* أخذ على والديه أنهما تصرَّفا بأنانيَّة مفرطة حين تزوَّجا وأنجباه عالمَين بأنه سيولد أبيض الأمر الذي عدَّه سُبَّة شكَّلت لديه (أزمة ضمير) حادَّة طوال عمره!

* للطيِّب صالح تعبير طريف يصف فيه البيض بالجنون إذ لمجرَّد أن رجلاً ما أسود اللون فإن نصفهم الأنثوي يعتبره إلهاً بينما يعتبره نصفهم الذُّكوري عبداً!
* خلفت تجارة الرَّقيق جراحات سايكولوجيَّة في نفوس الأفارقة جعلت تعاطيهم مع الغرب يتَّخذ طابع الصِّراع العنيف بدلاً من الاتِّصال الطبيعي!


(1)
تصرَّمت دهور طوال مذ أضحى عاديَّاً جدَّاً أن تصكَّ آذان العابرين في شوارع كثير من مدن العالم، بما في ذلك حتَّى بعض المدن العربيَّة والإسلاميَّة، عبارات الفحش العنصري المشمولة بالتَّعليقات، والتَّحرُّشات اللفظيَّة، والهتافات البغيضة ضد مَن حكمت أقدارهم بأن يكونوا مِن ذوي البشرة السَّوداء، يستوي في ذلك من هم أناس عاديُّون، مع مَن هم ممثلون سينمائيون أو مسرحيون، أو نجوم رياضيون، في كرة القدم بالذات، حتَّى في الغرب، برغم مزاعم التَّحضُّر، وادِّعاءات التَّقدُّم الدِّيموقراطي، والاجتماعي، والعلمي، والثَّقافي، والتكنولوجي، فلا يندر، حتَّى في مدارس وأندية أمريكا وأوربا وكندا وأستراليا، أن يوجِّه الصبية البيض لزملائهم وزميلاتهم السُّود، بل، والأنكى، أن يوجِّه المدرِّسون والمدرِّبون البيض، أيضاً، لمن هم تحت إشرافهم من الصِّغار والشَّباب السُّود، صنوفاً من عبارات السُّخرية بسبب هذا الفارق في لون البشرة.
كذلك تصرَّمت دهور طوال مذ لم تعد حركة مناهضة العنصريَّة تقتصر، تاريخيَّاً، على مناضلين سود، كمارتن لوثر كنج، ومالكولم إكس، ونلسون مانديلا، بل أضحت تشمل، أيضاً، مناضلين بيض كثر اعتدنا أن نراهم، على شاشات التلفاز، أو صفحات الجرائد الورقيَّة أو الإلكترونيَّة، يسيرون، متلاحمين مع رفاقهم السُّود، في مواكب الإدانة، والشَّجب، والاحتجاج على أفكار وممارسات التَّفرقة العنصريَّة البغيضة. فالإنسان، لحسن الطالع، يكتسب القيم الخيِّرة بضميره، لا بلون بشرته!


