( أنا صبور على الغباء ، لكن ليس على من يفاخرون به ) -- إديث سيتول 

راج في المواقع الإسفيرية مقال ملتهب للكاتب مهدي زين ، يسكب فيه الدمع غزيراً على وطنٍ يهيم في حبه ، ويتناول فيه ما نسب إلى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بخصوص انفصال الجنوب ، إضافة إلى سيل من المقالات الأخرى والتعليقات فيما يشبه الحملة المنظمة للإستفادة مما نسب إلى لافروف لأقصى درجة ، حشد الأستاذ مهدي زين كمية كبيرة من الأهاجي والسباب في مقاله ، وبالغ في وصف (الجريمة) والمبالغات سمة ملازمة لمقالاته ، لكن كثيراً ما تنقلب المبالغات إلى ضدها ، لأن إغراء إشباع شهوة انتقاد الخصم والمبالغة في إدانته والتشفي منه كثيراً ما تنسي الكثيرين التمهل وتجويد الحبكة ، فيسارعون بخفة غريبة إلى تبني أي تهمة وينفخون فيها ويمطونها حتى ينسون وهم في غمرة التحبيك والتشبيك العجول والخفيف أن شباك الإدانة التي صنعوها توسعت دون احتراز حتى جعلتهم -دون أن يشعروا - يختنقون بها قبل خصومهم . خاصةً في بعض القضايا السياسية ذات الطبيعة الخاصة . والتي تتشابك فيها الخطوط وتتداخل بين فاعلين سياسيين بعضهم يُراد تبرئهم و يكون من المتعذر اقتناص فرصة إدانة نقية ذات قيمة لا تصيب الطرف المراد تبرئته في مقتل . والغريب في الأمر أن مقال الأستاذ مهدي الذي يوجه سهاماً حادة مسمومة نحو الرئيس البشير ، هذا المقال - كما سنرى - لا تصل سهامه إلى هدفها الأخير إلا بعد أن تخترق جسد الحركة الشعبية وتمزقه ، ومعها آخرون، ومع ذلك ينتشر المقال ويجد حفاوة في مواقع موالية للحركة وأخرى قريبة منها ، وما ذلك إلا للشتائم التي تنتظمه من بدايته حتى نهايته ، بينما الفقرة التي تمثل أساس المقال تمثل فضيحة الفضائح للحركة و داعميها من القوى السياسية إذا صحت!
قرأت معظم ما صادفني من مقالات بخصوص ما نسب إلى لافروف ، كنت أبحث فيها عن نظرية متماسكة تربط بين الجنائية وانفصال الجنوب حتى لو كانت غير مقنعة ، فوجدت أنها تخلو من هذه النظرية ، حتى صادفت مقال الأستاذ مهدي زين فبدأت في قراءته أملاً في العثور على ضالتي . فوجدت المقال في معظمه عبارة عن وصلة هجاء وشتائم ، سوى فقرتين إحداهما تتحدث عن مؤامرة ( صفقة كما يصفها الكاتب ! ) اعترف بها وزير الخارجية كما يقول الكاتب ، والثانية والأهم فقرة تحتوى على النظرية التي كنت أبحث عنها ، وهي كما كتب الأستاذ مهدي : ( والآن يستطيع شعب السودان أن يجزم بأنَّ كل المواويل والتواشيح التي كانت تشنف آذاننا بأنَّ الجنوب قد اختار الإنفصال بنسبة تصويت عالية ، لم تكن سوى محض كذب ، وأنَّه قد كانت هناك أيادي رسمية خفية ، تعرف كيف تعبث بنتائج الإنتخابات والإستفتاءات ، قد لعبت دوراً أساسياً في تزييف إرادة أبناء الجنوب ، تنفيذاً لصفقة يسميها وزيركم الآن مؤامرة مقبولة !!!!) . إذن النظرية كالتالي : استغلت أمريكا المحكمة الجنائية ووظفتها لخدمة أجندتها السياسية في السودان ، وهي أجندة بالغة السوء ، وعلى رأسها فصل الجنوب ، وهددت الرئيس البشير بالمحكمة فاستجاب للتهديدات ورضخ وقبل بأن يزور الإستفتاء !!
