عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"في أكثر الأماكن كثافة وسط إحدى غابات جنوب دارفور، وفي مكان يعج بالحيوانات المتوحشة، تسلل فتى وسط الأشجار، كان متسلحاً بحربة في يده وسكين على ذراعه شأن كل الرجال ذلك الزمان. وكانت تلوح على وجهه إمارات حزن عميق ممزوجة بإصرار شديد، ورغم أن ظاهره ينم عن ألم دفين غير أنه كان بادي التحدي والإصرار تجاه الموت والقدر"
(في وصف الخليفة التعايشي، رجال حول المهدي - أمينة فيفيان ياجي)
يستمر البحث:
في الحلقة الماضية من هذه السلسلة قدمنا ملامح عامة حول علاقة الدعوة بالخليفة عبد الله التعايشي، والدعوة هنا نعني بها المهدية (الفكرة والدولة)، وقدمنا بعض مزاعم، لا ننكر أننا لا زلنا نحتاج إلى إثباتها عملاً على التحليل والنقد لصالح تجنيب الكتابة مزالق الحتميات، والأفكار المطلقة، والنهائيات المقدسة، إذ من السهولة لأي كاتب أن يضع مزاعمه، ويحشد لها شواهد وأدلة، يظن أنها كافية لتغيير النتائج، لكن هذا الأمر صعب جداً في ناحية ما نكتب، إذ أنه ليس من الممكن لأي قارئ أن يقدم وعيه بالمجان. ونربأ بالكاتب كذلك أن يحاول في ترخص ممارسة ألعاب لغوية يسعى بها للتأثير والعمل على قولبة وعي مستهلكيه، كما أنه ليس المطلوب من أي نص أن يقدم إجاباته غير المرنة، ويظن أن الطريق سيكون ممهداً لصالحه فينتظر التصفيق!.
إن ما نكتب حوله ليس شأناً تاريخياً، بل امتداده مستمر وسيستمر بطبيعة الحال، لأن الفكرة من التعقيد ما يسمح لها بالخلود فترات أطول، والتعقيد هنا اشتباكها الجذري مع مسائل مركزية في الشخصية والدولة السودانية، ولن يسمح لك أحد أن تدعي ببساطة أن هذه الدعوة (ملغومة) منذ نشأتها، وأن تبسط له كيف حفت بها عواتي العنف، ونشأت في ظلها اصطراعات الهوية، وانشقاقات الذات، فالحديث أن الخليفة صاحب الدعوة لا المهدي، أمر مكلف للغاية، مكلف للكاتب الذي يعتقد أنه سينجو بفعلته هذه دون أن يجابه بردود متنوعة، فالمنتمي إلى كيان الأنصار لن يجد في سعينا هذا إلا (كفراً) بواحاً بسبب من طغيان القدسية على التاريخ المهدوي، وإلحاق الرجل (المهدي) بنسب لا ينازع فيه، ولا يسمح بالدخول نقدياً عنده. هذا من شأن المنتمي إلى تاريخ هذه الدعوة، أما من لا ينتمي بصلة لهذه الطائفة، سيجد صعوبة أن يتخلص من ذاكرته التي تركبت بالقوة عبر المناهج والمقولات والتاريخ الشفاهي، فالتاريخ لعبة غير عادلة، والمطلوب من النقد أن يدخل كل الأماكن، لا يفعل ذلك مجاناً بل يتمهل في السير، ويتوقف عن إطلاق الأحكام بالجملة، وحقيقة المقال الصحفي – وإن كانت سلسلتنا هنا