قبل نهاية الأسبوع القادم، الأخير من يونيو 2017م، سيحتفل (الأخوان المسلمون) السُّودانيون، بصرف النَّظر عن تعدُّد مسمَّياتهم، بالذِّكرى الثَّامنة والعشرين لانقلابهم على الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة في الثَّلاثين من يونيو 1989م. وكنَّا أثرنا، قبل بضع سنوات، مسألة تتعلق بالمهنيَّة الصَّحفيَّة، فنيَّاً وأخلاقيَّاً، على خلفيَّة تصريح حول دوافع ذلك الانقلاب، نشرته صحيفة تابعة للجَّماعة، منسوباً إلى المفكِّر الإسلاموي البروفيسور الطيِّب زين العابدين، الرَّئيس الأسبق لهيئة شورى (الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة)، إحدى الواجهات (الأخوانيَّة) في أواسط ثمانينات القرن المنصرم، وأستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة الخرطوم، والمعروف بموقفه المعارض للانقلاب، فبدا، للغرابة، كما لو كان، على العكس من ذلك، يبرِّر لتدبيره، إذ قوَّلته الصَّحيفة إنه وقع استباقاً لانقلابات أخرى متنوِّعة الهويَّات، من بينها واحد للشِّيوعيين أوشك أن يبلغ ساعة الصِّفر، "فإذا لم تتغدَّ بهم الجَّبهة، ربَّما كانوا تعشُّوا بها!" (20 يوليو 2010م).
مصدر الغرابة، من جهة، أن زين العابدين، برغم انتمائه لـ (الجماعة) في نسختها الأصليَّة، كما وفي نسختها الحاليَّة المسمَّاة (الحركة الإسلاميَّة)، وقبلها (الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة)، لم يُعرف عنه أنه قد يصدر، في آرائه، عن دوافع شخصيَّة، أو ربَّما يؤسِّس مواقفه على ميل أو هوى، سواء اتفق النَّاس معه أم اختلفوا، ما أكسبه احترام خصومه قبل أصدقائه. أمَّا من جهة أخرى فإن الصَّحيفة نفسها كانت تعلم، تمام العلم، وإن لم تكن تعلم فتلك مصيبة، أن آماداً طويلة قد تصرَّمت، وتحديداً منذ 1977م ـ 1978م، مذ نفض الشِّيوعيون عن استراتيجيَّتهم السِّياسيَّة المعلنة حتَّى مجرَّد تأييد الانقلابات، دَعْ تدبيرها، رغم تورُّطهم، قبل ذلك التَّاريخ، في تأييد بل وتدبير بعض الانقلابات. وبالتَّالي كانت تدرك، كما جوع بطنها، صعوبة إقناع النَّاس، خصوصاً الذين عاشوا وعايشوا منهم، بشكل وثيق، وقائع تلك الفترة، بأن نفس هؤلاء الشِّيوعيين كانوا يخططون لانقلاب عسكري، خلال الفترة 1985م ـ1989م. فلا بُدَّ، إذن، أن الصَّحيفة قصدَتْ أن تخاطب، بمعلومتها المضروبة تلك، الأجيال الجديدة التي لم يكن معظمها قد وُلد، آنذاك، فضلاً عن (زيادة سكَّرها) بنسبتها إلى زين العابدين بوجه مخصوص، فلربَّما استطاعت أن تصطنع للإسلامويين عذراً في (اضطرارهـم) لاستباق خصومهـم التقليديين بالانقلاب!
مهما يكن من شئ، وبما أن تلك كانت المرَّة الأولى التي يتَّهم فيها أحدهم الشِّيوعيين بالتخطيط لانقلاب خلال الفترة المذكورة، دَعْ أن يكون ذلك (الأحدهم) هو زين العابدين بالذَّات، فقد هاتفته، صباح الخامس والعشرين من يوليو 2010م، أستفسره حول الأمر فوجدته، كما توقَّعت، خالي الذِّهن، تماماً، عمَّا نُشر على لسانه، لكنه أفادني بأنه أدلى لتلك الصَّحيفة بحديث فحواه أنه، وبحكم كونه، آنذاك، رئيساً لهيئة شورى (الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة)، سمع (أخوانه) الانقلابيين يطرحون على (هيئته) تلك مبرِّراتهم بغرض فتح شهيَّتهم لقبول المخطط، ومن أبرز هاتيك المبرِّرات أن الشِّيوعيين كانوا يسابقون الزَّمن والآخرين للاستيلاء على السُّلطة بانقلاب، ويُخشى أن يسبقوا! فكان أن بلع أعضاء الهيئة، ما عداه، الطُّعم!
