ورقةٌ مستعادةٌ من رُزنامةٍ قديمة

الذين رفعوا شعار "الحاكميَّة" في مختلف مراحل التَّاريخ الإسلامي، ابتداءً بالخوارج، ومروراً بأبي الأعلى المودودي، ثمَّ سيِّد قطب، وانتهاءً بحركات الاسلام السِّياسي في واقعها الرَّاهن، بما في ذلك حركته في السُّودان، والتي أنجزت، تحت هذا الشِّعار، انقلابها في الثلاثين من يونيو 1989م، كانوا يدركون، كما يدركون الآن، ولا بُد، استحالة استصحاب أيِّ سند لشعارهم من القرآن أو السُّنة، وذلك، ببساطة، لكون هذا السَّند غير موجود أصلاً (سنعرض، بعد قليل، للاشكاليَّة التى ظلوا يثيرونها حول تفسـير الآيات 44 ـ 45 ـ 47 ؛ المائدة).

مع ذلك، ولأنه لا بُدَّ لهؤلاء من سند في هذين المصدرين الأساسيَّين، فقد عمدوا، بلا هوادة، لإحلال "تأويلهم" هم الخاص محلَّ السَّند الغائب، بعد إكسابه، تعمُّلاً، نفس قداسة هذين المصدرين. وما ذلك، في الواقع، إلا لكونهم انطلقوا من فرضيَّة قبْليَّة خاطئة، فحواها، وفق محى الدين عطيَّة، أن الكتاب والسُّنة يشتملان على كلِّ النُّظم الحضاريَّة، فلكأنَّ لسان حالهم يقول: قلِّب الصَّفحات تجدها! هذا فى حين أن القرآن ليس موسوعة علميَّة، أو دائرة معارف سياسيَّة، بل هو، بحسب محمَّد الغزالي، كتاب هداية للإيقاظ، ودعم الإيمان، وأخذ العـبرة، وترشـيد السُّـلوك. ونضيف أن الله سبحانه وتعالى قد وصفه بنفسه، فى محكم التنزيل، بأنه "هُدى للمتَّقين" (2 ؛ البقرة).

إن أخطر وجوه هذا "التأويل" الذي يعتمده هؤلاء الأقوام أنه يفضي بأصحابه، حتَّى وفق بعض مفكِّريهم كمحمَّد عمارة، إلى الخلط والتَّخليط في شأن دلالة مصطلح "الحكم" القرآني الذى اشتقوا منه، تعسُّفاً، مصطلح "الحاكميَّة". لقد "ظنوا"، خطأ، أنه يدلُّ على "النِّظام السِّياسي"، بينما دلالته الصَّحيحة، لدى ثقات التَّفاسير، هي "النُّبوَّة"، أو "القضاء"، أو "الحكمة"، أي "الفقه" والعلم النَّافع والنَّظر العقلي. ففي بعض الآيات يصف، سبحانه وتعالى، ذاته الإلهيَّة بأنه "يحكم"، أي "يقضـي": "أن الحكم إلا لله"، أي "القضاء" (40 ؛ يوسف، الجَّلالين)؛ ويقـول أيـضـاً: "وكيـف يحكِّـمونـك وعنـدهـم التَّـوراة فيهــا حكـم الله" (43 ؛ المائدة، الجَّلالين) ـ "وله الحكم وإليه ترجعون"، أي وله القضاء النَّافذ في كلِّ شىء (70 ؛ القصص، الجَّـلالين) ـ "ألا له الحكـم وهو أســرع الحاسـبين"، أى له الفصل والقضاء (62 ؛ الأنعام، صفوة التَّفاسير للصَّابوني) ـ "أن الحكـم إلا لله يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين"، أي وهو خير من فصل القضـايا (57 ؛ الأنعام، إبن كثير). وفى آيات أخرى يخبر سبحانه وتعالى عن أنبيائه؛ فعيسى عليه السَّلام لم يكن رجل دولة أو سياسة، ومع ذلك أوتى "الحكم" في معنى "الحكمة": "ما كان لبشـر أن يؤتيه الله الكـتاب والحكـم والنُّبوَّة ثمَّ يقـول للنَّاس كـونوا عـباداً لـي" (79؛ آل عمران، صفوة التَّفاسـيـر للصَّـابـوني). ونبيُّ الله يحى لم يكن حاكماً سياسيَّاً، ولا يُتصوَّر منه ذلك وهو صبي، بل ابن سنتين أو ثلاث، في قول قتادة، وابن ثلاث في قول مقاتل (القرطبى)، ومع ذلك يقـول الله تعالى: "يا يحي خذ الكتاب بقوَّة. وآتيناه الحكـم صـبيَّا" (12 ؛ مريم)، أي النُّبوَّة (الجَّلالين)، أو الفهم، والعلم، والجِّدَّ، والعزم، والإقبال على الخير، والاكباب عليه، والاجتهاد فيه (إبن كثير). ولم يسأل سيدنا ابراهيم ربَّه أن يهبه "دولة" أو "سلطة سياسيَّة" حين دعا: "ربِّ هب لي حكما والحقني بالصَّالحين"(83 ؛ الشُّعراء)، وإنَّما سأله أن يهبه "كمالاً في العلم والعمل" (البيضاوي). ويعدِّد سبحانه وتعالى أنبياءه، واصفا إيَّاهم بأنهم: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنُّبوَّة"، أي الحكمة (83 - 89 ؛ الأنعام، البيضاوي).

