(1)

حيُّ برمبل وحيُّ البوستة بأم درمان جغرافيا واحدة لطالما عَمَرَت بالحميميَّة في قلب العاصمة الوطنيَّة الموَّارة بحياة ليست كأيِّ حياة؛ في حضنها وُلد حبيبنا المبدع علي أحمد عبدالقيوم عام 1943م، وفي حضنها، أيضاً، فقدناه، حين بكَّر بالرَّحيل، عام 1998م، وهو في أوج استعداده للَّتدفق والعطاء المتألقين. غير أن ذاكرته الطفلة والصَّبيِّة عَمَرَت، كذلك، بوجوه وصور وأخيلة من أمكنة أُخرى، فقد كانت له، بين الحين والحين، صولات وجولات تحت السَّبائط المكتنزة بالعراجين في قرية (القرير)، موطن الأهل والعشيرة بشمال السُّودان، مثلما كانت له، بين مطالع خمسينات القرن المنصرم ومطالع ستِّيناته، مراتعٌ نديَّة في أفياء مدارس ود مدني الأوَّليَّة والمتوسِّطة، ثمَّ مدرسة أم درمان الأهليَّة الثَّانويَّة، قبل أن يتخرَّج، أواخر ستِّينات ذلك القرن، في كليَّة الآداب بجامعة الخرطوم.
وخـلال النصـف الثَّاني من تلك السِّتِّينات برز عليٌّ، وهو لمَّا يزل، بعدُ، طالباً بكليَّة الآداب، كشاعر مجيد يا طالما هزَّ المنابر، وعطر الأماسي الشِّعريَّة، داخل وخارج الجَّامعة، فضلاً عن بروزه كمخرج مسرحي يُشار إليه بالبنان، عبر نشاطه في جمعيَّتي "الثَّقافة الوطنيَّة" و"الفكر التَّقدمي"، حيث أخرج، بالتَّعاون مع صديقه طه أمير، مسرحيَّة "سمك عسير الهضم" للغواتيمالي مانويل جاليتش، مثلما أخرج للمسرح القومـي بأم درمـان، عام 1969م، مسـرحيَّة السُّـوري سـعد الله ونُّوس "حفلة سمر من أجل 5 حـزيران".

وبين السَّبعينات والتِّسعينات عاش الرَّاحل حياة مشوبة بقلق إبداعي خلاق حملته أمواجه المتلاطمة إلى جغرافيات شتَّى، ومواقع عمل ونشاط متباينة. فعدا عن تخصُّصه في الإخراج السِّينمائي ببولندا، وعمله في السُّودان مخرجاً بالمسرح القومي، وموظفاً بإدارة السِّينما بمصلحة الثَّقافة، وإداريَّاً بمؤسَّسة الدَّولة للسِّينما، ومتعاوناً بمعهد الدِّراسات الإضافيَّة بجامعة الخرطوم، ومدرِّساً لتاريخ ونظريَّة السِّينما والنَّقد التَّطبيقي بالمعهد العالي (آنذاك) للموسيقى والمسرح، عمل الرَّاحل بالكويت، موظفاً بمعهد الأبحاث العلميَّة، ومترجمًا وكاتب سيناريو للأفلام الوثائقيَّة، كما قضى سنوات من عمره فـي قطر، وقبرص، ومصـر، والأردن. وكان، عليه الرَّحمة، قد شارك، أواخر السِّتِّينات، في تأسيس جماعة أبا دماك للكتَّاب والفنَّانين السُّودانيين التَّقدُّميين، مثلما شارك، أواسط الثَّمانينات، في تأسيس اتِّحاد الكتَّاب السُّودانيين، وإلى ذلك مثَّل بلاده، خارجيَّاً، في لجنة الثَّقافة السِّينمائيَّة بالكويت، وفي مؤتمر الكتَّاب الآفروآسيويين بنيودلهي.
وفي 1994م أصدر، عن (دار قضايا فكريَّة للنَّشر والتَّوزيع) بالقاهرة، ديوانه الوحيد (الخيل والحواجز)، وكان قد أنجز، قبله، مسرحيَّته (عشرون عامًا على محاكمة صديق)، كما كان قد أخرج فيلمه السِّينمائي (الزَّار) أو (أربعة أيَّام في جزيرة سعاد).


