(1)

في الخامس والعشرين من سبتمبر المنصرم أجرت حكومة كردستان العراق، التي تتمتَّع بوضعيَّة حكم ذاتي إقليمي، استفتاء حول (تقرير مصير) الإقليم صوَّت فيه 92% من اﻷكراد بـ (نعم)، إجابة على سؤال بسيط، وإنْ حَمَل دلالات كبيرة، وهو: "هل تريد لمنطقة الحكم الذَّاتي الكرديَّة والمناطق الكرديَّة الأخرى خارج منطقة الحكم الذَّاتي أن تصير دولة مستقلة"؟!
حقُّ (تقرير المصير) مفهوم قانوني وسياسي قديم، عرفه (مرسوم السَّلام) الذي يشكِّل، مع (مرسوم الأرض)، أهمِّ وثيقتين أصدرتهما ثورة أكتوبر الرُّوسيَّة فجر يومها الأوَّل عام 1917م. و(مرسوم السَّلام) مؤسَّس على إقرار هذا الحقِّ بموجب التَّفاوض المتكافئ الشَّفَّاف، والتَّصويت الدِّيموقراطي الحر. وقد ورد هذا المفهوم، أيضاً، ضمن المبدأ العاشر من (مبادئ ويلسون) الأربعة عشر حول (السَّلام) و(إعادة بناء أوربا) بعد الحرب الأولى، والتي دفع بها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، تحت التَّأثير المباشر لـ (مرسوم السَّلام)، إلى الكونغرس في 8 يناير 1918م، قبل عقود طوال من اندراج هذا المفهوم كمبدأ مستقر ضمن مبادئ الأمم المتَّحدة، وقواعد القانون الدَّولي العام، والعلاقات الدَّوليَّة المعاصرة.

(2)
مع ذلك أثار استفتاء كردستان، وما زال يثير، جدلاً كثيفاً في الدَّاخل والخارج، حيث ظلَّ المناهضون له، وغالبهم من القوى الرَّاغبة في الإبقاء على الإقليم جزءاً من العراق، ولكلٍّ منهم دوافعه المختلفة، يحاولون الاستناد، منذ مراحله التَّحضيريَّة، إلى تفسير قانوني دولي يجعل منه عملاً غير مشروع، كون (حقِّ تقرير المصير)، كقاعدة آمرة ثابتة Jus cogens في القانون الدَّولي، يقترن، لديهم، مفهوميَّاً وتاريخيَّاً، مع شرط ممارسته، فقط، من جانب القوميَّات الرَّازحة تحت الاستعمار المباشر، بما يستتبع ذلك من احتلال أجنبي. أمَّا الذين يؤيِّدونه، وغالبهم من الأكراد أنفسهم، فيتمسَّكون بالدَّلالة الأحدث للمفهوم، الشَّاملة لما تعانيه الأقليَّات الإثنيَّة، حتَّى في إطار الدَّولة الموحَّدة، من اضطهاد يدفعها لأن تطمح إلى وضع يمكِّنها من تحقيق تطلعاتها القوميَّة الخاصَّة، ويستبعدون التَّفسير الكلاسيكي الذي يحبس هذا المفهوم في إطار نظريٍّ غائم، جاعلاً من ممارسته، باستثناء الحالة الفلسطينيَّة ـ الإسرائيليَّة، بطبيعة الحال، احتمالاً منعدماً تماماً في عالم اليوم، حيث جرت، منذ ما بعد نهاية الحرب الثَّانية، في منتصف القرن المنصرم، تصفية الشَّكل القديم للاستعمار المباشر القائم على احتلال أراضي الغير؛ لا سيَّما وأن أهمَّ وثائق الأمم المتَّحدة في هذا المجال، كالميثاق، وإعلاني الجَّمعيَّة العامَّة لعامي 1960م و1970م، والعهدين الدَّوليين للحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، وللحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، لسنة 1966م، مثلاً، لم تَقْصِر (حقَّ تقرير المصير) على الشُّـعوب المستعمـَرة، والأوطان المحتلة، وحدهـا، إنَّما نصَّـت، صـراحة، على أنه مكفول لكلِّ الشُّعوب.

