(مداخلة قدِّمت في إطار الفعاليَّة التي أقامها اتِّحاد الكتَّاب السُّودانيين بالتَّعاون مع الجَّمعيَّة السُّودانيَّة للمعرفة، تقديراً لإسهامات البروفيسير عَبْدُ اللهِ عَلِي إِبْرَاهِيمْ في الكتابة طوال ستِّينَ عَامَاً، مساء الثلاثاء ١۸ يوليو ۲۰١۷م، بدار الاتِّحاد بالعمارات)

(1)
عبد الله علي إبراهيم (1942 ـ ..) مفكِّر سوداني نَّاقد، وكاتب صحفي راتب، ومحـلِّل سياسـي، ومنظِّـم ثقافـي، وهو، إلى ذلك، باحـث لغـوي، ومـؤلف مسـرحي، وأديـب قـاص، ومـؤرِّخ أكاديمـي، كما وأنه كان أحد مؤسِّـسي جماعـة أبادمـاك للآداب والفـنون، وحاليَّاً أسـتاذ مدى الحـياة Emeritus Professor لتاريخ أفريقيا والإسلام بشعبة التَّاريخ فـي جـامعـة ميسـوري الأمريكـيَّـة، وعمل رئيساً لاتحـاد الكـتّاب السُّـودانيين لدورة (2012 ـ 2014م)، وكان، أيضاً، المسؤول السِّياسي الأسبق عن مكتب الأدباء والفنانين الشِّيوعيين التَّابع للجنة المركزيَّة للحـزب الشِّــيوعـي السُّوداني (1973 ـ 1978م)، حيث تشرَّفت بمزاملته في المؤسَّسـتين الأخيرتين كلتيهما، طوال فترتيهما.
أبرز ما يلفت في ســيرة هذا الهرم الفكري والإبداعي، وما يشـدُّ الانتبـاه إليه، بوجهٍ خاص، هو أنَّه، برغم مرور أربعين عاماً على مغادرته المؤسفة لصفوف الحزب الشِّيوعي، ما يزال متمسِّكاً بـ (الماركسيَّة)، وإن من منصَّة مستقلَّة، في جُلِّ أبحاثه، وأوراقه، ومقالاته، وسائر نتاجاته الإبداعيَّة والفكريَّة المنشـورة، ورقيَّاً وإليكترونيَّاً، باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة، داخل السُّودان وخارجه، خصوصاً في حقل (الثَّقافة)، وبالأخص في حقل (اللغة). ولا يخفي هو نفسه أن وراء ذلك، بالإضافة إلى اقتناعه الفكري العميق بها، تأثُّره، حدَّ الشَّغف، بالشَّهيد عبد الخالق محجوب.
وإن جاز لي أن أسوق استطراداً طريفاً، هنا، فقد قال، في محاضرته الافتتاحيَّة بين يدي هذه الفعاليَّة، إنه كان يشترط لعضويَّته داخل الحزب أن يمارسها كـ (كاتب)، فجالت بخاطري، على الفور، صورة أبي حيَّان التَّوحيدي الذي كان يُعرف، في زمانه، بـ (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)!

(2)
ولدى الحديث عن (الماركسيَّة) يجدر التَّمييز، درءاً للخلط، بينها كـ (منهج) مادي دياليكتيكي تاريخي مفتوح، لا يعرف الانغلاق، أو النُّقطة في نهاية السَّطر، بالنِّسبة لكلِّ الاجتهادات التي يقبلها الواقع؛ وبينها كـ (نظريَّة) تشمل كلَّ المعارف النَّاتجة عن إعمال هذا المنهج في البحث والدِّراسة والتَّقصي والتَّنقيب والاستكشاف، لأجل التَّوصل إلى (تغيير)، وليس، فقط، (تفسير) مختلف ظاهرات الوجود الاجتماعي، الأمر الذي يميِّز (الماركسيَّة) عن الفلسفات التي سبقتها، كما في كلمة ماركس التَّأسيسيَّة الشَّهيرة ضمن مؤلَّفه (موضوعات عـن فويرباخ)، مِمَّا جـرَّ عليه نقمـة الرأسماليَّة العالمـيَّة، خصوصاً بسبب تشديده على أن التَّشكيلة الرَّأسماليَّة مرحلة عابرة في التَّاريخ، حيث ستبرز من احشائها، هي نفسها، ديناميكيَّات (التَّغيير) المتمثِّلة في قوى الكدح العضلي والذِّهني.