يبدو أن الكاتب لم يفحص مدى موضوعية هذه النظرية وصمودها أمام حقائق التاريخ الذي لم يمر عليه وقت طويل لتجوز على عقولنا أي محاولة تزوير له ، حتى لا يكون حديثه عن تزوير الاستفتاء هو نفسه نوعا من التزوير ، فالحركة الشعبية كانت بكل قوتها تعمل من أجل الإنفصال ، والمجتمع الدولي كان يشجع ويعد الدولة القادمة بالكثير ، لذلك ولغيره كان الميل الكاسح للجنوبيين نحو خيار الإنفصال أظهر من أن يحتاج إلى أدلة هذا إضافة إلى غرابة وعبثية الصورة التي يرسمها الكاتب ، فقط للمرء أن يتخيل المشهد ليدرك عبثيته : حركة إنفصالية تريد أن تنفصل عن دولة يحكمها نظام إنفصالي رغم أنفه ، ودول كبرى تستخدم المحكمة لتهدد رئيس الدولة هذه ليقوم بتزوير الإستفتاء ، ولا تجعل الحركة الحاكمة في الجنوب حيث النسبة الأكبر من المصوتين تقوم بهذه المهمة !! والملاحظ أن الحركة الشعبية غابت تماماً في المقال وفي كل المقالات الأخرى ، لماذا يستهين بها مهدي زين ورفاقه ويشطبونها بجرة قلم ولا يرون أنها تستحق قدحاً أو مدحاً في قضية مفصلية ومثيرة للعواطف "الجياشة" والقضية ترتبط بها ارتباطاً لا تنفيه ولا تجدي معه كل حيل والتفافات مهدي ورفاقه؟! . ما هو موقفها من التزوير الذي يتحدث عنه ؟ هل يريد أن يقول إنها قبلت به لأنها كانت راغبة أصلاً في الإنفصال ؟! أم يقول إنها كانت مغيبة لا تدري ما يحاك ويدبر من تلاعب بالأصوات وهي الحاكمة في الجنوب وقتها ؟! أم أنها كانت مجرد أداة صغيرة في يد المتآمرين الدوليين ويجوز أن ندبج المقالات الطويلة المشحونة بالعواطف دون أن نعبأ بها فتنال نصيبها من العواطف حبا أو بغضاً . أضف إلى ذلك أن نظرية مهدي زين لتعمل وتشتغل وتدخل العقول ، فإنها ستضع الكثيرين وعلى رأسهم الحركة الشعبية في موقف لا يحسدون عليه ، لأن الأستاذ مهدي ومعه جمهور عريض من (المناضلين) من القوى السياسية المعارضة المختلفة ، قد سلموا للمرة الأولى بوجود مؤامرة دولية على السودان ( حتى لو تحايل مهدي وسماها مقايضة ، فالتلاعب بالكلمات لا ينفي أصل النية الدولية ولا يثبتها بالطريقة التي ترضيه )، ولكنه تسليم وظيفي -إن جاز التعبير - أقصد أنه تسليم عابر لا يجعلهم يخصصون ولو جملة واحدة فقط لإدانة هذه المؤامرة الدولية و إنما يوظفونها ويعبرون من فوقها على عجل ليصلوا إلى خصومهم المستهدفين بالمؤامرة ويبدأوا حفلة الإدانات و التجريم .
