منذ انتصار ثورتها عام 1959م، قدَّمت كوبا، الكائنة في منطقة الكاريبي على خليج المكسيك، بجزيرتيها الصَّغيرتين، كوبا ولاغوفنتود، وبكثافتها السُّكَّانيَّة التي تزيد عن 11 مليون نسمة، نموذجاً معجزاً تاريخيَّاً، كأوَّل اشتراكيَّة في الغرب، بل على مرمى حجر من ساحل ميامي في أمريكا، أكبر إمبراطوريَّة إمبرياليَّة فـي العالـم، حتَّى لقد ضرب السُّوفييت، وقتها، كفَّاً بكف، وقالوا، تعجُّباً، وغبطة، وتفكُّهاً، ولعباً بأصوات الحروف في الرُّوسيَّة، بأن "كوبا" تعني"kommunism u beregu Ameriki"، أي "الشِّيوعيَّة على ساحل أمريكا"! ثمَّ إن هذه الثَّورة صمدت 60 عاماً في مواجهة أطول حصار اقتصادي في التَّاريخ الحديث، ونجا مؤسِّسها وقائدها التَّاريخي، فيدل كاسترو، مِن 600 محـاولة اغتيال، ليسلم الرُّوح على سريره، هادئاً مطمئنَّاً، في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 2016م!

قطع التَّطوُّر الذَّاتي للتَّجربة الكوبيَّة مراحل شاقَّة، قبل أن يقع، أواخر ثمانينات القرن المنصرم، ومطالع تسعيناته، الانهيار المدوِّي لتجربة الإدارة الستالينيَّة للحزب والدَّولة في الاتِّحاد السُّوفييتي وبلدان الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة في شرق أوربَّا سابقاً. لقد طبع ذلك الانهيار أثراً عنيفاً على التَّجربة الكوبيَّة، مِمَّا استوجب توقُّف قياداتها، وكوادرها الفكريَّة والتَّنفيذيَّة كافَّة، للمراجعة، وإعادة النَّظر، في مجمل مسيرتها، خصوصاً المستقبليَّة، بحكم العلاقات الوثيقة التي كانت تربطها بتلك القوى الدَّوليَّة، والدَّعم السَّخي الذي كانت تتلقاه منها، على كلِّ المستويات السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والعسكريَّة وغيرها، مقارنة بالظروف غير المواتية التي نتجت عن ذلك الانهيار.

أوَّل ما تناولت هذه المراجعة ضرورة الكفِّ عن الاندفاع، والعودة إلى حكمة "التَّريُّث اللينيني"، على قاعدة "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"، حيث تتوجَّب إعادة اكتشاف السَّداد في ما عُرف بـ "الخطة الاقتصاديَّة الجَّديدة ـ نيب NEP"، التي اجترحها لينين أوائل عشرينات القرن المنصرم. ومعلوم أن متعجلي تلك الحقبة من تاريخ روسيا السُّوفييتيَّة خلطوا بين الاستراتيجيَّة والتكتيك، فاعتبروا "المراجعة" الثَّوريَّة ضرباً من "التَّراجع" الانهزامي، ومن ثمَّ قرأوا الخطة القائمة في إتاحة المجال للمباراة بين النَّمطين الاشتراكي والرَّأسمالي، تخلياً، بالكامل، عن الاشتراكيَّة لصالح الرَّأسماليَّة! وبالحقِّ، ما كان أغنى لينين عن تلك الخطة، لولا خذلان الاشتراكيين الدِّيموقراطيين لنظريَّته حول ضرورة دعم انتصار الثَّورة في رُّوسيا، بانتصارها، كذلك، في بلد أوربِّي متقدِّم، واحد أو أكثر. ولكن، حين تأخرت تلك "الثَّورة العالميَّة"، كان لينين شديد الوضوح والحسم في اجتراحه "خطة النِّيب" التي اعتبرها المتعجِّلون "تراجعاً"، في حين اعتبرها هو "تنازلاً مؤقَّتاً"، بينما واصل تأكيداته التي دعمها تروتسكي، بقوَّة، على الحاجة الملحَّة لـ "الثَّورة العالميَّة"، والنضال الحازم، في الوقت نفسه، ضدَّ البيروقراطيَّة الزَّاحفة، في غياب هذه "الثَّورة العالميَّة"، على مؤسَّسات الدَّولة. ولعلَّ ذلك هو الإلهام الرئيس الذي جسَّده، بعد أربعة عقود، تشي جيفارا، معتبراً أن السَّبيل الوحيد لإنقاذ الثَّورة الكوبيَّة، وحمايتها، هو "أمميَّتها"، لا بدلالة "تصديرها" حرفيَّاً، كما أخذ عليه نقَّاده، وإنَّما بنشرها عالميَّاً، أو، على الأقل، في محيطها اللاتيني، وقد أثبت، عمليَّاً وفعليَّاً، في التَّاسع من أكتوبر عام 1967م، أنه، من أجل ذلك، كان على أهـبة الاسـتعداد للتَّضحية بحياته في أحراش بوليفيا.

