في حوار صحفي غير مسبوق مع أسرة د. حسن التُّرابي (الأضواء ، 14 أغسطس 2004م) تحدث نجله عصام عن الأثر النَّفسي والاجتماعي لخبرتهم مع اعتقال والدهم قائلاً إنهم عانوا من هذه المسألة كثيراً، ودفعوا ثمنها منذ صغرهم، إلا أن قطاعات مختلفة من النَّاس والجِّيران، بمن فيهم حتَّى الذين يختلفون سياسيَّاً مع والدهم، آزروهم وتعاطفوا معهم ، لدرجة أنهم كانوا يأتون إليهم أحياناً بالطعام من بيوتهم! وقال إنه يتمنى الآن لو أن والده "لم يشتغل بالسِّياسة أصلاً"! 

وفي ذات الحوار وصفت زوجة التُّرابي السيِّدة وصال المهدي اعتقال ربِّ الأسرة، أيِّ ربِّ أسرة، بأنه اعتقال للأسرة كلها، وخاصَّة الأطفال، إذ يكون تأثُّرهم النَّفسي أكثر من الكبار، وروت كيف أن أحد أطفالها تأثَّر، ذات اعتقال لوالده، حتىَّ أصيب بحالة من فقدان القدرة على وضع قدمه على الأرض ، متمنية "لو ان الدِّيموقراطيَّة استمرَّت .. ولم تأتِ الانقاذ!" (المصدر نفسه).
إجتاحتني، وأنا أطالع هذا الحديث، موجة من الأسى المتكاثف، حين دَهَمَتنى طيوف القتلى، والمُعذَّبين، ووجوه المعتقلين السِّياسيين والنقابيين الذين لطالما غيَّبتهم سجون التُّرابي و"بيوت أشباحه"، فتكدَّسوا بالمئات وراء أسوارها العالية، وداخل زنازينها الخانقة، يوم كان هو ، ردَّ الله غربته ، صاحب الدَّولة والصَّولة والصَّولجان، وكان الحَوْلُ حَوْله، والطوْلُ طوْله، والأمر كله طوْعَ بنانه، قبل أن يباغته حواريُّوه، من حيث لم يحتسب، بجفاء ظهر المجن، لتنتهى به هذه الشكسبيريَّة السُّوداء إلى سجن أسود، داخل سجن أسود، يعيش فيه على الأسودَيْن .. فتأمَّل!
لقد انقضَّ التُّرابي، بغتة، بانقلاب الثَّلاثين من يونيو عام 1989م، على خصومه جميعاً ليفصلهم، بضربة سيف، ولأزمنة متطاولة، عن أسر ممتدَّة لا عائل لها سواهم، وعن زغب حواصل لا حيلة لهم بدونهم، وعن دنيا قد تقوم ولكنها لا تقعد، يقيناً، بغيرهم، مِمَّا يندرج، على نحو ما، ضمن هموم علم الاجتماع، وشواغل علم النَّفس، ومباحث علم التَّربية. ولكن شيئاً من ذلك لم يكن ليندرج، مثقال ذرة، للأسف، ضمن هموم الرَّجل المركوزة في "التَّديُّن بالسِّياسة!"، أو شواغله المحصورة في "التَّمكين لحركته باختزال المجتمع كله إلى صورتها!"، أو مباحثه المسدَّدة صوب "إخراج العالم بأسره من عبادة الشَّيطان إلى عبادة الرَّحمن!"، أو كما قال!
كان ذلك كله قبل أن يفيق الرَّجل في سجنه الأخير إلى لغة يفهمها النَّاس فيتَّفقون أو يختلفون معه سياسيَّاً على بيِّنة من "كلام الدُّنيا"، كقوله، مثلاً، عن مظالم دارفور: "إن عدد المدارس في محافظة الكاملين الصَّغيرة المجاورة للخرطوم أكثر من عدد المدارس في جميع ولايات دارفور الكبرى التى تفوق فرنسا مساحة!" (البيان الإماراتيَّة، 8 أغسطس 2004م). وهى لغة تجعلنا نخالف الابن الذي تمنَّى لو ان أباه لم يشتغل بالسِّياسة قط، متمنِّين، بالمقابل، لو انه اشتغل بها، ولكن .. فى الأرض، وليس فى السَّماء!