حتى لو صحت نظرية زين ورفاقه من الذين قدموا لنا في الأيام الماضية دروساً في حب الوطن و حُرمة المساس بحدوده وسلامة أراضيه - وهي ليست صحيحة - فإن أقصى ما تفعله هو وضع النظام ورئيسه في صورة الذي خضع للمؤامرة والإبتزاز ، لكنهم يتناسون أن هذه النظرية تضع ثلة من المعارضين من بينهم الحركة الشعبية الأم في موقف المشاركين في صنع المؤامرة والمبتزين . يتذاكي مهدي في مقاله ويقول كان الأولى للرئيس أن يسلم نفسه للمحكمة ابدلاً من أن يخضع لضغوطها ويفصل الجنوب ! أي سلم نفسك لمحكمة التآمر هذه وأفدي بلدك ، حتى لا يضغطون بها علينا وحتى نجري استفتاء من غير تزوير ! احتاج مهدي زين لنظرية التزوير هذه والتي تدين الحركة الشعبية المسيطرة على الجنوب وقتها ، لأنه يعلم بأن اتفاق نيفاشا سابق لقرار محكمة التآمر ، ولأنه يعلم أن نيفاشا حظيت بموافقة الجميع ، وأن تقرير المصير وقعته قوى المعارضة في أسمرا قبل توقيع الحكومة ، لكن رغم بناء مقاله بالكامل على نظرية تزوير نتائج الإستفتاء الأمر الذي يجعل الحركة الشعبية شريكة في (المؤامرة) ، إلا إنه يعود و يغازل فرعها الشمالي و يحذره من (الخونة) الذين يرضخون إلى ضغوط الحركات وداعميها الدوليين فلا يعطونها ما تريد فحسب بل ويزورون معها الإستفتاءات لتكون النتائج على هواها وعلى هوى الداعمين !! إذ ختم مقاله ب ( وختاماً ، وفي هذا الوطن الغابة لا يدهشني أنكم شريرون صنعتكم أيادي لا تريد لهذا الوطن خيراً ، ولكن يأن يذهب بعد هذا المؤتمر الدَّاوي ، رجال الي أديس أبابا أو الخرطوم ليحاوروا خونة حول مصير هذا الوطن الغابة ! )
المؤامرة يا سيد مهدي موجودة وقديمة ، والحديث عنها ليس غريباً ولا مفاجئاً ، وليست كما حاولت أن تتذاكى وتصورها كصفقة ، المؤامرة اعترف بها أصحابها و حكى عنها سلفا عندما زار إسرائيل وشكرها أمام الشاشات ( سلفاكير لبيريز : بدونكُم ما كنا نحن..قاتلتُم معنا لإنشاءِ جمهوريةِ جنوبِ السودان ) . المؤامرة تتمثل في حروب مدعومة من الخارج لا زال بعضها مستمراً و أنت ورفاقك تبررونها وتغضون الطرف عن ارتباطات المتمردين و عن توظيف القوى الدولية المتآمرة لهم ، ودونكم محاضرة (أفي ديختر ) الشهيرة . ما جرى من انفصال كان بسبب تصويت الجنوبيين واختيارهم تنفيذا لإتفاقية ملزمة تم توقيعها قبل قرار المحكمة ، المؤامرة فيما يخص الإستفتاء كانت تتمثل في وعود مغرية ودعم قدمته القوى الدولية للحركة الشعبية فتحمست للإنفصال و حمست شعب الجنوب . المؤامرة في أرواح تُزهق و طرق تُقطع و قوافل تجارية و قطعان ماشية تُنهب ، وقرى ومدن تُهاجم ... الخ ، وليست في تزوير اخترعته وحشرت ما نسبته إلى وزير الخارجية في قلبه في محاولة تذاكي فاشلة ومكشوفة .
