(1)

سواءً قبِلنا باستخدام تعبير "اليسار العربي"، أو تحفَّظنا عليه، فقد فرض نفسه، وأضحى مصطلحاً معتمداً، وسارياً، وشائع الاستخدام، حتَّى في مستوى الكتابات الأكاديميَّة. ومن ثمَّ فلا مناص من قبول، ومحاولة الإجابة على التَّساؤل الذي ما ينفكُّ ينطرح حول السِّر في ضعف "اليسار العربي" خلال سنوات "الرَّبيع العربي". وبما أن ذلك الضَّعف هو أحد معطيات تلك الحقبة، فإن المكابرة في حقيقته غير ممكنة. غير أن ذلك لا يجيز لكائن من كان أن يحاول ابتسار الإجابة في محض فرصة ينتهزها لتشويه صورة وسمعة هذا "اليسار"، من أقصاه إلى أقصاه، وعلى اختلاف أشكاله وتلاوينه، بلا أدنى فرز أو تبصُّر، بعد أن منيت بالفشل، في السَّابق، مثل هذه المحاولات التي تضافرت فيها جهود الرَّجعيَّات الدَّاخليَّة وقوى الاستعمار العالمي. وقد ظلَّ العامل الرَّئيس في فشل تلك الجهود مصادمتها لما أتيح للطبقات الشَّعبيَّة من عشرة، في الواقع العملي، مع هذا "اليسار"، خصوصاً الأقسام المتقدِّمة منه، بما مكَّن هذه الطبقات من ملامسة التَّضحيات الجِّسام التي بذلتها هذه الأقسام، بلا منٍّ ولا أذى، بالغاً ما بلغت زلاتها الاستراتيجيَّة، أو أخطاؤها التَّكتيكيَّة، حيث تعرَّضت للضَّربات الأمنيَّة المتواترة، مثلما تعرَّض أعضاؤها للملاحقة، والتَّشريد، وسلخ أنضر سنوات العمر في عتمات السُّجون، وزنازين المعتقلات، مع قطع الأرزاق، إن لم يكن قطع الأعناق في أقبية الإعدام شنقاً، أو في ساحات الرَّمي بالرُّصاص!
وهكذا، فالمعالجة المبتسرة لهذا التَّساؤل، بالاستناد العاجز إلى اللهوجة "الإجماليَّة"، لهي معالجة قاصرة، وأكثر قصوراً منها المعالجة التي تتأسَّس على محض الغرض الذَّاتي، فليس ثمَّة بُدٌّ، إذن، من أن تتَّسم المعالجة المطلوبة بأقصى درجات الاستقامة، والموضوعيَّة، والتَّجـرُّد، وبغير القليل من التَّفصـيل، والتَّدقيق، فضلاً عن الطابع التَّركيبي الأكثر تعقيداً من محض التَّبسيط المخلِّ الذي قد يتصوَّره البعض.

(2)
هكذا يلزم البدء بتعريف المصطلحين نفسيهما. فـ "الرَّبيع"، سواء كان عربيَّاً أو خلافه، هو التَّجسيد العملي، على الأرض، للمستوى اللازم، نظريَّاً، لتهيُّؤ "العامل الموضوعي" للتَّغيير، والذي لا يتهيَّأ إلا حين يبلغ النِّظام الحاكم أقصى درجات العجز عن حلِّ أبسط المشكلات، وتبلغ الجَّماهير أقصى درجات الرَّفض لبقائه ولو ليوم آخر. لكنَّ هذا "العامل الموضوعي" لا يشتغل، على صعيد التغيير، من تلقاء نفسه، وإنَّما يستوجب توفُّر "العامل الذَّاتي" الذي يتمثَّل في المستوى اللازم من الاقتدار لدى الجِّهة التي تقدِّم نفسها لقيادة هذا "التَّغيير"، وإلا فإن "العامل الموضوعي" قد يتهيَّأ، ثم يتبدَّد سدى، المرَّة تلو المرَّة.
