(1)

ما وردت سيرة الحضارة السُّودانيَّة القديمة إلا وسطع ذكر أسامة، خصوصاً إذا اقترنت هذه السِّيرة بالدِّراسات السُّوفيتيَّة، سابقاً، أو الرُّوسيَّة حاليَّاً، وبالأخصِّ إذا صدرت هذه الدِّراسات من مؤسَّسة أكاديميَّة، أو دار نشر في ليننغراد سابقاً، أو سانت بطرسبورغ لاحقاً.
وإذ نستعذب، الآن، أن نستعيد ما كنا كتبنا عنه قبل سنوات، فلكم كانت ستسعده أحداث وقعت بعد وفاته؛ فمن جهة صدرت طبعة ثانية فاخرة، بغلاف مقوَّى، من كتاب "عالم الآلهة في مروى"، أواسط 2013م، في 400 صفحة باللغة الرُّوسيَّة، من "معهد الدِّراسات الشَّرقيَّة التَّابع لأكاديميَّة العلوم الرُّوسيَّة"، بالتعاون مع إحدى دور النَّشر بمدينته سانت بطرسبورغ، بعد نفاد الطبعة الأولى الصَّادرة عام 2000م. ويستند الكتاب إلى مراجع متعدِّدة، روسيَّة وغير روسيَّة، حول بنية المجتمع المروي، وطبيعة "عالم الآلهة" فيه، ونظام حكم الكهنة، ودور الملك أركماني، بالذَّات، في القضاء عليه. أما من جهة أخرى فقد تواترت، عبر السَّنوات التَّالية، وبفضل علماء آثار مجيدين، كالسُّويسري شارلي بونيه وغيره، كشوفات أثريَّة تبعث على الفخر والغبطة، شاملة المقابر الأثريَّة شرقي بربر، أواخر 2013م، والخاصَّة بطبقة أرستقراطيَّة عليا من الفترة المرويَّة القديمة، بالإضافة إلى نوع نادر من مساطب الطوب الأخضر المشيَّدة كمبانٍ فوقيَّة للمقابر التي تضمُّ محتوياتها برونزاً، وأوان زجاجيَّة، وقطعاً أثريَّة مصنوعة في شمال البحر الأبيض المتوسِّط، بجانب قطع من العاج، ومنتجات أخرى تعود للجَّنوب؛ وجميعها جيِّدة الحفظ، كاملة القوام، لم تُصب بأيِّ تلف.

(2)
معاصرتنا لأسامة، في خواتيم ستِّينات القرن المنصرم، لم تتجاوز معاصرة الطلاب الصِّغار للطلاب "السَّناير"؛ فعندما وضعنا أقدامنا على أوَّل سلم الحياة الجامعيَّة بالاتِّحاد السُّوفييتيِّ سابقاً، كان هو على أهبة الدِّفاع عن رسالة الماجستير في كليَّة التَّاريخ والآثار بجامعة ليننغراد، والعودة للوطن. وعندما عاد إلى الاتحاد السُّوفييتي، للتَّحضير لدرجة الدُّكتوراه، بعد ما لا يربو كثيراً على بضع سنوات من تخرُّجه، كنا نحن نتهيَّأ لنيل شهادتنا الأساسيَّة من الجَّامعة. مع ذلك ظلت لشخصيَّته، بيننا، ليست، فقط، جاذبيَّة الوليِّ الحميم، بل وجاذبيَّة "البطل الشَّعبي"! فرغم أنه سليل أسرة عظيمة الشَّأن الاجتماعي من محس أم درمان وبُرِّي وتوتي والجِّريف، وأن والده كان وزيراً مرموقاً للثَّقافة عن حزب الأمَّة في بعض حكومات السِّتِّينات الدِّيموقراطيَّة، كما كان، قبل ذلك، قاضياً عالماً لاسمه دويٌّ، ومحامياً كبيراً لذكره إرزام، إلا أن أسامة لم يكن ليحفل أو يبدي أدنى اهتمام بشئ من ذلك كله، ولو مقدار قلامة ظفر، وإنما ظلَّ، دائماً، بين أصدقائه وزملائه، مثالاً للفتى الأمدرمانيِّ التِّلقائيِّ الذي يتَّسم، في تعامله مع الجَّميع، خصوصاً الأصغر سنَّاً، بالرِّقة، والرِّفق، والنِّدِّيَّة، والتَّعاطف