وهكذا، شتَّان ما بين ادِّعاء (العلم المباشر)، حسب الصَّحيفة، وبين حقيقة (العلم السَّماعي)، حسب زين العابدين نفسه، لا سيَّما وأن غيوماً من الشَّكِّ ما تنفكُّ تحتوش مصدر ذلك (العلم السَّماعي)، أي أصحاب المشروع أنفسهم، الذين كانت غاية مرادهم تسويغه، وتسويقه، بالحق أو بالباطل!
(الإعلام) غير (البروباغاندا). فعلى حين يهدف الأوَّل إلى تمليك الناس (الحقائق)، ليؤسِّسوا عليها آراءهم ومواقفهم، تسعى الثانية إلى بثِّ (دعايتها) الزائفة في أوساطهم، ليتمكن مَن يقف وراءها مِن السَّيطرة على هذه الآراء والمواقف، وتوجيهها حسب مشيئته! وفي هذا الإطار لا نخال الصَّحيفة اختارت، بمحض الصُّدفة، أن تنشر (بروباغانداها) تلك بتاريخ 20 يوليو، ذكرى اليوم التَّالي لانقلاب الرَّائد هاشم العطا عام 1971م، والذي اتُّهم الشِّيوعيون بتدبيره. كما وأن ثمَّة مغزى خاصَّاً، ولا بُد، لتلازم نشر تلك المادَّة مع مادة أخرى غزيرة عن الضُّبَّاط الذين اغتيلوا في (بيت الضِّيافة)، والذين لم تتكشَّف، بعدُ، طلاسم اغتيالهم، علماً بأن النِّميري لو كان رَغِبَ، يومئذٍ، لتكشَّفت، لولا أنه فضَّل أن يدعها على حال طلسميَّتها، بعد أن تأكد له، من مختلف التقارير، وعلى رأسها تقرير (لجنة القاضي علوب)، مثلاً، والتي كان قد كوَّنها بنفسه، أن من شأن (الحقائق)، إنْ جرى نزعُ الحجاب عنها، أنْ تفضح زيف (البروباغاندا) التي ولغ نظامه في ترويجها!
وإذن فإن الصحيفة المشار إليها لم تكن، قط، بريئة في (بثها) لـ (بروباغاندا) عكوف الشِّيوعيين على تدبير انقلاب على الديموقراطيَّة أواسط العام 1989م، كمبرِّر لانقلاب الإسلامويين عليها فجر الثلاثين من يونيو من ذلك العام! كما وأنَّها لم تكن، أيضاً، بريئة، وهي تنسب تلك (الفبركة) السَّاذجة إلى بروفيسور زين العابدين، بعد (دغمسة) إفادته، وتحويرها من (سماعيَّة) إلى (مباشرة)! وليست بريئة، كذلك، وهي تنشر (بروباغانداها) المكثفة تلك وسط غابة من الإشارات المستندة إلى ذاكرة قبْليَّة زائفة، والتي اشتغلت أجهزة (البروباغاندا) المايويَّة والإسلامويَّة على شحذها وشحنها، ردحاً طويلاً من الزَّمن، في قوالب ترميزيَّة جاهزة، من سنخ واقعة (بيت الضيافة)، كي توحي، سلباً، للأجيال الجديدة، بتاريخ لا يمتُّ إلى الواقع الحقيقي بصلة! وتكمن المفارقة، هنا، في أن الصَّحيفة، على حين تنوح، مثلاً، على ما تسمِّيها "فجيعة الشَّعب الذي رأى، بأمِّ عينيه، اغتيال الضباط العُزَّل في وضح نهار الثاني والعشرين من يوليو 1971م"، تتغافل، بالمقابل، عن حوادث الاغتيال المفجعة التي ارتكبتها (الجَّماعة) ذاتها، فجر الثاني من يوليو 1976م.
العنف الدَّموي متطابق، في يوليو 1971 وفي يوليو 1976م، من خلال ظروف متقاربة، وملابسات متشابهة، سوى أن الصَّحيفة ركَّزت على إبراز أحد (العنفين) دون الآخر! وما ذلك إلا لأن ذراعي (الإسلامويين) كانتا مغموستين، حتى الإبطين، في ذلك (العنف الآخر)! وتلك بعض أساليب (البروباغاندا) المخاتلة، المراوغة، التي لا تحسن سوى تشويه التَّاريخ، والتي لا يمكن مجابهتها وتعريتها بغير الحرص على كشف الحقائق المجرَّدة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.