(1)

لست، يقيناً، في مقام درس نقدي متمكِّث لنصوص هذه المجموعة القصصيَّة الثانية للكاتبة الجَّنوبسودانيَّة ستيلا قايتانو جينيشس، وما ينبغي لي! مثل هذه الأعمال النَّقديَّة الفارهة التي تتَّوسُّل لمقاربة النصوص الإبداعيَّة، ولا بُدَّ، بالمناهج الأدبيَّة الملائمة، وبالأساليب العلميَّة للاستدلال والبرهنة، مِمَّا يفضي إلى مخاضات في علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الجَّمال، وعلم اللغة، وإلى الأخذ بمختلف الأدوات النَّظريَّة لفضِّ مغاليق العلاقة بين خطابي الأدب والنَّقد، وإشكاليَّاتها، يكون محلها، لمن استطاع إليها سبيلا، الصُّحف، والمجلات، والنَّدوات، والمنابر الأخرى، ورقيَّة كانت أم إليكترونيَّة، وربَّما، أيضاً، برامج الثَّقافة المتخصِّصة في الرَّاديو والتلفزيون، لكن ليس، بأيِّ حال، مدخل بيتٍ صغير رائع الجَّمال، تهطل من فوقه أغصان المانجو والباباي، وقد شرَّفتني ستيلا، وناشرتها "دار رفيقي" بجوبا، بالوقوف عنده للترحيب بقرَّائها، وحسب، فيجدر بي عدم الإيغال في جفاء المعايير، أو صرامة المفاهيم! لذا فإنني أستأذن القرَّاء، سائقاً هذا الاعتذار، مقدَّماً، لأكتفي ببضعة نقوش خفيفة، وإن تكن مُعْلِمة بالضَّرورة، على هامش المجموعـة، من باب الاحـتفاء بهـا فحسب.


(2)
وبعد .. لئن كانت ستيلا قد كرَّست مجموعتها الأولى "زهور ذابلة"، الصَّادرة عن "دار عزَّة للنشر بالخرطوم" في 2005م، لنماذجها الإبداعيَّة المعلاَّة على صعيد "أدب الحرب" في سرديات القصَّة القصيرة، تطبيقاً على نموذج إرث الدَّم المسفوح، طوال أربعين عاماً، في صراع الجَّنوب والشَّمال، فإنها، في مجموعة "العودة" التي تضعها الآن بين أيدي القرَّاء، تنتقل لعرض نماذج إبداعيَّة أخرى معلاَّة من هذا الجِّنس الأدبي، تطبيقاً جديداً على إرث ذلك الصِّراع، لكن، هذه المرَّة، في مآلات ما بعد "انفصال/استقلال" الجَّنوب، وعلوِّ قصف مدافع "القضيَّة الاجتماعيَّة" في هذه الدَّولة الأفريقيَّة الوليدة، مكان صمـت بنادق "القضـيَّة الوطـنيَّة" بين شـقَّي بلد كان رتقاً فانفتق!

ولمصطلح "أدب الحرب" دلالات عدَّة، فهو لا يقتصر على الكتابات التي تتناول التَّجربة الحربيَّة من حيث الأحاديَّة التي قد تَسِمُ بُعدها القائم في التحامات الجِّيوش، والبساطة التي ربَّما تميِّز رصد مجريات الكرِّ والفرِّ، حتى تلك المدوَّنة بأساليب فنيَّة تختلف، شعراً ونثراً، عن مجرَّد الأساليب الصَّحفيَّة للمراسلين الحربيين.