يسأل الأستاذ مهدي : ( كيف سمحت لك تربيتك العسكرية التي تدعيها يا سيادة الرئيس أن تفرط في ثلث الوطن من أجل نفسك ، مستهيناً بكل تلك الدماء التي أريقت من أجل وحدته وحماية ترابه ؟ ) ، لا أعلم أي دماء يقصد ، أهي دماء ضباط وجنود الجيش الذي ظل يحارب التمرد لسنوات طويلة سبقت الإنقاذ ؟ أم يقصد تذكير الرئيس بالدماء التي دفعها الجيش والدفاع الشعبي في عهده وهم يدافعون عن وحدة الوطن ؟ أم يقصد الإثنين ؟ أياً كانت إجابته ، فالسؤال هنا هو : من كان الطرف الآخر الذي حمل السلاح وهدد وحدة الوطن وأزهق الأرواح ؟ ما هو موقفه سابقاً من هذا الطرف و من أشباهه حاليا من الذي يهددون وحدة الوطن ؟ يبدو أن هذه العبارة فلتت سهواً من الكاتب وهو يحاول أن يستقطر أكبر كمية من الدموع ، و أن يستخدم كل الكروت -وبعضها متضاد وناسخ لبعضه البعض- لكي يحشر خصومه في الزاوية . والحقيقة ليست هذه العبارة وحدها التي فلتت من الكاتب ، بل إن المنطق المؤسس لكل نظريته هو ورفاقه فيما يخص الجنائية والإنفصال لا أقول إنه ملئ بالثغرات التي تمر من خلالها كمية من الإدانات لذواتهم و جماعاتهم ، بل أقول إن الإدانات لا تمر من الثقوب بل هي في متن المنطق وليس حواشيه أو ثغراته ، هو يؤسس للإدانات ويقعّد لها ويهدم كل أساطيرهم المؤسسة لنضالهم ، دون أن يبني نظرية يؤبه لها ، فقد باعوا كل هذه النظريات بلا مقابل سوى حديث بائس لا يصدقونه هم أنفسهم عن تزوير الإستفتاء :
١/ كانوا يقولون (الظلم و التهميش هو سبب تصويت الجنوبيين للإنفصال ) ، فتنازلوا عن هذه الأسطورة التي كانوا يفسرون بها التصويت الذي كان فعلاً كثيفاً لخيار الإنفصال ، و أكدوا أنهم لم يصوتوا للإنفصال و إنما تم تزوير نتائج الإستفتاء ، فباعوا كذبة كانت أكثر قابلية للإستثمار و أكثر قابلية للمجادلة و أقل إحراجاً للرفاق ، بكذبة أخرى قليلة العائدات أو معدومتها ، مع أضرار بالجملة تصيب الرفاق وصورتهم .
٢/ كانوا يقولون ( المحكمة الجنائية عدلية بحتة وليست محكمة سياسية تستبطن أهدافاً عدوانية تمس السودان ونحن معها نؤيدها ونشد من أزرها و ننتظر منها االكثير ) .. والآن من أجل اقتناص فرصة إدانة لاحت لهم ، يتنازلون عن هذه الدعوى ، ويقبلون بأنها أداة من أدوات التآمر بثمن بائس وهو أن يصل خيط التآمر هذا إلى البشير ويكون شريكاً فيه .
٣/ ( الحكومة تحترف نقض العهود والمواثيق ) .. والآن - دون حياء - يرون أن الوفاء بالعهود خيانة ، ولا يعجزهم التوفيق : البشير أوفى لكنه أعطى الحركة الإنفصالية هوادة بأن زور لها الإستفتاء كما تشتهي ويشتهي داعموها ! فلا يجب أن يكون غير ناقض للعهود أو مغالي في تنفيذها !
٤/ (الحركة الشعبية الأم وفرعها الشمالي حركات وطنية تحركها أهداف نبيلة ولا تتآمر ولا تمثل أدوات للمتآمرين )
.. بينما هي الآن -وفق نظريتهم- أم التآمر بما يزيد عن التآمر الحقيقي الذي تتهمها به الحكومة .
٥/ ( عقوبات أمريكا وضغوطها على السودان لها ما يبررها وتستهدف مصلحة الشعب السوداني ولذلك سنؤيدها و سنقف ضد إلغاء ها، وسنتبرع بتقديم ما يقنع أمريكا بعدم رفعها) .. والآن بنظريتهم هذه يعترفون أن ضغوط وعقوبات أمريكا لها أهداف ليست في مصلحة الشعب السوداني .
و هكذا نجد أنهم قد تنازلوا عن أساطيرهم المؤسسة ل(نضالهم) من أجل أن تتسق تهمة لم يدرسوها جيداً ولم يجمعوا ويطرحوا ليعرفوا عائداتها وخسائرها قبل أن يتبنوها ، فغامروا وقامروا بكل هذه الأساطير في مقابل دعوى هزيلة لا تصمد أمام حقائق التاريخ القريب ، لكنها تشكل إعترافاً بوجود تآمر ، لكنهم يريدون حشره وتوظيفه ليخدمهم في هذه المهمة العاجلة ثم يعودوا للنكران مرة أخرى ، لكن التآمر الموجود فعلاً له مهمات وأهداف كثيرة ليس من بينها الإجبار على التزوير .


إبراهيم عثمان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.