(إعادة نشر لمحاولة رصد الأحداث في ذكراها الثَّالثة والخمسين)

صمت الصُّدور!
رغم أن ليلة التاسع إلى العاشر من نوفمبر 1964م، والتي مرَّت بنا ذكراها قبل أيَّام، تكاد تمثِّل زبدة المخض العنيف الذي شهدته بلادنا في ما سبقها من أيَّام دخلت تاريخنا الحديث باسم "ثورة أكتوبر"، ودخلته هي باسم "ليلة المتاريس"، إلا أنها قلَّما حظيت بالتَّوثيق الذي حظيت به تلك الأيَّام المجيدات، سوى بضع كتابات متفرقة، ونشيد يتيم لمحمد الأمين من كلمات مبارك حسن الخليفة والحان مكي سيد احمد، لم يعُد أحد يسمعه، بل لم يعُد حتَّى محمد الأمين نفسه يردِّده:
"المتاريسُ التي شيَّدَتها، في ليالي الثَّورةِ الحمراء هاتيك الجُّموعْ/ وبَنتها من قلوبٍ وضلوعْ/ وسقتها من دماءٍ ودموعْ/ سوف تبقى شامخاتٍ في بلادي/ تكتمُ الأنفاسَ في صدر الأعادي/ فالمتاريسُ دماءُ الشُّهداءْ/ والمتاريسُ عيونُ الشُّرفاءْ/ والمتاريسُ قلوبُ الكادحينْ/ والمتاريسُ ضلوعُ الثائرينْ/ والمتاريسُ شفاهٌ لصغار يلثغونْ/ والمتاريسُ أيادٍ لكبار يَهدِرونْ/والمتاريسُ حُداء الثائِراتْ/ والمتاريسُ ستبقى شامخاتٍ في بلادي/ تكتمُ الأنفاسَ في صدر الأعادي"!
مع كلِّ ذلك البهاء بقيت تلك "الليلة"، إلى يوم الناس هذا، أسيرة بقعة معتمة في ذاكرة الأجيال، ومحلَّ أخذٍ وردٍّ بلا جدوى، ومغالطاتٍ وسجالاتٍ بلا طائل، رغم أن بعـض أهمِّ صُناعها، وشـهود خلفيَّاتهـا، إما كانوا أحياءً إلى وقت قريب، عليهم رحمـة الله ورضوانه، كجعفر كرَّار، وعابدين اسماعيل، وعبد المجيد إمام، وأحمـد سليمان، وشوقي ملاسي، وأنور أدهم، وحسن الترابي، عرَّاب الحركة الإسلاميَّة الذي سيدبِّر، لاحقاً، انقلاب يونيو 1989م، أو أنهـم ما زالوا أحياءً، متعهـم الله بالصحَّة أجمعين، كفاروق أبو عيسـى، وبابكـر عوض الله الذي سيشارك، لاحقاً، في تدبير انقلاب مايـو 1969م، ويترأس أولي حكـوماته. فلئن كانت قد ضاعت فرصة استنطاق الرَّاحلين، فحتَّام يستعصم جُلُّ الأحياء بالصَّمت، كاتمين أسرار أكتوبر بين أضلاعهم، تاركين أهمَّ صفحاته محض طيف لذكرى مقبورة في حنايا الصُّدور، أو، في أفضل الاحتمالات، نهباً لأنس المجالس التي تعجُّ، عادة، بالكثير من المجَّانيَّات؟!

شهادة ملاسي
مساء 9 ـ فجر 10 نوفمبر،
الحقيقة والوهم:
ربَّما لهذا السَّبب، بالذَّات، نحمد للمحامي الكبير شوقي ملاسي، أحد مؤسِّسي ورموز حزب البعث بالسُّودان، وعضو قيادة جبهة الهيئات إبان ثورة أكتوبر، حرصه على إصدار مذكراته (أوراق سودانيَّة ـ تحرير وتقديم الصحفي محمد عتيق، دار عزة، الخرطوم 2004م)، حيث أورد أنه توجَّه، صباح 9 نوفمبر، للمشاركة في اجتماع لجبهة الهيئات بنادي أساتذة جامعة الخرطوم، لكنه وجده تأجَّل إلى المساء. وعند عودته في الموعد الجَّديد لم يجد سوى بضعة زملاء، من بينهم المحامي أنور أدهم والأستاذ الجَّامعي موسى المبارك. ولمَّا طال انتظارهم لحضور البقيَّة بلا طائل إلى ما بعد صلاة العِشاء، قام بتوصيل أنور إلى منزله بأم درمان، ثمَّ قفل عائداً إلى الخرطوم وهو في غاية الإرهاق.
في طريق العودة، يتذكر ملاسي، ".. وأمام الفندق الكبير، بالضبط، قطعت إذاعة أم درمان إرسالها، فجأة، وبدأت في بثِّ إعلان بصوت الأخ فاروق أبو عيسى قال فيه إن هنالك انقلاباً عسكريَّاً، مناشداً الجَّماهير أن تخرج لحماية الثورة. استفقت تماماً، وكان قراري الفوري أن أذهب إلى دور السِّينما وتحريض الجَّماهير" (ص 86).