الإنسانيِّ، والتَّواضع الجَّمِّ، والرَّغبة في الاندماج، مثلما عُرف، بين الجَّميع، فضلاً عن عشقه للبحوث الآثاريَّة ودراسات السُّودان القديم، بحدَّة الذَّكاء، وشدَّة النَّجابة، والتَّفوُّق الأكاديمي، وإلى ذلك كله بالبأس، والإقدام، والكرم، والشَّهامة، والمروءة، والجُّرأة، والحيويَّة، وروح المغامرة، والحماس الثَّوريِّ، والشَّغف بارتياد المجهول، حتى لو تسبَّب له ذلك في تعقيدات يجابهها بالاستهانة كلها، وبالضَّحكة المتفجِّرة، وباجتراح الأعاجيب، وكم كان بارعاً فيها كما كان يقول عنه، بمحبَّة خالصة، عرَّابنا الرَّاحل جيلي عبد الرحمن! ولأن تلك كانت، في شرعة ذهنيَّتنا الشَّبابيَّة، بعضاً من صفات الشَّخصيَّة البطوليَّة الجَّديرة بالإعجاب، فإن أصدقاء وزملاء تلك الفترة أجمعهم يشهدون، ولا بُدَّ، كيف كنَّا، ونحن، بعدُ، في سنِّ الفتوَّة، نكنُّ إعجاباً منقطع النَّظير لشخصيَّة أسامة، ونتداول مآثره التي سارت بذكرها الرُّكبان، مذ بلغت إلى علمنا سيرة قيادته، وهو لمَّا يزل، بعد، في مقاعد المدرسة الثَّانويَّة، أوائل السِّتِّينات، لمظاهرة طلابيَّة شقَّت شوارع المدينة، تصدع بالاحتجاج على مواددة عبد النَّاصر لنظام عبود، مِمَّا كبَّده عقوبة الفصل من الدِّراسة!

(3)
في السُّودان اتصل حبل صداقتنا، رغم اختلاف سبلنا الحزبيَّة، حيناً، لا السِّياسيَّة، وتفاقم مشاغلنا الحياتيَّة اليوميَّة أحياناً. وواصل أسامة رفده الذي ما انقطع عنه، أصلاً، للثَّقافات السُّودانيَّة، منذ أيَّام الطلب، بمقالاته المرموقة في حقل الآثار وتاريخ السُّودان القديم، يُعمِل فيها منهجه المادي التَّاريخي، وينشر الكثير منها بمجلة "الخرطوم" التي لطالما احتفى به رئيس تحريرها المرحوم قيلي احمـد عمـر أوان مجـدها الزَّاهـر. ولأن من أراد الله به خيراً حبَّبه في علمه وعمله، فقد كانت علاقة أسامة بهذا الحقل علاقة العاشق المُدْنَف، خصوصاً من أوَّل التحاقه، في أواخر السِّتينات، مفتشاً بمصلحة الآثار، إلى أن تبوَّأ قيادتها، في أواسط الثَّمانينات، عن جدارة واستحقاق. وستظلُّ تواريخ العلائق الملتبسة بين "الثَّقافة" و"السِّياسة" تحفظ واقعة صدامـه المشهود مع عبد الله محمَّد احمد، وزير ثقافة الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، دفاعاً عن الثَّقافة، مثلما ستظلُّ تحفظ واقعة فصله المُخزي لـ "الصالح العام!"، ضمن مذبحة الخدمة العامَّة على الهُويَّة السِّياسيَّة والأيديولوجيَّة، في عقابيل انقلاب يونيو 1989م، الأمر الذي واجهه، كعادته، بالضحكة المستهينة المجلجلة، رغم غضبه الإنسانيِّ النبيل، وتحويله، بلا تردُّد، سيَّارته الخاصَّة إلى سيَّارة أجرة كان يأمل أن يعتاش مِمَّا تجود به من رزق في شوارع مدينة يعرف جُلَّ أهلها، ويعرفونه، فتنتهي أغلب تلك المشاوير إلى مجاملات مجَّانيَّة! ومن ثمَّ كان لا بُدَّ له من البحث عن سبيل آخر لكسب العيش!