وقد مثَّل "الرَّبيع العربي"، حين وافى مع خواتيم العقد الماضي، فرصة نادرة تهيَّأ، من خلالها، "العامل الموضوعي"، ليس، فقط، للتَّغيير في الكثير من البلدان العربيَّة التي تتشابه ظروفها من حيث انعدام الدِّيموقراطيَّة، وانتشار الفقر، والتَّخلف الاجتماعي، وشيوع مختلف أنواع الأنظمة الشُّموليَّة، وقمع الحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، بل مثَّل، أيضاً، مناسبة كان يجمُل بـ "اليسار العربي" اهتبالها لإرجاع البَّصر، كرَّتين، في بنيات أحزابه، وبرامجها، واستراتيجيَّاتها، وتكتيكاتها، كي يتمكَّن من بلورة "العامل الذَّاتي" الذي يتلاقح مع "العامل الموضوعي"، اللقاح الجَّدلي المطلوب بإلحاح لاستشراف الغـد الأفضل.

(3)
أمَّا "اليسار" فمصطلح يومئ، عموماً، إلى تيَّار التَّغيير الرَّاديكالي في السِّياسة كما في الثَّقافة، ويعود بأصله إلى الثَّورة الفرنسيَّة، حيث قام النُّوَّاب الذين جاءت مقاعدهم إلى الجِّهة اليسرى من البرلمان بتأييد التغيير الجُّمهوري واللائكي الذي أحدثته الثَّورة. وما يزال دعاة التَّغيير يجلسون، حتَّى الآن، إلى الجِّهة اليسرى من قاعة البرلمان الفرنسي.
وأمَّا "اليسار العربي"، تحديداً، فيُقصد به، عادة، بالإضافة للأحزاب الماركسيَّة، قوى أخرى، أبرزها الأحزاب العروبيَّة المتأثِّرة، ولو شكليَّاً، بالماركسيَّة، كالنَّاصريَّة والبعثيَّة التي تقلدت السُّلطة في بعض البلدان، فأضحت بمثابة النَّموذج "القومي" الأكمل، والقائد، بالنِّسبة للأحزاب "القطريَّة" خارج السُّلطة، علماً بأن منشأ جميع هذه الأحزاب، ماركسيَّة أو عروبيَّة، وسواء كانت الأخيرة "قوميَّة" أو "قطريَّة"، قد وقع في بيئات برجوازيَّة صغيرة، بفعل الواقع الاقتصادي لبلدانها، والتَّركيب الطبقي لمجتمعاتها، مع الأخذ في الاعتبار بكلِّ السِمات السَّالبة للبرجوازيَّة الصَّغيرة.
ولأن الماركسيَّة طبعات مختلفة، فإن تأثُّر اﻷحزاب العروبيَّة "القطريَّة" بها يتمُّ، عادة، وبشكل "غير مباشر"، كامتداد لما قد تكون الأحزاب العروبيَّة "القوميَّة" تأثَّرت به، من كتابات نظريَّة، أو انتقته من تجارب الأحزاب الشِّيوعيَّة التي حكمت، أو ما تزال تحكم، في بلدان التَّطبيقات الاشتراكيَّة المختلفة، فانعكس، على التَّجارب الخاصَّة لهذه الأحزاب العروبيَّة "القوميَّة"، باسم أيِّ طبعة من هذه الطبعات. ولمَّا كان لغالب تلك التَّطبيقات جوانب إيجابيَّة تمثَّلت في ما حقَّقت لشعوبها من مكاسب ماديَّة، وأخرى سالبة تمثَّلت في حرمان نفس هذه الشُّعوب من حريَّاتها وحقوقها السِّياسيَّة، فقد قضى ضعف التَّطوُّر الاقتصادي، وتخلف البنيات التَّحتيَّة، في بلدان الأحزاب العروبيَّة "القوميَّة"، بغلبة النَّهل من تلك الجَّوانب السَّالبة، مِمَّا شكَّل أحد أبرز عوامل أزمة الدِّيموقراطيَّة في المنطقة العربيَّة، كما هو حال المشهد الفكري والسِّياسي في سوريا، أو سابقاً في مصر النَّاصريَّة والعراق، على سبيل المثال. أمَّا في ليبيا، وإنْ كانت التَّجربة قد بدأت بملمح ناصري، إلا أنَّها سرعان ما اجترحت طريقاً مغايراً باسم "النَّظريَّة الثَّالثة" التي ظلَّ الكثير حتَّى من المثقَّفين، دَعْ النَّاس العاديين، يعانون من صعوبة فهمهـا، إلى أن تبخَّـرت مـع مقـتل القـذافي، وتصفية نظامـه!
