أثناء ترافعي، ذات مرَّة، كمحام في قضيَّة قتل عن موكل أثرت بشأنه دفعاً بـ "الجُّنون المؤقَّت"، احتجت لشاهد خبرة طبيَّة حول المسألة. ولدى مثوله أمام المحكمة قال الخبير إن النَّاس يتعاملون مع دلائل الجُّنون حين تظهر على شخص ما بردود أفعال مختلفة؛ فإن كان مسنوداً اجتماعيَّاً، كالأثرياء، مثلاً، أو ذوي المكانة المتميِّزة لأي سبب طبقي، أو علمي، أو فئوي آخر، فإنهم لا يفسِّرون تصرفاته بعين الاسترابة في قواه العقليَّة، مهما اتَّسمت هذه التَّصرُّفات بالغرابة، وإنَّما يعزونها، غالباً، إلى خفَّة الظلِّ، أو الذَّكاء الحاد، أو العبقريَّة .. الخ. لذا فإن مثل هذا الشَّخص قلما يحظى، في العادة، بالعلاج! أما إذا كان مدقعاً، بائساً، ومهمَلاً اجتماعيَّاً، فإن فرصته في تلقي العلاج تكون، للمفارقة، أكبر، إذ ما تلبث ملاحظة الآخرين لتصرفاته الغريبة، وتشكُّكهم فيها، وربَّما شكواهم منها، أن تكثر وتشيع حتَّى تنتهي به في مستشفى الأمراض النَّفسيَّة/العقليَّة؛ هذا إذا لم يوقعه حظه العاثر بين يدي معالج ريفي يقيِّده بالجَّنازير، ويلهب جسده بالسِّياط لإخراج الشَّيطان منه! ويعبِّر بعض مستعربي السُّودان عن ذلك، بقولهم: "شقي الحال يقع في القيد"!

خطرت لي ذكرى إفادات ذلك الخبير أثناء تأمُّلي في تصرُّفات الرَّئيس الأمريكي دونالد ترامب! فمع أنه ليس "شقي حال"، إلا أنه يُعتبر استثناءً على القاعدة! إذ ما كاد يدلف إلى البيت الأبيض، ويشغل المكتب البيضاوي، عقب فوزه بالانتخابات الرِّئاسيَّة، أواخر العام الماضي، حتى تفجَّرت، وما تزال تتفجَّر، ضجَّة غير مسبوقة حول حالته العقليَّة، إسم الدَّلع لـ "الجُّنون"، صراحة، وذلك عبر مختلف الصُّحف، وأجهزة الإعلام، والتغريدات على تويتر وغيرها من مواقع التَّواصل، حتف أنف موقعه المرموق، وثروته الطائلة، ومكانته الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة المتميِّزة!

