شاهدت العديد من المناظرات حول الدين والعلمانية ، وأيضا حالة الاستنفار العلماني العالمي ضد ربط ماهو سياسي بما هو ديني ، في المقابل هناك محاولات مستميتة من رجال الدين سواء المسيحي أو الإسلامي أو اليهودي للدفاع عن شمولية الدين ويحاولون تفنيد الإدعاء بما يترتب على الدين من اقصاء ديني وطائفي ومذهبي ناهيك عن اقصاء التيارات العلمانية الليبرالية واليسارية على حد سواء. 

هذا الجدل له الآن حوالي أكثر من ربع قرن ولم يصل الى نقطة تلاقي مشتركة بين الطرفين ، وذلك ﻵن المنطلقات جد مختلفة ومتباينة ولا يمكن قسمتها الى إثنين. ويبدو أن اللاعبين قد اختاروا الآن اللعب على أرض الواقع ، أي الفعل ورد الفعل ، فنجد ثورة الثلاثين من يونيو في مصر وهزيمة الإسلاميين في تونس وتراجعات أردوغان عن لبس عباءة السلطان العثماني ، والاستنفار الاعلامي المنظم والموجه بدقة وعناية ضد التيارات الدينية ومحاولة توعوية جماهيرية ضد احتماليات وصول التيارات الإسلامية للسلطة نموذجها الأساسي السودان ، باعتباره الدولة التي فشل فيها الإسلام السياسي فشلا ذريعا في إخراج الشعب من أزماته بل وأدخله في أزمات أخرى وانقسامات أعمق . ونتيجة الحضارة الإسلامية المهزومة ثقافيا ، تزايدت الشقة بين التيارات العلمانية واتسع نطاق المنادين بابعاد الدين عن مسرح السياسة وفي المقابل ظهر العنف الديني من اغتيالات وقتل وخلافه ، وصارت نماذج يستهدي بها و يستخدمها العلمانيون للتدليل على ضرورة ابعاد الدين عن الدولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: من سينتصر في هذا الصراع الحامي والدامي ؟ هل أشواق الدينيين لرؤية شمولية الدين منجزة أمام أعينهم ، أم أشواق العلمانيين لوأد أي وجود للدين على الساحة السياسية بل وانحصاره في دور العبادة بقدر ما يمكن؟
والسؤال الأهم هو : لماذا أصبح الدين في حد ذاته إشكالية رغم أنه لم يكن هكذا من قبل منذ الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين وحتى العثمانيين ..الخ؟ لماذا ظهرت هذه المليشيات المسلحة ذات الخلفية الدينية في هذا الوقت بالذات ؟
إنها أسئلة تنتج اسئلة لا إجابات ، وهي بحاجة الى تفكيك وإعادة بناء لتصوراتنا الخاصة والعامة عن موقف البشرية إزاء الدين وحدود تمدد الدين في الخلايا الوجودية للإنسان ؛ حتى لا يأتي اليوم الذي نغني فيه جميعنا مع جون لينون أغنيته الشهيرة "تخيل".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.