دلالة ما نرمي إليه، هنا، تتجاوز هاتين الأحاديَّة والبساطة إلى بُعدٍ آخر لا يتجلى إلا بسبر غور التَّجربة الحربيَّة من حيث احتشادها بمختلف عناصر التَّوتُّر والتَّكيُّف الكامنة في روح المجابهة والمقاومة لدى الإنسان إزاء المخاطر التي قد تستهدف وجوده، وتهدِّد بقاءه. هذا الرُّوح يتجلى، كأسطع ما يكون، في المقابلة الجَّدليَّة بين الرَّغبة الشَّديدة في الحياة، وبين الاستعداد الشَّديد، أيضاً، للتَّضحية، حدَّ الموت، في سبيل قضيَّة سامية، مثلما يتجلى في التَّناقض بين سموِّ هذا المعني، وبين واقع الفساد والمحسوبيَّة المزري الذي لا يندر أن يخلفه المناضل وراءه، حتف أنف تضحيته المبهظة، عندما تتغيَّر الولاءات، ويبدُّل الثُّوار جلودهم، وتدير الثَّورة ظهرها لبنيها .. وهذا ما تطرُق عليه ستيلا، هنا، بوجه خاص!
تتجاوز دلالة المصطلح، أيضاً، هاتين الأحاديَّة والبساطة إلى تعقيد أكبر لا يمكن للمبدع مقاربته إلا بفضِّ كُنْهِ ما تفجِّر التَّجربة الحربيَّة من رؤى الناس، وأفكارهم، ومشاعرهم، وأحاسيسهم، ومختلف انفعالاتهم. وهذا أيضاً ما تركِّز عليه الكاتبة هنا، ليس، فقط، تجاه الحرب أثناء وقوعها، وإنما، كذلك، تجاه ما يعقبها، وما يترتَّب عليها، خصوصاً في قاع المجتمع. فلئن كان مفهوماً أن تتساوق هذه المدركات مع تفاعلات الذَّات الجَّمعيَّة، والقيم العامَّة، أو تتنافر شيئاً، فإن الكارثة الوجوديَّة الأوخم، على الإطلاق، والتي يمكن أن تحلَّ بالناس، بعد أن تضع الحرب أوزارها، هي أن يتطاول انتظارهم، بلا أمل ولا جدوى، للحصول ولو على بعض المردود المستحقٍّ لصبرهم الطويل على أهوال الحرب، وعلى مصاعب ما قد يكونوا وُعدوا به تحت تأثير شعارات برَّاقة ما تلبث أن تنمحق، ويتبدَّد سحرها، حين يتكشَّف "الإخوة الأعداء"، في جيل أو جيلين، عن محض فيلة تصطرع بين أجداث الشُّهداء، وتتناحر، فوق عشب النِّضال، على .. المغانم وحدها، جهاراً نهاراً!

تتجاوز، كذلك، دلالة مصطلح "أدب الحرب" أحاديَّته وبساطته، من جهة ثالثة، إلى معنى أكثر عمقاً، حين يفلح المبدع في إحالة هذه الحرب نفسها إلى سنخ إنساني راسخ، كما فعلت ستيلا في هذه المجموعة، بتقصِّي تجليَّاتها الموجبة والسَّالبة في حركة الحياة اليوميَّة، وتمظهراتها، من خلال علاقات الناس مع الوسط المحيط، وانعكاساتها على اجتراحاتهم الماديَّة، وخواطرهم الميتافيزيقيَّة، وما تختزن مخيِّلتهم من أحلام وهواجس، وأفراح وأحزان، وإشراقات وانكسارات، واستبشارات وإحباطات، بمثل ما تشكِّل تصوُّراتهم عن الذَّات، والأغيار، والمخلوقات الأخرى، والأشياء من حولهم، أجمعها، على تعدُّدها وتنوُّعها.

لذا، وبرغم كلِّ المآسي التي قد تكتنف التَّجربة الحربيَّة، أو تنضح بها، فإن "أدب الحرب" يظلُّ، وفق هذه الدَّلالة بالذَّات، احتياجاً "جمعيَّاً" حقيقيَّاً لا غنى عنه. فمع كونه نتاج الطاقة الإبداعيَّة "الفرديَّة" لمنتجه، فإن ذلك لا يعـني، مطلقاً، أنه موجَّه لـ "الخاصَّة"، بقدر ما يعني أن المبدع قد خاض غمار التَّجربة الحربيَّة الشُّعوريَّة "منفرداً"، ثمَّ أخضعها لقدراته التخييليَّة والتعبيريَّة، فأعاد تركيبها بما يمتِّع المتلقي، ويضئ له مكامن العظة والرُّشد، في آن.


(3)
اختارت ستيلا السَّرد عموماً، والقصَّة القصيرة تحديداً، كجنس أدبي تُجلي، من خلاله، طاقاتها الإبداعيَّة، وكشكل فني تفرغ فيه تصوُّراتها الثقافيَّة والجَّماليَّة إلى الحدِّ الذي لا يتجاوز الواقع إلا بقدر ما يفسح المجال واسعاً للتَّخييل. ولا غرو، فالنَّسب قائم بين القصَّة القصيرة وبين الحكاية الشَّعبيَّة، أو الأحجية، كفنِّ من أقدم الفنون اللصيقة بواقع حياة مختلف الشُّعوب، خصوصاً الأفريقيَّة، وبالأخص شعوب جنوب السُّودان التي تنتمي ستيلا إليها.

