قد يستحيل الفصل، إلا نظريَّاً، بين "السِّياسة" و"الفكر" و"الثَّقافة". فـ "السِّياسة"، كإدارة للصِّراع الاجتماعي الطبقي التَّاريخي على "الثَّروة" و"السُّلطة"، نشاط وثيق الارتباط بـ "الفكر"، من حيث هو جماع عمليَّات ذهنيَّة لتفسير هاتين القيمتين، ورسم مناهجهما، وتبرير أهدافهما، بذات السِّمات الطبقيَّة التَّاريخيَّة. و"الفكر"، بدوره، وثيق الارتباط، بـ "الثَّقافة" التي هي، في بعض وجوه تعريفاتها الكلاسيكيَّة، كما عند الإنجليزي إدورد تايلور، أحد مؤسسي علم الأنثروبولوجيا، تركيبة معرفيَّة تتَّسم، أيضاً، بالطبقيَّة، والتَّاريخانيَّة، كما قد تتَّسِمُ بالتَّعقيد أو البساطة، التَّمايز أو التَّداخل، الاستقلاليَّة أو الانسجام، فضلاً عن كونها تتشكَّل من جماع علوم، ومعتقدات، وعادات، وتقاليد، وتصوُّرات، واستلهامات، وأخيلة، وخصائص وعي، وأساليب نظر، وطرائق تفكير، وأنماط فهوم، وسلوكيَّات يكتسبها الفرد كعضو في الجَّماعة. وبفعل ثورة الاتِّصالات في العصر الحديث أضحت هذه التَّركيبة سريعة الحركة والانتقال، عميقة التَّأثير والتَّأثُّر، من كلِّ النَّواحي الاجتماعيَّة، والسَّايكولوجيَّة، والفلسفيَّة، مِمَّا ينعكس على مختلف أشكال التَّناول، والمعالجة، والمقاربة الفرديَّة والجَّماعيَّة للظاهرات، كما ينعكس، بالضرورة، على مختلف المفاهيم والقيم السِّياسيَّة، والأخلاقيَّة، والجَّماليَّة.

من ثمَّ يتمحور مفهوم "الفكر الأفريقي"حول الدَّلالة الأشمل لـ "الفكر السِّياسي" و"الفكر الثَّقافي" معاً في القارَّة، حيث لتمظهراتهما حضور قوي وسط مشاهد الانشغالات، والحفريَّات، والمساهمات، عبر مختلف السِّياقات التَّاريخيَّة التي انتمى بعضها إلى "مباحث تصفية الاستعمار"، خصوصاً خلال الفترة التي استعر فيها أوار هذه المباحث ما بين أربعينات وستِّينات القرن المنصرم، كما ينتمي بعضها الآخر إلى "مباحث ما بعد الاستعمار"، خلال الفترة الممتدَّة من تلك السِّتِّينات وحتَّى الوقت الرَّاهن. وفي الحالين تولى، وما ينفكُّ يتولى إنجاز هذا الفكر، ورتَّب، وما يزال يرتِّب لنتائجه، مفكِّرون أفارقة في مختلف حقول العلم، والسِّياسة، والأدب، والفن، وليس نادراً ما وُجد ويوجد بينهم زعماء سياسيُّون، وقادة مدنيُّون، ورجال دولة، مِمَّن ناهضوا العقل الغربي الذي ظلَّ ينفي، على مدى قرنين، أيَّ إسهام للسُّود، خصوصاً الأفارقة، في إرساء مداميك الحضارة البشريَّة، حيث شَغَل الأنثروبولوجيون الغربيون مواقع متقدِّمة في مساندة الاستعمار، وروَّجوا، بنشاط، لفرية أن الأفارقة بدائيُّون، وكذلك مجتمعاتهم وثقافاتهم بدائيَّة، ومعزولة، ومفتقرة إلى المؤسَّساتيَّة، وإلى الخصائص الثقافيَّة الرَّاقية، وإلى سرعة الاستجابة لدواعي التَّغيير، وإلى التَّقنية والمظاهر الحضاريَّة الأخرى كالكتابة مثلاً، كلُّ ذلك كمبرِّر للدعوة إلى ضرورة أن يحمل "الإنسان الأبيض" عـبء إنقاذ هذه القارَّة، وإلحاقها بركب التَّحضر!