واستطراداً، ينبغي الانتباه للمكيدة التي ما تزال دوائر الإمبرياليَّة العالميَّة تدبِّرها للفصل بين جيفارا وبين مواقفه وأفكاره الثَّوريَّة، ومن ثمَّ تشيئته، في هذا الإطار، كمحض صورة لفتى متمرِّد وسيم، تروِّج لها على تي شيرتات الشَّباب، وأغلفة دفاترهم، ومتعلقاتهم الأخرى، و .. فقط!

طالت المراجعة الثَّوريَّة، أيضاً، عمليَّة "الهجوم الثَّوري"، عام 1968م، التي صودرت بموجبها 58.000 شركة صغيرة، وجرى تأميم كلِّ شيء، بما في ذلك محلات المثلجات، وصالونات الحلاقة، ومحلات تصليح الأحذية! كانت تلك خطوة غير ضرورية مطلقاً، كما لاحظ مفكرون ماركسيُّون كثر، بينهم خورخي مارتن، حيث أورد في مقالة واسعة الانتشار، أنَّها لم تخلق سوى المزيد من البيروقراطيَّة لإدارة هذه الوحدات (!) فالصَّواب أنه ليس ثمَّة مناص، في مسار التَّحوُّل الاشتراكي، من استمرار بعض عناصر الرَّأسماليَّة، جنبا إلى جنب مع عناصر الاقتصاد المخطط، كالشَّركات، والمتاجر الصَّغيرة، واستثمارات صغار الفلاحين، علماً بأن هذا لا يغيِّر من حقيقة أن الثَّورة الكوبيَّة ليس أمامها سوى طريق واحد يُنتظر أن تقطعه بمسارين متساوقين: "الأمميَّة الثَّوريَّة"، و"الدِّيموقراطيَّة العمَّاليَّة".

في المسار الأوَّل أضحى مصير كوبا مرتبطاً، أكثر من أيِّ وقت مضى، بمصير "الثَّورة العالميَّة"، عموماً، واللاتينيَّة خصوصاً، مصداقاً لنظريَّة جيفارا القديمة. كما وأن شروط الانتصار على الإمبرياليَّة والرَّأسماليَّة في أمريكا اللاتينيَّة، أضحت، اليوم، أكثر نضجاً مِمَّا كانت عليه قبل نصف قرن، بفضل الرُّوح الثَّوريَّة التي يمكن رؤيتها بالعـين المجـرَّدة، من فنزويلا، إلى بوليفيا، إلى الاكـوادور، وغيرها.
أمَّا في المسار الثَّاني فإن كوبا مواجهة بضرورة أن تحزم أمرها، وتحسم خيارها، بين طريقين لا توسُّط بينهما، خصوصاً في هذا الظرف التَّاريخي الدَّقيق، بعد زوال الاتِّحاد السُّوفييتي والمعسكر الاشتراكي منذ أوائل تسعينات القرن المنصرم، وتنحِّي فيدل كاسترو في 2008م، ثمَّ وفاته في نوفمبر 2016م، وكذا تنحِّي خليفته راؤول كاسترو قبل أيَّام، في أبريل 2018م، وانتخاب الجمعيَّة الوطنيَّة المهندس الكهربائي ميغيل دياز كانيل خلفاً له في نفس التَّاريخ؛ هذان الطريقان هما: إمَّا مواصلة التَّوجُّه نحو "الاشتراكيَّة"، وإمَّا النُّكوص إلى "الرَّأسماليَّة"!

اختيار الطريق "الرَّأسمالي" يعني اختيار "طريق الآلام" الذي يجسِّد الاستسلام للهزيمة، وتسليم العمَّال الكوبيين، عن يدٍ وهم صاغرون، عصارة بذلهم لرأس المال العالمي، وتكبيد أجيال الشَّعب الكوبي هدر ستَّة عقودٍ من الصِّراعات، وإضاعة ما انسلخ من أعمار بأكملها في التَّضحيات من عمق الحشاشة، وتبديد كلِّ ما تمَّ من انجازات بشقِّ الأنفس، وبالعرق والدُّموع، في بناء الحلم الكوبي، خصوصاً في المجالين اللذين ما يزالان يشكِّلان مفخرة هذا البناء، بينما لا يمثِّلان، في خبرات البلدان النَّامية، سوى "كعبُ آخيلوس": الصَّحَّة والتَّعليم!

