(1)

بالحقِّ إن روسيا لا تستحي، ولا سوريا. فبعد أسبوع بأكمله من وصول بعثة المنظمة الدَّوليَّة لحظر الأسلحة الكيميائيَّة إلى دمشق، ما تزال العراقيل توضع في طريق دخولها مدينة دوما للتَّحقيق في استخدامات هذه المواد المحرَّمة دوليَّاً.
يحدث ذلك رغم الخشية، هنا وهناك، من أن تطاول الأيَّام سيمكِّن من طمس الآثار التي ينبغي أن يطالها التَّحقيق، ورغم أنَّ البعثة ما جاءت، أصلاً، إلا بناءً على طلب من النِّظام السُّوري نفسه! لكن، ها هو هذا النِّظام المدعوم روسيَّاً، وبدلاً من تيسير أداء هذه البعثة لمهمَّتها، راح يحاول شغل العالم، وحرف أنظاره، بفرقعة إعلاميَّة جانبيَّة تتمثَّل في ادِّعائه الاحتجاج على مشاركة فرنسا في الضَّربة العسكريَّة الثُّلاثيَّة التي استهدفت سوريا في 14 أبريل الجَّاري، وذلك بإعادة وسام "جوقة الشَّرف" الذي كان الرَّئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قد منحه للأسد في تاريخ سابق، مع أن خبر شروع باريس في ترتيبات نزع الوسام واسترداده كان قد نشر وأذيع قبل ذلك بأيَّام! ولكيما ندرك الكيفيَّة التي جرت بها كلُّ هذه السَّرديَّة السَّخيفة، وأثرها على الأمن والسِّلم العالميَّين، نحتاج أن نرجع إلى الوراء قليلاً.

(2)
فخلال الفترة 2012م ـ2014م قصف النِّظام السُّوري حلب بالبراميل المتفجِّرة، ما أفضى لنزوح نصف مليون عنها. أمَّا بعد تدخُّل موسكو، بين 2015م ـ 2016م، فقد تفاقم السُّوء، حيث تقدَّمت قوَّات النِّظام، مدعومة بالطائرات الرُّوسيَّة، والمليشيات الإيرانيَّة، لتكرِّر، ببربريَّتها، مشهد دمار البوسنة والهرسك الذي استهدف سراييفو، عام 1995م، فنُصبت، على غراره، مجزرة إبادة جماعيَّة مروِّعة في حلب، شملت القتل الوحشي، وإحراق الأحياء، وسفك الدِّماء، وإزهاق الأنفس، واختلاط الأشلاء الممزقة بركام المنازل المدمَّرة، ووقع المدنيُّون أسارى للحصار، والقصف، بالصَّواريخ والمدافع، وبالغارات العشوائيَّة، والإعدامات الميدانيَّة، حتى لقد أسمي المشهد "قيامة حلب" التي بلغت أخطر تمظهراتها في خان العسل، خلال مارس 2013م، باستخدام غاز السَّارين شديد السُّميَّة، ومن أبرز أعراضه نوبات التَّقـيُّؤ، والإغمـاء، وبقبقة الرَّغـوة البيضاء في الأفواه!
وفي أغسطس 2013م جرت إعادة ذات المشهد، هذه المرَّة في "قيامة الغوطة الأولى"، حيث استخدم، أيضاً، نفس غاز السَّارين، وتكرَّرت نفس أعراضه، ما خلف 1500 قتيل، وآلاف المصابين!
ثمَّ عادت تلك القوَّات، في ديسمبر 2013م، لتستخدم، في "قيامة حمص" أيضاً، غاز BZ المصنَّف كغاز سام، لدى المنظمة الدَّوليَّة لحظر الأسلحة الكيميائيَّة، كما استخدمته، مجدَّداً، في أبريل 2014م، في "قيامة سراقب" بريف إدلب.
وفي صباح 4 أبريل 2017م لم يُتح للكثير من المدنيِّين في "قيامة خان شيخون" أن يستيقظوا على دويِّ القنابل، ليبدأوا التَّراكض، كعادتهم، بحثاً عن ملاذات آمنة، بل استغرقوا في نومتهم التي سرعان ما اتَّضح أنَّها أبديَّة، حيث كانت طائرات النِّظام، مدعومة بطائرات "سوخوي 22" الرُّوسيَّة، قد ارتكبت بحقِّهم مجزرة مروِّعة بغاز السَّارين، راح ضحيَّتها أكثر من 100 قتيل و400 مصاب، أغلبهم من الأطفال، بالاخـتناق، والتَّقـيُّؤ، والإغمـاء، وبقبقة الرَّغـوة البيضاء في الأفواه، ثمَّ .. المـوت البطـيء!
أمَّا مع بداية فبراير المنصرم فقد أعاد النِّظام شنَّ غاراته، بمشاركة الطيران الرُّوسي، على منطقة الغوطة الشَّرقيَّة، من مدينة إلى مدينة، وآخرها دوما. وفي الإطار أطلق وزير الخارجيَّة الرُّوسي سيرغي لافروف نذيره المرعب بأن "تجربة حلب قابلة لإعادة التَّطبيق"!
وحيث قاربت مأساة دوما منتهاها، في الأول من أبريل الجاري، انشغل الرُّوس بتهجير آخر مَن تبقَّى مِن مقاتلي "جيش الإسلام" الذين كانوا يسيطرون على المدينة، مع أسرهم، ومن شاء من المدنيين، إلى شمال حلب. ومن خلال المفاوضات الشَّاقَّة بين الجَّانبين، اشترط الرُّوس أن يسلم "جيش الإسلام" أسلحته الثَّقيلة للجَّيش السُّوري، وذلك على إيقاع تعزيزات عسـكريَّة ظلوا يهـدِّدون باستخدامهـا، فـي معركـة نهائيَّة، حال عـدم التَّوصُّـل لاتِّفاق!
وبالفعل، ما أن تعذَّر الاتِّفاق، حتَّى انشقَّت السَّماء، فجر السَّبت السَّابع من أبريل، عن "قيامة دوما"، حيث هطل غاز السَّارين على بشر لم يرأف بهم السُّوريُّون الأقارب، ليرأف بهم الرُّوس الأغراب! وبالنَّتيجة تساقطت الأجساد المنهكة كما الجَّراد الصَّحراوي بأثر المبيدات الحشريَّة!
تواتر عرض الشَّرائح المرعبة على شاشات التَّلفزة العالميَّة. وانفجرت احتجاجات مئات الملايين، وسط شعوب مختلف البلدان، وهم يشاهدون المدنيين الأبرياء، خصوصاً الأطفال، وهم يتعرَّضون لحالات التَّقـيؤ، والإغمـاء، وبقبقة الرَّغـوة البيضاء في الأفواه، ما يسلمهم إلى الموت!
وبالطبع أنكر الرُّوس والسُّوريون، تماماً، مسؤوليَّتهم عمَّا جرى، ثمَّ .. ما لبثت أن بدأت "لعبة الأمم"!