ينتمي كثير مِمَّن تصدُّوا لدفع ذلك الافتراء إلى جيل الآباء، كالشَّاعر والمفكِّر والرَّئيس السِّنغالي/الفرنسي ليو بولد سنغور الذي رافق الشَّاعر والمفكِّر والمناضل السِّياسي المارتنيكي/الفرنسي إيميه سيزار، في باريس، فتشاطرا دعم فلسفة "الزُّنوجة Negritude"، بتشديد الزَّاي وضمِّها، كحالة قائمة من مكوِّنات وجوديَّة وثَّقافيَّة محليَّة يجدر الاستناد إليها في صياغة إطار إبداعي، ومنهج نقدي، وردٍّ عملي، إزاء الخطاب الكولونيالي، بأكثر مِن كونها حضَّاً على فعل مستقبلي، بحيث يتوجَّب على السُّود والملوَّنين، وبالأخصِّ مثقَّفيهم، الانتباه إليها، وعدم الذُّهول عن سؤالها الأساسي القائم في حيرة الزنجي العادي ما بين كونه غربيَّاً أبيض، أم زنجيَّاً أفريقيَّاً. وأصل الكلمة لاتيني، وتستخدم في وصف النَّزعات الثَّقافيَّة، والميول الشُّعوريَّة، والخصائص الأسلوبيَّة التي تميِّز الاتِّجاهات الفكريَّة للسُّود والملوَّنين، وتصبغ مختلف تعبيراتهم السِّياسيَّة والإبداعيَّة التي يسعون من خلالها لإثبات وجودهم في مواجهة القهر والاضطهاد الاستعماريين.

برز تيَّار "الزُّنوجة"، أوَّل أمره، في نيويورك، عام 1919م، ثمَّ سرعان ما انتقل إلى باريس حيث تأسَّست، عام 1921م، مجلة "العالم الأسود" الأدبيَّة التي ما لبثت أن أضحت منبراً لأبرز رموز التَّيَّار، كلانغستون هيوز، وليو بولد سنغور، وإيميه سيزار الذي وصف رفقته مع سنغور قائلاً: "كان أفريقيَّاً، وكنت مارتينيكيَّاً؛ لكن بيننا نقاط التقاء، وتساؤلات، وشكوك حول قضايا كثيرة. كان كلانا يتعلّم من الآخر، وكانت الإجابة دائماً أفريقيَّة". كذلك يُعتبر سنغور، إلى جانب كوامي نكروما، و"معلمو" جوليوس نايريري، وأحمد سيكوتوري، وموديبو كيتا، وجومو كينياتا، وغيرهم، من أبكار مؤسِّسي تيَّار "الجَّامعة الأفريقيَّة Panafricanism" الذين تأثَّر معظمهم بالماركسيَّة، في بداياتهم، على نحو أو آخر. وكانت وحدة الزُّنوج الثَّقافيَّة، كرمز لوحدة القارَّة السِّياسيَّة، حلمهم المُشتهى.

نشأت، إذن، حركة "الزُّنوجة"، كغيرها من الحراكات الثَّقافيَّة الأفريقيَّة، على نسق وجداني يربط بين جميع السُّود والملوَّنين، ليس في القارَّة وحدها، وإنَّما، أيضاً، في أمريكا الشَّماليَّة، وجزر الهند الغربيَّة، جاعلة قضيَّتها الرَّئيسة مجابهة الخطاب الكولونيالي! مع ذلك يلزمنا أن نشير إلى أن بعض الإثنيَّات التي تعاني من عقدة نقص تجاه أصولها الهُويويَّة ظلت تكابر برفض نسبتها إلى هذه الأعراق! فبعض المستعربين السُّودانيين الذين تكاد ألوان بشراتهم تفوق أكثر البشرات سواداً في القارَّة أقاموا الدُّنيا ولم يقعدوها، كما ساقت السِّفارة السُّودانيَّة بالقاهرة احتجاجاتها الغليظة، عندما علق مسؤول مصري على حظر الحكومة السُّودانيَّة استيراد الخضر والفاكهة من مصر لأسباب صحيَّة، واصفاً السُّودان بأنه بلد "الزنوج والكوليرا" (صحف وقنوات؛ 26 سبتمبر 2016م). فالواضح أن تلك الغضبة استهدفت، أكثر من وصف السُّودان بأنه بلد "الكوليرا"، "رميه" بأنه بلد "الزُّنوج"، وذاك ما تعدُّه ذهنيَّة "الجَّلابي" أمراً جللاً! واستطراداً، فلعلَّ تلك من أخطر مشكلات "التَّساكن"، وأدواء "الاستعلاء" و"التَّهميش" التي تهدِّد الوحدة الوطنيَّة!