وأمَّا معظم الأحزاب الشِّيوعيَّة، والحركات الماركسيَّة العربيَّة الصَّغيرة، فإن التزامها الماركسي غالباً ما كان، أو ما يزال يتجسَّد، في "التَّقيُّد المباشر" بالتَّجربة الملموسة لدى أيٍّ من الأحزاب الشِّيوعيَّة الكبيرة التي تبوَّأت السُّلطة، سواءً في الاتِّحاد السُّوفييتي، وبلدان الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة في شرق أوربَّا، سابقاً، أو في الصِّين، أو ربَّما في كوبا أيضاً، حيث دائماً ما يقع هذا "التَّقيُّد"، إمَّا تطبيقيَّاً باستنساخ القوالب الحزبيَّة، أو نظريَّاً بالنَّقل الحرفي من المصادر "المعتمدة"، اعتقاداً خاطئاً بأن هذا من مطلوبات الانتماء "الأممي"!

(4)
"التَّأثير والتَّأثُّر" عمليَّة قد تكون مرغوبة، في ما لو اقتصرت على جميل "الاقتداء"، وحسن الاعتبار، في العلاقات بين الأحزاب الشِّيوعيَّة الكبيرة، ذات الخبرة بالحكم، غالباً، وبين الأحزاب والحركات والقوى الماركسيَّة خارج السُّلطة بالضَّرورة. سوى أن الخبرة التَّاريخيَّة أثبتت نزوع هذه العلاقات، في غير القليل من التَّجارب، للأسف، إلى انكفاء "المتأثِّر" (بالكسر) على النقل الكربوني من "المتأثَّر به"، مِمَّا يعرِّض علاقات الصَّغير بالكبير لمخاطر الانزلاق من ربوة "الاستقلاليَّة" و"الاقتداء" إلى سفح "التَّقليد" و"الانقياد"! ومن أهمِّ أسباب ذلك غياب الدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة، وما يستتبعه هذا الغياب من قمع واضطهاد تشنُّهما، في الغالب، وللمفارقة، حتَّى أنظمة الأحزاب العروبيَّة "القوميَّة" الحاكمة، ضدَّ معارضاتها، خصوصاً الماركسيَّة، متوكِّئة على عصا "الثَّوريَّة"! حدث هذا في مصر وفي سوريا وفي العراق؛ ولا نحتاج إلى فانوس ديوجينس لنضئ، هنا، وجهاً من وجوه النَّقل الحرفي من خـبرات الدُّول الاشتراكـيَّة التي ظلت تفتقـر إلى النَّموذج الملهـم في الدِّيموقراطـيَّة!
على أنَّ المفارقة تبلغ أوجها حين تتعرَّض الأحزاب العروبيَّة "القطريَّة" لنفس المصير، فتبدأ في استشعار الحاجة، ليس، فقط، لـ "الدِّيموقراطيَّة"، في معنى الحريَّات والحقوق "الليبراليَّة"، بل وللاستقواء على الأنظمة الشُّموليَّة القامعة لها في بلدانها، بالأحزاب العروبيَّة "القوميَّة" الحاكمة في بلدان أخرى. وقد يبدو أنه ليس أيسر، في سبيل ذلك، من "استتباع" الأحزاب "القطريَّة"، تنظيميَّاً، للأحزاب "القوميَّة" الحاكمة، خصوصاً وأن هذه الوضعيَّة التَّنظيميَّة مبرَّرة، عقديَّاً، ضمن البنية الأيديولوجيَّة لهذه الأحزاب. مع ذلك فإن هذه الوضعيَّة تفرض على الأحزاب "القطريَّة" الامتناع عن نقد غياب الحريَّات والحقوق في البلدان المحكومة بالأحزاب "القوميَّة"! لكن "الإجمال"، هنا، أيضاً، غير مجدٍ؛ حيث تقتضي الدِّقة، والاستقامة، والموضوعيَّة استثناء تجربة "حـزب البعث السُّـوداني" المنشـقِّ، منذ 1997م، عن "حزب البعث العربي الاشتراكي ـ القطر السُّوداني"، حيث لم تعد حاكمة، في هذا النَّموذج الجَّديد، الأيديولوجيَّة القديمة للعلاقة بين "القومي" و"القطري"! أمَّا في اليمن الجَّنوبي "سابقاً" فالتَّجربة مختلفة جذريَّاً، حيث اتَّخذت شكل ذوبان الحزب "القطري" في التَّنظيم "الجَّبهوي" الذي قاد حرب التَّحرير ضدَّ الاستعمار البريطاني، ثمَّ انتهى في شكل الحزب الاشتراكي "الماركسي" الذي حكم عدن لاحقاً.