(2)
فكريَّاً انتمى عليٌّ إلى الماركسيَّة، وسياسيَّاً إلى الحزب الشِّيوعي، وكان، في هذا وذاك، حـديد البصـر، نافـذ البصـيرة. وفي ما نقـل صـديقه عبد الله ود البيه عن الشَّهيد عبد الخالق محجوب، السِّكرتير الأسبق للحزب، وصفه لعليٍّ، ذات مرَّة، بأنه "حربة شلكاوي لا تخطـىء هدفها"! ويستطيع كلُّ من قُدِّر له أن يلامس هذا الجَّانب في شخصيَّته أن يشهد بالقدر من الأهميَّة التي كان يمثِّلها لديه، إذ، لم يكن الفكر الماركسي، ولا السِّياسة الحزبيَّة، بالنِّسبة له، محض انتمائين شكليَّين، بل بعض أهمِّ انشغالاته الحياتيَّة التي تأتي على رأس أولويَّاته اليوميَّة، ممارسـة وإسهاماً في التَّنظـير والأداء.

أمَّا إبداعيَّاً، وبخاصَّة شعريَّاً، فإن عليَّاً يُصنَّف ضمن تيَّار (الغابة والصَّحراء) الذي تخلق، بالأساس، على يدي الشَّاعرين النُّور عثمان أبَّكر ومحمَّد المكي إبراهيم، حيث شهد النِّصف الأوَّل من ستِّينات القرن المنصرم بداية مساءلة هذين الشَّاعرين لنفسيهما حول هويَّتهما، أثناء الفترة التي قضياها بألمانيا، ومحاولة التَّعبير عنها شعراً ونثراً، وذلك على خلفيَّة معاناة المجتمع الألماني من وخز ضمير جمعي خلال سنوات ما بعد الحرب الثَّانية، بسبب الجَّرائم التي ارتكبتها (النَّازيَّة)، آنذاك، بإعلائها من شأن العرق (الآري الجرماني)، واضطهادها للأعراق الأخرى. لقد شكَّلت تلك المساءلة، في تلك الظروف، حفزاً فكريَّاً قويَّاً لتيَّار (الغابة والصَّحراء) الذي ما لبث أن تبلور، شعريَّاً، بقصيدة النور الأشهر (صحو الكلمات المنسيَّة) عام 1963م، مثلما كان قد تبلور، نثريَّاً أيضاً، قبل ذلك بأقـلِّ من عـام، بمقـالته التي لا تقلُّ شهرة (لست عربيَّاً .. ولكن). ولعلَّ ذلك هو ما يفسِّر إحالة غالب الإفصاح الفكري، والسُّلوك الإبداعي، بشأن (الغابة والصَّحراء)، عموماً، إلى النُّور.

مع ذلك فإن عودة محمد المكي، وحده، إلى الوطن، عام 1963م، لإكمال دراسته بكليَّة القانون بجامعة الخرطوم، حمَّلته عـبء التَّبشير بالتَّيَّار، والتَّرويج له. هكذا، وبفضل مكي، شمل ذلك التَّيَّار، لاحقاً، مجموعة من الشُّعراء المجيدين في جامعة الخرطوم، بالأساس، ومن بينهم علي عبد القيوم، إلى جانب محمَّد عبد الحي، ويوسف عايدابي، وعمر عبد الماجد، وعبد الرَّحيم أبو ذكرى، وآخرين.
توزَّع (مضمون) ذلك التَّيَّار بين ميل فريق من شعرائه إلى ما يُعرف بمدرسة (الزُّنوجة Negrotude) القائلة بـ (العاطفيَّة) الأفريقانيَّة، على خطى السِّنغالي ليوبولد سنغور، مقابل (العقلانيَّة) الأوربيَّة، وميل فريق آخر إلى إعادة اكتشاف الثقافة العربيَّة في السُّودان، وإعادة صياغتها في المـزاج الزُّنوجـي، واكتفاء فريق ثالث بإبراز ثراء التَّنوُّع السُّودانيِّ، من حيث الصُّور المختلفة للحياة، وملامح النَّاس، وجوانب القضايا التي يجري تناولها، باتِّجاه الانحياز للشَّعب، وتمجيد سيادته، في المستوى الوطني، والانتصار للبسـطاء الكادحـين، وإعـلاء راية (الاشتراكـيَّة)، في المسـتوى الاجتماعـي.