كان السنغالي الشيخ أنتا ديوب من أهمِّ رواد حركة "الزُّنوجة". وقد قرن بين الأنثروبولوجيا، والآثار، والفيزياء، وبين الدِّراسات الفكريَّة التَّاريخيَّة، وبين النضال السِّياسي العملي. وكان من أهمِّ مؤلفاته "الأصول الزِّنجيَّة للحضارة المصريَّة"، كما قام بتنظيم بعض الكتل السِّياسيَّة في السِّنغال. ومن أشهر تلخيصاته الفكريَّة أنه "لا استقلال سياسيَّاً دون استقلال حضاري وثقافي". ورغم أن "الزُّنوجة" شكَّلت قاسماً مشتركاً بين الشَّيخ أنتا ديوب وسنغور إلا أن ديوب كان أكثر راديكاليَّة من سنغور في رفض الاندغام داخل الثَّقافة الفرنسيَّة، ما جعله منافساً قـويَّاً لـه، علمـاً بـأن الكـولونياليَّـة الفرنسـيَّة تأسَّـسـت، أصـلاً، عـلى منهـج اسـتيعاب Assimilation المستعمرة بكاملها داخل كيان المتروبول، كما في تجربة الجَّزائر مثلاً. ويعزو باحثون السَّبب في ذلك إلى تأثير انتماء سنغور، برغم "زُنوجيَّته"، لجامعة السوربون كصرح تقليدي محافظ!

أمَّا البعض الآخر من المفكرين والمثقفين المناهضين، على خطى الآباء المؤسِّسين، لافتراءات الأنثروبولوجيين الغربيين، فينتمون إلى جيل الشَّباب المشتغلين، في الوقت الرَّاهن، بالأكاديميا، والفكر، والثَّقافة، وتُتداول أطروحاتهم الإشكاليَّة في المنابر الأفريقيَّة والعالميَّة، كالكاميروني ديفين فوه صاحب التَّجربة المعرفيَّة المنطلقة، أساساً، من مقاومة المتخيَّل الغربي عن "بؤس" أفريقيا و"توحُّشها"؛ والكاميروني الآخر أشيل مبامبي الدَّاعي إلى "مركزيَّة أفريقيَّة كونيَّة"، أو ما أسماه "أفريقيا بحجم العالم"، وذلك عبر مفهوم ومصطلح" الكونيَّة الأفريقيَّةAfropolitanism" الذي ورثه عن أطروحة المارتنيكي فرانز فانون، وهو المفهوم والمصطلح الذي أشهرت استخداماته، لاحقاً، النيجيريَّة الغانيَّة تايي سيلاسي؛ كما ينتمي إلى هذا الجِّيل، أيضاً، المغربي/الفرنسي علي بن مخلوف، متعدِّد التَّخصّصات ما بين قضـايا الفلسـفة، والمنطـق، والهـويَّة، والبيئة، والحـقوق، والأخـلاق، والفـن، والسِّـياسة.

مهما يكن من شئ، فلئن كان نهج "الاستيعاب" الذي فجَّر ردَّ الفعل المقاوم له بنهج "الزُّنوجة"، قد هدفَ، "سياسيَّاً"، إلى ربط المستعمرات الأفريقيَّة بفرنسا، فقد ترتَّب عليه "ثَّقافيَّاً" تناقض فكري وسايكولوجي لم يكن ثمَّة سبيل ميسور للفكاك منه لدى المثقَّفين الأفارقة الذين غلبت عليهم وضعيَّة "الاستيعاب"، غير أنهم لم يستطيعوا مقاومة "الزُّنوجة" التي نشأت، أساساً، لمجابهة ما سبَّبه هذا "الاستيعاب" من خراب حضاري وثقافي للمستعمرات الفرنسيَّة السَّابقة. فـ "الزُّنوجة"، إذن، في بعض وجوه تعريفاتها، هي التَّعبير الأكمل عن الصِّدام بين الحضارتين والثقافتين: "الفرنسيَّة المستبدَّة"، و"الأفريقيَّة المنكورة"! على أن ثمَّة وجهاً آخر إيجابيَّاً لوضعيَّة التَّناقض بين "الاستيعاب" و"الزُّنوجة" أشار إليه مفكِّرون كعبد الخالق محجوب، مثلاً، ضمن مبحثه حول "المدارس الاشتراكيَّة في أفريقيا". فربط المستعمرات الأفريقيَّة بفرنسا أتاح للمثقَّفين الذين نزحوا ليعيشوا ويدرسوا هناك، والمنتمين، في معظمهم، إلى بيئات فقيرة، أن يلحظوا الآلام العريضة التي سبَّبتها الرَّأسماليَّة للمجتمعات الغربيَّة، ومن ثمَّ اتَّخذت "الزُّنوجة" لديهم مضموناً اجتماعيَّاً تمثَّل في ذمِّ الرَّأسماليَّة، وإنْ مِن منطلق رومانسي يعبِّر عن الحنين لبساطة الحياة، وسلاستها، في المجتمع القبلي الأفريقي، والتَّمرُّد على المصير المزري الذي أردت فيه الرَّأسماليَّة ضحايا نظامها. ولا يصعب التقاط هذه الأفكار من الصُّور، والرُّؤى، والأخيلة التي تقابل بين قسوة الحياة في المجتمع الرَّأسمالي، ووداعتها في الإطار القبلي الأفريقي، والتي تمور بها قصائد سنغور وغيره من شعراء "الزُّنوجة".