(4)
كانت أقدار أسامة قد ساقته، في وقت سابق، لإنشاء "دار أورينتال للطباعة والنَّشر" بالعاصمة الأسبانيَّة مدريد، فوصل بها، خلال فترة قصيرة، إلى رموز ضخمة في الثَّقافة العربيَّة، كعبد الوهَّاب البيَّاتي، مثلاً، حيث نشر له، عام 1985م، مجموعته الشِّعريَّة "حبٌ تحت المطر"، نشراً متميِّزاً باللغتين العربيَّة والانجليزيَّة. غير أن عشقه الأساسيَّ القديم للآثار والتَّاريخ والدِّراسات الأنثروبولوجيَّة في السُّودان حال دون أن تكون العودة لإحياء دار النَّشر خياره التالي، في عقابيل واقعتي فصله من الخدمة، وفشل مشروع سيَّارة الأجرة المشار إليهما، فما لبث، لدى أوَّل سانحة لاحت، أن شدَّ الرِّحال إلى ليبيا، ليعمل أستاذاً للآثار بكليَّة العلوم الاجتماعيَّة، ثمَّ أستاذاً للآثار والأنثروبولوجيا بكليَّتي الآداب والدِّراسات العليا بجامعة الفاتح.
هكذا واصلت شجرة أسامة الباسقة طرح أنضج ثمارها تباعاً، طوال العقدين الماضيين، حيث أصدر عام 1995م، من دار إيلجا بمالطا، وبالاشتراك مع زميله د. أبو بكر يوسف شلابي، أستاذ الأنثروبولوجيا بنفس الجَّامعة، سِفر "تاريخ الإنسان حتَّى ظهور المدنيَّات ـ دراسة في الأنثروبولوجيا الفيزيقيَّة والثَّقافيَّة"، وهو بحث تمهيديٌّ يتضمَّن الأفكار الرَّئيسة التي يقوم عليها علم الإنسان بفرعيه: الفيزيقي والثَّقافي، ويطرح ويعالج إشكاليَّة محدَّدة حول أثر الخروج الهائل للإنسان من بداية الرَّئيسات في تطوير ثقافاته، ومن ثمَّ في تطوير شكله الفيزيقي. كما أصدر العالمان عام 2001م ، من المركز القومي للبحوث والدِّراسات العلميَّة بطرابلس، كتابهما الموسوم بـ "الأنثروبولوجيا العامَّة: فروعها واتِّجاهاتها النَّظريَّة وطرق بحثها"، وهي مجموعة محاضرات أكاديميَّة تأخذ بالمنهج الأنثروبولوجي الذي يُعنى بأصل الإنسان، وتطوُّره، وتنوُّعه، ككائن بيولوجي، وبمفهوم الثَّقافة من حيث البنية والتَّطوُّر.
ثمَّ ما لبث أسامة أن أصدر من نفس دار إيلجا، عام 2002م، ترجمته الرَّائعة، مع تقديمه الضَّافي، لمؤلف ديفيد فيلبسون "علم الآثار الأفريقي"، والذي يغطي مرحلة ما قبل التَّاريخ المكتوب، ويبرز ما أنجزته أفريقيا عبر تطوُّر مجتمعاتها، كما يتجلى ذلك من واقع علم الآثار الأفريقيَّة، وحجم النَّشاطات الاقتصاديَّة والتَّقنيَّة، والأنظمة الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة، والمعتقدات التي جرى تطويرها في واقع الكثافات السُّكانيَّة المتفاوتة، والحواجز الفيزيقيَّة، وسبل المواصلات، والموارد المتوفِّرة. كما أصدر، عام 2006م، من مركز عبد الكريم ميرغني الثَّقافي بأم درمان، سِفره القيِّم "دراسات في تاريخ السُّودان القديم"، بمقدِّمة وتمهيد حول إشكاليَّة تسمية السُّودان القديم، وستَّة فصول تتناول مصادر الدِّراسة، والتَّدوين التَّاريخي لحضارة السُّودان القديم، ومرحلتي ما قبل التَّاريخ والتَّاريخ المبكِّر، والدَّولة في السُّودان القديم، ومملكتي نبتة ومروي، مع ملاحق بالوثائق والصُّور، إضافة إلى قائمة بالمراجع المنشورة بلغات مختلفة، من أوَّل القرن التَّاسع عشر حتى عام 2004م. وإلى ذلك كله وضع أسامة، ونشر، مئات الدِّراسات والبحوث والمقالات، في مختلف الإصدارات والدَّوريَّات والمجلات، فأضحى مرجعاً لا يمكن تجاوزه بالنِّسبة لآلاف الطلاب والباحثين، واسماً محفوراً بعمق في لوح العِلم السُّودانيِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والعالميِّ بأسره.

