رغم أن الفريق عبد العزيز الحلو قاد انقلابه داخل قوَّات "الحركة الشَّعبيَّة السُّودانيَّة"، في أبريل 2017م، بمنطقة واحدة، هي، على وجه التَّحديد، جنوب كردفان "جبال النُّوبا"، إلا أن قرارات الإقصاء التي أعلنها لم تقتصر على قادة الحركة في هذه المنطقة وحدها، وإنَّما شملت بعض قادة الحركة كلها، بما في ذلك رئيسها الفريق مالك عقار، وأمينها العام الفريق ياسر عرمان، على حين صمت عن ترتيب أيِّ أوضاع في منطقة النيل الأزرق التي ما تزال ثمَّة قوَّات لنفس الحركة تتبع فيها لقيادة عقار وعرمان، مِمَّا يحتِّم ضرورة استصحاب جناحهما في أيِّ ترتيبات "سلام" متفاوض عليه، باعتبار أن هذا هو مآل الحروب الدَّوليَّة والأهليَّة أجمعها، سواء كبُرت أو صغُرت!

لكن جولة التفاوض مع الحكومة، والتي انعقدت بأديس أبابا، مطلع فبراير الجاري، تحت رعاية الآليَّة الأفريقيَّة الرَّفيعة برئاسة ثابو امبيكي، اقتصرت، فقط، على جناح الحلو، أي على منطقة واحدة، لا على المنطقتين. مع ذلك لم يكن خافياً، حتَّى قبل انعقاد الجَّولة، أن الحكومة عوَّلت بآمالها جميعاً على إحداث اختراق، خلالها، في المنطقتين كليهما، كتسوية نهائيَّة للأوضاع الحربيَّة جميعاً، مِمَّا لم يمكنها بلوغه عبر كلِّ الجَّولات الخمس عشرة التي جرت في السَّابق مع وفد الحركة الموحَّد برئاسة عرمان. ففي كلِّ تلك الجَّولات ظلت الحكومة تأمل، مثلما أمَّلت وهي تقبل على الجولة الأخيرة، في أن تصل مع الحركة إلى اتِّفاق نهائي على وقف إطلاق النَّار الشَّامل، وفتح الممرَّات الآمنة للعون الإنساني، بحيث يصل إلى المتضرِّرين من داخل الأراضي السُّودانيَّة، تحت إشراف هيئة المعونة الأمريكيَّة، حسب اقتراح أمريكا، بدلاً عن نقله من دول الجِّوار مباشرة إلى مناطق سيطرة الحركـة، حسـب اشـتراط وفدها الموحَّد سابقاً، والذي ما يزال جناح عقار يتمسَّك به، في ما يبدو، وهو الاشتراط الذي بدا للحكومة أن جناح الحلو قد يكون مستعداً لتجاوزه!

غير أن الجَّولة الأخيرة ما أن بدأت، بكلِّ ذلك التَّفاؤل الذي احتقبه الطرف الحكومي مستنداً إلى إقصاء جناح عقار وعرمان "المتعنِّتين"، حتَّى تبيَّن أن صيغة التَّسوية المأمولة المشار إليها، والتي ترغب الحكومة في بلوغها، وترغب معها في ذلك، أيضاً، آليَّة ثابو امبيكي المدعومة من أمريكا، والاتِّحاد الأوربي، ودول الترويكا، هذه الصِّيغة ما فتئت تتحوَّل، في ما يبدو، إلى غول، أو عنقاء، أو خلٍّ وفيٍّ! إذ سرعان ما تعثَّرت، هي الأخرى، ثمَّ ترنَّحت، ثمَّ انهارت تماماً، مِمَّا ألجأ الآليَّة الأفريقيَّة إلى تعليقها، بكلِّ مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، إلى أجل غير مسمَّى!