تسير بشكل بحثي أكثر عبر إيرادها للمراجع، والتزامها بالشواهد المدعومة، قلنا المقال هنا سيجعل عدد من القراء الكرام يتعجلوا في الكتابة والنقد تجاه ما أتينا به، لكن ولثقتي الكبيرة في قارئ أعرف أنه سيصبر معي حتى نهاية السلسلة لنصل معاً إلى تثبيت مزاعمنا، ولا نروم من ذلك ممارسة أي سلطة على القارئ، فله أن يكتب فوق ما كتبنا وهذا حقه المطلق، ولكن هذه السلسلة لا تسعى لممارسة إثارة وقتية، بل هدفها الرئيس يتمحور حول إعادة قراءة التاريخ الاجتماعي، ولا نفعل ذلك لأجل الماضي هذا جهد بلا طائل، بل حينما اشتغلنا على تركيب الثنائية (هامش/مركز) انصب اعتقادنا على إمكانية العودة بالقضية إلى مظانها الأولى، أي يتمحور درسنا حول، هل كانت (الثورة – الدعوة) – لاحقاً الدولة، المهدية تعبير أعلى وأجذر عن قضية الهامش والمركز؟ أي هل تشكلت بنيتها الاجتماعية على أساس من صراع بين طرفي الظاهرة، (النيل- العرب)؟!.. إن هذه الأسئلة بطبيعتها ليست بريئة، بل لا تريد أن تكون كذلك، فالسعي كله لصالح فهم للدرس، وإعمال النقد، والذي نكرر عادة أنه لا يعني كشف العيوب، هذه أشكال طفولية للنقد، النقد هو إثبات وتدليل على تهافت (لا حقيقة المقولات) ، وهل هناك مقولة أكثر كلفة في الساحة السياسية السودانية من مقولة (الهامش والمركز)؟! ليكفينا النظر في انفصال الجنوب حتى نفهم..
إن مضمون الفقرات القادمة يتحرى مواصلة البحث عن شخصية الخليفة التعايشي في الدولة منذ نشأتها وحتى رحيل المهدي، طمعاً في الوصول إلى حقيقة ما زعمنا أن الرجل كان هو الدولة والدولة هو.. فإلى ما نريده..
(القبيلة) تحتاج إلى مبدأ ديني أو سياسي لتمارس الفتح:
يلعب الدين الدور المحرض والحفّاز لبناء الدولة، وكان بن خلدون قد حدد ثلاثة شروط يراها دافع لإقامة الدولة، وهي: العصبية والفضيلة والعامل الديني أو السياسي، وقد عّرفنا الأستاذ طه حسين في دراسته حول بن خلدون، عن طبيعة تلاؤم هذه العناصر الثلاثة وعملها حثيثاً في تأسيس الدولة وتشجيع الفتح، يقول: " تحفظ العصبية والفضيلة للقبيلة قوتها، وتؤهلها للقيام بالفتح، ولكن لأجل أن تخرج تلك الأهلية للفتح، من القوة إلى الفعل كما يقول ابن خدلون يجب تدخل عامل ثالث، ذلك العامل هو مبدأ ديني أو سياسي مَهمته أن يحدد الغاية التي تجري نحوها القوة التي نالتها القبيلة، وأن يشحذ كذلك من تلك القوة وأن يسير بها نحو طريق أخرى، فيحول بذلك دون أن ترتد هذه القوة المكتسبة إلى القبيلة نفسها..) – طه حسين – فلسفة بن خلدون الاجتماعية (تحليل ونقد) – بالفرنسية – لجنة التأليف والترجمة والنشر 1914م.