ولأن القصَّة القصيرة، في الواقع، "شريط لغوي قصير"، على حدِّ تعبير النَّاقدة يمنى العيد، فلا بُدَّ، لإدراك مختلف الميزات الفنيَّة، والمؤثِّرات الفكريَّة، لهذا الضرب من السَّرد عند ستيلا، من الإحاطة، إلى حدٍّ معقول، بالسِّياقات التَّاريخيَّة، الاقتصاديَّة السِّياسيَّة، والاجتماعيَّة الثَّقافيَّة، التي أنتجت، وما تزال تنتج، من خلالها، "شريطها اللغوي".


(4)
على هذا الصَّعيد تبرز، أظهر من غيرهما، واقعتان تاريخيَّتان لا يمكن إغفالهما في حياة الكاتبة، وسيرتها الإبداعيَّة:
الواقعة الأولى: ولادتها ونشأتها وتعليمها، وهي الجَّنوبيَّة المسيحيَّة المنتمية، أصلاً، إلى لغة قومها اللاتوكا، وثقافتهم، في بيئة شماليَّة تغلب عليها اللغة العربيَّة، والثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، ما ترك أثره الواضح على لغتها الإبداعيَّة، وعلى مجمل محمولها الثَّقافي. فكان أن اختارت العربيَّة وسيطاً إبداعيَّا، ليس، فقط، بسبب هذا التَّأثير اللغوي والثَّقافي، وإنما، فوق ذلك، لسبب عملي يتَّصل، حسب قولها لي، بقدرة العربيَّة على توصيل إبداعها إلى جمهور أوسع في هذا الوطن الفاره. لذا لم تغامر ستيلا بتجريب الكتابة بلغة اللاتوكا، مثلما غامر السَّارد الكيني العالمي نغوغي واثيانق بالتحوُّل، لبعض الوقت، من الكتابة بالإنجليزيَّة إلى الكتابة بلغة قومه الكيكويو، قبل أن يعود، مؤخَّراً، إلى الإنجليزيَّة، ربَّما لاستشعاره أن الكتابة بلغته الأم تحصره في نطاق ضيِّق، رغم الحجم الكبير نسبيَّاً لإثنيَّة الكيكويو في الإطار الوطني الكيني. وتلك، مهما يكن من شئ، معضلة في غاية التَّعقيد، من الناحيتين الإبداعيَّة والعمليَّة، بحيث لا تفيد فيها الأحكام التَّبسيطيَّة المتحمِّسة، رغم صحَّة وعدالة الدَّعوة الأيديولوجيَّة والسِّـياسيَّة إلى منح اللغات المحليَّة، السُّـودانيَّة والأفريقـيَّة الأخـرى، فرصتها في الازدهار والتَّقدُّم!

الشَّاهد أنه، لا النشأة الخرطوميَّة المميَّزة، ولا فرص التَّدرُّج في مراحل الدّراسة المختلفة، حتى كليَّة الصَّيدلة بجامعة الخرطوم، أعرق وأرفع جامعات الشَّمال، حالت دون أن تنظر ابنة العامل السَّابق في شركة الحديد والصُّلب، بتعاطف طبقي وإنساني عميقين، في مصائر الملايين من أبناء وبنات أقوامها الذين ألفوا أنفسهم، ضمن تقديرات الاقتصاد السِّياسي للتنوُّع السُّوداني العام، مضطرِّين للنُّزوح، خلال فترات مختلفة، من "الجَّنوب" رقيق الحال إلى "الشَّمال" الميسور نسبيَّاً، لأسباب متعدِّدة، لعلَّ أوخمها الحرب التي ظلت مندلعة هناك منذ العام 1955م، ما تكاد تخمد لها نار حتى تعود للاشتعال، فقضت اختلالات هذا الاقتصاد السِّياسي بأن ينحشر أغلبيَّتهم في في أحزمة "غيتوهات" معزولة حول خواصر المدن، رازحين في قاع المشهد البائس لفقرائها وكادحيها المسحوقين تحت وطأة العمل العضلي المضني، وأشغاله الشَّاقَّة، السَّالخين سحائب نهاراتهم يغالبون الحديد وغيره من الأثقال، تتفصَّد أجسادهم عرقاً، ودماً، وحمَّى، تحت سياط شَّمس الصَّيف الطويل اللاهبة، وتتقوَّس ظهورهم، قبل يومها، من رهق العتالة، في الأسواق، وعنائها الفتَّاك، يُعجنون، حتى شعر رؤوسهم، في وقود السَّيَّارات وزيوت مشاحمها، ويُعلقون من أقدامهم فوق الطوابق المجنَّحة للعمائر الشَّاهقة تحت التَّشييد، تلاحقهم، صباح مساء، صنوف من بذاءات الاستعلاء البغيض، عرقيَّاً، ودينيَّاً، وثقافيَّاً، ولغويَّاً، فإن تبقي فيهم، بعد كلِّ ذلك، عِرق ينبض في المساءات، فقد يكفي، فقط، للجِّنس، أو القمار، أو ضرب الزَّوجات والعيال، أو مشاهدة الأفلام المتدنِّية، أو معاقرة الخمر الرَّخيصة، أو للدُّخول، بسبب كلِّ ذلك وغيره، في معارك دمويَّة تكاد لا تنتهي، بينهم وبين بعضهم أحياناً، ومع الآخرين أحياناً أخرى، ومع الشُّرطة أغلب الأحيان، ما لا يندر أن ينتهي بهم إلى زنازين الحراسـات، وربَّمـا إلى السُّجون!