تعثُّر أيِّ تفاوض حول أيِّ قضيَّة بين أيِّ طرفين أمر جدُّ مفهوم. لكن غير المفهوم، البتَّة، أن تتسبَّب في مثل هذا التَّعثر العناصر التي يُفترض أنها جاءت، أصلاً، إلى التَّفاوض، لتطرح نفسها كبديل عن عناصر أخرى كانت تتولاه في السَّابق، ولم تحسن، برأي العناصر الجَّديدة، أداء المهمَّة، فانقلبت، أي هذه العناصر الجَّديدة، على العناصر القديمة، فأقصتها، وأمسكت هي بالملف! وهذا ما حدث بالضبط، إذ أن قيادة الحلو أوعزت، في معمعان انقلابها، بما فُهم منه أنَّها ستكون أكثر انفتاحاً على مشروع التَّسوية برؤية الطرف الحكومي، وأكثر مرونة، من ثمَّ، في التفاوض، لحاجتها الماسَّة، أساساً، لاعتراف الحكومة بشرعيَّتها، وكذا اعتراف الإقليم، وربَّما العالم كله، ما جعـل الطرف الحكومـي ينشحن بأعظـم التَّوقُّعات!

على أن كنانة الوفد الجَّديد الذي يمثِّل منطقة واحدة هي جبال النُّوبا، وجناحاً واحداً هو جناح الحلو، ما لبثت أن تكشَّفت عن خلوِّها من أيِّ طرح جديد، باستثناء مسألة "تقرير المصير"، وخلوِّها، بالأخص، من أيِّ استراتيجيَّة تفاوض أكثر مضاءً مِمَّا كان لدى أسلافها، حيث اتَّجهت، على قصور تمثيلها، إلى تبنِّي ما كان لدى أولئك الأسلاف الذين روَّجت لـ "فشلهم" في مهمَّة التَّفاوض مع الحكومة، فتسبَّبت، هي نفسها، بتناقضها هذا، في تعثُّر التَّفاوض، حيث لم يكن منتظراً، بطبيعة الحال، أن تقبل الحكومـة من وفد جناح الحلو المنشق ما سبق أن رفضـته من وفد الحـركة الموحَّـدة بقيادة عقار!