(5)
إلى ذلك أجاد أسامة، بمعاونة أسرته الصَّغيرة، استخدام تقنيَّات وسائط الاتِّصال الحديثة في تأسيس وتطوير موقعه الإلكترونيِّ الرَّصين الثريِّ (أركماني ARKAMANI)، بما يفوق، في ما يشبه الإعجاز، طاقة فريق بأكمله من المختصِّين! ويا لعمق الأسف الذي ما أفتأ أستشعر، كلما تذكرت أنني كان يتوجَّب عليَّ أن ألبي دعوته الملحَّة لي، قبل سنوات طوال، كي أشرف، ضمن ذلك الموقع، على تحـرير مجلة ثقافيَّة متخصِّصة، لولا طواحين الشَّواغل والهموم اليوميَّة!
وكان، علم الله، دائم المسارعة للجُّود بالموجود، وما كان أسخاه، مِمَّا أوتي من فكر وجهد ووقت وحماس ومال، في سبيل دعم وإنجاح أيِّ مشروع يخدم الثَّقافات السُّودانيَّة، معتبراً إيَّاه مشروعه الخاص. ويشهد قريبه وخدن روحه د. إبراهيم النور، أستاذ الاقتصاد السِّياسي بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة، والأستاذ الياس فتح الرحمن، نائب الأمين العام الأسبق لاتحاد الكتَّاب السُّودانيين، ومدير دار مدارك للنشر، كيف دقَّ أسامة صدره، قبل شهر من رحيله الفاجع، رغم ما كان يعاني من ألم مُمِض بأثر الدَّاء العضال، وأعلن، بأريحيَّة مشهودة، تصدِّيه، تقنيَّاً وماليَّاً، لتأسيس موقع للاتِّحاد على الشَّبكة.
ولَكَمْ سابق الزَّمن، عليه الرَّحمة، في كلِّ ما كتب، وقال، وفعل، بإحساس الموعود بمنيَّة كان يدرك أنها لن تمهله كي يكمل مشروعه الثَّقافيَّ والفكريَّ الضَّخم، فلكأنه، بالحقِّ، أحد أولئك الذين عناهم الحُطيئة قائلاً: "أحلوا حِياضَ المَوتِ فوقَ جباهِهم/ مكانَ النَّواصِي مِنْ وُجـوهِ السَّوابق"! وبالفعل، ما كدنا نفترق بالقاهرة، حيث غادر هو إلى لندن للعلاج، حتى سارعت كفُّ الموت تقطف روحه اليانعة، ذات مساء حزين موحش من أوائل مايو2007م.
هكذا بات في رحاب ربِّه، ورحمته، ورضوانه، العالِم المتفرِّد، والإنسان العذب، والصَّديق الحبيب، البروفيسير أسامة عبد الرحمن النور، ونحن أحوج ما نكون إلى عطائه الثَّر، وعشرته الممتعة، وإخلاصه المشهود للعلم الرَّفيع، وللثَّقافات السُّودانيَّة، وللمعرفة الإنسانيَّة، ولوطنه من قبل ومن بعد .. إنا لله وإنا إليه راجعون.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.