كذلك تحوِّل "الاقتداء" بالتَّجربة السُّوفييتيَّة أو الصِّينيَّة، لدى كثير من الأحزاب الماركسيَّة في المنطقة، إلى محض "تقليد" يستتر خلف شعارات "الأمميَّة". على أن الدِّقة، والاستقامة، والموضوعيَّة تقتضي، هنا أيضاً، استثناء تجربة "الحزب الشِّيوعي السُّوداني" الذي مكَّنته نشأته باستقلال عن الحركة الشِّيوعيَّة العالميَّة، بقيادة الاتِّحاد السُّوفييتي، من نقد التَّجربة السُّوفييتية، باكراً، حتَّى وهو لمَّا يزل، بعد، في طور الحلقات الماركسيَّة الأولى، مع خواتيم الحرب الثانية، حيث أفصح حسن الطاهر زروق عن ذلك، قائلاً: ".. قد نستفيد من التَّجربة، ونتفادى سلبيَّاتها، مثل غياب ضمانات حريَّة وسلامة الفرد، وعدم تقدير دور الدِّين في حياة الشُّعوب". كما مكَّنته تلك النَّشأة المستقلة، بعد تكوينه رسميَّاً، صيف 1946م، من اتخاذ مواقف مستقلة، أيضاً، في كثير من جوانب العمل الفكري والسِّياسي، ومن التَّعاطي، على وجه التَّحديد، مع الحزب الشِّيوعي السُّوفييتي، من مداخل رفاقيَّة، لكنَّها ندِّيَّـة وناقـدة. وثمَّـة أربعـة نمـاذج تاريخـيَّة بارزة لهـذه الاسـتقلاليَّة، نسـوقها، عـلى سبيل المـثال، فـي ما يلي:
النَّموذج الأوَّل: أن الشِّيوعيين السُّودانيين رفضوا قرار تقسيم فلسطين عام 1947م، بالمخالفة لموقف الحزب والدَّولة في الاتِّحاد السُّوفييتي؛
النَّموذج الثاني: أنَّهم تَّمسُّكوا بالدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة التَّعدُّديَّة/الليبراليَّة بالمفارقة للموقف السُّوفييتي الماركسي اللينيني الكلاسيكي، والمؤيَّد من الأحزاب الشِّيوعيَّة العربيَّة التي لم يندر أن وجَّهت نقدها، في هذه النَّاحية، للشِّيوعيين السُّودانيين؛ وهو النقد الذي علق عليه الزميل الرَّاحل محمَّد إبراهيم نقد، السِّكرتير السِّياسي السَّابق للحزب، بأنَّهم توصَّلوا إلى هذا الموقف من مدخل براغماتي، حيث أن تلك جمرة وطئوها بأقدامهم العارية، ولا يحتاجون فيها إلى أيِّ نصائح نظريَّة، أو كما قال؛
النَّموذج الثالث: أنَّهم أصرُّوا، في مؤتمر الأحزاب الشِّيوعيَّة والعمَّاليَّة العالمي، عام 1969م، على تعديل الصِّيغة الفكريَّة التي اقتُرحت، في البداية، والقائلة بأن الإمبرياليَّة العالميَّة تستهدف المعسكر الاشتراكي، من بين تَّحالفه الاستراتيجي مع البلدان الناميَّة، ومع الطبقة العاملة في البلدان الرَّأسماليَّة، حيث اقترحوا، بالمقابل، الصِّيغة التي تمَّت الموافقة عليها، في النِّهاية، والقائلة بأن الإمبرياليَّة تستهدف هذا الحلف، ليس في أقوى حلقاته، المعسكر الاشتراكي، وإنَّما في أضعفها، البلدان النَّامية؛
النَّموذج الرَّابع: أنهم استدعوا العبرة من نصح الرِّفاق السُّوفييت للرِّفاق المصريين، في منتصف ستِّينات القرن المنصرم، بقبول التَّعاون مع عبد النَّاصر، ليختلفوا، لاحقاً، مع نصح نفس الرِّفاق السُّوفييت لهم بقبول التَّعاون مع النِّميري الذي عارضوه لأسباب مبدئيَّة حافظوا بها على وجود الحزب، وإن دفعوا الثَّمن في ساحات الإعدام، وزنازين السُّجون والمعتقلات!