(2)
غير أنه ليس من المعتاد أن تبلغ مناهضة إنسان أبيض للعنصريَّة حدَّ أن ينقم على والديه، كونهما ولداه أبيض! فلقد راج، مؤخَّراً، أن صَّبيَّاً أمريكيَّاً يُدعى أنتوني دويت، من مدينة سانت لويس ـ ميزوري الأمريكيَّة، يبلغ من العمر، بالكاد، سبع عشرة سنة، ويخطط لتغيير إسمه إلى جمال فريمان، قد أخذ على والديه أنهما تصرَّفا بأنانيَّة مفرطة، حين تزوَّجا، وأنجباه، عالمين بأنه سيولد أبيض، الأمر الذي عدَّه سُبَّة شكَّلت لديه (أزمة ضمير) حادَّة طوال عمره، فأقام ضدهما، لهذا السَّبب، إحدى أكثر الدَّعاوى إثارة للجدل في تاريخ القضاء الأمريكي، مطالباً إيَّاهما، عن طريق محاميه روبرت هوفمان، بسداد مبلغ وقدره 20,000 دولاراً على سبيل التَّعويض لمقابلة نفقات تغيير لونه إلى (أسود غامق)، كما قال للصَّحفيين. وفي الأثناء راح يتذكَّر بألم: "عندما كنت صغيراً كنت أقضي ساعات طوال في الحمَّام محاولاً غسل البياض عن جسدي، ولكن بلا فائدة"! ثمَّ يمضي متسائلاً بألم أكثر: "ألا يوجد في هذا الكوكب ما يكفي من البيض؟! ألم نتسبَّب لهذا العالم في القدر الكافي من المعاناة والعنصريَّة والقمع"؟!
وعلى حين عبَّر والداه عن عميق صدمتهما عندما علما بأن صغيرهما قد أوكل محامياً لرفع هذه الدَّعوى ضدهما، قالت الأم، بعينين دامعتين، وصوت تخنقه العبرات: "كلُّ ما نريده الآن هو أن تنتهي هذه المهزلة، ويعود صغيرنا إلى البيت! إننا نحبك يا أنتوني كيفما كان لون بشرتك"!
أمَّا محامي أنتوني، فعلى حين وصف مبلغ التعويض المطلوب بأنه زهيد، مقارنة بتكلفة تغيير حياة هذا الشَّاب باتِّجاه إيجابي، فقد قرَّر، ضمن عريضة دعواه أمام القضاء، أن موكله ظلَّ يعاني من اضطرابات نفسيَّة حادَّة، تمثَّلت في أعراض الاكتئاب، والنَّزعات الانتحاريَّة، بسبب ما أسماه (عبء الامتياز الأبيض)! وتساءل، مخاطباً المحكمة: "إن موكلي لم يختر أن يعيش هذا النَّمط من الحياة، فلماذا يُكتب عليه أن يتحمَّل أوزار مئات السَّنوات من العبوديَّة والعنصريَّة، لمجرَّد أن والديه كانت لديهما رغبة أنانيَّة في أن يأتيا لهذا العالم بطفل أبيض إضافي"؟!


(3)
مهما يكن من أمر هذا الخبر، سواء كان صادقاً، وفق بعض المواقع الإليكترونيَّة الأجنبيَّة، أو مختلقاً وفق غيرها، فإن ما يعنينا فيه هو بلوغ همِّ العنصريَّة مثل هذا الحدِّ، ولو تصوُّراً. فتلك، على أيِّ حال، قصَّة تشعل الخيال، إذ القضيَّة نفسها التي تتناولها تكاد تلامس، بغرائبيَّتها، حواف الأساطير الواقعيَّة! وللرِّوائي السُّوداني العالمي الطيِّب صالح، في بعض أدبه، تعبير طريف عن هذه الغرائبيَّة، حين يصف مجتمعات البيض بـ (الجنون)، إذ لمجرَّد أن رجلاً ما أسود اللون فإن نصفهم الأنثوي يعتبره إلهاً، بينما يعتبره نصفهم الذُّكوري عبداً! أمَّا الحقيقة فهي أنَّه، بطبيعة الحال، لا هذا ولا ذاك، بخلاف ما ذهب إليه (جنون البيض)، وفق ملاحظة الطيِّب صالح، حيث أن هذا الشَّخص، ببساطة، إنسان تسبَّبت (الخلايا الميلانينية)، داخل جسمه، في انتاج الصِّبغة التي أكسبته لون بشرته. فالمعلوم أن مادَّة (الميلانين) تقي من حرارة الشَّمس، ومن خطر الأشعة فوق البنفسجيَّة المسبِّبة لسرطان الجلد، فتحدِّد، بالتَّالي، لون البشرة، بحسب الكميَّة المفرزة منها، فإذا كثرت اسودَّ اللون، وإذا قلت ابيضَّ، وإذا انعدمت أضحى الشَّخص (ألبينو). وللشَّاعر السُّوداني صلاح أحمد إبراهيم تصوير بديع لهذه الحقيقة العلميَّة، حيث ينشد: (أنَا مِن أَفريقِيا، صَحْرَائِها الكُبْرَى وخَطِّ الإِسْتِوَاءِ/ شَحَنَتْنِي بِالحَرَارَاتِ الشُّمُوسْ/ وشَوَتْنِي كالقَرَابِينِ عَلَى نَارِ المَجُوسْ/ لَفَحَتْنِي فَأَنَا مِنْها كَعُودِ الأَبَنُوسْ).
وإذاً فليس لون البشرة مِمَّا يمكن غسله بالماء والصابون كما صوَّرت لأنتوني دوايت سذاجته الصِّبيانيَّة، طلباً للرَّاحة من هذا (الامتياز) الأبيض و(عبئه)!