إن ما يهمنا في تحليل نص طه حسين وهو ينظر لعامل بناء الدولة عبر الفتح، وصحيح أنه يستند على القبيلة وتحليل أدوارها عطفاً على نص بن خلدون، لكن الذي يهمنا هنا عامل وحيد من هذه العوامل، وهو المبدأ الديني أو السياسي، والذي يعد المحرك لباقي العناصر إن لم يكن جوهرها الفعلي، وأيضاً عن علاقة ذلك بتركيب الخليفة عبد الله التعايشي وحضوره السياسي، والدخول بذلك ناحية فهم دوره وأعماله في تأسيس الدعوة، والدعوة لمهدية المهدي، ويستوجب ذلك بالضرورة فهم تكوين الخليفة التعايشي، من هو؟ كيف تأسست لديه نزعة السلطة رغم انتماءه لأقلية في وسط مكتظ بالقبائل الكبرى صاحبة الحظوة والنفوذ؟ وهل كان لتكوينه أثر في ما زعمنا حول تأسيسه للدولة المهدية؟ واستخدامه المهدي كونه يحتكم على رمزية (الجلابي) صاحب النفوذ الحضاري في الظاهرة السودانية؟ كل هذه أسئلة نطمح الإجابة عنها، وكيف أن الجنود المنتظمين في الراية الزرقاء (راية الخليفة التعايشي) كانوا منفعلين بهذا الهاجس، هاجس الفتح، فتح المركز أمام الهامش المستبعد، والموصوف بالتراجع الحضاري، وفي ذلك يقول محمد أبو القاسم حاج حمد ليبين طبيعة المزاجين وموقع المهدي بينهما، يقول: (.. تجمع غرب السودان حول المهدي باعتباره مهديا منتظراً .. وكان الغرب يعني "جماع الفور والمسبعات وتقلي" وهي تتسم بحداثة إسلامها وانعزالها الإقليمي والجغرافي الطبيعي من مراكز الحضارة المتوسطية.. إضافة إلى تركيبتها الاجتماعية القبلية الأكثر تخلفا في السودان .. ) - السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل- الجزء الأول، ص 94. ومنتظراً في نص حاج حمد، تفي بالغرض إذ بنصرته سيتم إجراء تحول حضاري كبير في بنية الدولة، ولو قرأنا أغلب الثورات سنجد هذا البعد، بعد توظيف المخيال لصالح تغيير الواقع، وهل من مخيال مناسب أكثر من الاستناد على حديث المهدي؟ : "حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَهْدِيُّ يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» وَسَمِعْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَذْكُرُ اسْمَ أَبِيهِ من أهل بيت النبي، من ولد فاطمة الزهراء من نسل الحسن أو الحسين. أجلى الجبهة أي منحسر شعر الجبهة أقنى الأنف أي طوله مع انحداب في وسطه ودقة ارنبته. يصلحه الله في ليلة، تملأ الأرض قبل خلافته ظلما وجورا، فيملؤها بعد خلافته قسطا وعدلا، وذلك في آخر الزمان.) والظلم هنا لا يتجه ناحية الأتراك وحدهم بل والمستفيدون من حكم الأتراك، والمفارقة هنا أن المهدي كان من المستفيدين قبل القيام بالدعوة!.
التعايشي المولود في العام 1841م؟ دراما البطولة والطموح..
"في أكثر الأماكن كثافة وسط إحدى غابات جنوب دارفور، وفي مكان يعج بالحيوانات المتوحشة، تسلل فتى وسط الأشجار، كان متسلحاً بحربة في يده وسكين على ذراعه شأن كل الرجال ذلك الزمان. وكانت تلوح على وجهه إمارات حزن عميق ممزوجة بإصرار شديد، ورغم أن ظاهره ينم عن ألم دفين غير أنه كان بادي التحدي والإصرار تجاه الموت والقدر".
هذا نص أدبي أكثر منه وصف وتتبع تاريخي، لا يخفي نص الدكتور أمينة فيفيان ياجي في كتابها (رجال حول المهدي) وهو من دراستها لنيل الدكتوراة والمخصصة لشخصية الخليفة عبد الله ودوره التاريخي، وقد كتبتها بالفرنسية في العام 1989م، وقد ثبتنا النص على طوله لصالح مسألة واحدة، وهي أننا أعجبنا بهذا المدخل الذي يكشف إلى حد كبير إعجاب الكاتبة بالشخصية، بل يرسل إشارات واضحة أننا أمام دراما البطل التاريخي، وطريقة الكتابة الفرنسية مشغولة بهذا البعد، دراما الأنسنة، وبحق يظل الخليفة التعايشي رمزاً للبطولة الصاعدة من أسفل، والقاهرة لكل شروط الواقع الذي يحكمه.