و"الجُّنون" درجة عليا من الانحراف الفظِّ عن جادَّة الطبيعة التي تسير بها الأمور في الحياة العاديَّة. ومن أبرز آياته أن يعمد المرء إلى إيذاء نفسه والآخرين دون أن يقدر على إدراك كُنْهَ أفعاله، دَعْ التَّحكُّم فيها. والقرار الذي اتَّخذه ترامب باعتماد القدس عاصمة لإسرائيل، وبنقل مقرِّ سفارته إليها من تل أبيب، من شأنه، حتماً، إذا لم يسارع للتَّراجع عنه، أن يؤذي بلاده، وحزبه الجُّمهوري، ومستقبله السِّياسي هو نفسه! فهذا القرار، إذا تركنا، جانباً، عموميَّات التَّقدير، ونفذنا إلى بعض جوانبه التَّفصيليَّة، يهدم شرعيَّة أمريكا الأمميَّة، ونفوذها العالمي، ويصوِّرها، حسب النيويورك تايمز، كأنها اختارت طريق الحرب، قاطعة الطريق، من زاوية نظر الدِّبلوماسيَّة الدَّوليَّة، أمام حلِّ النِّزاع بالتَّفاوض الذي ابتدأ في أوسلو. وليس أدلَّ على ذلك من أن أربعة عشر، من خمسة عشر عضواً بمجلس الأمن، صوَّتوا ضدَّه، في إجماع قلَّ نظيره، الأمر الذي يضعف من مصالحها، ويقوِّي من مصالح إيران وحلفائها في المنطقة، ويضعضع مواقف المسيحيين، ودعاة السَّلام والتَّطبيع مع إسرائيل، ويمثِّل هديَّة غالية، حسب اللوموند الفرنسيَّة، لمن يريدون إضفاء صبغة دينيَّة على الصِّراع في الشَّرق الأوسط، بما في ذلك إعادة تمكين داعش بعد هزيمتها السَّاحقة، وفقدانها لجميع أراضيها. وإلى ذلك فإن سوء القرار، من زاوية المصالح الأمريكيَّة ـ الإسرائيليَّة المفترضة، ينعكس في الإجماع غير المسبوق الذي اتَّسمت به مقرَّرات قمَّة منظمة التَّعاون الإسلامي التي انعقدت باسطنبول في 13 ديسمبر الجَّاري، دون أن تحظى فيها واشنطن بكلمة طيِّبة واحدة، وهي التي ظلت ترتبط بعلائق طيِّبة مع كثير من الدُّول الإسلاميَّة حتَّى والحرب الباردة في أوج تلهُّبها! فقد رأت القمَّة الإسلاميَّة التي شاركت فيها أكثر من خمسين دولة، ناهيك عن دول غير إسلاميَّة كفنزويلاً مثلاً، أن قرار ترامب يناقض جميع قرارات مجلس الأمن الدَّولي التي سبق لأمريكا نفسها أن وافقت عليها، كتحريم نقل السَّفارات إلى القدس قبل التَّوصُّل إلى حلٍّ نهائي للنِّزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، مِمَّا فتح "صندوق بانادورا" ما كانت ترغب فيه، لا واشنطن ولا تل أبيب، حيث أكسب الفلسطينيين تعاطفاً كاسحاً بشأن دعم المقدسيين بكل صنوف المعونات الاقتصاديَّة، والصِّحيَّة، والتَّعليميَّة، وغيرها. وإلى ذلك هيَّأ قرار ترامب للفلسطينيِّين فرصة نادرة لكي يعلنوا، دون أن يعترض أحد، حتَّى الآن على الأقل، رفضهم لأن تواصل أمريكا، في المستقبل، لعب أيِّ دور للوساطة في أيِّ مفاوضات سلام، بسبب افتقارها المفضوح للحياد! فضلاً عن اعتزامهم التَّوجُّه إلى المنظمة الدَّوليَّة بمشاريع قرارات لا يبدو حظها من القبول ضيِّقاً، حسب ما كشفت عنه المواقف حتَّى الآن، وذلك لإسقاط حقِّ إسرائيل في عضويَّة الجمعيَّة العامَّة، وباستحقاق دولة فلسطين لعضويَّة مجلس الأمن الكاملة، الأمر الذي لم يكن ليحظى، سابقاً، بأيِّ فرصة للقبول.

هكذا، وبضربة واحدة، وضع ترامب بلاده في مواجهة العالم بأسره، العالم الرَّسمي بكل وسائله الدِّبلوماسيَّة، والعالم الشَّعبي الذي ملأ شوارع القارَّات أجمعها بالتَّضامن مع الفلسطينيين، والاحتجاج ضدَّ واشنطن وتل أبيب!

تلك وغيرها "إنجازات" لا يقدر على تسبيبها ضدَّ مصلحته ومصلحة بلاده حتَّى أعتى السِّياسيين جهلاً، بينما يستطيعها، فقط، سياسي .. مجنون! وربَّما كان ما أدلت به، مؤخَّراً، وبحدَّة بالغة، الفنَّانة الأمريكيَّة جينيفر لويس، الملقبة بـ "أم هوليوود السَّوداء"، لبعض القنوات الفضائيَّة، وتناقلته عنها مختلف المواقع الإليكترونيَّة، من أعنف وأمرِّ نماذج الضَّجَّة المثارة حول "جنون" ترامب، حيث قالت إنها لا تكرهه، لأنها، ببساطة، تدرك ما يعنيه "المرض العقلي"! وأضافت أنها مهتمَّة، أساساً، بتحريض الأمريكيين المحبَطين على عدم الانتظار لأربع سنوات أخرى ريثما يُتاح لهم التَّخلص من ترامب في الانتخابات القادمة، لأنهم، عندذاك، سيكتشفون أنه قد أكمل تخريب دنياهم بأجمعها! لذا فإن عليهم ألا يشغلوا أنفسهم بكراهيَّته، لأنَّها لن تفيدهم في شئ، كونه، فوق مرضه العقلي، يتَّسم، أصلاً، بشخصيَّة مضطربة، ووعي مغيَّب، وعداء مستحكم للمجتمع، وحساسيَّة منعدمة تجاه الغير. وغاية ما يفكِّر فيه مثل هذا الشخص هو أن يشق طريقه، ولو على أجساد الآخرين؛ وضربت جينيفر مثلاً لذلك بالأسلوب الذي وصفته بالجَّلافة، والذي أزاح به ترامب من طريقه رئيس وزراء مونتينيغرو السَّابق في أحد لقاءات حلف النَّاتو، قائلة إنه لا يؤذي أمريكا وحدها، بل والعالم كله الذي ينظر إلينا، نحن الذين انتخبناه، باعتبارنا جماعة من المجانين؛ وإذن فلا بُدَّ لنا من أن نتحرَّك، الآن، كي نفعل شيئاً يهزُّ الأرض تحت قدميه، أن نقاتل بالإظفر والنَّاب في سبيل تغيير هذا الوضع المزري.