(4)
العنصريَّة، على هذا الأساس، قضيَّة اجتماعيَّة، وليست بيولوجيَّة. وقد انسرب الإسلام إلى أفريقيا بسلاسة دون استعمار. لكن منذ القرن الخامس عشر، وابتداء العصر المسيحي الثَّاني المقترن بالاستعمار، أفتى البابا بتقسيم العالم إلى قسمين: شرقي استتبعه للبرتغاليين، وفيه أفريقيا، وغربي استتبعه للأسبان، وفيه أمريكا. فواجه الأفارقة الاستعمار مستندين، جزئيَّاً، إلى الحضارة الإسلاميَّة، وجزئيَّاً إلى الحضارة المسيحيَّة، وبوجه عام إلى تراثهم الحضاري الخاص. غير أن الاستعمار استند إلى القوَّة الماديَّة لترجيح عمليَّات هدمه للبناء الحضاري الأفريقي اقتصاديَّاً، واجتماعيَّاً، وثقافيَّاً. وقد مثَّلت (تجارة الرَّقيق)، أو ما يطلق عليه بعض الباحثين (الهولوكوست الأفريقي)، أخطر معاول ذلك الهدم للهياكل اﻷفريقيَّة الأساسيَّة، كالعائلة، والعشيرة، والقبيلة، خصوصاً ما تعرَّض له، بين القرنين السَّادس عشر والتَّاسع عشر، أكثر من عشرة ملايين أفريقي جرى نهبهم من وسط القارَّة وغربها، وتهجيرهم، قسراً، عبر الأطلسي، وبيعهم في الأمريكتين، حيث أجبروا على العمل، بنظام السُّخرة، في زراعة الكاكاو والقطن والبن والأرز وقصب السَّكر، وفي مناجم الذَّهب والفضَّة، وفي أشغال البناء، ونقل الأخشاب، فضلاً، بطبيعة الحال، عن خدمة المنازل.
وثمَّة ملاحظة حديثة جديرة بالاعتبار، إذ تؤكِّد على استمرار الطابع الاجتماعي لقضيَّة العنصريَّة في تجارة الرَّقيق حتى في الوقت الرَّاهن. ذلك أنه ليس من النادر أن تتناقل الصحف الورقيَّة والإلكترونيَّة، وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئيَّة، أنباء عن الأفارقة الفقراء الذين يحاولون الهجرة إلى أوربا، بالزَّوارق المطاطيَّة عبر المتوسط، فيقعون فرائس لاعتداءات ذات طابع عنصري، بما في ذلك الاتجار، خصوصاً، بالشَّباب والأطفال منهم. ومِمَّا يرجِّح ورود (العنصريَّة) في هذه المسألة أن هؤلاء غالباً ما يكونون من مهاجري جنوب الصَّحراء الأفريقيَّة أكثر من غيرهم.


(5)
لقد خلفت تلك الممارسات البشعة جراحات سايكولوجيَّة غائرة في نفوس الأفارقة، جيلاً بعد جيل، مِمَّا جعل تعاطيهم مع الغرب يتَّخذ، لقرون طوال، طابع الصِّراع العنيف، بدلاً من الاتِّصال الطبيعي بمؤثِّراته الحضاريَّة والثَّقافيَّة. وتلك هي حقيقة الأزمة التي تعاني منها علاقات (السُّود) و(البيض)، وليست الفرية الكبرى التي روَّجت لها الأنثروبولوجيا الاستعماريَّة، كعنوان رئيس لنظريَّتها حول انحراف تلك العلاقات، بأن (الأسود) لا يكره (الأبيض) إلا بسبب هذا (البياض) الذي يعجز عن الحصول عليه!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.