أمَّا من حيث (الشَّكل) فقد تفاوت ذلك التَّيَّار من شاعر لآخر، واختلف على صعيد التَّكوين، وجماليَّات الصُّورة، والبناء المعماري، واللغة الشِّعريَّة، وما إليها. وفي السِّياق لاحظت النَّاقدة والأكاديميَّة الفلسطينيَّة سلمي الخضرا الجَّيوشي، مثلاً، في ما أخذ عنها بعض النُّقاد والباحثين، كعبد المنعم عجب الفيا، أنه، وعلى حين يميل بعض شعراء التَّيَّار، وفي مقدِّمتهم النُّور وعبد الحي، إلى اكتناز المعاني، وكسر منطق التَّركيب القديم للعبارة، وأجزاء الصُّورة، يميل آخرون، أبرزهم محمد المكي وعلي عبد القيوم، إلى وضوح الأسلوب، وبسط الحدود الخارجيَّة للصُّورة.


(3)
في سـياق إفادة عبد الله ود البيه التي سلفت الإشارة إليهـا عن صديقه الرَّاحل، روى أن الشَّاعر الفذَّ صلاح أحمد إبراهيم قال، مرَّة، للفيف من الأصدقاء، فى بهو فندق الشِّيراتون بالدَّوحة: "ما تمنَّيت شيئاً كما تمنَّيت أن ينساب الشِّعر عندي بحميميَّة كما ينساب عند علي عبد القيُّوم"! ولعلَّ صلاحاً بذلك المديح العالي يؤكِّد تقييم سلمى الجَّيُّوشي المار ذكره.

وروى ود البيه، أيضاً، أن المفكِّر والنَّاقد الماركسي الكبير محمود أمين العالم، حدَّثه عن عليٍّ، أثناء زيارة له بمكتبه في القاهرة، قائلاً: "كم أتمنَّى له طول العمر ليفرحنا بأشعاره، ولو أن مثله يبخل الزَّمان بهم كما عوَّدنا"!

وعلى شرف إحدى زيارات محمود درويش إلى السُّودان، عقب انتفاضة 1985م، تحلق حوله، ذات سهرة بمنزلي، لفيف من الأصدقاء، أذكر منهم السِّكرتير السِّياسي السَّابق للحزب الشِّيوعي محمد إبراهيم نُقُد، والمؤرِّخ الأكاديمي محمد سعيد القدال، والتَّشكيلي جرجس نصيف، وكالعادة علي عبد القيوم، وآخرين، فطلب نُقُد من عليٍّ أن يقرأ علينا قصيدته (جرداق للمطر)، ثمَّ ما أن شرع عليٌّ في القراءة حتَّى أردف نقد بأن همس في أذني بما قال إنه خطر له في تلك اللحظات من شبه إبداعي يجده بين عليٍّ ودرويش!