هذه القصَّة القصيرة تثير جملة ملاحظات على درجة فائقة من الأهميَّة. غير أنَّنا سنقتصر، من بينها، على مسألة واحدة ذات أثر وخطر، هي مطلب "تقرير المصير" الذي طرحه جناح الحلو، آخذاً على القيادة السَّابقة عدم تبنِّيه، وبالتَّالي عدم طرحه على مائدة التَّفاوض. لكن الإصرار على شقِّ الحركة، أصلاً، وقصر التَّفاوض، من ثمَّ، على جناح الحلو وحده إنَّما يعني، بالتَّبعيَّة، قصر التَّفاوض على منطقة جنوب كردفان "جبال النُّوبا" وحدها، وإقصاء منطقة النيل الأزرق بأكملها عن أيِّ ترتيبات يأمل وفد الحلو في بلوغها على مائدة التَّفاوض، بما في ذلك، بطبيعة الحال، مسألة "تقرير المصير"! فإذا أضفنا إلى ذلك بعض حقائق الواقع الموضوعي، وفي مقدِّمتها انعدام الوحدة الجُّغرافيَّة بين المنطقتين، فإن الخطوة التي أقدم عليها جناح الحلو، بشقِّ الحركة ووفدها المفاوض، لا بُدَّ أن تفرض عليهم، في هذه الحالة، أرادوا أم لم يريدوا، أن ينحصروا في حدود المنطقة التي تسنَّموا قيادتها، والقوميَّة التي تبوَّأوا تمثيلها؛ ما يعني، عمليَّاً، أن يصبحوا "قوميين" جُّدد، لا علاقة لهم برؤية "السُّودان الجَّديد" التي هي رؤية "الحركة" الأصل، حسب المعلوم من أدبيَّاتها! هذا من جهة؛ أمَّا من جهة أخرى فإنه لم يعُد ممكناً، أصلاً، أن تنطلق، بعد 2011م، أيُّ دعوى جديدة لـ "تقرير المصير" من منصَّة "الحركة الشَّعبيَّة السُّودانيَّة" بأيديولوجيَّتها القائمة على رؤية "السُّودان الجَّديد"، بعد أن فرغ "القوميُّون" الجَّنوبيُّون من النُّكوص على أعقابهم، وإدارة الظهر لتلك الأيديولوجيَّة، الأمر الذي رتَّب للانفصال، وما تبعه من كوارث معلومة. فالتَّناقض الرَّئيس في فكر "القوميين"، ببُعده الانفصالي، هو أنَّهم، وُجدوا في صفوف الحركة، منذ أوَّل تأسيسها، خصوصاً على أيَّام صراعات الوحدة/الانفصال، دون أن يولوا أدنى اعتبار لأيديولوجيَّة "السُّودان الجَّديد" التي تمثِّل عظم الظهر بالنِّسبة لـ "السُّودان الموحَّد" في فكر الحركة السِّياسي والتَّنظيمي. والواضح أن د. قرنق، باعتباره مؤسِّس الحركة، ومنظرها، وملهمها، وقائدها الأعلى، سياسيَّاً وعسكريَّاً، قد مال، ردحاً من الزَّمن، للانحناء أمام عاصفة "القوميين" الموروثة من حركة "الأنيانيا الأولى"، رغم تناقضها مع مانيفستو 1983م، وذلك كضرب من البصارة العمليَّة التي هدفت إلى تفادي الاصطدام بأولئك "القوميين"، في ذلك الوقت غير المناسب، والمحافظة عليهم ضمن صفوف الحركة، بعيداً عن مخاطر الاستغراق في لجج الخلافات الباكرة. وربَّما لهذا السَّبب، بالذَّات، اخترع نظريَّته المشهورة التي استطاع بها تجميد الخلاف، أو تأجيله بالأصح، والقائمة على تخيير أعضاء الحركة، على أساس فردي، بين التَّحرير حتَّى كوستي وبين التَّحرير بعد كوستي!

ولأن ظرفي الحركة الموضوعي والذَّاتي كليهما، بما فيهما مقتل قرنق في الحادث المعروف، قد تضافرا للدَّفع بها على المسار الذي أفضى إلى ترجيح كفَّة "التَّيَّار القومي" على كفَّة تيَّار "السُّودان الجَّديد"، وأفضى، في نهاية المطاف، إلى كارثة "الانفصال"، وما تبعه من آلام عريضة، فإننا لا نعتقد أنَّه من الميسور، الآن، أو من المتصوَّر، بأيِّ حال، أن تنجح أيُّ مجموعة أخرى ذات أيديولوجيَّة "قوميَّة" في تسويق دعوى "تقرير مصير" جديدة، من داخل نفس "الحركة"، بنفس شعاراتها، ولافتاتها، وراياتها، لتحقيق المزيد من "الانفصالات"! فالخبرات العالميَّة كلها تشير، بأكثر من إصبع، إلى أن مثل هذه الدَّعاوى لم تعد مقبولة، من النَّاحية العمليَّة، ولم يعد، بالتَّالي، ثمَّة من يسندها أو يقدِّم لها أيَّ نوع من الدَّعم. ولا شكَّ أن الفرصة سانحة أمام الحلو ومجموعته لتبيُّن أن دعواهم مرفوضة ليس، فقط، من الجَّناح الذي يمثِّله عقار وعرمان، بل ومن كلِّ الأطراف المعنيَّة، بما فيها الاتِّحاد الأفريقي الذي تتولى آليَّته الرَّفيعة الإشراف على التَّفاوض، وكذا المجتمعين الإقليمي والدَّولي الدَّاعمين للاتِّحاد الأفريقي، والأهم أنها مرفوضة من كلِّ مكوِّنات الحاضنة الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة السُّودانيَّة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.