ولئن كانت صرخة جينيفر تلك محض نموذج للملاحظات التي يبديها، كلَّ صباح، كثير من النَّاس العاديِّين غير المتخصِّصين في أمريكا، فإن الأهمَّ منها التَّحذيرات المتواترة التي ما ينفكُّ يطلقها الأطباء المتخصِّصون في "الأمراض النَّفسيَّة/العقليَّة" حول الخطر الذي يمثله هذا "الشَّخص"، ليس على الشَّعب الأمريكي، فحسب، بل وعلى المجتمع الدولي بأسره! بعض هذه التَّحذيرات صدرت عن مجموعة أسَّسها د. جون غارتنر، اختصاصي الأمراض النَّفسيَّة/العقليَّة، واتَّخذ من عبارة "وجب التَّحذير" اسماً لها، حيث عقـدت، في أبريل الماضي، مؤتمـراً بجامعـة ييل تحدَّثت فيه د. باندي لي، منظِّمة المؤتمر، وآخرون، معلنين أنهم جمعوا 60,000 توقيع، يسعون لجعلها 75,000، للمطالبة بعزل ترامب بسبب "مرض نفسي/عقلي خطير يجعله عاجزاً عن القيام بسلطات ومهام منصبه"، استناداً إلى الفقرة/4 من التَّعديل الخامس والعشرين للدُّستور الأمريكي.
ولعلَّ مِمَّا يؤكِّد هذه المطالبة ما كشفت عنه مصادر البيت الأبيض من احتياج ترامب، مرَّتين في اليوم كلَّ يومين، إلى "جرعة معنويَّة!" عبارة عن ملفٍّ خاصٍّ يقدَّم له، منقَّحاً من الإيجازات الاستخباراتيَّة، والأجندة التَّشريعيَّة، وشاملاً للقطات من التَّغريدات المادحة له، والأخبار الإيجابيَّة عن نشاطه، أو التي تثني على تغريداته، أو مجرّد صور قويَّة له في تلك الوسائط!

وقد نشرت الإندبندنت، أواخر أغسطس الماضي، أن مجموعة د. باندي قدَّمت تقريراً لأعضاء الكونغرس من الحزبين يحذِّر من أن ترامب خطر على العالم. وأكَّد التَّقرير أن أيَّ طبيب أمراض نَّفسيَّة/عقليَّة لا يحتاج إلى طويل وقت ليكتشف النِّرجسيَّة، والتَّهوُّر، والطَّيش الذي، في حالة ترامب، يعرِّض العالم للخطر! وقد ظلت د. باندي تقدِّم المشورة، خلال الفترة الماضية، لبعض النُّواب الدِّيموقراطيين الذين يعتزمون الدَّفع بمشروع قرار بتكوين لجنة دائمة من 11 عضواً بالكونغرس من كلا الحزبين، لتقييم الحالة الصِّحِّيَّة الجُّسمانيَّة والنَّفسيَّة/العقليَّة للرَّئيس الأمريكي. وقُدِّم المشروع، بالفعل، في سياق جهود منظمات الصَّحَّة النَّفسيَّة/العقليَّة للاتِّساق مع التزامات أعضائها الأخلاقيَّة، حيث يمتنع عليهم الكشف عن الصَّحة النَّفسيَّة/العقليَّة للشَّخصيَّات العامَّة. لكن العديد من القواعد اجترحت، مؤخَّراً، لتسمح بهذا الكشف لدى التَّيقُّن من أن عدمه سيعرِّض النَّاس للخطر. ومن هذه القواعد ما يجيز الكشف، مثلاً، لحماية مريض، أو للإلزام بالإبلاغ عن الاعتداء على الأطفال، أو، بحسب مجموعة "وجب التَّحذير"، للإلزام بالكشف عن اعتلال الصَّحَّة النَّفسيَّة/العقليَّة للرئيس، حيث وثَّقت لذلك على صفحتها بالفيسبوك، بأن ترامب "مريض عقليَّاً، وغير قادر على الاضطلاع، بكفاءة، بواجباته كرئيس، فيجب عزله وفقا للدُّستور الأمريكي".

وبعد، فربَّما كان أكثر ما يؤكِّد إحساس الأمريكيين بورطة انتخابهم لترامب أن الغرض من اقتراح تكوين لجنة الكونغرس الدَّائمة، والمسنود بأكثر من أربع وعشرين عضواً، لا يقتصر على التَّقرير بشأن حالة ترمب وحده، بل يشمل، إلى ذلك، كلَّ من سيشغل المكتب البيضاوي في المستقبل. لذا، فإن الحديث عن "جنون" ترامب ليس محض تعريض بسمعة زعيم إمبريالي، بل هو تقرير لحقيقة تستوجب التَّعامل الجِّدِّي معها، على المستويين الأمريكيّ والدَّولي، وربَّما .. العائلي أيضاً!

***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.