أبريل ٢٠١٧

لوحة الصباح الباهي تتجدد مع اشراقة كل يوم جديد، تطل علي البلدة المسالمة الوادعة علي ضفة النهر الخالد، اللوحة الزاهية تأخذ الوانها من انفاس أهل القرية الطيبين ، تتشكل من تنوع أشجارها ونخيلها ، تتلون من اختلاط ترابها ورملها ، تطرب من أصوات العصافير والطيور والقماير ، فتبدو كمشهد بديع فرغت أيدي رسامها من تلوينها ، تظهر كمنظر جميل جملها نحاتها وترك نقشه علي صدرها الفتي المتمرد ، فبدت عروس النيل ، فاتنة ، ساحرة ، خلابة للعينين ، آخذة للقلوب والأفئدة .

الحاج أحمد علي ظهر حماره الأبيض الضخم ، يسير بخطوات ثابتة ومتسارعة نشطه صوب الوابور الزراعي القديم ، يسير بين أشجار النخيل المتشابكة ، تحتضن بعضها البعض من علو ، بين الجداول الصغيرة الممتدة علي الطريق ، يقفز تارة ، ولا يعبأ بها تارة اخري ، يصعد به من جدول مرتفع ، ويهبط به بين السواقي الممتدة علي ضفة النهر ، بين شهيق وزفير ، نهيق من فنية لاخري ، طريق خبره الحاج احمد مع حماره الأصيل ، أبتاعه من سنين مضت من عبد المحمود الحلبي ، بعد أن زاد في سعره ، لكن الحاج أحمد كعادته لم يحتج علي السعر كثيراً ، فارتضي بما طلبه عبد المحمود الحلبي ، وها هي الأيام والسنين تمضي والحمار الضخم اصبح في معيته ، أصبح جزءاً من روتين حياته اليومية ، يغدو به صباحاً ويعود به عند المساء ، العرق علي ظهره ، والطين بين حوافره ، والتعب علي ملامحه .

وقصة عبد المحمود الحلبي لاتختلف كتيراً عن قصص الآخرين في البلدة ، أتوها من سنين مضت ، وأزمنة أنقضت ، الحاج بلال أكول من واو علي بحر العرب ، حسب الله من أبناء جبال النوبة ، وحامد أوهاج القادم من هيا ، ليستقر بهم الحال علي ضفاف النيل او بين البيوت القديمة المتهالكة ، التي هجرها اهلها ، أو في السوق الصغير للقرية . كل جاء من بعيد يحمل ريشته وألوانه وأقلامه ، ليخط بها ويلون ويزين ملامح المكان علي شاكلته ، ويترنم بأغاني الحنين والأنتماء ، لمكان اعطاهم الكثير ، ليصبحوا جزءاً من لحن وشدو وتراتيل ، تسود وتغمر القرية مع اطلالة كل فجر جديد .

وعبد المحود قدم من الشمال من زمن بعيد ، قدم مع أبنائه وأخوته علي ظهور الحمير ، وعربات من الكارو التي تجرها الخيول ، واحياناً سيراً علي الأقدام ، لتصل قافلتهم ضفاف النيل ، وترسوا مراكب خيولهم ودوابهم بين سواقي النخيل المترامية ، كثوب اخضر ملتف علي خصر النهر المتمدد المتعرج . تبني بيوتهم من سعف النخيل ، وسيقان السنط ، وتاخذهم الحياة في معيتها ، علو في موسم الفيضان ، وانحسار في شتاء قارس الملامح . السواقي والمزارع وأشجار النخيل الوارفة أصبحت مسكنهم ومأواهم ومصدر رزقهم ، كان الترحاب ديدن أهل البلدة ، ليحل الضجر والتذمر بعد أن وجد ملاك السواقي زرعهم وضرعهم وأرضهم صارت مكاناً لمخلفات البشر والبقر ، ومرتعاً للخيول والحمير ، ليبدأ نوع من عدم الترحاب والصراع الصامت ، ليصل لصراع داوي مع السكان الجُدد القادمين من الشمال .

الحياة علي ضفاف النهر تتلون وتتشكل بلونه عند الفيضان ، وتتجمل وتصفو لتصل الي ابعد درجات الولهان ، عشق وشوق ، كراهب يصل حد التوهان . وبين الصفاء والعشق وفيضان النهر ، تشكلت حياة الناس ، البسطاء منهم كالحاج احمد رجل القرية الصابر رغم رياح الهجرة والأغتراب والأرتحال ، ابن الجنوب بلال أكول ، قذفته الحرب والصراعات والمررات والاطماع الشخصية بعيداً عن بحر العرب ، وأبن جبال النوبة حسب الله ، الذي يشعر بأنه نسر هرم يفتقد قمم الجبال وذري الأعالي ، وأنسان الشرق البشوش أوهاج ، يحمل أحزانه وآلامه علي جسده المتهالك من الفقر والجوع ، العليل بالدرن وأمراض الصدر ، ومن الشمال جاء عبد المحمود سيرًا علي الأقدام وتارة علي ظهور الخيول والحمير . كلهم جاوا من مكان له عطره ولونه ولحنه ، لتحتضنهم هذه البلدة الفريدة ، تحتويهم هذه البقعة الصغيرة ، لتشكل اروع لوحة للتعدد والاختلاف والتجانس ، بمشاعر مختلفة فيها الحب والود ، التنافس والاصرار علي البقاء ، في مكان بالكاد تجد فيه ابسط مايبقيك علي الحياه ، لكنه يسع الجميع ، ويحتضن الآخر .

*قصة قصيرة من خيال الكاتب ، الأسماء والشخصيات واﻷمكنة غير واقعية ، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.