هكذا لم يعُد أمام كوبا سوى مواصلة السَّير بالطريق "الاشتراكي". على أن ذلك لا يعني، بأيِّ حال، التَّحرُّش بالوحدات الرَّأسماليَّة الصغيرة التي لا يصحُّ أن تنشغل الدَّولة بإدارتها، على حساب الصِّناعة الثَّقيلة، والمشاريع الكبيرة، وملكيَّة وإدارة البنيات الأساسيَّة، كما وأن ترك الوحدات الصَّغيرة لرأس المال الخاص لا يعني شكلاً من أشكال التنازل للرَّأسماليَّة، على إطلاق القول، فذلك ليس من مطلوبات نزع أنياب الأوليغارشيَّة والإمبرياليَّة!

وبرغم ضرورة سريان الفوارق في الأجور، تأسيساً على مبدأ المرحلة القائل "من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب عمله"، إلا أن من الواجب وضع سقف لهذه الفوارق، بما يجعلها تميل للانخفاض، تبعاً لزيادة الإنتاج، والثَّروة، ورفاهيَّة المجتمع.

ثمَّ إنه لا بُدَّ من إصلاح التَّوجُّه الاشتراكي نفسه، من أساسه، بحيث يكتسي وجهاً "إنسانيَّاً" ذا طابع "ديموقراطيٍّ" حقيقي يتيح لأبناء وبنات الشَّعب التَّمتُّع بحريَّاتهم العامَّة، وحقوقهم الأساسيَّة، كما يتيح لهم اتخاذ جميع القرارات النَّابعة من إدراكهم لحقيقة أنهم يمسكون، فعليَّاً، بمفاتيح رفع الإنتاج، وتحسين الإنتاجيَّة، وتحقيق التَّطوُّر، في الزِّراعة، والصِّناعة، والخدمات، والمجتمع، والدولة، من زاوية مسؤوليَّتهم المباشرة عن الاقتصاد، والسِّياسة، ومحاسبة كلِّ المسؤولين المنتخبين، فبدون ذلك ليس ثمَّة معنى لما يطلق عليه "الدِّيموقراطيَّة العمَّاليَّة" التي يُفترض أن تمارس بالأصالة، لا بالوكالة. عندها، وعندها فقط، يتحقَّق دفاع العمَّال عن قاعدة الثَّورة الاشتراكيَّة، وإلحاق الهزيمة بالثَّورة المضادَّة!

وفي مقالته التي أنفت الإشارة إليها ينبِّه خورخي، على صعيد هذه "الدِّيموقراطيَّة العمَّاليَّة" إلى وجوب العودة إلى قواعدها البسيطة التي حدَّدها لينين في مؤلفه "الدَّولة والثَّورة"، حيث شدَّد على أنها لا "تخزَّن" كي تطبَّق، لاحقاً، في ظل "الاشتراكيَّة" أو "الشِّيوعيَّة"، بل منذ اليوم الأول للثَّورة، بمعنى أن يكون أيُّ مسؤول منتخباً، وخاضعاً للعزل. كما وأنه لا يحقُّ لأيِّ مسؤول أن يحصل على أجر أعلى من أجر عامل مؤهَّل. تقترن هذه الإشارة، ولا بُدَّ، بالقدر الكبير من الحرص الذي كان يبديه جيفاراً على "العنصر الأخلاقي" في الانتاج الاشتراكي، فضلاً عن أنه ليس ثمَّة ما يضمن توفُّر هذا العنصر سوى "الرَّقابة العمَّاليَّة". لذا، ورغم تفهُّمه، أيضاً، لاستخدام نظام الحوافز المادِّيَّة، أحياناً، من باب سدِّ الذَّرائع، فإنه يشدِّد على ضرورة امتلاك العمَّال للحقَّ في اتِّخاذ القرارات المؤثِّرة على الإنتاج، بل وعلى كل جانب من جوانب الحياة. ونضيف، في هذا السِّياق، أنه ينبغي، أيضاً، ومن باب أولى، اتخاذ أكثر الإجراءات صرامة وحزماً، للحيلولة دون تمكُّن أيِّ "متفرِّغ حزبي"، أو "مسؤول حكومي"، من أن تمتدَّ يده، بحكم موقعه، للاستيلاء على ممتلكات "الحزب" أو "الدَّولة"!

إذن، ولأجل تطوُّر الثَّورة الكوبيَّة، فإن ذلك، بوجه عام، هو ما ينبغي أن يستمر منها، وما ينبغي أن يُضاف إليها، وما ينبغي أن يُستبعد عنها. إن جانباً أساسيَّاً من قوانين الجدل يقتضي حتميَّة أن يستصحب كلُّ مزيد من "الاشتعال" ثلاثة عناصر أساسيَّة، أوَّلها "الجَّمر القديم" الذي يكون قد أكمل تمام "توهُّجه"، وثانيها "الجَّمر الجَّديد" الذي يكون "الاشتعال" نفسه على أهبة الاستعداد لإضافته، وثالثها ما يخلف "الفحم" مِمَّا "يحـترق" منه، نهائيَّاً، ويسـتحيل إلى "رماد"!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.