(1)

يُعتبر انتخاب جورج ويا، في خواتيم ديسمبر 2017م، رئيساً لجمهوريَّة ليبيريا، على ساحل الفلفل الأفريقي، حيث يُنتظر أن يجري الاحتفال بتنصيبه في 22 يناير القادم، حدثاً استثنائيَّاً حتَّى في المستوى العالمي. فالرَّئيس الجَّديد عُرف، إلى وقت قريب، كنجم كرة قدم ساطع، لعب لتشيلسي، ومانشيستر سيتي، وإيه سي ميلان، وباريس سانت جيرمان، وغيرها من كبريات الأندية الأوربيَّة، وفاز، ثلاث مرَّات، بلقب أفضل لاعب في أفريقيا، قبل أن يحرز، عام 1995م، كرة الفيفا الذَّهبيَّة كأفضل لاعب في العالم. لكن ذلك الاستثناء ليس مفارقاً لمطلق السَّائد أفريقيَّاً، إذ سبقه استثناء آخر، عام 2005م، في عقابيل مذابح التِّسعينات الشَّنيعة، هو انتخاب إيلين جونسون سيرليف، الاقتصاديَّة الليبيريَّة، ومتدرِّبة جامعة هارفارد الحائزة على جائزة نوبل عام 2011م، كأوَّل امرأة رئيسة لجمهوريَّة أفريقيَّة. ولدى انتخاب جورج ويا خلفاً لها، هللت إيلين، مرحِّبة به، كما قالت، "لتعزيز إحدى الديموقراطيَّات الأكثر حيويَّة في غرب أفريقيا". وردَّ الرَّئيس الجَّديد تحيَّتها، في أوَّل مؤتمر صحفي له، بقوله: "سنبني على التَّقدُّم الذي حقَّقته إيلين لتحسين حياة الليبيريين"، وأردف، مستخدماً لغة بواكير زعماء "الجَّامعة الأفريقيَّة Pan-Africanism"، والآباء الأوائل مجترحي "الاشتراكيَّة الأفريقيَّة"، بقوله إنه سيكرِّس حكومته للعمل "من أجل الفقراء والتَّحوُّل الاجتماعي".

(2)
وما من أحد يستطيع، الآن، بطبيعة الحال، أن يجزم، يقيناً، بما ستكون عليه ليبيريا، غداً، برئاسة جورج ويا الذي انتصر له الليبيريُّون في الجَّولة الثَّانية من الانتخابات أمام جوزيف بواكاي، نائب الرَّئيسة، الخبير بالسِّياسة، مثلما كانوا انتصروا له، في الجَّولة الأصليَّة، أمام 20 مرشَّحاً، من بينهم، فضلاً عن بواكاي، كلٌّ من تشارلز برومسكين، المحامي والسِّياسي المخضرم، وبينوني أوراي والكسندر كمينغز، رجلي الأعمال اللذين يتمتَّعان بنفوذ كبير! مهما يكن من شئ فإن في ذلك تعبير إمَّا عن أن النَّاخبين ما عادوا يثقون في السِّياسيين، أو أن الفوز بالانتخابات لم يعُد يخضع لتأهيل المرشَّح، لا أكاديميَّاً، ولا مهنيَّاً، ولا أيديولوجيَّاً، ولا سياسيَّاً. على أن للبروفيسور كليفورد ستوت، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ليدز، تفسيراً آخر يتلخَّص في قوَّة الرَّابطة التي تجمع بين سواد مشجعي فريق الكرة دون أن يعرف واحدهم الآخر بالضَّرورة. ولتقريب الصُّورة يضرب ستوت مثلاً من عثورك، فجأة، في مركز للتَّسوُّق، على شيء طال بحثك عنه، فليس معتاداً أن تُقْدِم، لا شعوريَّاً، على معانقة رجلٍ غريب يقف إلى جوارك، فقط لأنك عثرت على هذا الشَّيء! أما إذا كنت في ملعب لكرة القدم، ترتدي، مع الآلاف من المشجِّعين، شعار فريقكم المفضَّل، وسجل هذا الفريق هدفاً، فإن معانقة نفس الرجل الغريب الذي يجاورك سوف تبدو، حينها، طبيعيَّة جدَّاً، لإحساسكما الوثيق بالانتماء إلى ذات "المجموعة"، مِمَّا يحوِّلكما، في تلك اللحظة، إلى صديقين حميمين! وبالنَّظر، في مستوى آخر، إلى المثل الذي ضربه ستوت، فلا شكَّ أنه ليس ثمَّة فرق بين الانحياز الجَّماهيري لفريق مفضَّل يحرز هدفاً في مباراة ما، والانحياز الجَّماهيري للاعب مفضَّل يطرح نفسه مرشَّحاً في انتخابات ما! الفرق الوحيد يمكن أن يوجد من جهة "الكم"، لا "الكيف"!