الواقعة الثَّانية: والتي رجَّت حياة ستيلا، ومسارها الإبداعي، رجَّاً، خصوصاً في هذه المجموعة، رغم أنها كانت متوقَّعة تماماً، هي تصويت الجَّنوبيين لصالح الانفصال بأغلبيَّة ساحقة تفوق الـ 98%، ضمن الاستفتاء على تقرير المصير الذي جرى من 9 إلى 15 يناير 2011م، وما تلى ذلك من تداعيات عبَّرت ستيلا عن موقفها منها، فضلاً عن هذه المجموعة، في مقالتين شهيرتين، بعربيَّة هجين بين الفصحى وبين دارجة وسط السُّودان، إحداهما بعنوان "قبل ما أبقى أجنبيَّة"، والأخرى بعنوان "بعد ما بقيت أجنبيَّة"، بالإضافة، إن أردت، إلى الكلمة التي ألقتها أمام حفل" شركة زين للاتِّصالات" بمناسبة إعلان هذه الشركة عن جائزة الرِّواية التي ترعاها باسم الطيِّب صالح.


(5)
لقد كشفت ستيلا، في كلِّ ذلك، مثلما تكشف، الآن، في قصص أحدث مجموعاتها، عن أنها ما تنفكُّ تراوح، فكريَّاً وعاطفيَّاً، بين "حماس" عالي النَّبرة، حدَّ الهتاف، لـ "الاستقلال" كمنصَّة انطلاق نحو بناء وطن فتيٍّ معافى، وبين "حنين" فائق الدَّفق، حدَّ النَّحيب، إلى الوطن الأم الذي يكفي أنه سيظلُّ الحاضن لمرابع ذاكرة الميلاد، والطفولة، والصِّبا، والشَّباب، بكلِّ ما تعبق به من عبير الآمال الفارعة، والآلام العراض!

وإذن، فليس أقل، بالنسبة لستيلا، من أن يتحقَّق "الاستقلال" بدلالته الأوفى، الآخذة في الاعتبار مصائر أولئك الضُّعفاء، الصَّابرين في قاع المجتمع، العاقدين آمالهم على المردود الشَّامل لهذا "الاستقلال"، والذي توهَّموا أن يجدوه في "العدالة الاجتماعيَّة"، وإلا فلن يعدو "الاستقلال" معنى "الانفصال"!

إن المعنى الحقيقي الضخم لقيمة التَّضحية الكامنة في هاتين الواقعتين، مأخوذتين معاً في سياق واحد، لجدير، عند ستيلا، بأن تكرِّس فنَّها لتمجيده، والإعلاء من شأنه، ودفع أقوامها باتِّجاهه؛ وإنه لأجَلُّ مِن أن تحتمل هذه المبدعة المخلصة لمشروع "الاستقلال الوطني" وحلم "العدالة الاجتماعيَّة"، رؤيَّة معاول "الفساد" تسعى، في كلِّ المواقع، لتيئيس النَّاس، تماماً، من هذين "المشروع" و"الحلم"، وهدمهما في نفوسهم، وتجريفهما إلى تمام التَّخثُّر، وقاع الهاوية، فلا تتوانى في أن تُشرع قلمها، الذي ليس لها من سلاح إلاه، في وجوه هؤلاء العابثين بأعزِّ مقدرات أهلها!

وهكذا، فإن هاتين الواقعتين تشكلان، لدى ستيلا، فوق تأثيرهما الوجودي، علامتَي طريق ثقافيَّتين لقيم إبداعيَّة نبيلة، كما تمثَّلان، في الوقت نفسه، بوَّابة انفتاح شخصي للكاتبة على تحوُّلات راديكاليَّة، في الواقعَين "الوطني" و"الاجتماعي"، بما يرسم الملامح الفنيَّة والفكريَّة لتجربتها الإبداعيَّة الرَّاهنة، وأهمَّ تطوُّراتها النوعيَّة المحتملة مستقبلاً.

ك. الجزولي
شمبات الهجرة
نوفمبر 2014م

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.