القلق الذي يساور اعضاء الملتقى السوداني الاجتماعي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية .. يذكرني دائما ذلك الكائن البشري الذي يمشي بقدميه دون ان يرسم لنفسه معابر للوصول الى غايته ..وكثيرا ما يعتري هذا الكائن هاجسا وتوترا شديدين لعدم ادراكه بأهدافه المنشودة .. وهو في تلك الحالة المزرية من الرعب او الذعر يجيد ارتداء الملابس الشفافة ويزين معصميه بأساور مصنوعة من الخشب ..او الصفيح .. او الحديد المصدي ..ويتفوه بكلمات هي اشبه بصوت النوافذ التي تداعبها الرياح ..مما ينم ان هذا (الملتقى)هو عبارة عن غيوم داكنة تسبح في الفضاء بغية تبديد (الارق)و(السأم)الذي يدب في حنايا الاعضاء الذين لا يودون رؤية القمر او مشاهدته الا من النصف المظلم فقط !!
تلك خواطر ربما اراها ايضا تتناغم مع افكار الكثيرين من المغتربين في جدة والذين سرعان ما اندلقوا من سفح هذا الملتقى ولم يبقى فيه الا القليل من ذوي التراخي الفكري والثقافي .. لا سيما وانهم لم يشتمو فيه يوما عطرا تفوح منه روح التأخي والتعاضد الاسري والتماسك بأيدي المحبة والوداد لطرد حزمة (القلق)التي ترقد في اذهان البعض ..بل وان تلك اللقاءات المسائية التي تحدث لماما لم تعد تحمل في طياتها ادنى ملامح من ملامح الترويح لاسر تعاني من رهق الغربة ..حيث تصدح فيها بعض الحناجر بأغنيات غطى عليها غبار الزمن !!
البراعم من ابناء وبنات هذه العائلات يتوسدون مخدات التوجع لعدم التأقلم مع تلك الاجواء البعيدة عن مقاصد الاطفال من اللهو ..وعدم اكتراث الكبار بتهيئة مثل هذه الطقوس لأن هؤلاء الصغار يحتاجون الى حقول خضراء تمنح لهم فرص اكتشاف المواهب في عالم الرياضة او بعض الفنون مثل التمثيل او الرسم ..ولا غرو ان الكثيرين من هؤلاء البراعم يملكون الكثير من المواهب التي يمكن اكتشافها في مثل اللقاءات ..اضافة الى التحليق بهم في سماء الوطن عبر ندوات ودروس تتلائم مع عقولهم الصغيرة لان الكثيرين منهم وبحكم النشأة في ديار الغربة لا يعرفون عن اية سمة من سمات هذا الوطن وما تملكها هذه الاحضان الدافئة من مقومات اثيرة
الملتقى في مفهوم الكثيرين هو عبارة عن مقهى يضم اشتات من البشر يتجاذبون فيه اطراف الحديث .. ولم يعد مكانا لتكوين علاقات ذات اواصر ووشائج لتنمية روح المحبة بين افراد عائلات قذفت بهم الظروف لمساحات من الاراضي الملبدة بغيوم الضجر ..وليس في ثناياه علاقات تزحف صوب التعامل مع نمط الحياة ذات الابعاد الانسانية لان الاعضاء وبعد هذه اللقاءات المسائية القليلة يغدو كل الى سبيله !!
لقد دلف الكثيرون في فناء هذا الملتقى تحسبا بأنه المكان الملائم لتلاقي العائلات السودانية وامتطاء زورق المحبة والالفة ليتهادى بهم عبر مساحات من المياه العذبة .. لا سيما وان الشعب السوداني ورغم اختلاف السحنات والاعراق والالوان يرقدون على لحاف واحد من العادات والتقاليد والسمات الاصيلة والكرم الفياض والنخوة والشجاعة واللباس القومي المعروف مهما تناثرت بهم المساحات في غرب البلاد وشرقها وشمالها وجنوبها .. الا ان الشعور بالحزن برح يسري في الضلوع حينما برزت في هذا الملتقى شخصيات تفتقر الى الحنكة والكياسة فتمنح الاوامر اعتقادا منها ان اغلاق الباب امام البعض هو بمثابة طرد من (الجنة).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.