(1) أُفقٌ!

لا،
ليسَ الذي كنًّا نغـنيكَ وَهْماً،
ولا حكاياكَ المجيداتُ قبضَ ..
الريحٌ
لأنَّكَ أنتَ انــدلاعُ الحـرائِـقِ فـينا،
وإنَّكَ أنتَ انفجـارُ الحـقائِـقِ فـينا،
وإنَّك،
في قَتامِ الصَّمتِ،
برقُ البوحِ والتَّصريحْ،
ولأنتَ .. أنتَ ضــوءُ منارِنا
الأَسمَى
حينَ الأكاذيبُ تعلو، يا حقيقتَنا
الكُبرَى،
فوقَ هامـاتِ الرِّجـالِ، والنَّخـلَ،
والأشياءُ تصْدَأُ،
والمدَى يعمَى،
لا،
ليسَ الذي كـنًّا نغـنيـكَ وَهْمـاً،
ليس الذي كُـنَّا
نغـنيـكَ
وَهمَا!
(سواكن 1989م)

***

(2) منفَى!
سـماءٌ رمـاديَّـةٌ .. هـذي السَّـماءْ،
والشِّتاءْ ..
يفردُ أجنحةَ الغَيمِ على بوَّابةِ
الشرقِ،
يغسِلُها بالنَّثيثِ الهَتونِ،
طوالَ النَّهارِ،
وبالطَّللِ الثَّلجىِّ .. في المساءْ،
وأنا لا أُبصرُ البحرَ،
بحرَ العقيقِ الأجَاجِ الذي ألغَتهُ
من
عَينَىَّ
هذي الحجارةُ الصَّمَّاءْ
غيرَ أنَّي أحسُّ أمواجَهُ،
برغمِ السُّورِ،
في صَدري، وفي خاصِرتي،
وأحسُّ زُرقتَه العميقةَ ..
في شراييني،
ولسْعَهُ المِلحِىَّ
في
شفتِي،
فمنْ ذا الذي سيلغي المِلحَ ..
والزُّرقةَ،
أو من، تراهُ، سيُلغى الآنَ ..
ذاكِرتَى؟!
(سواكن 1989م)

***

(3) إيكولوجيا!
على الجِدارْ
تربَّصَ البُرصُ بالصُّرصارْ
حَلَّقَ الغُرابُ فوقَهما ..
هُنَيهةً،
ثمَّ أرخَـى عُنقَـه .. هُنَيهَةً،
ثمَّ انثنى ..
وطارْ
بجناحَيهِ الحالكَينِ .. طارْ،
مثلَ مِجدافينِ في بحرٍ
من الزِّئبقِ
طارْ!
......................
......................
لربَّما توهَّمَ الصُّرصارُ أنهَّ،
بالحقَّ،
سيِّدُ البريَّةْ،
والبُرصُ، وهو يسـحبُ ذيلهُ ..
على الأحجارْ،
أنهُ ملِكاً قد صارْ،
لكنَّما الغُرابُ
فى شهقتِهِ العُلويَّةْ
قد فكَّرَ،
ثم قدَّرَ،
ثم اختار ..
/ أشهَى من الفريسةِ الشَّهيَّةْ ..
تختالُ في جُنونِ حُلمِها
بالسَّطوةِ الأبديَّةْ،
وهيَ، بعدُ، في دائرَةِ الحِصارْ!
( بورتسودان 1989م)