إن لنشأة عبد الله في قبيلة التعايشة (من أكبر فروع قبائل جهينة بدارفور وهي قبيلة حدودية حيث تمتد بنفس التركيبة والعناصر البشرية إلى داخل تشاد وافريقيا الوسطى وهم جهينيون قحطانيون ينسبون بكلمة تعايشة الى جدهم احمد تعيش – راجع في ذلك موقع: الفحل:القبائل والأنساب، 18 ديسمبر 2011م) وفي بيت ديني، إذ هو الابن الثاني للشيخ محمد الذي لقب بتورشين (وتعني الثور القوي العنيف)، قلنا لهذه النشأة الأثر البالغ فيما ستسفر عنه الأيام لاحقاً. تواصل فيفيان: وقد كانت كل عائلته والتي يرجع نسبها إلى الرسول (صلى) من علماء الإسلام أباً عن جد، وفيفيان تعمل على صناعة البطل بإيرادها حقائق نسب البطل، تفعل ذلك لأجل إيجاد المبرر في أفعال البطولة التي من وجهة نظرها لازمت حياة الرجل، ومثل هذه الطريقة دارجة عند كُتاب السير والتراجم للشخصيات الكبرى في التاريخ، فالعجيب أنهم جميعاً لابد أن يكونوا قد تعرضوا لحياة شظف وعنت في طفولتهم الباكرة، وأنهم نشأوا نشأة مختلفة، وتعبر بعض أفعالهم في الطفولة عن نبوغ قادم، وعن بطولة محتملة ومكبوتة لكنها تستعد للإنطلاق، هذا الأمر ليس حكراً على الخليفة بطبيعة الحال، لنواصل مع فيفيان لنفهم النشأة أكثر، كان الرجل يعمل في وظيفة ذات بعد سياسي، إذ أوكل إليه والده محمد مهمة الشئون الخارجية للخلاوى التي يملكها ويعلم فيها القرآن ومبادئ الكتابة، كانت تنحصر مهام عبد الله (البطل لاحقاً في دراما فيفيان) في لقاء الوفود والقيام بالاتصالات إما بالكتابة أو بالمشافهة مع زعماء العشائر والطرق الأخرى، ومع ممثلي الحكومة كذلك، لعل هذه المهام مهدت له بناء شخصيته السياسية، إذ قيامه بلقاء الوفود يتطلب شيء كثير من الحنكة والقدرة على المساومة، وألعاب السياسة في وسط قبلي يمور بالتعصب وتحكمه المصالح المتوحشة، كما أن مقابلاته لممثلي الحكومة بالتأكيد جعله يفهم طريقة عمل السياسة التركية، وكيف تدير البلاد، لعله اختزن كل ذلك في ذاكرته ليعمل بمؤهلاته تلك صانعاً مجده الشخصي، كما أنه فيفيان تشير إلى أمر غاية في الأهمية وهو، أن التعايشي كان يقوم بفض النزاعات والخلافات التي تنشب من آن لآخر بين الحيران (في الخلاوى) والمساجد – رجال حول المهدي – صفحة (10).
إن نشأة كهذا لا شك قومت كثير من مفردات وعي الرجل، إذ مكنته من لعب أدوار سياسية كبرى بمعايير ذلك الوقت، وصقلته وجعلت منه شخصاً قيادياً قادراً على فهم لعبة توازن القوى، وهذه نشأة يهمنا جداً الوقوف عندها، لأنه وإن لم يُذكر تاريخ إيكال هذه المهام له في نص فيفيان، لكنه هذه المؤهلات ساهمت بكثافة لاحقاً في قرارات الرجل حينما صار الحاكم بأمره في عاصمة (الجلابة)، كما أن محيطه الذي تعلم فيه شيئاً من أصول الحكم، بسبب من مهام سياسية نفذها لصالح الحفاظ على استقرار مؤسسة والده، مكنته لاحقاً من صنع خيال سياسي متقدم بمعايير الوقت ذاك، كما سيتبين لنا في علاقته بالمهدي (محمد أحمد حينها) وإن لم تشر فيفيان إلى كيفية تشكل فكرة المهدي في ذهن عبد الله، فهي تعرض قصة ومسببات اللقاء بين الرجلين، لننظر ماذا تقول ثم نواصل، "غير أن حادثة في هذا الوقت أدت إلى تغيير مجرى حياة الخليفة عبد الله وعشيرته تماماً، ونذكر بأن أسلاف الخليفة عبد الله كانوا شيوخاً للطريقة السمانية (والمهدي كان مريداً في سلك هذه الطريقة فهل الأمر صدفة، أم له ما بعده؟!- الكاتب)، وقد عملوا على نشرها في دارفور، وذلك أن الشيخ محمد (والد الخليفة) كان قد تلقى قبل وفاته في أبي ركبة خطاباً من أحد شيوخ الطريقة السمانية في دار جمع، وطلب منه الإذن لزيارته في أبي ركبة، إلا إذا كان الشيخ محمد يفضل أن يشرفه بزيارته في الجزيرة أبا وينزل ضيفاً عليه، غير أن الموت حال دون قيام الشيخ محمد بالرد على طلب محمد أحمد (المهدي لاحقاً) والذي كان مشهوداً له بالورع والزهد في أنحاء الجزيرة، وفي ذات يوم قال يعقوب لأخيه عبد الله: من الأفضل أن تذهب لرؤية هذا الشيخ وأن تعرف ما يريده." فيفيان صفحة (11 – 12).
