لم تكد المظاهرات السَّاخنة تنفجر، في شتاء خواتيم ديسمبر 2017م ومطالع يناير 2018م، بمدينة مشهد، أحد أهمِّ معاقل التَّيَّار الدِّيني الإيراني، في أثر تقديم الحكومة موازنتها للعام الجَّديد إلى "مجلس الشُّورى الإسلامي" الذي ألغى كلَّ بنود الدَّعم الاجتماعي، وأحلَّ محلها زيادات هائلة، بنسبة 60%، في الإنفاق على المؤسَّسات الدِّينيَّة والدِّفاعيَّة والأمنيَّة، حتَّى راح الحراك الشَّعبي يتضخَّم ككرة الثَّلج، ليعمَّ 80 مدينة وبلدة إيرانيَّة، بما في ذلك طهران، رغم التَّهديد بالعقوبات القاسية التي قد تبلغ حدَّ الإعدام، مثلما راح حتَّى عناصر من الباسيج "الأمن" يحرقون بطاقاتهم أمام كاميرات التَّلفزة، ويعلنون انضمامهم إلى الانتفاضة، في ظاهرة نادرة عبر كلِّ تاريخ إيران السِّياسي. وربَّما يرجع الفضل في السُّرعة القياسيَّة التي تصاعدت بها الأحداث إلى تكنولوجيا المعلومات، ووسائط الاتِّصال الحديثة التي سارع النِّظام إلى استهدافها بالتعطيل مؤخَّراً.

كعادتهم هُرع الملالي إلى نسبة هذا الانفجار إلى قوى خارجيَّة، وإلى وصف المتظاهرين بأنهم مجرَّد عملاء لأعداء إيران! بل المضحك المبكي أنَّهم لجأوا، بآخرة، إلى وضع المسؤوليَّة على عاتق "اللغة الإنجليزيَّة"، فأصدروا، قبل أيَّام، قرارهم بحذفها، كحاملة لفيروس "القيم الأجنبيَّة"، من مقرَّر المدارس الابتدائيَّة! كلُّ ذلك عن قناعة راسخة بأن الجَّماهير لا قدرة لها على إدراك أو فعل أيِّ شئ من تلقاء نفسها؛ فقضايا الجِّهاد، والحكم، والتَّغيير تخصُّهم وحدهم، وهم وحدهم من يفهمون الشَّريعة، ومَن يتلقُّون عن المولى عزَّ وجلَّ المعرفة بأصول السِّياسة. أمَّا الانتخابات فليست تعبيراً عن ديموقراطيَّة حقيقيَّة، وإنَّما هي ممارسة شكليَّة يذرُّون بها الرَّماد في عيون الغرب. وحتَّى مَن يتجرَّأ، من بينهم، ويختلف معهم، فسرعان ما يسقطون صلاحيَّته بقرار من "مجلس صيانة الدُّستور"، على غرار ما حدث مع رفسنجاني وأحمدي نجاد مثلاً!

لكنهم، حتَّى وهم يعبِّرون عن استخفافهم بقدرات شعبهم، إنَّما يفعلون ذلك بأسلوب غاية في الاضطراب. فقد روَّجت، مثلاً، "صحيفة كيهان"، الناطقة باسم الجَّناح الأكثر تشدُّداً في السُّلطة، لتصريحات محسن رضائي، الأمين العام لـ "مجمع تشخيص مصلحة النِّظام"، بأن مصدر الانفجار الشَّعبي هو، تارة، تل أبيب، وتارة أخرى واشنطن، وتارة ثالثة الرِّياض، بل وبلغ التَّخبُّط برضائي أن أحال هذا المصدر، في نهاية المطاف، إلى حكومة إقليم كردستان العراق رغم أنها لم تستطع حتَّى إلزام بغداد بنتيجة استفتاء الإقليم على تقرير المصير!

هُرع الملالي، إذن، إلى نسبة الانفجار لفاعلين خارجيِّين، حتف أنف أكثر من إصبع يلحُّ في الإشارة إلى عوامل داخليَّة. فرَفْعُ معظم الحصار الاقتصادي عن إيران، ترتيباً على "اتِّفاق لوزان النَّووي" الذي أبرمته معها ستُّ دول (أمريكا والصِّين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا) لم يفض إلى معالجة الضَّائقة الاقتصاديَّة، إذ انهارت، برغمه، أسعار النفط، وتفاقم استياء الطبقات المسحوقة، وفشل الرَّئيس الجَّديد حسن روحاني، رغم انتمائه إلى التَّيَّار الإصلاحي، في الوفاء بأيٍّ من وعود حملته الانتخابيَّة بمحاربة الفقر، ومكافحة الفساد، ومعالجة البطالة، مثلما فشل، أيضاً، في إشاعة أيِّ قدر من الحريَّات العامَّة، أو حقوق المرأة، أو سيادة حكم القانون، أو إصلاح مؤسَّسات الأمن، أو القضاء، أو تخفيف حدَّة التَّناحر المذهبي. لذا حقَّ للمتظاهرين أن يرفعوا شعار "إننا نادمون!"، ما يعني ندمهم على الانخداع بشعارات روحاني، وتصويتهم له؛ كما عبَّروا، فوق ذلك، عن عدم جدوى أيِّ انتخابات تجري تحت سطوة ولاية الفقيه المرشد الذي يمسك في يده بمفاتيح القضاء، والأمن، والإعلام، والسِّياسة الخارجيَّة، بما لا يتوفَّر حتَّى لرئيس الجُّمهوريَّة الذي يبيح القانون للمرشد الأعلى عزله، بصرف النَّظر عن كونه منتخباً من الشَّعب، مثلما جرى لأبي الحسن بني صدر!