ويواصل ملاسي ذكرياته قائلاً: "توجَّهت أوَّلاً لسينما كلوزيوم بشارع القصر، والتقيت بالأخ حسُّون، مديرها آنذاك، وشرحت له الموقف، ذاكراً أنني مندوب عن الجَّبهة، وطالباً أن يسمح لي بمخاطبة الجُّمهور بالمايكرفون الخاص بالدَّار، فسمح لي الرَّجل، وأعطاني المايكرفون المتنقل. وبعد أن وقفت في منتصف الصَّالة .. أُوقف العرض. فخاطبت الجُّمهور الذي خرج جميعه منطلقاً نحو رئاسة مجلس الوزراء بشارع النيل. ومن هناك ذهبت إلى الخرطوم بحري، وقمت بنفس المهمَّة في سينما الخواجة (الوطنيَّة) .. وأيضاً تدفقت الجَّماهير إلى الشَّوارع. وفي طريق عودتي .. أوقفت سيَّارتي في منتصف كبري النِّيل الأزرق، وأفرغت إطاراتها الأربعة من الهواء، فأصبح الجِّسر مغلقاً أمام حركة العربات .. ثمَّ واصلت السَّير على قدميَّ إلى نادي الأساتذة" (المصدر نفسه).
ويستطرد ملاسي قائلاً إنه وجد جموع المهنيين والنقابيين تتقاطر، ووجد من قيادة الجَّبهة المحاميين محمد الحسن البدوي وعلى محمد إبراهيم .. "وكان عدد اليساريين قليلاً، بينما الأخوان المسلمون كثيرين، وكانوا يتحدَّثون، في هياج شديد، عن مؤامرة يدبِّرها الشُّيوعيون، عن طريق أبو عيسى، بإذاعة هذا البيان، ويتوعَّدون بأنهم سيشنقون أبو عيسى! وبالفعل ربطوا عمائمهم ببعضها استعداداً لشنقه"!
واستقرَّ الرأي على أن يأتي مسؤول من حكومة الثَّورة إلى النَّادي ليوضِّح جليَّة الأمر. وتمَّ اختيار ملاسي وبدوي للذِّهاب لإحضار المسؤول، فاستعارا سيَّارة قصدا بها مجلس الوزراء. وهناك فوجئا بأمواج هادرة من البشر تسدُّ الطرقات بالمتاريس المختلفة، ووجدا بعض الأشجار اقتلعت من جذورها، فكانا يضطرَّان للتَّوقف عند كلِّ حشد ليعلنا أنهما مندوبا جبهة الهيئات، فيُسمـح لهمـا بالمـرور، إلـى أن وصـلا مجـلس الوزراء، حـيـث وجـدا بابكـر عوض الله وعبد المجـيد إمـام، فاصطحباهمـا إلى نادي الأسـاتذة. و".. في الطريق وجدنا أحمد سليمان المحامي (..) بين مبنى القضائيَّة ومصلحة الرَّي المصري .. يا أبو سلمون تعال معنا .. كذا وكذا، قال: لا مانع، لكن خذوني أوَّلاً إلى منزلي فأنا في حاجة لحمَّام (دُش)، فأخذناه إلى منزله جوار مدرسة الأقباط بنات بالخرطوم، ودخل ونحن في انتظاره بالسَّيارة. وبعد انتظار طويل اكتشفنا أنه وقع نائماً! وعدنا عن طريق الطابية حيث سمعنا من راديو السَّـيَّارة بيان المرحـوم خـلف الله بابكر، وزير إعلام حكومة أكتوبر، الذي أعلن عن عدم وجود أيِّ انقلاب، وأن المعلومات خاطئة، وناشد الجَّماهير بالهدوء والتفرُّق" (ص 86 ـ 88).
ويواصـل ملاسـي شـهـادته قـائـلاً: "فــي النادي كـان الجـَّدل محتدماً حول بيان خـلف الله، فقرَّرنا العودة مرَّة أخرى إلى مجلس الوزراء. صـعـد مـعـي بابـكر عوض الله في المقعد الأمامي من السيَّارة، بينما صعد أبو عيسى والترابي في المقعد الخلفي، وكانا يتناقشان بحدَّة وعصبيَّة. وبعد قليل، في منتصف الطريق، احتد النقاش بينهما أكثر. وفجأة هجم أبو عيسى على الترابي، وأمسك برقبته، وبدأ يخنقه بشكل خطير! فأوقفت السيَّارة، واستطعنا بصعوبة أن نحرِّر رقبة الترابي من قبضة أبو عيسى، وواصلنا السَّير!" (ص 88).
ويسترسل ملاسي قائلاً إن الناس ظلَّوا يتنقلون من مكان إلى مكان حتى الفجر، حيث تأكد أن كلَّ تلك الضجَّة مصدرها عسكريٌّ شيوعيٌّ يعمل في سلاح الإشارة تحت قيادة الأميرالاي عثمان نصر عثمان، شقيق الأميرالاي محمد نصر عثمان عضو مجلس عبود، وقد جاء ذلك العسكري، مساء ذلك اليوم، إلى مطعم المطار، حيث اعتادت مجموعة من المحامين والوزراء الشِّيوعيين واليساريين تناول العشاء، وكان هنالك أحمد سليمان، وعبد الكريم ميرغني، وفاروق أبو عيسى، فأبلغ العسكري أحمد سليمان أن الأميرالاي عثمان نصر قد جمع الجُّنود وخاطبهم مهاجماً الثورة، ومهيِّئاً إيَّاهم لانقلاب مضاد! فما كان من أحمد وزميليه إلا أن استقبلوا الأمر بتضخيم شديد، خصوصاً أبو عيسى، وحدث ما حدث! (ص 88 ـ 89).
