لا يفوق ما قيل ويقال باسم "مكافحة الإرهاب" سوى ما قيل ويُقال باسم السَّيِّد المسيح! مع ذلك فــ "الإرهاب" ماض في نشر الرُّعب لا يميِّز بين محاربين ومدنيين، و"الإرهابيون" يواصلون تخريب الحياة، أخضرها ويابسها، كأنَّهم ما رأوا أو سمعوا كفاحاً يُشنُّ ضدَّهم! 

وعلى كثرة أسباب هذه المفارقة، فإن أقواها، بلا شكٍّ، هو أن مِن الدُّول التي ما تنفكُّ تتواثق، ليل نهار، تعقد المؤتمرات، وتبرم المعاهدات، وتصدر التَّشريعات، وتصنِّف المؤسَّسات، رافعة شعار "مكافحة الإرهاب"، مَن تندرج، في حقيقتها، ضمن أكبر رعاة هذا "الإرهاب"، بل تكاد تكون، هي ذاتها، "الإرهابيَّة" الأعظم! فما مِن "إرهاب" فردي أو عصبجي، على نحو أو آخر، إلا وأوجد لنفسه مبرِّراً من "إرهاب" هذه "الدَّولة" أو تلك!
حاشا، بطبيعة الحال، أن يرمي قولنا هذا لاختلاق عذر من أيِّ نوع لهذه الظاهرة التَّدميريَّة. إنَّما هو شئ مِن الضوء نحاول تسليطه، في مدخل هذه المقالة، على جانب غير مطروق، غالباً، مِن المشكلة، وهو الجَّانب المتعلق بـ "إرهاب الدَّولة"، في الوقت الذي تُسلط فيه الأضواء كلها على إرهاب الأفراد والعصابات.
لا شكَّ في أن هذا الأخير يستوجب، بطبيعة الحال، إيلاء الاعتبار والانتباه اللازمين له، ورسم المشاريع والبرامج الكفيلة، داخليَّاً وخارجيَّاً، بالتَّمكين من مجابهته ودحره، خصوصاً النَّوع الذي يتدثَّر بأغطية الدِّين والمقدَّسات. غير أن ذلك لا يعني، البتَّة، إغفال ما يمثِّل "إرهاب الدَّولة"، في أوطاننا العالمثالثيَّة بالذَّات، من أثر ساحق، وخطر ماحق، على البلاد والعباد، فيستحقُّ، من كلِّ بُدٍّ، أن يُسلط عليه أشدُّ التَّركيز، وأن تفرد له أوثق الدِّراسات، إذ هو في تزايد مضطرد، وتفاقم متواصل، من روسيا إلى سوريا، ومن أمريكا إلى ميانمار، ومن إيران إلى اليمن، سواء بالفعل المباشر أم بالمعاونة عليه، حتَّى لتصحُّ إعادة النَّظر، كرَّتين، في التَّعريف المدرسي المعتمد لـ "الدَّولة" في كتابات علمـاء الاجتماع، وأبرزهم ماكس فايبر، بأنها "مؤسَّسـة العنف المشـروع"، وهو المفهوم الذي تأسَّس على فرضيَّة "القانون" كمعبِّر وحيد عن "الإرادة الجَّماعيَّة"، حيث لا بُدَّ لتحقيقها من أن يتنازل أفراد المجتمع عن جزء من "حريَّتهم" للسُّلطة التي يُفترض أنهم "اختاروها"، والتي تتَّخذ شكل "الدَّولة". من هنا تكتسب الأخيرة وحدها صفة "الشَّرعيَّة"، حصريَّاً، ودوناً عن سائر المؤسَّسات الأخرى، ويشمل ذلك، بالطبع، "شرعيَّة العنف"، أي "احتكاره" داخل، وليس خارج "القانون"، بما يصون "المصلحة العامَّة" افتراضاً، فيتماهى مفهوم "الدولة" مع مفهوم "العنف المشروع".
على أن خطورة هذا التَّعريف، عدا عن مفارقته الصَّارخة لحقيقة "الدَّولة" في الممارسة التَّاريخيَّة، تكمن في إمكانيَّة تأويله، ولو تأسيساً على أبسط سوء نيَّة أيديولوجيَّة، بحسبانه، حين يقصي كلَّ "عنف" آخر عن دائرة "المشروعيَّة"، فإنَّما يخصُّ مؤسَّسة "الدَّولة" وحدها بـ "رخصة" عامَّة تحت هذا العنوان المهيب: "العنف المشروع"، بصرف النَّظر عمَّا إن كانت أو لم تكن ثمَّة قيم ينبغي أن تقيِّد هذا "العنف" عن الانزلاق إلى ممارسة "الإرهاب" بوجه مخصوص. والأوخم أن الظلامات التي تترتِّب على ذلك لا يتعاطى معها، بالضَّرورة، كلُّ الضحايا، في كلِّ مرَّة، بالسُّلوك السِّياسي السِّلمي، أو حتَّى بالمجابهة العسكريَّة المنضبطة، علماً بأن كليهما، على راديكاليَّته الرَّاجحة، قد يتَّخذ نهجاً لا يرفضه القانون الدُّستوري، ولا القانون الدَّولي العام. لكنَّ البعض قد يلجأ إلى "الإرهاب" المضاد، الانتقامي، المتطرِّف، المنفلت من عقاله. هذا، بالتَّحديد، هو النُّوع الذي يتولد، في الغالب، كردِّ فعل لـ "عنف الدَّولة"!