(3)
ينبغي للمطالبة السَّديدة بممارسة (حقِّ تقرير المصير) أن تجئ مشروطة، دائماً، باحتشاد شعبيٍّ (منطقي) و(عقلاني) حولها. وليس المقصود بهذا اتِّباع منهج فلسفي بعينه، بل المقصود، من جهة أولى، أن تتكوَّن لدى (الجَّماعة القوميَّة) المضطهَدة معرفة يقينيَّة بأن مصدر اضطهادها كامن، ليس في أيِّ شئ سوى استتباعها لقوى أخرى، أجنبيَّة أو داخليَّة؛ وأن تتبلور لديها، من جهة ثانية، وبذات اليقين، إرادة شعبيَّة عامَّة، صريحة وحاسمة، يكشف عنها، موضوعيَّاً، علم الاجتماع السِّياسي، وتعكسها الأفعال، لا محض الأقوال، باتِّجاه التحرُّر من هذا الاضطهاد، حتَّى لو أفضى ذلك إلى الانفصال؛ وألا تشوب هذه الإرادة، من جهة ثالثة، شائبة تأثير (نخبوي) سالب، كأن تكون تلك مجرَّد تشهِّيات تعبِّر عنها (نخبة) سياسيَّة أو فكريَّة تحرِّكها، فحسب، محض دوافع ذاتيَّة معزولة، كالعصبيَّات الشوفينيَّة، أو غيرها من الاعتبارات الطبقيَّة الضَّيِّقة، وألا يقع، من ناحية رابعة، شئ من وضع هذه الإرادة موضع التَّنفيذ على حساب أيٍّ من (الجَّماعات القوميَّة) الأخرى!
بهذا تستبين الوجهة العامَّة للوثائق الدَّوليَّة المشار إليها، ويُفتضُّ التَّناقض المظهري، من زاوية القانون الدَّولي، بين مبدأ (التَّوحيد) ومفهوم (التَّقسيم)، مثلما يتَّضح الفارق بين (تقرير المصير)، كنهج لإنفاذ رغبة الجَّماعة الإثنيَّة المعيَّنة في تحقيق تطلُّعاتها القوميَّة، وبينه كمجرَّد أداة لفتق المرتوق، وتقسيم الموحَّد، وتفتيت الملتئم، وتفكيك المتماسك. فالإعلانان الصَّادران عن الجَّمعيَّة العامَّة، والمار ذكرهما، يتضمَّنان، على صعيد الوسائل المتاحة لممارسة هذا (الحقِّ)، إقامة دولة، والانفصال عن دولة، والانضمام إلى دولة، فضلاً عن إنشاء نظام سياسي مغاير؛ كما ويجوز للدَّولة المستقلة، في الوقت نفسه، التَّمسُّك بسيادتها ضد التَّقسيم. هكذا، وبما أن الخيط جدُّ رفيع، في ما هو واضح، بين دلالة هذا (الحقِّ) وبين دلالة (التَّفكيك)، فمن البدهي أن المناخ الوحيد الملائم لممارسة أيٍّ من هذه الخيارات هو المناخ (الدِّيموقراطي)، بمعنى أن (تقرير المصير) يكون أقرب إلى (الحقِّ)، وأشبه به، كلما جرت ممارسته تحت (ظلال الدِّيموقراطيَّة)، وأقرب إلى (التَّفكيك)، وأشبه به، كلما انطلقت الدَّعوة إليه في (هجير الشُّموليَّة)! هكذا يتطلب تطبيق قواعد (حقِّ تقرير المصير) الموازنة الدَّقيقة بين احتمالين قد يبدوان، للوهلة الأولى، متناقضين، مظهريَّاً: حقِّ (الدُّول القوميَّة) في صون وحدتها وسيادتها، فضلاً عن اضطلاعها بواجبها في حفظ السِّلم والأمن الإقليميَّين، كجزء من اضطلاعها بواجبها حيال السِّلم والأمن الدَّوليَّين، من جهة، وحقِّ (الجَّماعات القوميَّة)، التي تشكِّل أقليَّات داخل هذه الدُّول، في (تقرير مصيرها)، بما يشمل خيار (الانفصال)، من جهة أخرى. فإذا لم تكشف هذه الموازنة عن وجه (الحقِّ) في أيٍّ من هذين الاحتمالين، كأن يقع ذلك، مثلاً، لاعتبارات تتعلق بتأثيرات مصالح أجنبيَّة، أو ما إليها، فسيبقى الطَّرفان المتنازعان يصطرعان حول الاحتمالين، ردحاً طويلاً من الزَّمن، مِمَّا سيرتِّب على كليهما جملة آلام عريضة.