ويختتم ملاسي هذه الجزئيَّة من مذكراته بتقويم إجمالي لـ "ليلة المتاريس" قائلاً إن الحدث، رغم كلِّ شئ، قد ".. كشف عن استعداد جماهير العاصمة العالي لحماية ثورتها، ومقاومة أيَّة محاولة انقلابيَّة معادية، كما كشف أيضاً حجم التأييد الشَّعبي الذي تحظى به الجَّبهة الوطنيَّة للهيئات" (ص 89).
لكن، ولأن للحقيقة أكثر من وجه، فقد لزمني الوقوف ولو على وجه واحد آخر من وجوهها العديدة.

شهادة أبو عيسى
التَّوثيق الغائب!
ظللت، منذ مطالع الثَّمانينات من القرن المنصرم، أستنطق، ما بين القاهرة والخرطوم، أستاذي وصديقي فاروق أبو عيسى إفادته حول الأمر. بل إنني، في الحقيقة، لم أكلَّ أو أملَّ حتَّى الآن، من مناشدته، إلحافاً، تدوين مذكراته. ولا غرو، فالرَّجل شاهد عيان مُهمٌّ على الكثير من وقائع وأسرار التاريخ السِّياسي والحقوقي الحديث، لا لبلادنا وحدها، بل للمنطقة العربيَّة بأسرها، خلال العقود الأربعة الماضية، بكلِّ ما يحتوش تلك الوقائع والأسرار من ظروف وملابسات! ولقد أسعدني، مطالع هذه الألفيَّة، أيَّما سعادة، عندما عهد إليَّ بمراجعة وتحرير المسودة الأوليَّة للفصول الخاصَّة بثورة أكتوبر، والتي تولت طباعتها إبنته نهلة، تمهيداً لنشرها، لولا أن تلفاً بالقرص المدمج حال، وقتها، دون ذلك؛ ثمَّ ما لبث أن انشغل هو بإدارة اتحاد المحامين العرب، وبأهوال السِّياسة في قيادة التجمُّع الوطني الدِّيموقراطي المعارض من القاهرة، أوان ذاك، وبتفاصيل مهام ما بعد العودة إلى البلاد، من داخل وخارج البرلمان الانتقالي الذي تكوَّن في عقابيل اتفاقيَّة نيفاشا. غير أنني ما زلت آمل في أن يتمكن الرَّجل من اقتطاع جزء من وقته، وسط مشاغله الجمَّة، لإنجاز النصِّ المُرتجى.
الشَّاهد، مرَّة أخرى، أن مقتضى الموضوعيَّة ألزمني بالتماس وجه الحقيقة الآخر لدى أبو عيسى نفسه. وبالفعل وافى الرَّجل طلبي، مشكوراً، عن طريق الهاتف، ولأكثر من ساعة من بعد ظهر السَّبت الثَّامن عشر من أكتوبر 2008م.

نهار السَّابع من نوفمبر
طرد واعتقال ضباط الثورة!
حدَّث أبو عيسى قال: "للأسف الأخ ملاسي لم يكن مطلعاً على خلفيَّات الأحداث التي لم تبدأ وتنتهي ليلة 9 نوفمبر كما ذكر، بل بدأت قبل ذلك بيومين! ففي نهار 7 نوفمبر، وفي ظروف تنازع السُّلطة خلال الأيَّام الأولى لثورة لم يرَ اليمين في حكومتها سوى لقية وقعت بمحض الصُدفة لنخبة أفنديَّة يساريين، تسرَّبت، فجأة، معلومات بأن القيادة العامَّة أصدرت قراراً بالطرد من الخدمة والاعتقال ضدَّ مجموعة من الضُّباط اليساريين الذين لعبوا الدَّور الحاسم في انحياز الجَّيش للشَّعب، ومحاصرة القيادة العامَّة والقصر الجُّـمهوري، ومن ثمَّ القضـاء على نظـام عـبود، وأبرزهـم فاروق حمـد الله، والرَّشيد ابو شامة، والرَّشيد نور الدِّين، وجعفر نميري، وأولاد حليم "محمد وأحمد"، وتوفيق محمد نور الدِّين، وفيصل حمَّاد توفيق".

بعد ظهر السَّابع من نوفمبر
واجب تنبيه الشَّارع!
