيلمه الشَّهير الذي خلب ألبابنا أوان صبانا الباكر، والمبني على قصَّة وسيناريو الكاتب الكبير روبرت بلوتش، والذي أخرجه هيتشكوك، وأنتجه بنفسه، عام 1960م، وأعاد إنتاجه عام 1998م، ورشِّح لأربع جوائز أوسكار!
مهما يكن من أمر، فقد هزَّني مضمون فيلم مايكل مور، حدَّ الإفزاع، بأطروحته وافرة البساطة، شديدة التعقيد: خمسون مليون مواطن أمريكي يُؤدُّون صلواتهم، صباح مساء، سائلين الله ألا يصيبهم مرض، بينما ثمانية عشر مليوناً منهم مرشحون للموت خلال نفس السنة، كونهم، وهم مَن يعيشون في جنَّة "الحُلم الأمريكي" الباذخ، عاجزين، بسبب الفقر، عن الحصول على .. بطاقات تأمين صحِّي! هؤلاء نماذج مرضى مفلسين على "الحديدة" يعانون من أورام في المخ، وسرطانات في الثدي، ومشكلات في الشُّعب الهوائيَّة، وإصابات عمل فقدوا، بسببها، أطرافهم، لكن ليس لهم سوى أن يواصلوا مكابدة شظف العيش، دَعْ أن يوفروا تكلفة العلاج المبهظة. نماذج مكلومين ما أن يستنطقهم مايكل بنفسه، في الفيلم، حتى تخنقهم العبرات، ويشرقوا بالدمع الهتون، ويستغرقوا في نوبات بكاء كتيم تستحيل حتى آلة التصوير إزاءه بشراً سويَّاً يتفجَّر بأنبل لقطات "الكلوز أب" التي تمزِّق نياط أقسى القلوب! و .. قال منظف حمَّامات عجوز:
ــ "سأظلُّ أنظفها حتَّى أموت، دون أن أجرؤ على التَّوقُّف، فزوجتي تحتاج ثمن الدَّواء الذي توفِّره الشَّركة طالما أنني أواصل خدمتها"!

(2)
يستعرض الفيلم قائمة طويلة من الأمراض غير المشمولة، ابتداءً، ببطاقات التَّأمين! والأنكى أن ضواري شركات التَّأمين يتقنون صناعة الإفلات من الالتزام بتغطية نفقات العلاج حتَّى لمن حصلوا، بشقِّ الأنفس، على هذه البطاقات. هؤلاء قوم لا همَّ لهم سوى مراكمة الأرباح الفاحشة. ولأجل ذلك يستخدمون جيوشاً جرَّارة من مستشارين قانونيين وأطبَّاء عملهم الأساسي اختراع ما لا يخطر على قلب بشر من التَّفاسير والتَّأويلات، وما لا أوَّل له ولا آخر من الأحابيل والمغالطات، وكلَّ ما من شأنه أن يوجد ثغرة تخرج الزبون من دائرة الاستحقاق التي يكون قد دفع فيها دم قلبه! أحد الطيور الجَّارحة صارح مايكل بقوله، ضاحكاً:
ـ "لحظة المطالبة تكون أذهاننا مشغولة بأمر واحد فقط .. كيفيَّة إلغاء بوليصة الزَّبون بأيِّ سبيل، أو إيجاد أيَّة وسيلة لإخراجها، على الأقل، من نطاق التَّأمين! من أجل هذا نفعل كلَّ شئ، ونتعامل مع كلِّ حالة، مهما صغر شأنها، وكأننا نترافع في قضيَّة قتل كبرى! مهمَّتنا، في الحقيقة، تضخيم أرباح الشَّركة عند نهاية السَّنة"!
وهكذا فإن القاعدة واجبة الاتباع، في كلِّ الأحوال، هي: "رعاية صحيَّة أقل تساوي أرباحاً رأسماليَّة أكبر"!
