تحدثنا في حلقة الأسبوع الماضي عن خصوصية وجمال وتفرد موسم الربيع في كوريا، وقلنا إن كوريا تتحوّل خلال هذا الفصل المنعش المدهش إلى ما يشبه اللوحة أو البستان ، لكننا قلنا أيضا إن موسم الربيع الذي يبدأ عادة في الشهر الرابع من العام هو بالنسبة للكثيرين ، موسم للاكتئاب وتزداد فيه نسب الانتحار لأسباب تحدثنا عنها. وفوق كل ذلك فإن الكوريين يتطيّرون ويتشاءمون من الرقم أربعة. فإذا ما عنّ لك معاودة صديق مريض يرقد في مستشفى كوري في الغرفة 4 أو 14 أو 40 ، فمن المستحسن ألا تضيع وقتك لأنك لن تستطيع ، وإذا كنت تقصد الطابق الرابع وأنت داخل مصعد في أي من الفنادق الكورية المختلفة ، فعليك أن تضغط على الرقم 5 لكي تصل إلى مبتغاك. الأمر ليس لغزا ، والسبب بسيط جدا ، وهو أنك لن تجد في مثل هذا المحلات أي شيء يخص الرقم 4 أو مشتقاته.

الكوريون ، وخاصة الأجيال القديمة ، يتشاءمون تشاؤما كبيرا من الرقم 4 ، ويتفادونه بكل الأشكال الممكنة ، لأنه ، في اعتقادهم ، رقم شوم ونحس ،وهو في التقاليد القديمة يرمز أو يذكّر بالموت ، وأظن ، حسب ما علمت ، أن الأمر مرتبط بالثقافة والتراث الصيني القديم ،حيث أن طريقة كتابة أو نطق أو رسم الرقم 4 حسب الرموز الصينية تشابه الأشياء المتعلقة بالموت من نعوش وتوابيت وهلم جرا .
الأمر بالطبع هو مجرد تراث ثقافي بحت ، ولكن صار له مدلول تجاري اقتصادي حيث أنه لا يمكن في كوريا تسويق أي سلعة أو مادة تحمل الرقم 4 أو مشتقاته بسهولة ، والكوريون في ذلك مثلهم مثل الكثير من شعوب العالم الأخرى ، فكما هو معروف فإن الغربيين يتشاءمون من الرقم 13 والعرب لا يتشاءمون من أرقام معينة ولكن من أشياء وكائنات كثيرة لا حصر لها منها البومة والغراب والقطة السوداء ، ولكن الرقم (4) بالذات يعتبر في الكثير من البلدان العربية ، وفي التراث العربي الإسلامي بشكل عام ، من الأرقام الميمونة ، فالقرآن الكريم يتكون من 114 سورة ،والأشهر الحرم 4 ، وعدد الخلفاء الراشدين 4 ، وعدد المذاهب الإسلامية 4 ، وعدد النساء المسموح بالزواج منهن 4 ، وللعارف بالله ، العالم العلامة الجليل ، والشاعر والأديب الصوفي السوداني المطبوع ، الذي يعتبر علامة في أدب المديح النبوي والإنشاد الديني الشيخ عبد الرحيم البرعي ، قصيدة مؤثرة سارت بها الركبان ، في مديح رسول (ص) ومدح مصر أرض الكنانة ومهد الأزهر الشريف وأحد أكبر قلاع التراث الإسلامي الحنيف والتي وصف بها مصر بالمؤمّنة بأهل الله، وقد استعمل في أحد مقاطع تلك القصيدة الرقم (4) بشكل متكرر وبطريقة فيها الكثير من البلاغة والمحسنات البديعية من طباق وجناس وتورية حيث يقول في جزء من القصيدة: ندعوك بال4 والكتب ال4 ، والسور ال100و10و4 ،والملائكة ال6 والكرماء ال4، ونبينا محمد والخلفاء ال4 ،وال6 البعدهم والأئمة ال4، والفقهاء ال7 والعلماء ال4، أوتاد الأرض في القبّل ال4، الأبدال والنقباء ال10ل4 ،أحفظ جوارحي ال3و4 ، وتجافي المضجع جنوبنا ال4 ، في المرض الجسمي في طبايعه ال4 ،بارك أسبوعنا ليوم ال 4 (الاربعا) ،وأيام السنة ال90 في 4 ،وبحورنا ال7 وأنهارنا ال4 ، ، نسلم من 4 ونحشر مع 4 ، ومصر المؤمّنة بأهل الله.
بعد كل تلك السنوات التي قضيتها في كوريا ، لا أجد سببا يدعو للتشاؤم من الرقم 4 ،فكوريا من البلدان القليلة التي تتميز ب4 فصول مناخية محددة ، وأجملها بالطبع فصل الربيع وذروته إبريل شهر 4 ، وهو كما قلنا شهر منعش مدهش، لكن الأكثر إدهاشا بالتأكيد هو الكيفية التي ينظر بها بعض الكوريين لموسم الربيع وللرقم أربعة والتي هي بالنسبة للكثيرين من الأجانب أشياء تتناقض مع نواميس الطبيعة خاصة عندما تكون بذلك الشكل الساحر الخلاب الذي تتمتع به قلة قليلة من بلدان العالم من بينها كوريا خاصة في شهر 4.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.