كلمة نُقُد تلك عادت لتسطع في ذهني، لاحقاً، ببهرة قويَّة، حين ذكَّرنيها ما أورد د. صلاح فضل، في خاتمة كتابه (محمود درويش حالة شعريَّة) الذي وضعه في عقابيل وفاة الشَّاعر الفلسطينيِّ الكبير، قائلاً: "كان .. مثل عظماء الشُّعراء في كلِّ العصور، طفلاً سماويَّاً مدهشاً يحتفل بالحياة ويغنِّي لها، ثم يلعب مع الموت، ويطيل رفقته"! مثلما ذكَّرنيها، أيضاً، قول مارسيل خليفة البليغ يرثي درويشاً: "الشُّعراء لا يموتون لكنهم يتظاهرون بالموت"! ذلك أنه، وفي حالة عليٍّ، أيضاً، ولولا الإحساس المتفاقم، لدى الأهل والولد والأصدقاء والرِّفاق، بالفقد الفيزيقيِّ الوجوديِّ الفادح حيال رحيله، لانطبق هذا القول عليه هو الآخر! فمع أنَّ "الموتَ حقُّ، والحياةَ باطلة، وما عاش امرئٌ، مهما عاشَ، إلا ليموتْ، وكلَّ صرخةٍ مصبُّ نهرها السُّكوت"، على حدِّ إنشاد الفيتوري، إلا أن الموت، لدى عليٍّ، ظلَّ يتراءى، دائماً، بطيوفه، وأخيلته، وقاموسه، كمحض مجاز أثير يُنتقى، وأقنوم أسرار تفتضُّ طلاسمه، وحقل باطن لا تستغلق مداخله، وحالة للتَّجاوز لا تسمح بأن تتسرَّب منها إلى المتلقِّي أَوْهَى وسوسة بأن الشَّاعر نفسه، أو الإنسان المناضل عموماً، ربَّما يكون هو موضوع هذا الموت؛ أنظر، مثلاً، قوله:
"جَسَدٌ نَحيلٌ خِلتُهُ وَلَدِي/ فَوَجَدتُّه جَسَدِي/ لا فَرْقَ يا مَوْلايَ بَيْنَ المَوْتِ والمِيلادِ والمَسْرَى"!

أو قوله في رثاء شيخه ومعلمه محمَّد المهدي المجذوب:
"هكَذا أصْبَحَتْ كلُّ تلكَ الغُيوم المَسَائِيَّةِ الدَّاكِنةِ فِي صَبَاحِ الرَّحِيلِ/ عَالَمَاً مِن أرِيْجِ البَخُورِ المُصَنْدَلِ والمِسْكِ والزَّنْجَبِيل"!
أو قوله الآخر:
"صارَ شَيْخِي (ضَمِيرُ الوَطنْ)/ لُغَةً ثَرَّةً فِي كَفَنْ/ غَادَرَتْ لُغَتِي ظلمَاتِ الكَفَنْ/ صارَ قَلبِي ضَريحاً لِشَيْخِي"!
فالانطباع الوحيد الذي يتبقى لديك بعد فراغك من تلقِّي هذا الشِّعر هو الانفعال القويُّ بالحياة، حيث الشَّاعر يستعصي على الموت، أو كما قال راثياً صديقه الأديب علي المك عند وفاته: "لا يحتويكَ الغيابُ ولا يحتويكَ الرَّحيلْ"!
الانفعال القويُّ بالحياة، إذن، وأجنحة الموت ترفرف فوق تعاريش الرُّوح، هو المنحى الإبداعيُّ الذي يتَّسم، لدى عليٍّ، بالوعي (الثَّوريِّ) العميق لجهتي (المضمون) و(الشَّكل)، حيث ما ينفكُّ هذا الوعي يرفد دلائل الآيديولوجيَّة الضيِّقة، لجهة (المضمون)، بدلائل إنسانيَّة شديدة الوسع، جاعلاً من الموت القاتم مرآة ناصعة لأشواق الحياة، ووعدها الزَّاهر:
"وأنتمْ هُنا/ لا شئَ غير رنَّةِ الجَّرْداقْ/ غناؤكُمْ ألمْ/ خريفُكُمْ ألَمْ/ ربيعُكُمْ ألَمْ/ لكنَّما ربيعُنا ربيعُكُمْ/ لو تبغَضَونهُ يجيئُكُمْ/ مزدَهِرَ الكَّفَّيْنِ .. راقِصَ الهَشَابْ/ بعدَ الخَريفِ الواعِدِ السَّحابْ"!
ولعلَّ ذلك يعكس تأمُّل عليٍّ العميق في قول ابن الفارض: "ومَنْ لمْ يمُتْ في حبِّه لمْ يعِشْ بهِ!"، إذ يمضي يتأسَّى بالعشق عنواناً للحياة، وبالموت معياراً لهذا العشق.