واصل أبو عيسى شهادته قائلاً: "في الرَّابعة من عصر نفس اليوم طلب منِّي عبد الخالق محجوب، السكرتير العام الأسبق للحزب الشِّيوعي السُّوداني، عقد اجتماع عاجل لقيادة الجَّبهة لمواجهة ذلك القرار باعتباره حلقة مفتاحيَّة في سلسلة عمليَّات ترمي لإجهاض الثورة. توجَّهت من فوري إلى منزل أحمد سليمان، ووجدته على علم بالأمر. كان جالساً على أرجوحة في فناء منزله يحادث عمر النور شقيق الضابط الشَّهيد، لاحقاً، بابكر النور الذي أعدمه جعفر نميري في عقابيل فشل حركة الشهيد الرَّائد هاشم العطا، والذي أعدم أيضاً، في يوليو عام 1971م. طلبت من أحمد سليمان الاتصال بسر الختم الخليفة، رئيس وزراء حكومة أكتوبر، لعقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء؛ فطلب منِّي، بدوره، الذهاب لإبلاغ عابدين إسماعيل، بمنزله بالخرطوم/2، ففعلت. ومن هناك توجَّهـت إلـى منـزل المهـندس سـيِّد عبد الله ببحري، حيث وجدت أغلب أعضاء القيادة، ومن بينهم د. جعفر كـرار، والأسـتاذ الجَّامـعي عـلي محمد خـير، والمهندس عبد الله محمد إبراهيم، ود. طه بعشر، يتداولون القرار، فاتفقنا على الإسراع في تنوير الشَّارع بخطورته".

مساء السَّابع من نوفمبر
قرار تاريخي!
وأردف أبو عيسى قائلاً إنه توجَّه، أوَّل المساء، إلى حيث كان الحزب الشِّيوعي يعقد ليلة سياسيَّة شرق ميدان عبد المنعم بالخرطوم. وكان المعلم، الشَّهيد لاحقاً، مصطفى محمَّد صالح واقفاً على المنبر يخطب، فشقَّ أبو عيسى الصُّفوف، وصعد إليه يستأذنه في أمر خطير وعاجل، فسلمه مصطفى المايكرفون، فأعلن واقعة طرد واعتقال ضبَّاط الثَّورة، وناشد الثوَّار بالتحرُّك صوب مجلس الوزراء لحثِّه على اتِّخاذ قرار حاسم في ذلك الشَّأن. بعد ذلك توجَّه أبو عيسى، بصحبة علي محمَّد ابراهيم، إلى ستاد الخرطوم، حيث كانت تجري مباراة في كرة القدم، فاستنفرا الناس أيضاً للانطلاق إلى مجلس الوزراء. هكذا، ومثلما تسري النَّار في الهشيم، تدفَّقت المظاهرات العارمة من كلِّ أرجاء العاصمة لتحاصر مجلس الوزراء الذي أنهى اجتماعه الاستثنائي بإصدار قراره التَّاريخي بالقبض على أعضاء المجلس العسكري، باستثناء عبود، وتوزيعهم على سجون السُّودان المختلفة، بعد أن كان المفاوضون من الأحزاب قد وعدوهم بعدم المحاسبة!

الثامن والتاسع من نوفمبر
ابتهاج وقلق!
وصف أبو عيسى ذلك القرار بأنه "أشاع مناخاً من الارتياح والتَّرحيب في أوساط الجَّماهير الشَّعبيَّة، خصوصاً وقد أعقبه إعلان باسم القائد العام عن إلغاء طرد واعتقال ضبَّاط أكتوبر. ومع ذلك ظلَّ الناس يتناقلون بقلق وتوتُّر، طوال اليومين التَّاليين، الثَّامن والتَّاسع من نوفمبر، ما تسرَّب من معلومات عن اعتزام أرستقراطيَّة الجَّيش القيام بتدابير انتقاميَّة تتوَّج بانقلاب كامل على الثَّورة! "وفي السِّياق رُصدت جملة أحداث تشير كلها، بأكثر من إصبع، إلى ذلك المعنى. منها ما تردَّد، رسميَّاً، في أروقة مجلس الوزراء، نهار 9 نوفمبر، من أن أبَّارو، كبير البوليس السِّرِّي للنظام الُمباد، جاء إلى مكتبه، شاهراً مسدَّسه، يهدِّد بتأديب الأفنديَّة الـ (..) من قادة أكتوبر! وأن بعض أركان النِّظام المدحور التقوا في زيارة إلى حسن محمد صالح، مدير عام الشُّرطة على أيَّام عبود، والذي كان، وقتها، طريح الفراش بالقسم الجَّنوبي لمستشفى الخرطوم جرَّاء كسر في ساقه، حيث تداولوا الرأي في ما بينهم حول ضرورة عمل شئ"!


أوَّل مساء التاسع من نوفمبر
تسرُّب خبر الانقلاب المُضاد!