لؤم الشَّركات لم يستثن من شرور هذه القاعدة حتَّى أفراد فيالق المطافئ، والدفاع المدني، ومتطوِّعي فرق الانقاذ، الذين واجهوا الأهوال في إثر كارثة الحادي عشر من سبتمبر! فأولئك الذين ظلوا يجوسون، ليل نهار، وببسالة منقطعة النَّظير، بحثاً عن الضَّحايا بين أنقاض الهيكل الخرافي المتبقِّي مِمَّا كان يُعرف بمركز التِّجارة العالمي الذي اعتُبر دائماً من مفاخر العمارة الأمريكيَّة، قبل أن يستحيل، في لحظات قلائل، إلى تلال متراكمة من غبار الخرائب، وكتل الحديد، وأكوام الخرسانة المسلحة، رفعهم الوجدان الوطني الأمريكي، مثلما رفعتهم، للمفارقة، الخطب الرسميَّة المخاتلة، إلى مصاف الأبطال. لكنهم، حين أورثهم عملهم النبيل ذاك، لاحقاً، مختلف الأمراض، جحدتهم المؤسَّسة حقهم المستحقَّ في الرِّعاية الصِّحيَّة، وحرمتهم، بشتَّى الذَّرائع، من أبسط فرص العلاج!

(3)
ومن ذاكرة الفيلم الاسترجاعيَّة أن آل كلنتون، أوَّل دخولهم البيت الأبيض، رفعت هيلاري، سيِّدتهم الأولى آنذاك، ومرشَّحة الرئاسة، لاحقاً، عن الحزب الديموقراطي، شعار: "رعاية صحيَّة لكلِّ فرد"! فما لبث أن جُنَّ جنون طغم الشَّركات:
ــ "ما هذا؟! إشتراكيَّة العلاج"؟!
هكذا أطلَّ، على الفور، في كوابيس رأسماليَّة الخدمات الطبيَّة، شبح "الاشتراكيَّة" .. خط "الموت الأحمر" اقتصاديَّاً، وسياسيَّاً، واجتماعيَّاً! فانطلقوا يضعون العراقيل أمام الشِّعار، ويدخلون عصيَّهم في عجلته، وينفقون ملايين الدُّولارات لسحقه في مهده، مستخدمين في سبيل ذلك كلَّ الأساليب، المشروع منها وغير المشروع، بما في ذلك تقريب "النار" من ثوب الرَّئيس والسَّيِّدة الأولى اللذين أفزعتهما الرِّسالة، فسارعا إلى التَّراجع غير المنتظم! من يومها، وحتى نهاية ولايتهم، لم يعُد أحد يسمع منهم حرفاً واحداً عن خطتهم "الخطرة"!
ويمضي الفيلم يفضح الصَّفقات الوضيعة التي تجري في أروقة الكونغرس لتمرير مختلف المشاريع التي تضمن لشركات التَّأمين الصِّحي، ومؤسَّساته الخاصَّة، جني المزيد من الأرباح الضَّخمة.

(4)
وفي مشاهد متلاحقة تحبس الأنفاس، تنتقل كاميرا مايكل إلى كندا وبريطانيا وفرنسا، تقارن، نقديَّاً، بين نظمها الصِّحيَّة والنِّظام الأمريكي، حيث تلك أفضل حالاً بما لا يقاس، مِمَّا جعل متوسط الأعمار في ظلها أطول منه في أمريكا!
نظام الرِّعاية الصِّحيَّة، في تلك البلدان، مغطى تماماً بنظام "التَّأمين الاجتماعي" الشَّامل، فلا يُشترط أن تكون لدى المواطن بطاقة تأمين صحيٍّ خاصَّة ليتلقى الخدمة الطبيَّة التي يحتاجها بتكاليف زهيدة نسبيَّاً. نائب سابق بمجلس العموم البريطاني عزا الأمر برمَّته إلى "الدِّيموقراطيَّة" التي مكَّنت من إدخال نظام "التَّأمين الاجتماعي" أواخر أربعينات القرن المنصرم، في عقابيل الحرب الثَّانية، قال لمايكل:
ــ "بدأ الأمر لدينا، وقتها، بتساؤل بسيط عمَّا إذا كان من المقبول، عقلاً، أن يعجزنا توفير الميزانيَّات لعلاج النَّاس، بينما كنَّا وفَّرناها، خلال الحرب، لقتل الألمان"!
"الدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة"؟! نعم، فإليها يعود الفضل، يقيناً، في إشاعة المناخ الملائم لحريَّة التَّفكير، والرَّأي، والتَّعبير، والنَّقد، وفحص البدائل، وتداول الخيارات، وطرح الأسئلة الصَّحيحة، ما في ذلك أدنى شك. على أن البرلماني المحترم أغفل الإشارة، في ذات السِّياق، إلى فضل تأثير "الاشتراكيَّة" التي قدَّمت للعالم، أوان ذاك، نموذجها المادِّي الضاغط، والمتحدِّي، في باب "العدالة الاجتماعيَّة" على كلِّ الأصعدة، بما في ذلك "الرِّعاية الصِّحيَّة" للجَّميع، تنهض بواجباتها دولة أحالت الفرز والتحيُّز الطبقيَّين إلى المتحف! فكان لا بُدَّ لأثر ذلك "الحلم الإنساني" أن ينعكس، بشكل واضح، وإن بدرجات متفاوتة، على حراكات ملايين الكادحين، ونقاباتهم، واتحاداتهم المهنيَّة، وتنظيماتهم السِّياسيَّة، والمدنيَّة، ونتاجات مفكريهم، ومبدعيهم، في البلدان الرأسماليَّة، وفي أوربا، بالأخص، لعوامل القرب الجُّغرافي، والتَّشابه الثَّقافي، والتَّاريخ المشترك، مِمَّا فرض على الدَّولة، في هذه البلدان، مجابهة تلك التَّحديات بابتداع نظم "التَّأمين الاجتماعي" لتخفيف ضغط الاحتقان خوفاً من أن يفضي لانفجار حتمي! ولعلَّ مِمَّا يؤكِّد ذلك، بوجه خاص، أنه، ما أن لاحت نذر الضَّعف والتَّفكُّك على المنظومة الاشتراكيَّة، حتَّى برزت إلى السَّطح، أقوى من أيِّ وقت مضى، بوادر الارتداد عن حقوق الكادحين المكتسبة في تلك البلدان، من خلال نظريَّات "الرِّيغانيَّة" و"الثَّاتشريَّة" و"مدرسة شيكاغو" في الاقتصاد، وتيارات "الرَّأسماليَّة المتوحِّشة" كافَّة، والتي لا تعترف سوى بمنطق "الرِّبح" .. و"الرِّبح" وحده!

(5)
في الجزء الأخير من الفيلم يصعِّد مايكل من نبرة رؤيته، دافعاً بها إلى أقصى أمداء التجرُّؤ والاقتدار الدِّيموقراطيَّين، فيعمد إلى اصطحاب بعض المرضى من "أبطال" الحادي عشر من سبتمبر في رحـلة غير مشروعة على متن زورق تهريب إلى السَّاحل .. الكوبي:
ـ "نعم كوبا التي ظلوا يُدخلون في روعنا، طوال خمسة وأربعين سنة، أنها المكان الأسوأ في العالم، وجدناها مزوَّدة بأفضل نظام للرِّعاية الصِّحِّيَّة، لدرجة أن متوسِّط عمر الفرد هناك أطول مِمَّا هو عليه في أمريكا"!
مريضة من "بعثة مايكل" ذهلت لمَّا وجدت أن الكشف الطبِّي الذي تحتاجه مجَّانيُّ في هذه الدَّولة الاشتراكيَّة الصَّغيرة، أما الدَّواء فلا يزيد سعره عن 5 سنتات، بينما سعره في بلدها أمريكا يتجاوز الـ 120 دولاراً، أي 2400 ضعفاً .. فانفجرت تجهش بالبكاء، وهي تحزم ما يكفيها لثلاث سنوات!
..............................
..............................
فرضيَّة مايكل الأساسيَّة التي ظلَّ يختبرها، بصبر وأناة، طوال ساعتين وثلاث دقائق هي زمن الفيلم، قائمة في كون النِّظام الذي يوفر كلَّ حقوق التَّعبير والتَّنظيم والانتخاب، بينما يعيش الناس في ظله محرومين من أبسط فرص العلاج المجَّاني، ليس نظاماً "ديموقراطيَّاً" بعد! وهذا صحيح تماماً. غير أن الصَّحيح أيضاً، وبالمقابل، أن النِّظام الذي يوفِّر كلَّ فرص العلاج المجَّاني، بينما يعيش الناس في ظله محرومين من أبسط حقوق التَّعبير، والتَّنظيم، والانتخاب، هو، أيضاً، ليس نظاماً "إشتراكيَّاً" بعد! وقد حقَّ للنَّاس، في الحدَّين كليهما، أن يصرخوا!
المشكلة، إذن، ليست، فقط، في نوع الأنظمة التي تتأسَّس على جحد المواطن حقوقه السِّياسيَّة، حتَّى لو وفَّرت له حقوقه الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة، بل أيضاً في نوع الأنظمة التي تنكفئ على ممارسة شكليَّة لديموقراطيَّة سياسيَّة خالية من أيِّ محتوى اقتصادي اجتماعي يتَّسم بالعدل .. وكلا النوعين مرفوض!
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.