(4)
وعلى العكس من أغلب الشُّعراء المحدثين، خصوصاً مجايليه، لا يستنكف عليٌّ من الإيغال في الطقس (الحِسِّي) عبر التَّعبير الشِّعري، جنباً إلى جنب الطقس (الوجداني)؛ فتجده، حين يتشوَّق في المستوى (الحسِّي)، ينسج على نول (شعراء الحقيبة) الذين سبق لمحمَّد المكي أن ناداهم بـ "أجدادي شعراء الشَّعب"، توقيراً ومحبَّة:

"صدرَها، يا صدرَها، ياصدرَها/ موسمَ اللذَّةِ أيَّامَ الخَريفْ/ النَّدى والشَّهدِ والظلّ الوريفْ/ ردفَها، يا ردفَها، يا ردفَها/ وهجَ النُّوَّار تحتَ الشَّمسِ في بطنِ المراعِي/ وانسيابَ الماء في البللور من سطح لقاعِ/ أيُّ شلالٍ من الشَّهوة يَرتجُّ ويُغري ثمِلا/ أيُّ نهدينِ استجارا بشبابي ثمَّ لمْ يَحتَمِلا/ ألمَ الهَصْرِ وأوجاعَ الرِّضاعِ"!
أمَّا في المستوى (الوجداني) فدونك هذا النَّموذج الرَّفيع من سوناتاته الشَّفافة:
"فِي يوم ما/ خرجتْ امرأةٌ ما/ تبحثُ عنْ رجلٍ ما/ قالتْ للنهرِ: تخبِّئُهُ عنِّي؟!/ ضحكتْ أنهارُ الدُّنيا: يا هذي الأنثى عودي للنَّبع/ هنالك شاهدناهُ وفارقناهْ"!
أمَّا لجهة (الشَّكل) الذي اختار له قالب (التَّفعيلة)، فقد أفلحت شعريَّة عليٍّ دائماً، على قلة إنتاجه، في الموازنة الدَّقيقة، بشكل فائق الإمتاع، بين خاصِّيَّتين قد تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين، في النَّظر العام: خاصِّيَّة الشِّعر (الخالص) الذي غالباً ما يتمحور حول ضمير الـ (أنا) الفردي، من ناحية، وخاصِّيَّة الشِّعر (المناضل) الذي غالباً ما يتمحور، بالمقابل، حول ضمير الـ (نحن) الجَّمعي. ولهذا فإن القصيدة عنده، وبفضل هذه الموازنة الممتعة، لا تتورَّط، البتَّة، في شراك (السَّطحيَّة الثَّوريَّة) التي تتمظهر، بالأساس، إمَّا في خطر الانزلاق إلى مهاوي المباشرة المعيبة المذمومة، المكتفية بإيقاعاتها (البرَّانيَّة) الجَّهيرة، تحاول، عن طريقها، الاتِّساق البائس مع مبرِّرات التَّعبير عن هموم الوجدان (الجَّمعي)، لا تلك (المباشرة الجَّديدة) المحمودة، كما وصفها ومدحها الشَّاعر والنَّاقد الكبير جيلي عبد الرحمن في بعض محاضراته؛ وإمَّا في خطر التَّمزُّق، والتَّفتُّت، والتَّشتُّت، حتَّى لتكاد تنتثر ذرَّات متنافرة، منبهمة، ومفتقرة، أصلاً، إلى تماسك التَّعبير الشِّعري، جرياً وراء (حداثة) متوهَّمة تبرِّر نفسها بالانسجام مع هموم الوجدان (الفردي) الذي عادة ما يشدُّ الشَّاعر، إنْ غفل عنه، نحو رطان الوسواس (الجُّوَّاني) الخافت. بعبارة أخرى، لئن تمتَّلت ورطة (السَّطحيَّة الثَّوريَّة) في حالة التَّوهان التي قد تقع القصيدة (المناضلة) في براثنها، بين رغبة الشَّاعر، من جهة، في أن يتبنَّي قضايا النَّاس الحقيقيَّة، وأن يكون ذاكرتهم الملحميَّة، المتوطنة في هموم العشق، والموت، والخلاص الإنساني، والتَّطلع الدَّائب للوجود المغاير، وبين نزوعه الفنِّي الأصيل، من جهة أخرى، لـ (الصَّفاء) الذي قد يفلت، أحياناً، خارج تماسك الشِّعريَّة، ليغوي بالرُّكون إلى كثافة التَّجريد (الحداثوي)، فإن عليَّاً الذي لطالما خاض معترك المنايا والرَّزايا، فغالبها وغلبها، منحازاً للحياة ومنفعلاً بها، وتقاسمته هموم القلق الوجوديِّ بين الأمكنة، والأزمنة، والقصائد، فظلَّ يلُمُّ شعَثَ وجدانيَّاته بين أضالع شعريَّته، المرَّة تلو المرَّة، ويحرص، في كلِّ مرَّة، على الموائمة بين (فردانيَّتها) و(جمعيَّتها)، قد تمكَّن، وبإتقان رفيع، من أن يصوغ من كلِّ هذه الهموم، على تعدُّدها وتنوُّعها، بل وتناقضها المظهري، همَّاً شعريَّاً واحداً كبيراً، على مستوى عالٍ من الجَّمال، وأن يوظف، في خدمة قوله الشِّعري المدهش هذا، كلَّ عناصر إعلائه القاموسي المتفرِّد، وذخيرته الثَّقافيَّة الواسعة، وخياله الإبداعيِّ الخصيب، فضلاً عن مزاوجته السَّهلة الممتنعة بين القيمتين (الفنيَّة) و(النِّضاليَّة)، لجهتي (المضمون) و(الشَّكل)، رغم اعتماده "وضوح الأسلوب، وبسط الحدود الخارجيَّة للصُّورة"، وفق ملاحظة سلمي الخضرا الجَّيوشي المار ذكرها:
"شَمْسُ النَّهارِ عَلَى جَبِينِكََ لُؤْلُؤةٌ/ وعَلَى ذِراِعَكََ يستَريحُ النِّيلُ مِنْ عَنَتِ المَسِيرةِ فِي الهَجِيرْ/ مَنْ، يا تُرى، يبكِي لَدَيْكَ عَلَيَكَ مَنْ؟! ومَنْ يُعِّزي فيكَ .. مَنْ؟! مَنْ، يا تُرى، يَبْكى لَدَيْكَ .. عَلَيْكَ .. مَنْ"؟!