واستطرد أبو عيسى قائلاً: "أوَّل مساء ذلك اليوم كان اتحاد طلاب المعهد الفني (جامعة السُّودان حاليَّاً) يقيم احتفاليَّة كبيرة بمناسبة مرور أسبوعين على انتصار الثَّورة، وكنت أحد خطبائها إلى جانب الشَّفيع أحمد الشِّيخ، سكرتير الاتِّحاد العام لنقابات العمَّال، وفاطمة أحمد إبراهيم، رئيسة الاتحاد النِّسائي، وكلاهما عضو باللجنة المركزيَّة للحزب الشِّيوعي، فضلاً عن ليلة للأناشيد شدا فيها المغنِّيان محمَّد وردي ومحمَّد الأمين. لكنني، وبسبب حاجتي للحاق بموعد حزبي ثابت يومياً في مكان محدَّد، غادرت الاحتفاليَّة قبل نهايتها. وأثناء خروجي صادفت الاقتصادي والسَّفير عبد الكريم ميرغــني، والمهــنـدس سـيِّـد عـبـد الله، والأسـتـاذ الجَّامعـي محمـَّـد عـبد الله نور، وعلي محمد إبراهيم، وآخرين. وعندما أخبرتهم بأنني لم أذق الطعام طوال اليومين الماضيين، اقترحوا أن نذهب لنتعشى في الفندق الكبير. قدت سيَّارتي بمفردي، وتوجَّهت أوَّلاً إلى موعدي الحزبي الثَّابت، مِمَّا أخَّرني شيئاً. ولمَّا ذهبت من هناك إلى الفندق الكبير وجدت الصَّديق الصَّحفي والكاتب المصري اليساري أحمد حمروش الذي كان في زيارة قصيرة للبلاد، ووجدت في معيَّته الكاتبة السُّودانيَّة اليسارية البارزة خديجة صفوت، وكانت قد حضرت للتَّرحيب به. فعلمت منهما أن أصدقائي وصلوا قبلي، وفوجئوا بإضراب عمَّال الفندق في ذلك اليوم، فانتظروني لبعض الوقت، ثمَّ توجَّهوا إلى مطعم المطار طالبين إبلاغي باللحاق بهم هناك. بالفعل لحقت بهم، ووجدت عبد الكريم ميرغني، وأحمد سليمان، وعلي محمد إبراهيم، فطلبت الطعام وجلست أتعشَّى. لم يمض وقت طويل حتى لمحت محمَّد نور السَّيِّد، عضو الحزب الشِّيوعي المقرَّب من عبد الخالق محجوب، يلوِّح لي بيده عند باب المطعم. هُرعت إليه. فأبلغني بأنه يحمل رسالة من عبد الخالق لأحمد سليمان. عدت، وهمست لأحمد، فذهب إلى حيث يقف محمَّد نور، ثمَّ ما لبث أن عاد ليخبرنا بأن ثمَّة معلومات خطيرة مفادها أن انقلاباً يوشك على التحرُّك، خلال السَّاعات القادمة، من سلاح الخدمة، بقيادة القائمقام بشير حسن بشير، كردِّ فعل لأحداث مساء السَّابع من نوفمبر! اقترح أحمد سليمان أن يذهب هو وعبد الكريم ميرغني لإبلاغ سر الختم الخليفة، على أن أذهب أنا وعلي محمَّد إبراهيم للتَّشاور مع قيادة الجَّبهة بنادي الأساتذة حول ما ينبغي عمله".

شهادة محمَّـد نـور السَّـيِّـد
تعقـيب على خـبر
الانقـلاب المضـاد
حدَّثني محمد نور السَّيِّد، معقِّباً على رواية أبو عيسى حول واقعة تسرُّب خبر الانقلاب المضاد، وما حدث في مطعم المطار، قال: "أوَّل مساء التَّاسع من نوفمبر جاءني مكاوي خوجلي، سكرتير اتحاد المعلمين السُّودانيين، وأبلغني بأن بعض الطلاب أبلغوه بأن آباءهم من العسكريين دخلوا، في ذلك اليوم، في حالة استعداد حربي stand by، فنقلت ما سمعت إلى عبد الخالق الذي طلب مني الإسراع بإبلاغ قيادة جبهة الهيئات. ذهـبت، برفقة الزَّميل حسن سنادة، إلى منزل سيِّد عبد الله، حيث اعتادت القيادة أن تلتقي، فلم نجد أحداً، ومن ثمَّ توجَّهنا إلى مطعم المطار، مرجِّحين أن نجد بعضهم هناك، وبالفعل وجدنا عبد الكريم ميرغني، والصحفي الكبير محجوب محمَّد صالح، وفاروق أبو عيسى، وجعفر كرَّار، والاقتصادي مكاوي مصطفى، ولم يكن أحمد سليمان معهم كما قال أبو عيسى. أبلغتهم بخبر الاستعداد العسكري، فتداولوه سريعاً، وحاولوا الاتِّصـال، عـن طريـق هاتف المطعـم، بوزير الإعـلام خـلف الله بابكر، ولمَّا فشلوا في العثور عليه، اقترحوا جميعاً أن يذهب أبو عيسى إلى الإذاعة لاستنفار الجَّماهير".
انتهت إفادة محمد نور التي أكد لي عليها محجوب محمد صالح بوجه عام، لكنه لم يتذكر من الحاضرين بالمطعم، يومها، غير عبد الكريم ميرغني، قائلاً إنه هو من اقترح فكرة الاستنفار بالإذاعة، وإن كان قد استدرك بأنه لا يستطيع أن يجزم بذلك لطول الفترة الزمنيَّة.

عودة إلى أبو عيسى
التاسعة مساء التاسع من نوفمبر
إذاعة أمدرمان!