وثمَّة حُجَّة واهية أخرى تثار، عادة، فى تأويل مصطلح "الحكم" بدلالة "السُّلطة السِّياسيَّة"، ويحاول أصحابها الاستناد، بلا طائل، إلى الآيات الثَّلاث (44 ـ 45 ـ 47 ؛ المائدة): "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون/ الظالمون/ الفاسقون"، لكي يؤسِّسوا على مظهرها اللفظى العام "فهمهم" السِّياسي الخاص، والخاطئ تماماً، لشعار "الحاكميَّة". غير أن هذا "الفهم" سرعان ما يتزلزل عند عرضه على تفسير أيٍّ من الثِّقات، كابن كثير، والواحدي النيسابوري، وجلال الدِّين السَّيوطي، مثلاً، حيث يرد، نقلاً عن الأحاديث الواردة في الصِّحاح والمسانيد المعتمدة، أن هذه الآيات نزلت لأسباب تتعلق بإقامة بعض الحدود، كالقتل في حالة الأقوام من اليهود الذين ارتكبوه، ثمَّ أضمروا أن "يتحاكموا" إلى النَّبيِّ (ص)، فإن أفتى بالدِّيَّة أخذوا بها، وإن "حكم" بالقصاص لا يسمعون منه، وكذلك الزِّنا في حالة يهود المدينة الذين وجدهم (ص) وقد استبدلوا تسويد الوجه مع الجَّلد بحدِّ الرَّجم، كما في التَّوراة، وفى الحالين كانت المآرب المضمرة هي التي تحرِّك الأفعال، لا ابتغاء وجهه تعالى بإخلاص، فنزلت فيهم هذه الآيات. ومن ثمَّ، فإن أيَّ مسعى لسحب دلالتها إلى نطاق "السُّلطة السِّياسيَّة" لا يعدو كونه ضرباً من التَّعسُّف العاري من السَّند، ونموذجاً للمماحكة بدافع "القفز إلى "الحكم شهوة وطموحاً"، على حدِّ تعبير خليل عبدالكريم.

هكذا ، وباستخدام منهج النَّظر في مناسبة التَّنزيل، أيضاً، تستبين فداحة موحل القائلين باشتقاق "الحاكميَّة" من مصطلح "الحكم" القرآني، ساعين للإيهام بأنه يعني "السُّلطة السِّياسيَّة"، رامين بذلك إلى سلب "الأمَّة" كلَّ سلطان على أمرها، وتركيزه فى يد فرد أو نخبة تدَّعي أنها تسوسهم بـ "الحقِّ الإلهي"!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.