(5)
ويقودنا الحديث عن (أسلوبيَّة) الرَّاحل الشِّعريَّة إلى أحد أهمِّ أدوات تقنيته: الموسيقى الدَّاخليَّة، والإيقاعات، والأوزان. فلئن كانت تلك من مقوِّمات القصيدة، لزوماً، بما في ذلك قصيدة (التَّفعيلة) التي اعتمدها قالباً لإنشائه الشِّعري، كما سلفت الإشارة، فإن مِمَّا يدهش، حقَّاً، ما قد يبدو، أحياناً، كما لو كان تخليَّاً عن هذه العناصر في بعض قصائده، وأكثر شيء في بعض المقاطع ضمن بعض القصائد، حتَّى لتبدو جماليَّات التَّعبير الشِّعري، في القصائد المشار إليها، أشبه ما تكون، للوهلة الأولى، بالجَّماليَّات النَّثريَّة؛ أنظر، مثلاً، قوله:
"أَلَمْ تصطفينى نبيَّا/ لماذا تُؤَرِّقُني كأنَّ المَنَامَ خَيالٌ/ كأنَّ السِّقامَ هوَ الحَقُ/ ماذا تُريدُ/ وماذا تحاذِرْ"؟!

وانظر قوله:
"الجَّنَازَةُ مَحْمُولةٌ فَوْقَ أكتافِهِمْ/ ثُلَّةُ القَتَلةِ يَحْمِلُونَ الجَّنَازَةَ مَلْفُوفَةً فِي السَّوادْ/ ومَحْفُوفَةً بالنِّكاتِ البَذِيئَةِ/ والقَهْقَهَاتِ الخَلِيعَةِ/ لا يَرعَووُنَ ولا يَخْتَشُونْ/ الجَّنَازَةُ تَضْحَكُ فِي اللَّحْدِ/ هَلْ يَعْلَمُونَ بِفَرْحَتِي الغَامِرَةْ"؟!
وانظر، كذلك، قوله في رثاء صديقه علي المك:
"وجَلسْنا/ بينَنا قَهْوَةٌ لمْ تكُنْ جَيِّدَةْ/ بينَنا صَحْنُ الفُولِ إذْ عَزَّ بَوْخُ الشِّواءْ/ مِزاحُكََ يُنْعِشُ حتَّى مَوَاتَ المَكَاتِبِ يا صَاحِبِي/ ثُمَّ تسألُنِي فجْأةً .. لُغَةُ الحَزْمِ تَطغَى/ ماذا ستفعلُُ بالشِّعرِ/ أينَ دواوينُكَ السَّابِقةْ/ يا صَديقَ الخَليلِ/ ويا أَرْحَمَ النَّاسِ بالمُبْدِعِينْ/ لماذا تُدَللُنا هكَذا"؟!
وانظر، أيضاً، قوله في مديح الثَّورة، والشُّهداءِ، والمناضلينْ:
"نحنُ رفاقُ الشُّهدا/ نبايعُ الثَّورةَ والداً وولدا/ نبايعُ الشَّهيدَ القرشيَّ قائدا/ نبايعُ السُّودانَ منبعاً وموردا/ نحنُ رفاقُ الشُّهدا/ الفقراءُ نحنُ/ الكادحونَ الطيِّبونَ والمناضلونْ/ نحنُ جنودُ الثورةِ التَّقدُّميَّةْ/ نحنُ المثقَّفونَ الشُّرفاءْ/ نحنُ النِّساءُ العاملاتُ/ ونحنُ أمَّهاتُ الشُّهداءْ/ آباؤهم نحنُ/ إخوانُهم نحنُ/ إخواتُهم نحنُ/ صدورُنا شرافةُ الكفاحْ/ عيونُنا طلائعُ الصَّباحْ/ أكفُّنا الرَّايةُ البيضاءُ والسِّلاحْ/ نبايعُ السُّودانَ سيِّدا/ نبايعُ الثَّورةَ والداً وولدا/ نحنُ رفاقُ الشُّهدا"!