(3)
وثمَّة ظاهـرتان تشكلان الحقل الأسـاسـي لكـدح عـبد الله الذِّهني، الأولى هي (اللغـة) كإشكاليَّة برؤوس متعدِّدة في الفكر الماركسي، أهمها العلاقة بينها و(التفكير)، وبينهـا و(الوعي) بـ (الذَّات القوميَّة). ومن المشهور من نقد عبد الله لبعض إنتلجينسيا (الهامش الإثني) أن ضعف وعيهـم بهـذه (الذَّات)، عـلى وجـه الخصـوص، و(اللغة) عامل أساسي فيها، يشـكِّل أضـعف حـلقات (وعيهـم) السِّياسي عمومـاً. أمَّـا الظاهرة الأخـرى لكـدح عـبد الله الذِّهـني فهـي (الثَّقافـة الرُّوحـيَّة)، مـن حــيث علاقتهـا بـ (القاعدة = البناء التَّحتي)، ومن حيث موقعها من (البناء الفوقي)، باستقلاله النِّسبي، ودورها، هي بالتَّحديد، في عمليَّات (التَّغيير)، وفق مفاكرات غرامشي الأساسيَّة.
ولأن دراسـة الواقـع بصـورة دقيقـة هي أولـى عتبـات هــذا التَّوجُّـه الماركسـي، فـإن أبرز ما يلاحظ عـلى مقاربات عبد الله (اللغـويَّة) و(الثَّقافيَّة) اجتهاده الحثيث لتأسيسها على بحوث ميدانيَّة مطوَّلة، وحفريَّات حقليَّة متعمِّقة تقتضيه جهداً كبيراً في جمع ومراكمة المعلومات، والانطباعات، والملاحظات، والمعارف التي كثيراً ما تأخذه للغوص في أرشيفات نادرة، كأرشيف الحزب الشِّيوعي السُّوداني مثلاً؛ وإلى ذلك استغراقه الشَّغوف في الممارسة العمليَّة، السِّياسيَّة والصَّحفيَّة، وسابقاً الحزبيَّة، وهي، في جملتها وتفاصيلها، تأسيسات معرفيَّة تتداخل فيها مباحث لغويَّة، كمبحثه الرَّائد (الماركسيَّة ومسألة اللغة في السُّودان)، مع قضايا الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والفولكلور، والفكر السِّياسي، والتَّاريخ الثَّقافي، خصوصاً في حقل دراسات ما بعد الاستعمار، وعلم اجتماع الثَّقافة، والدِّراسات الأدبيَّة، وتحديداً حول التَّيَّارات الشِّعريَّة، كمبحثيه، مثلاً، حول (إشراقة) التيجاني يوسف بشير وتيَّار (الغابة والصَّحراء)، ومبحثيه الآخرين حول جماعة الرُّباطاب السُّودانيَّة على النيل الأوسط و(العناصر الاجتماعيَّة والجَّماليَّة لمجازاتهم في ممارسة العين الحارَّة)، وحول التَّاريخ الثَّقافي والاجتماعي لبادية الكَّبابيش بغرب السُّودان، والتي نشر جزءاً منها بعنوان (فرسان كنجرت)، وما إلى ذلك.