مع ذلك فإن من أهمِّ استنتاجات عبد الخالق أن أسلوب الحكم المباشر الذي طبَّقه الفرنسيُّون في مستعمراتهم أضعف المؤسَّسات الوطنيَّة الأفريقيَّة، فلم يتح لها أن ترتكز على ما ارتكزت عليه مثيلاتها من الحركات السِّياسيِّة الوطنيَّة في المستعمرات البريطانيَّة، والتي خرجت من نطاق المثقَّفين إلى النِّطاق الشَّعبي. وهكذا ثقَّل السَّمت الثَّقافي للتَّيَّار كفَّته الصَّفويَّة على كفَّته الشَّعبيَّة، فبقيت "الزُّنوجة" حبيسة الحيِّز الثَّقافي، ولم تقتحم الحيِّز السِّياسي بشكل ثوري. ويُرجع البعض، كأحمد سيكوتوري، جانباً من أسباب ذلك إلى التَّكوين الاجتماعي "المتميِّز" الذي غلب على أكثر ممثِّلي تيَّار "الزُّنوجة"، بما حال دون أن يشكِّل أساساً سياسيَّاً لحركة التَّحرُّر الوطني. ويصف عبد الخالق هذا الوضع بـ "الغريب"، حيث أن "الزُّنوجة" نشأت، أصلاً، لتجابه نهج "الاستيعاب" ثقافيَّاً، لكنها قبلت بالبقاء تحت تأثيراته سياسيَّاً، مِمَّا حدَّد فهم روادها للبناء الاقتصادي والاجتماعي لبلدانهم في حدود "الاشتراكيَّة الفرنسيَّة" اليمينيَّة التي لا تخرج عن نطاق الاستغلال الرَّأسمالي، وستر عورات هذا النَّمط من التَّطوُّر! ويخلص عبد الخالق إلى أن ذلك الوضع أضعف من المؤثِّرات الإيجابيَّة التي تعرَّض لها رموز "الزُّنوجة" في فرنسا. فرغم تكوُّن حركة "التَّجمُّع الأفريقي" عام 1946م، متحالفة مع الحزب الشِّيوعي في الجَّمعيَّة الوطنيَّة الفرنسيَّة، وتأثُّر معظم روَّادها بالماركسيَّة، إلا أن ذلك بقي حبيس السَّطح، ولم يتجاوز محض الإمتاع الذهني، أو ينتقل إلى عمق الثَّورة الاجتماعيَّة. فتلك الفئات من المثقَّفين "الزُّنوجيين" كانوا يصدرون في مواقفهم من باريس، وليس من أفريقيا! واستثني عبد الخالق من ذلك الحكم، وقتها (أواسط ستِّينات القرن المنصرم)، جمهوريَّتي غينيا ومالي اللتين رأى أن شعبيهما وجدا في "الإسلام" جداراً قويَّاً أسهم في تماسكهما القومي، مِمَّا مكَّن حركة التَّمرُّد على "الاستيعاب" من التَّحوُّل إلى حركة ثوريَّة شعبيَّة، وخروج الأفكار الاجتماعيَّة من ضيق العناصر المثقَّفة إلى وسع الجَّماهير الشَّعبيَّة. ومن ثمَّ أمكن الحديث، آنذاك، عن بروز مدرسة اشتراكيَّة متميِّزة، ضمن التَّيَّار نفسه، بما جعل لمضمون "الزُّنوجة" الاجتماعي، ولنظرتها النَّاقدة للرأسماليَّة، أثراً فكريَّاً وسياسيَّاً ملحوظاً، كما جعل من تفادي المصير الرَّأسمالي اتِّجاهاً عميقاً تسنده قوَّة شعبيَّة منظمة.

***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.