مع ذلك يتوجَّب الحذر من أن يغوي هذا الشَّبه بتعجُّل الاستنتاج النَّقدي لأيِّ ميلٍ، لدى عليٍّ، ناحية ما يُعرف بـ (قصيدة النَّثر). هنا، أيضاً، تطلُّ المشابهة مع درويش الذي لا يخفي، من جهة، تحفُّظه على هذا النَّوع من القصائد، دون أن يخفي، من جهة أخرى، وفي ذات الوقت، رؤيته لـ (النَّثر) كـ (حَقْلٍ مَفْتُوحٍ لِلشِّعْرِ)، ولا رؤيته لـ (الشِّعر) كـ (نَثْرٍ للوَرْدِ عَلَى الليْلِ لِيُضِيءَ الليْل)، أو كما قال!
وربَّما كان أفضل مدخل إلى هذه المسألة، لدى عليٍّ، مثلما لدى درويش، ومثلما، بالقطع، لدى شعراء آخرين، نخصُّ بالذِّكر منهم الرُّوَّاد محمَّد الماغوط، وأنسي الحاج، وجماعة مجلة (شـعر)، قبل ما يربو على نصـف قرن، هو المدخـل الذي اجترحـه عـبد الله الطيِّب في سِفره القيِّم (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها)، من حيث إضاءته لبحور الشِّعر العربي كبعض صنيع الشُّعراء، لا علماء اللغة، كما اعتاد البعض أن يقرِّر بخفَّة لا يُحسد عليها! فأولئك العلماء، وفي رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، لم يفعلوا أكثر من إعادة اكتشاف وتصنيف عمل الشُّعراء في هذه البحور التي تضبط أوزان الشِّعر العربي وموسيقاه. وللتَّأكيد على كون هذه الأوزان والموسيقى تنحدر، في أصلها، من أوزان وموسيقى اللغـة العربيَّة، فإن عبد الله الطيِّب يعمد إلى إضاءة حتَّى التَّوافق الذي قد يقع، أحياناً، بين هذه البحور وبين بعض آيات القرآن المجيد (وَيُخْزِهِمُ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) [14 ؛ التَّوبة]، وما هو بشعر، وكذلك بينها وبين بعض حديث النَّبيِّ الكريم، كقوله في غزوة حنين: (أنا النَّبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عَـبْدِ المُطَّـلِبْ) [صحـيـح البـخـاري]، وما هـو بشـاعر، وما ينبغـي له. وقد أثبتت دراسات النُّحاة أن النُّصوص الإسلاميَّة، وبالأخص القرآن، إلى جانب الشِّعر الجَّاهلي، تُعتبر من أهمِّ مصـادر النَّحـو فـي اللغـة العربيَّة، ومن ثمَّ يخـلص عـبد الله الطيِّب إلى أن الموسيقى والأوزان والإيقاعات المقصودة في الشِّعر العربي إنَّما تعود، بالأساس، إلى اللغة العربيَّة، من حيث هي موسيقى هذه اللغة، وأوزانها وإيقاعاتها؛ وإذ وقع الالتزام بها، ومراعاتها، من جانب الشُّعراء، أنتجت البحور، فعكف العلماء على إعادة الكشف عنها، وتصنيفها، باعتبارها صنيع الشُّعراء، لا العلماء، ومن صميم خصائص العربيَّة، وخصائص الشِّعر العربي بالتَّبعيَّة.