نعود إلى أبو عيسى الذي استرسل من حيث كان قد توقَّف، فقال: "ما أن دلفنا من بوَّابة النادي، حتى هبَّ يركض نحونا كلٌّ من مـكاوي خـوجـلي، والشـَّفيع أحمد الشـَّيخ، والبيطري مصطفى بعشر، إلى جانب عـلي طـالب الله، المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين وقتها، ومحمد كامل العاص القيادي الأخواني. وعلمنا منهم أن بعض الطلاب والشَّباب الذين يسكنون بالقشلاق جاءوا مسرعين إلى مكان الاحتفال بالمعهد الفني، بعد مغادرتنا مباشرة، وطلبوا مقابلة رئيس الحكـومـة فـي أمـر عاجـل. ولمَّا أخبروهم بأنه قد غادر الحفل أيضاً، طـلبوا مقابلة مـديـر المعـهـد. ولمَّـا لـم يكـن متواجـداً هـو الآخـر، فقـد قابلهـم نائبـه عـبـد الله رابح في مكتب المدير. هناك أفضوا له بأنهم آتون، لتوِّهم، من سلاح الخدمة، حيث كانوا قد ذهبوا إليه بتكليف من أسرهم للسُّؤال عن آبائهم من ضباط الصَّف الذين تأخَّروا كثيراً، على غير العادة، عن موعد عودتهم إلى القشلاق. لكنهم فوجئوا بهم في حالة اصطفاف يستمعون إلى تنوير من الأميرالاي عثمان نصر عثمان، القائد الجَّديد المنقول للسِّلاح، لتوِّه، من قيادة الفرقة بملكال؛ وفحوى التَّنوير عزم الجَّيش، في ذلك اليوم، على استرداد كرامته التي مرَّغها في الوحل شويَّة أفنديَّة وصعاليك"!
وواصل أبو عيسى روايته قائلاً: "تشاورنا. كان لا بُدَّ من تحرُّك سريع. اقترح علي طالب الله، مرشد الأخوان، استنفار الشَّعب من مآذن المساجد للخروج لحماية الثَّورة. لكن، ولما لم تكن للمآذن مايكروفونات أوان ذاك، فضـلاً عـن تأخُّـر الوقـت، فقـد اقترحـت الاتـصـال بخـلـف الله بابكر، وزير الإعلام، لاستخدام جهازي الإذاعة والتلفزيون*. وافق الجَّميع. كانت عقارب السَّاعة تقارب التَّاسعة، موعد نشرة الإذاعة. صحبني فـي سيَّارتي طالب الله، والشَّفيع، وبعشر، والعاص، وعلي محمد خير. وقبيل حديقة الموردة بقليل استقرَّ رأينا على ألا نهدر الوقت في التعريج على بيت وزير الإعلام الذي قدَّرنا أنه لن يرفض فكرتنا، فواصلنا انطلاقنا إلى الإذاعة، على أن نتصل به هاتفياً من هناك. في الإذاعة صادفنا، لحسن الحظ، أحد العاملين الذين كانوا قد شاركوا في الإضراب السياسي. تحمَّس للأمر، وسعى لمساعدتنا في الاتصال بالوزير لولا أنه لم يتلق ردَّاً، فاقترح أن يتصل لنا بمدير الإذاعة، وقتها، محمد صالح فهمي. تردَّدنا، في البداية، لكون المعروف عن الأخير أنه لم يكن مِمَّن شاركوا في الإضراب السِّياسي. لكن، ولمَّا لم يتبقَّ على موعد النشرة سوى أقل من ثلث السَّاعة، فإنه لم يكن ثمَّة مناص من أن نوافق. ولدهشتنا، ما أن ردَّ الرَّجل على مكالمتي، وأبلغته بالمطلوب، ذاكراً له اسمي، حتى أشعرني، على غير المتوقَّع، بحرارة الاستجابة، طالباً أن يتحدَّث إلى موظفه الذي أبلغنا، بعد هنيهة، أنه تلقى منه أمراً بتنفيذ ما نطلب حرفياً"!
ومضى أبو عيسى يقول: "هُرعنا إلى المدخل المؤدِّي إلى الاستديوهات، فصادفتنا هناك مشكلتان: الأولى أننا لم نكن، حتى تلك اللحظة، قد صغنا البيان المطلوب إذاعته، فالتقط بعشر ورقة وقلماً، وعكف على صياغته في كلمات قلائل، ودقائق معدودات. أما الثَّانية فهي أن مذيع النشرة نفسه، عبد الحميد عبد الفتاح، كان يعاني من كسر في ساقه أصيب به أثناء مشاركته في مظاهرات الأيَّام الماضية، فاضطررنا إلى حمله حملاً، والهبوط به إلى حيث الاستديو في الطابق تحت الأرضي، وهو ما ينفكُّ يستحث الفنيين صائحاً: "شغِّلوا الأناشيد .. شغِّلوا الأناشيد"! وهكذا، ما أن دقَّت التَّاسعة مساءً، حتى كانت حنجرة عبد الحميد القويَّة تنطلق ببيان "ليلة المتاريس" الشهير، لتعقبه نداءاتها المتواصلة بصوت المذيع ذو النون بشرى وآخرين".

مـن التَّاســعـة مســاء التَّاســع
وإلى صباح العاشر من نوفمبر
الطوفان!