إذن الصدفة لعبت دوراً في هذا اللقاء الذي لم يغير مجري حياة عبد الله وقبيلته فقط، بل السودان كله، فقد انتهى هذا اللقاء بعد سنوات باعتلاء عبد الله التعايشي سدة الحكم في منطقة (النخبة) ونحن إذ نشير بهذه الصفة -نخبة، لا نمارس تمايزاً عرقياً أو ثقافياً بين مكونات السودان القبلية والعرقية، بل نستخدم مصطلحات تنتمي ولو بشكل خفي لطبيعة التكوينات الاجتماعية في الوقت ذاك، ولا ننسى إشارة يوسف ميخائيل في وصف المهدي والتي تعكس طبيعة النظر من ساكنة الغرب وتصورهم لمن يأتي من البحر، إذ يقول ميخائيل في وصف المهدي: (وكان الشيخ محمد أحمد جميل الصورة، حلو اللسان فصيح في الكلام له جاذبية في الناس. والمعلوم عندنا نحن أهل كوردفان أي إنسان يحضر من البحر كأنه حضر من بيت المقدس الشريف، أو مكة المشرفة، كون لسان أهل البحر، طلق ورطب، وجلدهم أملس) – مذكرات يوسف ميخائيل – التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان (شاهد عيان) – تقديم وتحقيق: الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك- مركز عبد الكريم ميرغني- الطبعة الثانية 2007م- صفحة (42)..
إن هذا النص يكشف هذا التمايز الذي كان من طبائع الحياة الاجتماعية في السودان، إذ يكشف عن فسطاطين، (أولاد البحر – وأولاد العرب) وهذا ما نظنه قد أسس ولو بصورة خفية للثنائية المُهلكة في جسد السياسة السودانية، وهي ثنائية الهامش والمركز، فلو كان التعبير عنها حينها لا يتعدى الوصف والشعور بالاختلاف، إلا أنه ومع حوادث كثيرة لاحقة بات هذا الشعور الهاديء يتململ من كونه اعتراف إلى احساس بالفارق المصنوع بالقوة، والذي جعل كثير ممن حمل السلاح ضد المركز يتحرك من هذه الذاكرة الحرجة، الذاكرة التي تخطت مرحلة الاعجاب بالغريب الحكيم إن صح التعبير إلى محاولة ثنيه للاعتراف بالآخر، فهل كانت المهدية هي اللحظة الأكثر وضوحاً لتجلي عنف الأنا (المركز) ضد الآخر (الهامش)؟!
في المقال القادم نواصل حكاية اللقاء المصيري بين محمد أحمد (المهدي) وعبد الله (خليفته) وباني دولته، ولا نعدم وجود مشابهات لهذا الأمر، فقد كان الخليفة الفاطمي هو الرمز الديني الذي استغل من قبل هامشي آخر هو جوهر الصقلي، أو الصقلبي في بعض المراجع، فهل كان التعايشي هو جوهر السودان؟!
نواصل..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////