(6)
تتميَّز الطبعة الثَّانية من ديوان (الخيل والحواجز) بأن أضيفت إليها، في الجزء الأخير، بعد نهاية الجزء الثَّالث، أربع عشرة قصيدة لم ترد أيٌّ منهنَّ في الطبعة الأولى؛ تسعٌ فصاح، وخمس دارجات. فأمَّا بالنِّسبة للفصاح، وباستثناء قصيدتي (كان وجه الموت مشـهوراً) و(نحـن رفـاق الشُّـهدا) اللتيـن يكـاد جـيـل بأكـمـله يحـفظـهما مـنذ عامي 1965م و1969م، على التَّوالي، فإن عدم إلحاق القصائد بتواريخها، على غرار ما تمَّ في مجموعة (الخيل والحواجز)، ربَّما يحمل على الاعتقاد بأن الشَّاعر قد لا يكون استقرَّ، بعد، على صيغتها النِّهائيَّة. مع ذلك فلعلَّ دراسة متمكِّثة تمكِّن من التَّوصُّل إلى هذه التَّواريخ، ولو بالتَّقريب، عن طريق المضاهاة، إذ غالباً ما تتقارب القصائد المنتجَة في فترة واحدة، لجهة المزاج، والأسلوبيَّة، والتَّراكيب اللغويَّة.
وأمَّا بالنِّسبة للتَّجارب الشِّعريَّة التي خاضها عليٌّ باللهجة العاميَّة، فإن بعضها، كقصيدة (بسيماتك) مثلاً، لا يصعب إرجاعها إلى خواتيم ستِّينات القرن المنصرم، لارتباطها باللحن العذب الذي أسبغه عليها صديقه الموسيقار الرَّاحل محمَّد وردي خلال تلك الفترة، فذاعت واشتهرت.
مهما يكن من أمر، فإن العثور على هذه القصائد، وتجميعها، وإثباتها ضمن هذه الطبعة الثَّانية، يخدم الفكرة الأساسيَّة التي قصد إليها ناشروها، وهي توثيق (الأعمال الشِّعريَّة الكاملة) لهذا الشَّاعر الفذ بعد رحيله الأبدي.

………………………….
………………………….

أمَّا بعد،
فليس غرضنا من هذه الكلمة المقتضبة أن تشكِّل دراسة في شعر عليٍّ، بقدر ما قصدنا أن تكون، فحسب، إيماءة تحيَّة لذكراه العطرة، إذ الحديث عنه وعن شـعره ذو شجـون تكاد لا تنتهـي، وإبحار تكاد متعـته لا تبلغ ساحـلاً .. عليه رحمـة الله ورضوانه.

***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.