واصل أبو عيسى إفادته قائلاً: "بخلاف اقتراح الفكرة، لم يكن لي أيُّ فضل، لا في صياغة البيان، ولا النداء، ولا إذاعته. كلُّ ما في الأمر أنني طمعت في تكراره من التلفزيون أيضاً، لولا أنني وجدته أنهى بثَّه، وأغلق أبوابه! وفي الحقيقة لم تكن ثمَّة حاجة لذلك أصلاً، إذ تكفَّلت الإذاعة بالأمر على أكمل وجه، لدرجة أننا وجدنا مشقَّة في الخروج من حوشها نفسه الذي كان، قبل دقائق معدودات فقط، ساكناً وخالياً تماماً إلا من بضعة عاملين ليليين، فإذا به وقد امتلأ الآن، على سعته، بطوفان بشري يكاد هديره يصمُّ الآذان، ولا ينفكُّ يتدفق من الملازمين، وبيت المال، وأبروف، والهجرة، وودنوباوي، والعمدة، والمظاهر، والمسالمة، وحي العرب، والرِّكابيَّة، ومكي ود عروسه، وود أرو، وود البنَّا، وفريق السَّيِّد المكي، وحي الشُّهداء، والهاشماب، والموردة، وبانت، وحي الضبَّاط، وابكدوك، والعبَّاسيَّة، والعرضة، وكلِّ أحياء أم درمان المجاورة. فكنا، بين كلِّ خطوة وأخرى، نضطر للتعريف بشخصيَّاتنا، صائحين، لتفسح لنا الجُّموع طريقاً إلى البوَّابة الخارجيَّة للإذاعة.
ويواصل أبو عيسى واصفاً كيف انتقل اللهيب من منطقة الإذاعة بأم درمان ليعُمَّ مناطق العاصمة المثلثة الأخرى .. "فتضاعفت مشقَّتنا ونحن نتلمَّس سبيل العودة إلى نادي الأساتذة بالخرطوم، حتى أن سيَّارتنا استطاعت، بالكاد، أن تفلت من المتاريس التي أقامتها الجَّماهير، في زمن قياسي، وسدَّت بها الطريق عبر جسر النِّيل الأبيض، من الصخور الضَّخمة، والإطارات الملتهبة، وجذوع الأشجار، وكتل الخرصانة، وهياكل السَّيارات المعطلة، وغيرها".
ويعكس حديث أبو عيسى مشاهد حيَّة للثَّورة وهي تتجدَّد، في تلك اللحظات، كما أوَّل أمرها. فقد أشعلت الجَّماهير ليل المدينة بالهتافات الدَّاوية، وشرخت، وسط مشاعر الغضب الحارق، هدأة السُّكون المعتاد في مثل ذلك الوقت، وانطلقت تغلق الشَّوارع والجُّسور، بمتاريسها تلك، في وجه أيِّ دبَّابة محتملة! شارك في ذلك رجال ونساء وصبية استخدموا كلَّ ما وقعت عليه أعينهم، وما أمكن لأيديهم العزلاء أن تبلغ. وسلخوا، إلى ذلك، ليلتهم الليلاء تلك على الطرقات، وفي السَّاحات، وفوق الجِّسور، وأسقف المنازل، يحرسون المداخل والمخارج كلها، بأعين لا تغمض، وهمَّة لا تفتر، وعزيمة لا يغشاها الوهن، حتى انفلق الصَّباح، وتراجعت الظلمة، وانبلجت أشعة الشمس"!
ويتذكر أبو عيسى واقعة مثيرة ربَّما تلقي شيئاً من الضَّوء على طبيعة الصِّراع الحزبي في تلك الأيَّام .. إذ "ما كدت أنفلت من وسط كتل الجَّماهير، وأتمكن من مغادرة دار الإذاعة، حتَّى سمعت صوتاً يناديني من داخل سيارة تقف، في الظلمة، على بعد أمتار من بيت السِّياسي الختمي سيد احمد عبد الهادي، جوار الإذاعة، وباقترابي من مصدر الصوت وجدت السِّياسي الختمي الآخر ميرغني حمزة الذي كان صديقاً للشِّيوعيين، فحيَّاني، وهمس يحذِّرني، قلقاً، من البقاء في تلك المنطقة، ويحثُّني على الإسراع في الابتعاد عنها لأن الأنصار، على حدِّ قوله، يبحثون عني، وقد شحذوا سيوفهم يرومون قطع رأسي"!
أما رواية ملاسي حول اشتباك أبو عيسى مع التُّرابي فقد نفاها بو عيسى، في البداية، ثمَّ عاد وأثبتها، ثمَّ استدرك عليها بقوله: ".. ملاسي ضخَّمها بصورة دراماتيكيَّة ضمن مذكِّراته! ثم نحن أصلاً لم نستقل سيَّارته كما ذكر. فبعد عودتنا من الإذاعة إلى نادي الأساتذة، توجَّهنا بسيَّارة علي محمد إبراهيم إلى مجلس الوزراء، وكان ذلك حوالي العاشرة والنصف مساءً، وكان يجـلس إلى جـانب علي في المقعد الأمامي كلٌّ من بابكر عوض الله والُّترابي، بينما كنَّا أنا وملاسي وعبد المجيد إمام في المقعد الخلفي. وعلى أيَّة حال فقد كان الجوُّ كله مشحوناً بالتَّوتُّر والغضب"!