(3)
مهما يكن من أمر، وإلى أن يحين الحين الذي سيتمكَّن فيه النَّاس من الحكم على ويا وحكومته، فإنَّ الحديث لن يكفَّ عن فرادة انتخاب لاعب كرة قدم رئيساً للجُّمهوريَّة! وهو حديث سيشرِّق ويغرِّب على مختلف المستويات، وسيمتدُّ، قطعاً، ليتناول، في بعض هذه المستويات، علاقة الرِّياضة، عموماً، وكرة القدم، خصوصاً، بالسِّياسة، كما سيتناول، تفصيلاً، الطَّابع الاجتماعي لكرة القدم، بالذَّات، من حيث كونها، بطبيعتها، نشاطاً إنسانيَّاً لا يُمكن ممارسته على انفراد، وإنَّما، بالضَّرورة، في جماعات، سواء كان ذلك تنظيماً، أو لعباً، أو مشاهدة. وبما أن علم الاجتماع يعنى، أصلاً، بسلوك الكائنات الاجتماعيَّة، أفراداً ومؤسَّساتٍ، حَوْل ضروب النَّشاطات الإنسانيَّة جماعيَّة الطابع، فإنه يعنى، أيضاً، بحراكات هذا السلوك حَوْل النشاطات ذات الصِّلة بكرة القدم، ومواقعها في علم السِّياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم الإنسان، وعلم النفس، وما إلى ذلك، بهدف استخلاص النَّتائج التي تعين على فهم ما يحيط بها من مشكلات، ومن ثمَّ رسم السِّياسات التي تناسبها.
ورغم دواعي التَّشدُّد المتزايد لدى الكثيرين، والتي قد تكون مفهومة لجهة المظهر، إزاء الفصل، في هذا السِّياق، بين كرة القدم وبين السِّياسة، فإن ثمَّة كتابات ما تنفكُّ تترى، منذ حين، حول العلائق بين هذين النَّشاطين الاجتماعيَّين. ففريق الكرة المنتظم في إطار نادٍ رياضي محدَّد، يشكِّل، من زاوية بعض هذه الكتابات، مجال صراع على "السُّلطة" بين قوى مختلفة. وفي هذا الإطار تبرز شتَّى الأشكال التَّنظيميَّة بأوسع الدَّلالات. ومهما حاولت هذه الأشكال أن تنأى بنفسها عن الطابع السِّياسي المباشر، فإن أقلَّ القليل الذي يتبقَّى من تعبيراتها، على هذا الصَّعيد، لكفيل بالكشف عمَّا تختزن من تمايز طبقي، أو وطني، أو ديني، أو ثقافـي، أو هويوي، في أيِّ صورة، وبأيِّ درجة، وعلى أيِّ مستوى.