(4)
قديمٌ، هو الآخر، تطلُّع الأكراد المستمرُّ إلى دولة مستقلة، وقد أفصحوا عن ذلك في مناسبات مختلفة. لكنه يقترن، الآن، بالأزمة النَّاشبة بين حكومة بغداد الاتِّحاديَّة، وبين حكومة أربيل الإقليميَّة، حول مسائل شتَّى، لعلَّ أهمّها تفسير كلٍّ منهما لبسط السَّيطرة السَّياديَّة على المنافذ الحدوديَّة، وعلى النفط والغاز في كردستان، وعلى المناطق الأخرى التي أُتبعت لها، فضلاً عن حدود هذه السَّيطرة. ويكمن وجهٌ مهمٌّ من وجوه الأزمة في كون حكومة الإقليم ما تنفكُّ تتعامل مع بغداد كما لو كانت تلك طرفاً مقابلاً لها في نظام كونفيدرالي، على حين تميل حكومة بغداد، الآن، لأن تتعامل مع سلطة الإقليم كما لو كانت هذه السُّلطة محض محافظة في حكم محلي!
من جهة أخرى صرَّح كلا الطرفين بتعويله على (الحوار) كحلٍّ أمثل للأزمة، غير أن ذلك لم يبرح، في ما يبدو، محض مضمضة شفاه إعلاميَّة lip service ، حيث لم يتقدَّما خطوة واحدة للاتِّفاق على مرجعيَّة واضحة لـ (الحوار)، فضلاً عن أن حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، ضيَّق واسعاً بتعليقه هذا (الحوار) على شرط إلغاء حكومة الإقليم نتائج الاستفتاء، وإعلان التزامها بالدُّستور! فلئن كان هذا الدُّستور صامتاً، عمليَّاً، عن بيان ما إن كانت المسائل الخلافيَّة خاضعة لسلطة حصريَّة أم مشتركة، وأن المحكمة الاتِّحاديَّة العُليا التي منعت إجراء الاستفتاء، ابتداءً، غير مقبولة، بطبيعة الحال، في مقام الفيصل، لدى الحكومة الإقليميَّة التي تعتبرها مسيَّسة بامتياز، وأن تهديد قوى دوليَّة وإقليميَّة باتخاذ إجراءات عقابيَّة ضدَّ الإقليم يمثِّل إهانة لحكومة مسعود برزاني أمام شعبها، فإن مطالبة الحكومة المركزيَّة في بغداد لحكومة الإقليم بـ (إلغاء) نتائج الاستفتاء، كشرط لـ (الحوار) معها، يبدو، عندئذٍ، وأخذاً في الاعتبار بالثقافة البدويَّة السَّائدة وسط شعوب المنطقة، كمحاولة (تركـيع) يصعُب على حكومة الإقليم أن تستجيب لها، إلا إذا رغبت في الانتحار السِّياسي!
مهما يكن من أمر، وحتَّى لو بدا الحلُّ العقلانيُّ في التَّوصُّل، على نحو أو آخر، إلى صيغة دستوريَّة جديدة تسمح بإعادة هيكلة النِّظام السِّياسي، فإن مجريات الأحداث، في ما يبدو أيضاً، قد تجاوزت مثل هذا الحلِّ، حيث ما تنفكُّ الأمور تنزلق، بسرعة الضَّوء، في سكَّة الانفصال، أو المواجهة الحربيَّة بين جيشي العراق والبشمركة، والتي سرعان ما ستضع المنطقة، بأسرها، على شفا جرف هار، وأوَّل محطات هذا الخيار الصِّفري ملابسات الاستفتاء نفسه!
أمَّا إذا جاز لنا استخدام شئ من النَّظر الميتافيزيقي في التَّحليل، فسنتطيَّر، دون شكٍّ، من وفاة جلال الطالباني، أوَّل رئيس كردي للعراق، غداة تصويت الأكراد للانفصال بمثل هذه الأغلبيَّة السَّاحقة!

(5)
ليست بغداد وحدها، كما ألمحنا، هي التي ستتأذَّى من هذا الانفصال، فثمَّة ضوار خارجيَّة ترقب المستجدَّات، وترصد التَّطوُّرات، وتكاد لا تخفي قلقها على مصالحها وأولويَّاتها الاستراتيجيَّة، كأمريكا، وروسيا، وبريطانيا، وتركيا، وإيران. وقد أعلنت الأخيرتان، بالفعل، في بيان مشترك صادر عن مباحثات روحاني وأردوغان، لدى زيارة الأخير لطهران في 4 أكتوبر 2017م، عن تكوين آليَّة ثلاثيَّة مع العراق لـ (التَّعامل) مع استفتاء كردستان! وتشير كلَّ المعطيات إلى أن هذا (التَّعامل) لن يكون أقلَّ من تدخُّل هذه القوى في مقام البديل، حال عزَّ الاتِّفاق على حلٍّ داخلي، دون أن يعوزها تبرير ذلك، على غرار ما فعلت أمريكا، عام 2003م، في العراق .. وهنا يكمن الخطر!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.