(5)
ومِمَّا يستوجب النَّقد، والنَّقد الذَّاتيَّ المستقيم، أن معظم الأحزاب "اليساريَّة" في المنطقة، ماركسيَّة أو عروبيَّة، ظلت تعوِّل، طوال العقود الماضية، باستثناء قلة من الحالات، على النَّقل من المنتَج النَّظري القادم من المعسكر الاشتراكي سابقاً. وهو منتج لا يكاد يسدُّ حاجتها لفهم واقعها المحدَّد؛ لذلك غالباً ما استعصى عليها اجتراح طرح فكريٍّ من داخل هذا الواقع المحدَّد. ولعلَّ تلك هي أبرز نقاط ضعفها على صعيد "العامل الذَّاتي" الذي لا طائل من "العامل الموضوعي" بدونه!
المنتَج المطلوب يستوجب مسوحات، وحسابات، ودراسات متعمِّقة تحتاج لمعاول منهجيَّة موثوقة. وهذا ما لم يكن يتمُّ، غالباً، أو إذا تمَّ، فبالكثير من المعميات الفكريَّة، واللغة الطلسميَّة. وقد فاقم من ضعف هذا الجَّانب بالغ الأهميَّة إدمان التَّطاحن العبثي، والنَّزعة الإقصائيَّة، والميل إلى الهيمنة، والبناء على نظريَّة التَّحالفات البرجوازيَّة الصَّغيرة، القائمة على العقليَّة الانقلابيَّة، وعلى استتباع مركز واحد لبقيَّة المراكز، بينما كان الواجب، وما زال، يقتضي ربط قضيَّة "التَّحالف" بقضيَّة "الدِّيموقراطيَّة"، وعدم قصر هذا التَّحالف على النُّخَب، بل ترسيخه في كل بلد، كما وفي النطاق الإقليمي، وسط الجَّماهير، وعلى برنامج محدَّد وملزم لكلِّ أطرافه، بحيث يتعزَّز ويتطوَّر باستقلالها الكامل، وبتساويها في الحقوق والأعباء، وبالتشاور الحرِّ في ما بينها، وباستمساكها بالدِّيموقراطيَّة السِّياسيَّة، وبرفض مصادرتها تحت أيِّ مبرِّر، ولا حتَّى باسم "الدِّفاع عن الثَّورة!"، وبتضمين برنامج التَّحالف مهمَّة صونها، وواجب التَّضامن لمقاومة أيِّ اضطهاد للقوى الوطنيَّة أو التَّقدميَّة، وهلمَّجرَّا.
وبعد، بدون ممارسة النَّقد الصَّارم، والنقد الذَّاتي المستقيم، وتأسيسهما على أفق فكري واضح، لن تستبين، قط، أسباب ضعف الأداء الملازم لغالب "اليسار العربي"، كما ولن ينصلح حال هذا الأداء، لا في "الرَّبيع" الفائت، ولا حتَّى المستقبلي!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.