(4)
والمراقب المدقِّق لن يغفل ملاحظة التَّعاطي مع اللعبة، أكثر الأحيان، كعامل تدامج وطني أيديولوجي، فليس نادراً ما تُستغلُّ، لهذا الغرض، ولو من باب البروباغاندا البحتة. وربَّما يبدو ذلك واضحاً في ظاهرة المنافسة التي قد تبلغ حرارتها درجة الغليان، والتي تسِم مباريات الكلاسيكو الأسباني: "ريال مدريد" و"برشلونة"، دون أن يكون ثمَّة تفسير مغاير لهذه الظاهرة! ولم يفت بعض المراقبين، مثلاً، أثناء تصويت الكتالونيِّين لصالح انفصال إقليمهم عن أسبانيا، قبل أشهر قلائل، تحوُّل جيرار بيكيه، مدافع "برشلونة" البارز، إلى رمز بالنسبة لمؤيدي الانفصال، وبخاصَّة إعلانه المباشر عن استعداده لأن يُطرد حتَّى من المنتخب الأسباني إذا كان ذلك هو ثمن تمسكّه بموقفه السِّياسي!
ومن أمثلة ذلك، أيضاً، ارتياب الفاشيَّة الإيطاليَّة في لعبة "كرة القدم"، بحدِّ ذاتها، لمجرَّد كونها، في الأصل، لعبة إنجليزيَّة! ولذا روَّجت لفريقها القومي كمجموعة جنود في خدمة "قضيَّة الأمَّة"!
ولفريق "دينامو كييف"، أثناء الحرب الثَّانية، قصة ظلت تروى في مقرَّرات المدارس عن الصمود "الوطني" للاعبيه، وبسالتهم، حيث عَمَدَ المحتل النَّازي إلى تجويعهم وتعذيبهم لفترة طويلة، قبل إرغامهم على منازلة فريقه، وهم في تلك الحالة المزرية، ومع ذلك استبسلوا، حدَّ الإعجاز، وتمكَّنوا من هزيمة الألمان!
وفي الأرجنتين سعى المجلس العسكري الذي كان متربِّعاً على سدَّة الحكم لاستغلال سمعة المنتخب القومي لكرة القدم، خلال مونديال 1978م، لرفع شعبيَّة النِّظام الشُّمولي.
وفي عامي 2008م و2009م استخدم الأتراك والأرمن المباريات التَّأهيليَّة لكأس العالم بين منتخبيهما، كآليَّة دبلوماسيَّة أفضت، بالفعل، لإبرام اتفاقيَّة تاريخيَّة بينهما.
ومؤخَّراً، في 2016، إمتنع كولن كابرنيك، لاعب كرة القدم الأمريكيَّة، عن الوقوف للنَّشيد الوطني الأميركي، أثناء إحدى المباريات، تعبيراً عن الاحتجاج على قمع السُّود والملوَّنين في البلاد، وقد تطوَّر الأمر، في نهاية الموسم، إلى حدِّ امتناع كلِّ الفرق عن التَّعاقد معه!

(5)
مع عدم المعرفة بخلفيَّات جورج ويا السِّياسيَّة والفكريَّة، وعدم إفصاحه عن برنامج تفصيلي يتجاوز العموميَّات الشِّعاراتيَّة الفضفاضة حول "تحسين حياة الليبيريين"، و"العمل من أجل الفقراء والتَّحوُّل الاجتماعي"، فإن الخوف ألا يكون لديه، على حسن نواياه، أكثر من بضعة تصوُّرات "بريئة" لقدرته، كلاعب كرة قدم "حريف"، على إدارة شؤون البلاد، فما يلبث أن يصطدم، في المدى القريب، بواقع شديد التَّعقيد، ليجد نفسه أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها، فإما أن يواصل التَّشبُّث بالسُّلطة، رغم الفشل، مستعيناً بـ "القمع"، كما هي العادة العالمثالثيَّة السَّائدة في مثل هذه الحالات، أو أن يسمح لآخرين، انتهازيين في الغالب، بأن يديروا البلاد باسمه، فيعملوا على "نهبها"، كما هي العادة، أيضاً، في مثل هذه الحالات، أو أن يضطر للجوء، في نهاية المطاف، إلى أكثر الخيارات مرارة، وإن تكن أفضلها طرَّاً، رغم "غربتها" عن مناهج الممارسة السِّياسيَّة في العالم الثَّالث .. الاستقالة!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.