(مستخلصٌ من كتابنا "الشِّيوعيُّون السُّودانيُّون والدِّيموقراطيَّة" بمناسبة الذِّكرى الأربعين لحسم موقف الحزب التَّاريخيَّ من هذه القضيَّة بين يوليو 1977م وديسمبر 1978م)

(1)
ليس مهمَّاً، اللهمَّ إلا من الزَّاوية المدرسيَّة البحتة، ما إن كانت "الدِّيموقراطيَّة"، بدلالة "الليبراليَّة السِّياسيَّة"، تعني "المساواة" أم "الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة". المهمُّ أنها، بهذه الدَّلالة، وبأيٍّ من المعنيين أو بكليهما، ظلَّت تمثِّل، تاريخيَّاً، سلاح الكادحين لانتزاع حقوقهم الاقتصاديَّة السِّياسيَّة، والاجتماعيَّة الثَّقافيَّة، تطلعاً لإعادة صياغة العالم الأفضـل، والوجـود المغاير، فاستحقَّوا عداء الطبقات "الممتازة"، ونخبها التي يرتبط لديها إقرار "الحريَّات والحقوق الليبراليَّة"، كحريَّة الضَّمير، والتَّفكير، والتَّعبير، والتَّنظيم، والتَّنقُّل، والتَّداول "الدِّيموقراطي" للسُّلطة .. الخ، بتهديد "امتيازاتها"، أو، على وجه الدِّقَّة، بإمكانيَّة تغيير الأسس الاقتصاديَّة السِّياسيَّة التي تضمن لها هذه "الامتيازات".
من هذا المدخل نعمد إلى معالجة السُّؤال عمَّا إذا كان الحزب الشِّيوعي السُّوداني "غير ديموقراطي"، كما الشَّائع في فولكلوريَّات خصومه الأيديولوجيين والسِّياسيين؛ وبشكل أكثر تحديداً: هل يتناقض هذا الحزب، حقاً، مع "الليبراليَّة السِّياسيَّة" المستندة إلى "الحريَّات العامَّة" و"الحقوق الأساسيَّة"، كما يسارع بعض "النُّصوصيين" إلى "لهوجة" الاعتقاد الخاطئ بذلك؟!

(2)
في باب الإجابة على هذا السُّؤال لا شكَّ في أن ثمَّة وفرة في الشَّواهد التَّاريخيَّة المباشرة التي يمكن الاستناد إليها باطمئنان. لكننا سنكتفي، هنا، بانتخاب أبرزها، ولمن أراد استفاضة أن يلتمسها في كتابنا المشار إليه أعلاه، والصَّادر بطبعتين، عن دار عزة للنَّشر بالخرطوم، في 2003م ـ 2017م:
(1/2) فمنذ الحلقات الماركسيَّة الأولى أعلن الشِّيوعيون السُّودانيون عن تعويلهم على النِّضال في سبيل هذه "الحريَّات والحقوق" كمدخل لتطوير مشروعهم الاشتراكي، عبر نقدهم للتَّجربة السُّوفيتيَّة، حيث استبعد حسن الطاهر زرُّوق أن تتطابق معها التَّجربة الشِّيوعيَّة السُّودانيَّة، قائلاً: ".. قد نستفيد منها، ونتفادى سلبيَّاتها، مثل غياب ضمانات حريَّة وسلامة الفرد، وعدم تقدير دور الدِّين في حياة الشُّعوب" (السُّودان الجَّديد، 1 سبتمبر 1944م ـ ضمن محمد نورى الأمين، رسالة دكتوراه).