(4)
تنتسب هذه البحوث والحفريَّات إلى (مناهج خاصَّة) بـ (علوم) محدَّدة. لكنَّ هذه (المناهج الخاصَّة) لا تغني شيئاً عن منطلقات (المنهجيَّة الماركسيَّة) التي هي، في حدِّ ذاتها، (علم)، من ناحية، ومدخل ضروري إلى التَّفكير (العلمي)، بل وإلى تطبيقات (المناهج الخاصَّة) نفسها من ناحية أخرى. كذلك لا تغني (منطلقات المنهجيَّة الماركسيَّة)، بدورها، شيئاً عن (المنهج الخاص) بكلِّ (علم) على حدة، وهو (المنهج) الذي يخضع للتَّطوير المستمر على أيدي المختصِّـين في هذا الفـرع من (العلم) أو ذاك.
لقد نجت منهجيَّة عبد الله من التَّوحُّل في وضعيَّة التَّعارض، أو الإحلال والإبدال، بين المناهج الخاصَّة بـ (العلوم) المحدَّدة، وبين (منطلقات المنهجيَّة الماركسيَّة)، رغم كلِّ ما يمكن الاختلاف المشروع معه فيه من افتراضات وتحليل، وما قد يبنيه عليهما من استنتاجات، وذلك بفضل انتباهته السَّـديدة، قبل كلِّ شئ، لثلاث مسائل أساسيَّة:
المسألة الأولى: أن العبرة، أصلاً، ليست باجترار (العموميَّات الأيديولوجيَّة) على هذا الصَّعيد، مهما جـرى الإكثار من الإحالات إلى ثالوث التَّأسيس الباكر (ماركس ـ إنجلز ـ لينين)، أو من اجترار مصطلحات (المنهج)، أو من تمجيد مفاهيم (النَّظريَّة)، بل العبرة بـ (المعرفة الملموسة) النَّاتجة عن التَّطبيق الخلاق للمنهج الماركسي، والذي لا يكون، في الوقت نفسه، بغير تطبيق منهج (العلم) المحدَّد في كلِّ حالة على حدة.
المسألة الثَّانية: أن استخدام (المنهج الخاطئ)، مهما ادَّعى الانتساب إلى (العلم)، مثلما أن استخدام (المنهج العلمي) بوجه (خاطئ)، لا يمكن أن يفضيا إلى أيِّ (معرفة ملموسة)، لا بالمفهوم الماركسي، ولا بغيره.
المسألة الثالثة: أن مجرَّد استخدام (منهج العلم المحدَّد) وحده، لا يشكِّل، بالضرورة، ضمانة كافية للحصول على (المعرفة الملموسة)، إذ لا بُدَّ، أيضاً، من وجود مصلحة اجـتماعيَّة واضحة، طبقيَّة أو فئوية، في هذه (المعرفـة) المطلوبة، الأمر الذي لا تصعب ملاحظته في كلِّ دراسات عبد الله ومباحثه.
إن أولئك الذين يردِّدون، صباح مساء، وبمناسبة وبدونها: قال ماركس وقال إنجلز وقال لينين، وما أكثرهم للأسف، معوِّلين على الحصول، من وراء (دوغمائيَّة) هذه (العموميَّات الأيديولوجيَّة) على (معرفة ملموسـة) تكفل لهم معالجة (إشكاليَّات ملموسة)، كثنائيَّات (التَّخـلف والتَّنمية)، و(الوحدة والتَّنوُّع)، و(اللغة والمسألة القوميَّة)، على سبيل المثال، مخطئون، بل غارقون في بحر من الوهم. إنَّهم لا يفعلون أكثر من قلب دلالة (الاغتراب alienation) الماركسيَّة القديمة التي تعني وقوع القطيعة بين الإنسان وبين نتاجات عمله، بما يؤدِّي إلى تقديس هذه النَّتاجات، كي تعني، في أفضل تقديرات هذا الانكباب (الدُّوغمائي) على (العموميَّات الأيديولوجيَّة)، تقديس فكر نقدي غير قابل للتَّقديس أصلاً!