استطرد أبو عيسى، بعد ذلك، مشدِّداً على أن "وقائع "ليلة المتاريس" لا يمكن إدراكها بمعزل عن ظروف وملابسات الصِّراع الذي احتدم، منذ البداية، بين تيَّارين متمايزين في صفوف وقيادة الثَّورة. فعلى حين كانت الأحزاب المحافظة حريصة على تحجيم أكتوبر في حدود التَّغيير السِّياسي الفوقي للسُّلطة، بما يهيئ أرضيَّة مناسبة لوراثتها الناعمة لنظام الجَّنرالات، كانت جبهة الهيئات تدفع باتجاه تعميق التَّغيير ليطال المستويات كافة، وبالأساس المستوى الاجتماعي الاقتصادي الذي يضمن للعمَّال والمزارعين وجماهير الكادحين كافة، في المدينة والرِّيف، المردود المستحق لهم من ثورتهم. ولعلَّ تطوُّرات الأحداث، خلال السَّنوات اللاحقة التي أعقبت أكتوبر وسبقت مايو، تؤكد ذلك الواقع، وتعزِّز هذا الاتجاه العام في التَّحليل. لقد احتاج "اليمين" للانتظار حتَّى "ليلة المتاريس" كي يدرك أن أكتوبر عمل شعبي حقيقي، لا محض لقية وقعت، بالمصادفة، لثلة أفنديَّة في جبهة الهيئات!
واختتم أبو عيسى ذكرياته تلك قائلاً: "أكرِّر أن ما ظلَّ يُتداول، وما أورد ملاسي في كتابه، حول أنني أنا الذي أعددت بيان تلك الليلة، أو نداءاتها، أو أذعت شيئاً من ذلك بصوتي، لا يعدو كونه محض (فولكلور) شائع، وغير صحيح على الإطلاق. لقد أسهمت في وقائع تلك الليلة المجيدة بكلِّ ما أوتيت من قدرة، لكن، فقط، في حدود ما رويت"!

وبعد ..!
انتهت، بدورها، شهادة أبو عيسى التي لا تقلُّ إثارة عن شهادة ملاسي؛ فهل لنا أن نتوقع إفصاحات أخرى، من شهود آخرين، بما يقشع الغموض عن وقائع ليلة "المتاريسُ التي شيَّدَتها في ليالي الثَّورةِ الحمراء هاتيك الجُّموعْ"، ويجلو الصدأ الذي ران، زهاء نصف قرن، على تلك الصفحة المهمَّة من صفحات ثورة رائعة مهرَها، بنفيس الأرواح وزكيِّ النجيع، نفرٌ من أغلى وأنبل أبناء وبنات شعبنا؟!

الهامش:
* في أواسط تسعينات القرن المنصرم انعقدت محكمة عسكريَّة Court Marshal، بمدرسة الاستخبارات بالقيادة العامَّة بالخرطوم، لمحاكمة العقيد (م) جمال يوسف، نائب القائد السَّابق لمدرسة المشاة بجبيت، والرائد أركانحرب (م) الدِّرديري، الضَّابط بسلاح المدفعيَّة ببورتسودان، إلى جانب العشرات من ضبَّاط وصف ضبَّاط وجنود سلاح المدفعيَّة ومدرسة المشاة، فضلاً عن بعض المدنيين، بتهمة محاولة القيام بتمرُّد مسلح استهدف فصل ولاية البحر الأحمر عن بقيَّة السُّودان، وتسليمها للتجمُّع الوطني الدِّيموقراطي المعارض، آنذاك، كأرض محرَّرة. ورغم عدم وجود معرفة سابقة بيني وبين العقيد أو الرائد، إلا أن إدارة القضاء العسكري أخطرتني بأنهما طلبا تعييني "صديقاً" لهما في الإجراءات، وفق قانون القوَّات المسلحة، فقبلت بالطبع. وفي إحدى فترات الرَّاحة بين الجلسات كاشفني العقيد جمال بأنه كان قد شارك في إنجاح انقلاب 30 يونيو 1989م، معتقداً، كما أوعزوا له، بأنه انقلاب القائد، وقتها، المرحوم الفريق فتحي أحمد علي، وذلك على خلفيَّة مذكِّرة الجِّيش في مارس من ذلك العام، وقد أوكلت إليه مهمَّة احتلال إذاعة أم درمان. وما أن فرغ من ذلك، في السَّاعات الأخيرة من الليل والأولى من الفجر، ودلف مع الفنيين إلى الاستوديوهات للتَّحضير لبث البيان الأوَّل للعميد البشير، حتى سمع ضجَّة أمام المدخل! وعندما خرج ليقف على جليَّة الأمر، فوجئ بجنوده يحتجزون، للغرابة، في ذلك المكان، وفي ذلك الوقت من الفجر، سيَّدتين وشاباً، بعد أن قبضوا عليهم أثناء محاولتهم الدخول إلى منطقة الاستوديوهات! وبتفتيشهم عثروا في حيازتهم على بيان كانوا يعتزمون إذاعته لاستنفار الجَّماهير، وحثِّها للخروج إلى الشَّوارع لحماية النِّظام الدِّيموقراطي، تكراراً لـ "ليلة المتاريس" بعد ربع قرن منها! وبالتحقق من شخصياتهم، تبيَّن، لدهشة الجميع، أن السيَّدتين كانتا حرمي رئيس الوزراء السابق السيِّد الصادق المهدي، حفيَّة مامون والمرحومة سارَّة الفاضل، وأن الشَّاب كان نجله عبد الرحمن! وحسب رواية جمال فقد اكتفى بالتحفُّظ على البيان، آمراً جنوده باصطحاب ثلاثتهم إلى منزلهم الكائن بحي الملازمين جوار مبنى الإذاعة. أما البيان نفسه فقد قال فيصل إنه، للأسف، وجرياً على عادة سودانيَّة مرذولة في التعامل مع الوثائق، لم يعُد يذكر ما فعل به!

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.