(2/2) وقد تعزَّزت، لاحقاً، أصالة هذا الفكر في أكثر من مناسبة. فمثلاً، لئن كان شكل الحكم الذى تحدَّد، منهجيَّاً ومؤسَّسيَّاً، بمصطلح "الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة"، قد نشأ وتكرَّس في أوربَّا منذ حوالي ثلاثة قرون، فإن عبد الخالق شدَّد على أن السُّودانيين عرفوا ".. نظام الشُّورى الذي هو لبُّ الدِّيموقراطيَّة منذ عهود تضرب في أعماق التَّاريخ. فملوك كوش القدماء كان ينتخبهم زعماء القبائل، وكان ملوك الفونج وشيوخ العبدلاب يُختارون بنفس الطريقة .. إن البعض يحاول أن يوهم النَّاس بأن الدِّيموقراطيَّة نظام غربي لا يصلح لنا. صحيح أن الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة نشأت فى الغرب مع الثَّورة الرَّأسماليَّة وانهيار النِّظام الإقطاعي، ولكنَّا كنَّا نمارس مضمون الدِّيموقراطيَّة القائم على الشُّورى قبل ذلك العهد بكثير جدَّاً" (دفاع أمام المحاكم العسكريَّة، ط 1، دار عزَّة، الخرطوم 2001م، ص 66).
(3/2) لذا ظلَّ الحزب يعمل عمل النَّمل، يراكم التَّجارب والوعي، تماماً كما يراكم النَّمل الغذاء، وذلك ضمن أجندة تطوُّرنا السِّياسي، نافضاً الغبار عن الذَّاكرة الثَّقافيَّة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة لشعبنا، مع الانتباه للتَّجربة الغربيَّة، وعدم إغفال أهميَّة الاستيعاب "النَّقدي" لطبيعتها التَّعميميَّة التي تؤهِّلها لتجاوز محدوديَّتها، كمضمون أيديولوجي جامد لنظام اجتماعي معيَّن، لتصبح إطاراً ضابطاً لنظام حكم ديموقراطي يقوم، فى جوهره، على "الحريات والمساواة في الحقوق والواجبات .. إن اشتراك الشَّعب اشتراكاً واضحاً في حكم بلاده بوساطة ممثلين منتخبين أصبح حقَّاً لكلِّ الشُّعوب، أمَّا الوصاية .. فدعوة منهارة مهما أتعب أصحابها الذِّهن في تسميتها بأسماء برَّاقة. وهذه سنَّة التَّطوُّر التي لن يُستثنى منها شعب السُّودان" (نفسه ، ص 67).
(4/2) ولأن التَّركيبة الذِّهنيَّة والوجدانيَّة لجِّيل الشِّيوعيين المؤسِّس تشكَّلت، أصلاً، من بين وقائع الصِّراع الذى خاضته الحركة الوطنيَّة في سبيل الاستقلال، فقد قرَّ فى فكر الحزب، باكراً، أن النِّضال في سبيل الاستقلال لا ينفصل عن النِّضال في سبيل "الحريَّات" و"الحقوق". وفي ذلك الإطار لاحظ عبد الخالق أن المشكلة التي واجهت السُّودان، وقتها، تركزت بشكل أساسي".. حول إبعاده عن توجيه حياته وفق نظام ديموقراطي" (لمحات من تاريخ الحزب الشِّيوعي، ط 3، دار الوسيلة للنَّشر، الخرطوم 1987م، ص 35). فالمستعمرون، عندما أحسُّوا بخطورة تطوُّر الحركة الجَّماهيريَّة ".. سنُّوا القوانين الرجعيَّة، وحلوا منظمة أنصار السَّلام، وجعلوا من مصادرة حريَّة الأفراد والجَّماعات والصُّحف قاعدة لهم، وبدأوا، خلال عام 1951م، يعدُّون العُدَّة لحلِّ اتحاد نقابات العمَّال" (نفسه، ص 70). كما أشار عبد الخالق إلى "أن حـريَّة المواطـن .. لاقـت تعـنُّتاً كـثيراً مـن جـانب المسـتعمرين .. ولهذا اندمجـتُ في الحـركة الشَّـعبيَّة المطالبة بتوفير الحرَّيات الدِّيموقراطـيَّة" (دفاع ..، ص 45).