(5)
مع كرِّ مسبحة الزَّمن، وتعاقب أرتال الحادثات، أضحى (المنهج الماركسي) متاحاً (على قفا مَن يشيل)، ولم يعُد استخدامه حكراً على الأحزاب الشِّيوعيَّة، أو كوادرها وحدهم. وكنت قد لاحظت شخصيَّاً، ولعلني أشرت لشئ من هذا في كتابات سابقة، أن مفكِّرَيْن كُثر، مِمَّن ليست ثمَّة علاقة أيديولوجيَّة طيِّبة تربط بينهم، في العادة، وبين الماركسيَّة، إنَّما العكس هو الصَّحيح، كالصَّادق المهدي وحسن التُّرابي وغيرهما، لا يستنكفون أن يُبدوا بعض النُّزوع، أحياناً، نحو استخدامات بعض مفاهيم، وقوانين، ومقولات المنهج الماركسي، خصوصاً قوانين الدِّياليكتيك. بل لقد لاحظ كتَّاب لا يُخفون عداءهم للبرجوازيَّة، وانحيازهم للماركسيَّة، كمنهج عام وكنظريَّة عامَّة، أن البرجوازية المتطوِّرة نفسها لم يعجزها، في غياب مثل هذا المنهج وهذه النظريَّة، معالجة بعض وجوه الصِّراعات لصالحها، في المستويين الوطني والدَّولي، وما ذلك إلا لتوفُّر قدر معقول من الحريَّات، والدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة، وانعدام الضُّغوطات الأيديولوجيَّة، والملاحقات السِّياسيَّة، في بلدان الرَّأسماليَّة المتقدِّمة، وهو المناخ الذي مكَّن، أحياناً، الكثير من علماء هذه البلدان، ومفكريها، من الإسهام في تطوير العلم والمجتمع، بمحض استخدام البنيويَّة الوظيفيَّة، أو البراغماتيَّة، لا كمنهج، وإنَّما كونها، فقط، محض (أداة) بسيطة من أدوات المعرفة، أو حتَّى باستخدام ملامح منهجيَّة من الماركسيَّة نفسها؛ في حين أن الكثير من المفكرين الماركسيين في بلدان المعسكر الاشتراكي السَّابق، حيث ساد النَّمط الستاليني في البناء الأيديولوجي للحزب والدَّولة، وغاب أيُّ نموذج يُحتذى في حقل الدِّيموقراطيَّة والحريَّات، دَعْ الكثير من كوادر التَّنظيمات الماركسيَّة في البلدان النَّامية، أو كوادر تنظيمات وأنظمة البرجوازيَّة الصَّغيرة المتأثِّرة، شكليَّاً، بالماركسيَّة، في هذه المنطقة من العالم، ظلَّوا أسارى لعموميَّات الصِّيغ الماركسيَّة الكليَّة المجرَّدة، دون أن يحفلوا، مقدار قلامة ظفر، لا بتقصِّي ما تعبِّر عنه من مصالح طبقيَّة معيَّنة، ولا برؤيتها في مرآة منهجيَّات العلوم الخاصَّة المحدَّدة. بالنَّتيجة فقد أولئك، أجمعهم، تماسهم الفعَّال مع الواقع المتعيِّن، دائم التغيُّر. وما السَّبب غير أنهم ظلوا يتعاملون مع المفاهيم والقوانين والمقولات الماركسيَّة (العامَّة)، كمفاهيم وقوانين ومقولات للظواهر (الملموسة)، بينما قعدت هممهم الفكريَّة عن التماس أيِّ علاقة غير شكلانيَّة بين هذه المفاهيم والقوانين والمقولات الماركسيَّة (العامَّة)، وبين مفاهيم وقوانين ومقولات العلوم (المحدَّدة) ذات الصِّلة بهذه الظواهر (الملموسة)؛ وبالنَّتيجة تخلفت (العلوم) الاجتماعيَّة، وفقدت (السِّياسة) ديناميكيَّتها، وغرق (الفكر) و(الفلسفة) في سكون مياه (الأيدولوجيا) الآسنة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////