ما يهمُّنا، هنا، أكثر من غيره، هو أن "عنف الدَّولة" هذا الذي خصَّه علماء الاجتماع بـ "المشروعيَّة"، وسواء جوبه أو لم يجابه بـ "إرهاب مضاد"، قد يبلغ، هو نفسه، حدَّاً لا يفترق في قسوته عن "إرهاب" الأفراد أو العصبجيَّة! ولعلَّ أبلغ مثال على ذلك هذا الحصار القاسي، اللاإنساني، المتواصل لسنوات طوال، والذي ظلت تفرضه مؤسَّسة الدَّولة السُّوريَّة وحلفاؤها، وفي مقدِّمتهم الرُّوس، على منطقة الغوطة الشَّرقيَّة وسكَّانها البالغ عددهم زهاء 400 ألف نسمة. فتحتَ هذا الحصار ظلت هذه المنطقة هدفاً لقصف جوِّي، وضرب بالمدفعيَّة، حتَّى في ساعات "الهدنة الإنسانيَّة" الخمس التي أعلنها الرَّئيس الرُّوسي فلاديمير بوتين، مؤخَّراً، من التَّاسعة صباحاً إلى الثَّانية بعد الظهر، لفتح "ممرٍّ إنساني" لخروج المدنيين، وإسعاف الجَّرحى منهم، على حدِّ زعمه الذي لم يبارح محض مضمضة الشِّفاه lip service. فرغم أن هذه الهدنة التي لم يبدأ سريانها، كما كان ينبغي، في 27 فبراير المنصرم، غير معلومة المدى، ولا تشمل السَّماح بإدخال الطعام، إلا أنها، على عوارها البادي هذا، ظلت تتعرَّض للخروقات المتواصلة من جانب نفس القوَّات الرُّوسيَّة والسُّوريَّة، حتَّى لقد أكَّدت المصادر أن أحداً من المدنيين لم يتمكَّن من التَّسلل خارج المنطقة، أو تلقِّي أيِّ نوع من الإسعافات، بل لقد طال الإستيلاء "الحكومي" حتَّى الأدوية والمستلزمات الطبيَّة!
ولإعطاء فكرة عن حجم الرُّعب المسلط على الغوطة الشَّرقيَّة، تشير آخر الإحصاءات إلى أن عدد القتلى تجاوز، خلال أقلِّ من أسبوعين، 520 شخصاً، والجرحى 2500. وبحسب توثيق الشَّبكة السُّوريَّة لحقوق الإنسان فقد شهد الأسبوع الذي أعقب صدور القرار الدَّولي رقم/2401 في 24 فبراير، والمطالب بهدنة إنسانيَّة لمدة ثلاثين يوماً، مقتل 146 مدنيَّاً، بينهم 38 طفلاً و21 إمرأة. أمَّا من جهة المرصد السُّوري لحقوق الإنسان فقد شهدت السَّاعات الممتدَّة، فقط، من منتصف ليل الجمعة 2 مارس إلى صباح السَّبت 4 مارس، 40 غارة على أجزاء متفرِّقة من المنطقة، كحرستا ودوما وغيرها. بلغ عدد القتلى، خلال الأيَّام المنقضية منذ منتصف فبراير المنصرم، 800 شهيداً، بينهم زهاء المئتي طفل، في بقعة أرض مساحتها 100 كلم مربع تخضَّبت، تماماً، بالدَّم البشريِّ. وأمَّا في الإحصاءات الإجماليَّة منذ العام 2013م، ونحن نكتب بالأربعاء 6 مارس 2018م، فقد بلغ عدد القتلى المدنيين، بحسب المصادر، أكثر من 25000، وتقدَّر أعداد المصابين بمئات الآلاف، واستخدم النِّظام السِّلاح الكيميائي المحرَّم دوليَّاً 77 مرَّة!
هكذا تظلُّ غارات القوَّات السُّوريَّة المدعومة بالقوَّات الرُّوسيَّة وغيرها ترسم المشهد اليوميَّ في الغوطة الشَّرقيَّة، لا يتوقف دهم طيرانها، وقصف مدافعها، لبيوت مدنيين عُزَّل، هجروها ولاذوا بأقبية في باطن الأرض دون طعام أو ماء، والاستغاثات لا تكفَّ عن التَّصاعد إلى عنان السَّماء، مع ألسنة اللهب، ودخان الحرائق، وصراخ الأطفال الجِّوعى، وعويل النِّساء الثكالى، وأنين المسنِّين والمرضى، المحصورين تحت كتل الحديد، والخراصانات، وأنقاض البيوت المهدَّمة، ومطر الموت المصبوب فوق الرُّؤوس بلا انقطاع، وسط انفجارات الصَّواريخ تتداخل، ليل نهار، مع أبواق سيَّارات الإسعاف ما تنشب تجوس بين خرائب كانت، إلى وقت قريب، عمراناً زاهياً، فما لبث أن أضحى أثراً بعد عين.
والآن، لئن كان هذا هو "إرهاب الدَّولة"، ففيم، تراه، يفترق، إذن، عن "إرهاب داعش"؟!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.