(3)
في العاشر من أبريل الجَّاري أفشل التَّصويت داخل مجلس الأمن مشروعي قرارين بشأن التَّحقيق حول استخدام السِّلاح الكيميائي في "قيامة دوما". الأوَّل روسي يقترح تكليف "المنظمة الدَّوليَّة لحظر الأسلحة الكيميائيَّة" بإجراء هذا التَّحقيق؛ والآخر أمريكي يرى أن يُعهد به إلى آليَّة مستقلة، كون توليه من جانب هذه "المنظمة الدَّوليَّة" يتيح لروسـيا، بحكـم عضويَّتها فيها، المشـاركة باختيار المحقِّقين، وتقييم نتيجة التَّحقيق.
لم تعترض على المشروع الأمريكي سوى بوليفيا، غير أن موسكو عاجلته بفيتو أسقطه، بينما أيَّدته اثنتا عشر دولة، مع امتناع الصِّين عن التَّصويت. أمَّا المشروع الرُّوسي فقد أفشله عدم حصوله على 9 أصوات كحدٍّ أدنى، شريطة ألا تصوِّت ضدَّه أيٌّ من الدُّول الخمس دائمة العضويَّة.
عقب التَّصويت رمت المندوبة الأمريكيَّة نِك هيلي موسكو بأنَّها "اختارت أن تحمي وحشاً على حساب أرواح السُّوريين"، واصفة المشروع الرُّوسي بأنه "لا يمتُّ لاستقلاليَّة التَّحقيق بصلة"! أمَّا المندوب الرُّوسي فاسيلي ندنزيني فقد "ناشد" أمريكا بعدم توجيه ضربة إلى سوريا، كونها "قد تفضي إلى أحداث خطيرة ومحزنة للجَّميع"!