***

(4) هسيسٌ!
ليسَ القتلُ ما أخافُهُ،
ليسَت
المِيتةُ
المُفجِعَةْ،
ليسَ انفجارُ هذا البابِ،
فجأةً،
أو دخولُهم،
عندَ منتصفِ الليلِ،
بالأسلحةِ
الُمشرَعَةْ،
لا،
ليسَ دَمِي الذي يسـبحُ في قيحِـهِ،
ولا جُمٌجُمَتي التي ..
تتشظَّى
على
الجِّدارْ،
لكنما أخوَفُ ما أخافهُ ..
هوَ الخوفُ ذاتُهُ،
ذاكَ الذي،
إذا غفِلتُ عنهُ،
لحظةً،
سَرَى إلى مسـامِ الرُّوحِ،
ناقـلاً ..
وساوسَ
المعاذيرِ
الُمنَمنَمَاتِ
في هسيسِ الانكسارْ،
ذاكَ
الأنيقُ
السَّاحرُ الذي يجـعلُنى ..
أرامقُ اختِضاضَ نصـلِهِ الماسِّـيِّ،
ريثما ..
أعشُو ..
لبُرهةٍ
أو بُرهَتَينْ،
لحظتَها
ينهَلُّ، بغتَةً، فيشطِرُنى ..
إلى نصفَينْ،
نصفٌ هُناكَ، في ملكوتِ وهمِهِ،
يموتُ
مرَّتينْ،
ونصفٌ هُنا
يموتُ بَينَ .. بَينْ!
......................
......................
إنَّكَ ميِّتٌ،
وإنَّهم ميِّتونَ،
ولا فَكاكْ،
فاجهَرٌ، إذن، برفضِكَ الأبيِّ ..
ههُنا،
تجهَر بهِ ..
هناك،
ومُتْ
هُنا،
تحيا .. هُناكٌ !
(بورتسودان 1990م)

***

(5) سُبَاتٌ!
"إلى علي عبد القيُّوم وعمر الدُّوش"
وطنٌ من الصَّحوِ الوضِئِ في ..
عيونِكُمْ،
يا أصدِقاءْ،
كان لِي،
وطنٌ من الهـوَى النَّديـفِ صـافياً،
ومن رقائِقِِ البُكاءْ،
كان لِي،
وطنٌ شفيفٌ في حفيفِ وجدهِ ..
الحَفِي،
من قبلِ أن تباغِتوه بالسُّباتِ،
فجأةً،
هذا المساءْ،
فينطفىْ!
(أم درمان ـ1999م)


***

(6) شجوٌ!
"إلى أبو ذكرى"
أيُّ الحدائِقِ ..
تخلعُ الآنَ خُضرَتَها
لتنامَ عاريةً
كالتوابيتِ
تحتَ
الجليدْ،
أيُّ الشَّوارعِ تركُـضُ الآنَ هاربـةً
من تحتِ أقدامِنا الحافِيةْ،
نظلُّ نطلبُها لوجهِ الحُبَّ،
ولا تطلبُنا،
مرَّةً واحدةً ..
لغيرِ
التَّضحيَةْ،
أىُّ أفئِدةٍ مـن الصَّــوَّانِ والحَـديـدْ
هذى التي ..
لا تبصرُ النَّزيفَ
دافقاً
عبرَ انشطارِ الأغنيَةْ
وأيُّ وطنٍ رائعٍ هذا الذي ..
تتوهَّمُهُ
في حقائبِ القادمينَ،
فلا يلبثُ أن يتبدَّدَ ..
بعدَ
دمعتكَ
الثَّانية؟!
......................
......................
ها هيَ الرِّيحُ تسفُو جنازةَ الشِّعرِ،
في أوَّل الليلِ، قافيةً قافية،
فاسكُن عميقاً في سكوتِكَ الُمدلهمِّ،
لا يمنحُ اكتئابَكَ تاجَهُ الملكىَّ وسطَ
كلِّ هـذا العـزيفِ المُجَلجِـلِ، غـيرُ ..
سَكتتِكَ الدَّاويَة!
(بورتسودان 1989م)

***

(7) حَرْبٌ!
منديُلهُ القُزَحِىُِّ رَفرَفَ
لحظةً
ثمَّ
اختفى،
مخَلَّفاً هالَتهُ على الأفقْ
مثلما تُخَلَّف الشمسُ،
وهي تغرقُ
في الشَّاطئِ الآخَرِ،
هالَتَها
الشَّبحيَّةَ
في
قماشةِ
الشَّفَقْ
..................
..................
يستنجِدُ
كانَ؟!
أم يُلَوَّحُ بالوَدَاعْ؟!
...................
...................
فكَّرتُ
لحظةًًً،
ثمَّ استغرقَنى دَوىُّ الحَرِبِِ
في
الِمذياعْ!
(بورتسودان 1990م)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.