وإلى هذا فإن أيَّ بلاغة لتتقاصر عن الاحاطة بما أحسست به، كأب، من رعدة تسري في أوصالي إزاء حديث الأمِّ المكلومة عن الصَّدمة النَّفسيَّة التي حدثت لأحد صغارها، ذات مرَّة، جرَّاء اعتقال الأب، حتَّى أعجزته عن وضع قدمه على الأرض! هذا الحديث أثار لدىَّ كوامن خبرة شخصيَّة أليمة سوف تظلُّ محفورة كالوشم في قلبي ما حييت، وأنتهز هذه الفرصة لأهديها للسَّيِّدة وصال. فقد حدث أن عدتُّ، يوماً، إلى البيت، بعد أن أطلق سراحي من اعتقال إداري تطاول لسنتين في بعض سجون التُّرابي، ليتحلق طفلاي حولي يتقافزان فرحاً، وقد كبُرا شيئاً، ويحجلان كقبُّرتين ضاجَّتين بشقشقة آية في العذوبة، وكانا قد حُرما طوال السَّنتين من زيارتي .. لدواع أمنيَّة! فجأة، وفي غمرة تنافسهما على الاستئثار باهتمامي، زلَّ لسان أكبرهما (أبَىْ) وهو يتسلق كتفيَّ، ويتشبث بعنقي، مستخدماً كفَّيه الصَّغيرتين، وصيحاته العالية لتحويل وجهى من شقيقته (أروى) إلى جهته، وهو يناديني بتلقائيَّة ووداعة: "عمُّو .. عمُّو"! ثم سرعان ما انتبه، فران صمت زئبقىٌّ بيننا لبرهة قصيرة، أفلت بعدها ضحكة مرتبكة وهو يضع سبابته بين أسنانه ويلثغ بخجل طفولي: "أعمل شنو ياخ .. الناس كلهم بقوا عمُّو"!
لحظتها أحسست بالصَّقيع يرسب في أعماقي، فهرعت إلى ركن قصىٍّ أخلو إلى دمع هتون، وغصَّة حنظليَّة، وقلب يئزُّ كخليَّة نحل!
لا أفاضل بين أبوَّة وأبوَّة، ولا أستفظع غبناً على غبن، ولكن، إن كان ثمَّة أىُّ معنى لـ "السَّلام"، فعلاً لا قولاً، أو لاستشراف أىِّ أفق معقول لأيِّ حوار ترغب الحكومة في إجرائه مع المعارضة، أو لأيِّ حلٍّ وطني ديموقراطي لقضيَّة دارفور بما يستبعِد الأجندات الأجنبيَّة، فلا بُدَّ من إطلاق سراح جميع المعتقلين السِّياسيين، بمن فيهم التُّرابي نفسه، ثمَّ التَّواثق على نهج وطنىٍّ، وآليَّة فعَّالة لـ "الاعتراف" التَّفصيلىِّ المستقيم بـ "حقيقة" ما وقع من جرائم وتجاوزات خلال السَّنوات الخمس عشرة الماضية، بما فيها سنوات سطوة التُّرابى نفسه ، كشرط لا غنى عنه لـ "مصالحة" على النَّموذج الجنوبافريقي البديع الذي نسَّقه نلسون مانديلا، بمعاونة ديزموند توتو وأليكس بورين وآخرين، والقائم على فكرة أخلاقيَّة بسيطة: أطلب من الجلاد أن يعترف قبل أن ترجو من الضَّحيَّة أن يعفو! و"العفو" فى الاسلام قيمة أخلاقيَّة تكتسى سُموَّها ورفعتها عندما تقترن بـ "المقدرة"، ومن نافلة القول أن "مقدرة" الضَّحيَّة تبدأ، فقط، في اللحظة التي يفرغ فيها الجَّلاد من "اعترافه"!
خطة كهذي كفيلة ليس فقط بأن تغسل من الأنفس المكدودة نزعة الانتقام السَّالبة، بل وأن تؤدي واجب الذَّاكرة، وأن ترمِّم علاقتنا مع تاريخنا الوطني، وأن تقشع من فضائنا السِّياسىِّ كلَّ صنوف العنف مستقبلاً، وبخاصَّة عنف الدَّولة المادي والمعنوي، بما فى ذلك مؤسَّسة "الاعتقال الإدارى"، و"القوانين الاستثنائيَّة"، و"الاختفاءات القسريَّة"، و"الإفلات من العقاب"، و"ممارسات التعذيب" التى أثبتت التَّجربة العمليَّة أنها بلا فائدة، كونها، على أقلِّ تقدير، عاجزة عن كسر الإرادة النِّضاليَّة لدى من يؤمنون بقضاياهم، ويستمسكون بمبادئهم، فهى، إذن، محض طاحونة لا تكفُّ عن "الجَّعجعة"، ليل نهار، دون أن تمنح السُّلطة شيئاً من "طحينها" المأمول! وأنها إلى ذلك، ولهذا السَّبب بالذَّات، غير جديرة إلا بمراكمة آخر ما نحتاجه: تسميم تاريخنا الوطني كله بالمزيد من الإحن والضَّغائن! اللهم هل بلغت، ألا فاشهد!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.