(4)
كان النِّظام السُّوري، المدعوم روسيَّاً، قد استبق تصويت مجلس الأمن بالطلب إلى "المنظمة الدَّوليَّة" إرسال بعثة تحقيق، ربَّما بهدف تعويق، أو، على الأقل، إرجاء "الضَّربة العسكريَّة" التي ما انفكَّت واشنطن، بتعضيد من لندن وباريس وغيرهما، تتوعَّد بها دمشق وحلفاءها، مثلما انطلق هؤلاء يجارونهم، بالمقابل، في مجابهة الوعيد بالوعيد!
وسرعان ما بدأت الأجواء تتغيَّم بسحب المواجهة، وتختنق بأغبرة الحرب، فصعدت أسعار النَّفط العالميَّة، فجأة، إلى أعلى مستوياتها ـ 71 دولاراً للبرميل ـ وأعلن ترامب ووزير دفاعه عن إلغاء أسفارهما، وبلغ الأمر بالإدارة الأمريكيَّة والحكومة البريطانيَّة أن أعلنتا عن اعتزامهما تجاوز حتَّى الكونغرس ومجلس العموم، في اتِّخاذ قرار الضَّربة العسكريَّة، رغم الاعتراضات القويَّة هنا وهناك، وجرى تحشيد بوارج أمريكا الحربيَّة، وحاملات طائراتها، باتِّجاه سواحل شرق المتوسِّط، كما رُصدت، بالمثل، تحرُّكات عسكريَّة روسيَّة مماثلة في قاعدة طرطوس وغيرها، ووجَّه بوتين تهديده للتَّحالف الأمريكي باعتراض أيِّ صواريخ تطلق باتِّجاه سوريا، فردَّ عليه ترامب ساخراً "أن استعد، إذن، لاستقبال أجملها وأحدثها خلال الأيَّام القليلة القادمة"، ما اعتُبر أوَّل نذر الخيار العسكري الجِّديَّة.
وبوجه عام لم يألُ، لا الأمريكان ولا الرُّوس، جهداً في وضع الإقليم، بل العالم، بأسره، على شفير الهاوية، بتحرُّكاتهم الحربيَّة، وتصريحاتهم النَّاريَّة!
أخيراً، فجر 14 أبريل، وبينما كانت بعثة التَّحقيق التي طلبتها دمشق (!) تتهيَّأ للانطلاق من لبنان إلى الأراضي السُّوريَّة، وقعت ضربة ثلاثيَّة، أمريكيَّة ـ بريطانيَّة ـ فرنسيَّة محدودة استهدفت، بحسب المصادر الغربيَّة، ثلاثة مواقع، أحدها مختبر مركزي لأبحاث وتطوير الأسلحة الكيميائيَّة بجنوب دمشق، والآخر مخزن لغاز السَّارين ومعدَّات الانتاج بغرب حمص، والثَّالث مخزن آخر للسِّلاح الكيميائي، بغرب حمص أيضاً، ملحق به مركز للقيادة. على أن الإعلام الحربي لنظام الأسد يشير إلى أن المواقع التي استهدفت أكثر من تلك الثَّلاثة.

(5)
مهما يكن من شئ، فإن الأقرب إلى التَّقدير الموضوعي أن طيوف الحرب العالميَّة الثَّانية، فضلاً عمَّا نتج عن سباق التسلح، خلال أكثر من سبعين سنة، من تطوُّر في أسلحة الدَّمار الشَّامل، النَّوويَّة بالذَّات، هي التي جعلت الضَّربة الثُّلاثيَّة أخفَّ مِمَّا كان متوقَّعاً، وأقلَّ من أن تضع العالم، على شفير جرف هار لحرب ثالثة، وكأنَّما لم يكن الغرض من هذه الضَّربة، بالنَّظر إلى أحجام أطرافها الرَّئيسين، وتركيبتهم الذِّهنيَّة والنَّفسيّة، وما بلغه التَّصعيد الجَّاري في ما بينهم حتَّى اللحظات الأخيرة، أكثر من حفظ ماء الوجه، فجاءت خاطفة، محدودة، بأسلوب الهجوم الذي نفَّذته، العام الماضي، وفي نفس التَّوقيت، فجر يوم 7 أبريل 2017م، مدمِّرتان بحريَّتان أمريكيَّتان من شرق البحر المتوسِّط، على "مطار الشُّعيرات" العسكري السُّوري، باستخدام صواريخ كروز من طراز توماهوك، ردَّاً على الهجوم الكيميائي على "قيامة خان شيخون" قبل ثلاثة أيَّام من ذلك.
لكن، لئن كان خطر العربدة الحربيَّة للدُّول الإمبرياليَّة ما يزال، من جانب آخر، محدقاً، فثمَّة عوامل أساسيَّة ستكون مرشَّـحة لمفاقمته، وتصعيده، وتوسيعـه، والدَّفـع به إلى ما يشـبه المحـرقة. ومن أهمِّ هذه العوامل، أوَّلاً إغواء وقوع معظم هذه الحرب بالوكالة by proxy ؛ وثانياً وقوعها، في الغالب، بعيداً عن أراضي مشعليها؛ وثالثاً النَّزعة الواضحة لدى حكومات الغرب للتَّجرُّؤ على تجاوز برلمانات بلدانها عند اتخاذ مثل هذه القرارات المصيريَّة المتعلقة بشنِّ الحروب أو التَّدخلات العسكريَّة؛ ورابعاً سوء العلاقات المرشَّح، عموماً، للتَّصاعد، بين روسيا والغرب، لا للتَّهدئة، سواء صحَّ أو لم يصحُّ أن قوَّات النِّظام السُّوري تصدَّت، مساء 16 أبريل، عقب الضَّربة الثُّلاثيَّة، لهجوم صاروخي آخر على قاعدتي "الشُّعيرات" قرب حمص، و"الضُّمير" قرب دمشق، دون تحديد للجِّهات التي انطلق منها الهجوم؛ وخامساً استمرار اتِّهامات الغرب لروسيا بالتَّجسُّس عليها، والسَّرقة الإلكترونيَّة لأسرارها الاقتصاديَّة، ما يفاقم، أيضاً، من ترشيح سوء العلاقات هذا للتَّصاعد، وسادساً واقع أن لعاب إسرائيل يسيل، دون شكٍّ، لاستغلال ظرف كهذا ربَّما تراه مناسباً جدَّاً لتصفية حساباتها القديمة المؤجَّلة مع قوى كثيرة في المنطقة، على رأسها سوريا وإيران وحزب الله!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.