(5/2) وفي 31 ديسمبر 1955م، طالب النَّائب حسن الطاهر زرُّوق، أثناء مناقشة مشروع الدُّستور المؤقَّت في البرلمان الأوَّل، بقيام الجَّمعيَّة التَّأسيسيَّة لتمكين ممثلي الشَّعب من المشاركة في وضع الدُّستور الدَّائم الذي يحترم إرادة الشَّعب ومصالحه، ويجعل جهاز الدَّولة ديموقراطيَّاً وخاضعاً للرَّقابة والمحاسبة الشَّعبيَّتين، ويضمن المشاركة الشَّعبيَّة الواسعة في الحكم، ويوفِّر الحريَّات العامَّة، وحريَّة العقيدة، وحريَّة اعتناق الآراء السِّياسيَّة، والعمل من أجلها، بالإضافة إلى تعديل القوانين لتتَّسق مع مشروع الدُّستور (محمد سليمان؛ اليسار السُّوداني في عشر سنوات، الخرطوم 1969م، ص 173 ـ 176).
(6/2) وإلى ذلك لم تكن صدفة أن تزامن ميلاد الحزب، صيف 1946م، مع انفجار حركة جماهيريَّة مدنيَّة واسعة، منفعلة بقضيَّة الحريَّات والحقوق، كالنِّقابات العمَّاليَّة، والاتِّحادات المهنيَّة، وتنظيمات الشَّباب والنِّساء والطلاب، وغيرها. وبإسهام الشِّيوعيين في استنهاض وتطوير تلك الحركة شكلت حقول تدريبهم النِّضالي الأساسيَّة، ووسمت فكرهم بطابعها الدِّيموقراطي الشَّامل، حتى أن مخابرات الإدارة البريطانيَّة وصفت، في تقرير سرِّي عام 1949م، أوَّل تنظيم ديموقراطي للشَّباب بأنه "حركة شيوعيَّة ذات أخطار، من أهدافها تحرير السُّودان، وتأسيس نظام ديموقراطي" (ضمن: م. س. القدال؛ معالم في تاريخ الحزب الشِّيوعي السُّوداني، ط 1، دار كوش ـ دار الفارابي، بيروت 1999م، ص 65). وللمفارقة، فقد أصاب ذلك التَّقرير الإمبريالي من حيث أخطأ!
(7/2) ورغم أن دورة لجنة الحزب المركزيَّة، في مارس 1953م شهدت اتِّجاهاً يساريَّاً طفوليَّاً منكفئاً، كعادته، على النُّصوص، يعتبر الانتخابات البرلمانيَّة محض لعبة برجوازيَّة، فإن الحزب قرَّر خوضها كوسيلة جماهيريَّة لتوسيع المناهضة للاستعمار وتعميق الدِّيموقراطيَّة (ع. الخالق، لمحات ..، ص 82 ـ 83).
(8/2) وشهدت الفترة ما بين فبراير 1953م ويناير 1956م انخراط الشِّيوعيين وحلفائهم في نضال دءوب لترسيخ "الحريَّات". من ذلك، مثلاً، مذكرة الحزب إلى الأزهرى، رئيس الوزراء، حول قضيَّة "الحريَّات"، وإضراب اتِّحاد العمَّال في سبيل "الحريَّات"، ونشاط الهيئة الشَّعبيَّة الدَّائمة للدِّفاع عن "الحريَّات"، ومذكرة رؤساء تحرير الصُّحف إلى الحكومة حول "الحريَّات"، ومشاريع حسن الطاهر زروق داخل البرلمان الأوَّل لإلغاء القوانين المقيِّدة لـ "الحريَّات"، وما "الحريَّات" سوى جزء أساسي من الوجه الآخر لعملة "الليبراليَّة السِّياسيَّة"؟!

(نواصل)
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.