بل لقد بلغت الأمور من التَّخثُّر حدَّ أن أصدر 16 عنصراً إصلاحيَّاً من المصطفِّين خلف محمَّد خاتمي بياناً يحذِّرون فيه من تجاهل التَّذمُّر الشَّعبي، ومن محاولة تصدير أسبابه إلى الخارج، واصفين ذلك بأنه "هروب للأمام"، وداعين لتغيير الخطاب، والعفو العام، وإعلان المصالحة الوطنَّية، واحترام الإيرانيين من غير الفرس ومن غير الشِّيعة، وإصلاح الأوضاع المعيشيَّة لـ 40 مليون نسمة يعتمدون على الإعانات الحكوميَّة الشَّحيحة، دَع عدم تجاهل جموع المثقفين الذين يحتجُّون على الأوضاع المتردِّية لحريَّة التَّعبير، ويطالبون بفكِّ قيود النَّشاط الثَّقافي والفكري.

غير أن ما كان يخشاه الإصلاحيُّون وقع بالفعل. فالحراك الرَّاهن تجاوز الشِّعارات المطلبيَّة "الإصلاحيَّة" القديمة، ليطرح، لأوَّل مرَّة، شعاراً راديكاليَّاً يطالب بإسقاط "الجُّمهوريَّة الإسلاميَّة" ذاتها، ونظام حكم الملالي نفسه، ويجمع بين "الإصلاحيين" و"المتطرفين" في مصير واحد، تعبيراً عن الرَّفض القاطع لتسييس الدِّين، وعن المطالبة الصَّريحة بفصله عن الدَّولة. بل لقد تجاوز المتظاهرون كلَّ الخطوط الحمراء، إلى درجة أن رفعوا شعار "الموت لخامنئي"، وحرق صوره، ورفع صور مريم رجوي، رئيسة "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانيَّة"، في أحد أضخم شوارع طهران!

مع ذلك، فقد لوحظ عدم مسارعة سلطة الملالي، هذه المرَّة، لاتِّخاذ إجراءات مبالغ في قسوتها ضدَّ هذا الحراك. ولعلَّ السَّبب في ذلك يعود، بالإضافة إلى التَّململ في أوساط الباسيج والحرس الثَّوري نفسه، إلى الخشية مِن ردود الفعل الدوليَّة حيال مثل هذه الإجراءات. فمثل ردود الفعل هذه، المتضامنة مع الجَّماهير العزلاء في انتفاضتها السِّلميَّة، يمكن أن تكسر الإجراءات السُّلطويَّة، وتضطرَّها إلى تجرُّع الهزيمة، وهذا مآل يخشاه العقلاء من الملالي بلا شكٍّ، في حين أن تخلي الانتفاضة عن مطلبيَّتها السِّلميَّة، وانحرافها باتِّجاه العنف، هو ما تتمنَّاه السُّلطة، وتشتهيه، وتدفع باتِّجاهه، كونه ينطوي على عذر واضح لها في استخدام العنف المضاد. لذا فإن العبقريَّة الشَّعبيَّة التي لم تفتها قراءة هذا الضَّعف على جبهة السُّلطة، ظلت تركِّز على الفضح السِّلمي الصَّارم لسياسة السُّلطة المعنيَّة، في المقام الأوَّل، بالصَّرف البذخي على تسع مليشيات خارج إيران، من لبنان إلى اليمن، ومن العراق إلى نيجيريا، في حين تعجز عن إبداء أبسط عناية باحتياجات الملايين في الدَّاخل. ومن ثمَّ صاغت هذه العبقريَّة شعار "دعك من سوريا، فكِّر بحالنا!"، وهو الشِّعار الذي يعكس، بلا شك، حجم الغضب المكبوت طوال الأربعين سنة الماضية.

على كلٍّ، ومهما يكن من أمر، وبصرف النَّظر عما يمكن أن ينتهي إليه هذا الحراك، فمن الصَّعب تصوُّر إمكانيَّة عودة الأحوال إلى سابق عهدها قبل هذا الشِّتاء الإيراني السَّاخن!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.